معنى باطن القرآن

نوع المستند: المقالة الأصلية

المؤلف

استادیار گروه زبان و ادبیات عربی دانشگاه اصفهان

المستخلص

هذا المقال یبحث عن حقیقة باطن القرآن ومعناه. فالباطن یستخدم فی معانٍ مختلفة نتعرّض لأشهرها مصحوبةً بالشواهد فیما یلی:
الأول: المعنى الباطنی الذی یستخرجه المفسر من سبب الحکم، ثم یقوم بتعمیمه على ما یشابهه، ثم یشفعه بالدلیل. هذا النوع یُستخرج من ظاهر اللفظ ومعناه، فلهذا لم أجد من یخالفه من العلماء.
النوع الثانی: ما یُفهم من لازم المعنى؛ وهذا النوع لا صلة له بظاهر اللفظ، ولکن یقوم علیه دلیل عقلی؛ فلهذا وافق علیه العلماء ولم یتنازعوا فیه.
والنوع الثالث: هو تطبیق الآیة على أحد مصادیقها، وهذا النوع یعرف بالجری.
والرابع: هو إلصاق الآیة ـ إن صحّ التعبیر ـ بمن وبما یهواه المفسّر.
والنوعان الثالث والرابع لا یستندان إلى اللفظ وظواهر الآیات، وکثیراً ما خلط بعض العلماء بینهما. فبیّنت أولاً الفرق بینهما، ثم أثبتُّ بأمثلة متعدّدة من تفاسیر الشیعة والسنة أن ّ النوع الثالث تبنّاه علماء الفریقین قدیماً وحدیثاً، أمّا المخالفون فلا دلیل لهم فی مخالفتهم کما شرحناه مفصّلاً، أمّا النوع الرابع اعتبرناه تلاعباً بکلام الله، مما لا یجوز الأخذ به.
وفی الخاتمة أقول: استشهدت لجمیع البحوث بتفاسیر الفریقین من الشیعة والسنة حتى یجری الکلام على حیادیة ونزاهة.
والقارئ لهذه السطور یرى بوضوح أنی تجنّبت الانحیاز لمذهب على مذهب.
أسأل الله الغفران فیما أخطأت أو أصبت فی فهم کتابه العزیز، وجعل ثواب ما کتبت فی میزان المؤمنین، وجعلنا منهم.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The Inner Meaning of the Holy Quran

المؤلف [English]

  • Hamid Ahmadian
Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Isfahan
المستخلص [English]

The inner self (‘batin’) in the Quran is set in opposition to the outer appearance (‘zaher’). ‘Batin’ may have a variety of interpretations the most well-known of which are intended to be documented in this paper. Different interpretations of ‘batin’ based on different opinions are as follows: 1) Those interpretations arrived at by the researcher's inference from the verdicts; 2) those interpretations extracted from the neighboring and suggestive meanings which have no direct relations to the words themselves and are only arrived at by reasoning; 3) those interpretations gained by comparing different verses in the Quran called ‘jari’; and finally 4) those interpretations gained by relating a verse to other verses the researcher likes the most. The way of interpretations in stages 3 and 4 are not always extracted from the forms and the outer appearances of the verses, thus some interpreters have mixed wrongly the two stages. This paper in particular attempts to demonstrate differences of approach in stages 3 and 4 with rejection of the latter approach.

الكلمات الرئيسية [English]

  • The Holy Quran
  • inner and outer meaning
  • interpretation of the Holy Quran

المقدمة

أرسل الله محمداً والجزیرة العربیة تعجّ بالنعرات الطائفیة والصراعات القبلیة والحروب الجاهلیة، بل الدنیا بأجمعها؛ کما یقول أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب 4 فی وصفها: «کاسفةُ النورِ، ظاهرةُ الغرورِ... ثمرُها الفتنةُ، وطعامُها الجیفةُ، وشِعارُها الخوفُ، ودِثارُها السّیفُ» (نهج البلاغة، 1365هـ ش، ص 122)، حتى شاء الله أن یغیّر مسار الإنسانیة، ویُخرج العالمین من الظلام الداجن، والمستنقع الآسن، ویسمو بهم إلى عالم الروح، ویتّجه بهم إلى الخالق الواحد الأحد الفرد الصمد، فوقعت مشیئته # ـ کما شاء ـ مبتدئاً من الأعراب. فحوّل کلّاً من هؤلاء ـ فی ظلال القرآن وبفضل هدایته ـ إلى مؤمن لا یلوذ بقبیلة إلا الله، ولا ینصر عشیرة إلا الحق، ولا یجیب دعوةً إلا الخیر. فما حدثت تلک النقلة الأخلاقیة والمعرفیة لدى الصحابة إلا بالقرآن الکریم. فهم عرفوا کیف یعیشون مع القرآن، ویتظللون بظلاله، ویحسنون فهمه، ویتفقّهون مقاصده. فهؤلاء أصحاب محمدٍ % ومَن حذا حذوهم، وتبعهم بإحسانٍ، حتى خلف من بعدهم خلْفٌ أضاعوا القرآن، وأساؤوا فهمه، والتعامل معه.

ونحن المسلمین الیوم أتباع ذلک الخلْف التائه، نضرب فی الأرض حیارى بلا دلیل. والعجب أن القرآن ـ کما قال أمیرالمؤمنین 4ـ : «بین أظهُرکم، ناطقٌ لا یَعیا لسانُه، وبیتٌ لا تُهدَمُ أرکانُه، وعزٌّ لا تُهزَمُ أعوانُه» (السابق، ص 191).

وابتعاد الأمة الإسلامیة عن کتاب الله نتیجةٌ ولیس بسبب. فالأسباب کثیرة کادت لا تحصى ولا تنحصر. ومن تلک الأسباب تصعیب القرآن من قِبل البعض بحجج واهیة، بعضها باطل، وبعضها حقّ أرید بها باطل، وبعضها حقّ أرید بها حقّ، ولکن أنتجت باطلاً.

فمن هذه الحجج الواهیة: إنّ القرآن لا یعلمه إلا الله والراسخون فی العلم؛ ومنها: إن القرآن حمّال ذو وجوه؛ ومنها: إن للقرآن بطناً إلى سبعین بطناً.

فکل هذه الأقوال حقّ استنتجوا منها الباطل، حتى جعلوا کتاب الله المبین البیّن التبیان الهادی الفرقان، جعلوه رموزاً وطلاسمَ لا یُفلح بمرادها أحدٌ حتى الأجنّة، وملائکة الله المقربین!

ونعوذ بربِّ القرآن من هذا الفهم السیّء لکتابه! فما أدری ماذا یفعل هؤلاء بقوله تعالى:«وَلَقَدْ یَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّکْرِ * فَهَلْ مِنْ مُدَّکِرٍª (القمر 54: 17)، وبقوله:«فَإِنَّما یَسَّرْناهُ بِلِسانِکَ لَعَلَّهُمْ یَتَذَکَّرونَª (الدخان 44: 58).

فما أنزل الله القرآن وما یسّره إلا لنتدبّر آیاته ونتذکّر؛ فإنه «کِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَیْکَ مُبارَکٌ لِیَدَّبَّروا
آیاتِهِ وَلِیَتَذَکَّرَ أُولُو الْأَلْبابِª (ص 38: 29).

ونحن فی هذا المقال نرید الکشف عن حقیقة، ألا وهی: إنّ للقرآن بطناً، لکنّ هذا لا یُخرجه أن یکون کتاباً کسائر الکتب؛ فهو منزَّل بلغة عربیة شأنها شأن سائر اللغات. فمن عرفها وألمّ بقواعدها، یعرف القرآن. والمعتمَد على هذا ظاهر القرآن وظاهر الألفاظ؛ لأنها هی الحجة علینا وعلى جمیع المسلمین، کما یقول علماء الأصول (المظفّر، 1422هـ، ص 396).

ولیس بین آیات القرآن ـ وهی بضع (کذا، والصحیح: بضعة) آلاف آیة ـ آیة واحدة ذات إغلاق وتعقید فی مفهومها، بحیث یتحیر الذهن فی فهم معناها، وکیف؟! وهو أفصح الکلام، ومن شرط الفصاحة خلوّ الکلام عن الإغلاق والتعقید، حتى أن الآیات المعدودة من متشابه القرآن ـ کالآیات المنسوخة وغیرها ـ فی غایة الوضوح من جهة المفهوم، وإنّما التشابه فی المراد منها، وهو ظاهر (الطباطبائی،آ 1421هـ، ص 9).

وهذا الوضوح لا یخالف کون القرآن له بطن أو باطن، بل من أهداف التدبر فی القرآن کشف هذه المعانی الباطنیة، کما سیأتی بیانه مفصلاً مستعیناً بالله العلى العظیم.

 

حدیث البطن

 نقل الرواة حدیثاً عن رسول الله %: «إنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن».

ویمکن أن یدرسَ هذا الحدیث من جوانب مختلفة؛ منها:

1-صحة نسبة هذا الحدیث إلى رسول الله أم عدم صحته؛

2-معنى الباطن فی هذا الحدیث؛

3-هل المعانی الباطنیة تستخرج من الألفاظ ومدلولاتها أم هى معان لا تحیط بها الألفاظ؟

4-مدى صحة ما نقل عن الأئمة 7فی التفسیر الباطنی.

ولا یستوعب هذا المقال دراسة جمیع ما ذُکر، بل ما نستهدفه نحن هنا ـ کما أسلفنا ـ هو معنى الباطن للقرآن الکریم. أمّا صحة نسبة هذا الحدیث، فلا یجوز فیها النقاش بعد ما ثبتت صحته عند أکثر علماء السنة، وجمیع علماء الشیعة، بل کاد المعاصرون من الفریقین یُجمعون على صحته. على سبیل المثال، إنّ الذهبی على الرغم من مخالفته لتفاسیر الشیعة الباطنیة ـ على ما یعتقد ـ لایناقش فی صحة هذا الحدیث، بل یُثبته ویُقره حیث یقول:

یقول الإمامیة الاثنا عشری: إنّ القرآن له ظاهر وباطن. وهو حقیقة نقرّهم علیها، ولا نعارضهم فیها بعد ما صحّ لدینا من الأحادیث التى تقرّر هذا المبدإ فی التفسیر. غایة الأمر أن هؤلاء الإمامیة لم یقفوا عند هذا الحد، بل تجاوزوا إلى القول بأنّ للقرآن سبعة وسبعین بطناً، ولم یقتصروا على ذلک، بل تمادَوا، وادّعَوا أن الله تعالى جعل ظاهر القرآن فی الدعوة إلى التوحید والنبوة والرسالة، وجعل باطنه فی الدعوة إلى الإمامة والولایة وما یتعلّق بهما (الذهبی، 1425هـ، ص 21).

إذن، لا یخالف الذهبی وجود الباطن للقرآن، بل ما خالفه هو نوعیة الفهم الباطنی.

ومثله محمد جمال الدین القاسمى ـ من مفسری السنة المعاصرین ـ فإنه لم یناقش فی صحة الحدیث کثیراً، بل أخذ یرکّز على معنى الباطن فیه، فقال باختصار:«وما استُدل به إنّما غایته ـ إذا صحّ سنده ـ أن ینتظم فی سلک المراسیل. وإذا تقرّر هذا، فلیرجع إلى بیانهما على التفسیر المذکور بحول الله» (القاسمی، 1415هـ، ص 42).

 ومراده من التفسیر المذکور، ما ذکره من المعانی الباطنیة لبعض الآیات فی الصفحات الماضیة من تفسیره، اعترافاً منه لوجود الباطن فی القرآن.

 

ما هو المراد من باطن القرآن؟

 من تصفّح کتب العلماء والمفسّرین، یرى أنهم استخدموا الباطن فی معان مختلفة، ولهم فی استخراجه طرق متعدّدة، وإن لم تأت مبوّبة على نحو ما فصّلناها، وبوّبناها فی هذا المقال.

فنذکر هنا أشهَرَها، ثم نناقش آراء العلماء فی هذه المناهج فی استخراج الباطن، ونحاول أن نُکثر من الأمثلة فی کلّ منها حتى لاتکون مجرد تعاریف مبهمة لایُعرف المراد منها:

النوع الأول: فهم الباطن من سبب الحکم وعلته

من معانی الباطن المشهورة بین المفسرین استخراج معانٍ متعددّة من الآیة، کلٌّ منها أکثر عمقاً من الأول، وهذه المعانی تفهم إذا فُهم سبب الحکم وعلته. والمفسّر یعمّم الحکم على الأمور المشابهة له مشفوعةً بالدلیل، وألفاظ الآیة ومدالیلها لا تخالف هذا الفهم الباطنی، بل توافقه وتساعد على استخراجه. وهذه المعانی الباطنیة بعضها أعمق من بعض. فکلما أمعن المفسر النظر فی الآیات، استخرج معانی باطنیةً أعمق وأدقّ؛ ونذکر لهذا النوع أربعة أمثلة:

المثال الأول: قال العلاّمة الطباطبائی . فی تفسیره للآیة الکریمة: «وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِکوا بهِ شَیْئاًª (النساء 4: 36):

الظاهر أنّ المراد من هذا الکلام النهی من عبادة الأصنام المتداولة بین العرب، ولکن بالتدبر والتحلیل نعرف أنّ عبادة الأصنام حُرّمت ومُنعت لأنّها خضوع لغیر الله، ولم یختص هذا بعبادة الأصنام؛ کما اعتبر ـ سبحانه ـ إطاعة الشیطان عبادةً، فقال: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَیْکُمْ یا بَنى آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّیْطانَª (یس 36: 60)؛  وبتحلیل آخر، نعرف أنّه لا فرق بین إطاعة الإنسان لنفسه أو لغیره، فکما لا یجوز لإنسانٍ إطاعة الغیر، کذلک لا یجوز له أن یطیع ویتّبع هوى نفسه؛ کما قال: «أَفَرَأَیْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُª (الجاثیة 45: 23). وبتحلیل أدقّ، نعرف أنّه لا یجوز الغفلة من الله، والالتفات لغیره؛ لأن الالتفات لغیر الله یعتبر خضوعاً لذلک الغیر.

ومثل هذا الخضوع هو روح العبادة؛ کما یقول سبحانه: «وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ کَثیراً مِنَ الْجنِّ وَالْإِنْسِ... ªإلى أن قال:«أُولئِکَ هُمُ الْغافِلونَª (الأعراف 7: 179).

فهذا التدرّج فی فهم المعانی ـ أی: ظهور المعنى البدائی للآیة، ثم ظهور معنى أوسع منه، ثمّ ظهور معنًى تحت هذا المعنى ـ جارٍ فی جمیع آیات القرآن، وهذا معنى الحدیث المأثور عن الرسول %: «إنّ للقرآن ظهراً وبطناً...(الطباطبائی، آ 1421هـ، ص 27ـ 28).

فالعلاّمة الطباطبائی F عندما عرف أنّ سبب النهی عن عبادة الأصنام هو الخضوع لغیر الله، وهذا الخضوع موجودٌ فی إطاعة الشیطان، وفی إطاعة الآخرین، وفی إطاعة النفس، عمّم هذا الحکم علیها، ثم توصّل إلى هذه المعانی الباطنیة.

المثال الثانی: سُئل الإمام الباقر 4 عن معنى قوله تعالى: «وَمَنْ أَحْیاها فَکَأَنَّما أَحْیَا النّاسَ جَمیعاًª (المائدة 5: 32)، قال 4: «]من أحیاها (أی: أحیا النفس)[ مِن حَرقٍ أوغرقٍ». قال السائل: «أوَ لیس المعنى: مَن أخرجها مِن ضلال إلى هدًی؟» فقال الإمام الباقر 4: «ذاک تأویلها الأعظم» (المجلسی، ب 1983م، ص 403).

وهذا التأویل الباطنی مرجعه سبب الحکم وعلته. فإذا خلّص الانسان نفساً من الموت، فکأنه أحیا الناس جمیعاً، فکذلک من یهدی نفساً، ویخرجها من الضلال إلى الظلمات، ویخلّصها من نار جهنم، فکأنه أحیاها.

وهذه القاعدة العامة ممکن أن نطبّقها على کل أمر ینتهی إلى إحیاء النفوس. على سبیل المثال، إذا علّمنا إنساناً کیف یستخدم السلاح للدفاع عن نفسه أمام عدو قاتل، فکأنما أحییناه؛ وهذا الفهم نوع من أنواع الفهم الباطنی للآیة.

المثال الثالث: قال القاسمی فی تفسیره للآیة الکریمة ـ نقلاً عن الشاطبی ـ:«فَاقْتُلُوا الْمُشْرِکینَ حَیْثُ وَجَدْتُموهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ کُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّکاةَ فَخَلّوا سَبیلَهُمْ إِنَّّ اللهَ غَفورٌ رَحیمٌª (التوبة 9: 5):

إنّ المنافق لا یعرف من هذه الآیة إلا الظاهر، فیقیم الصلاة، ویؤتی الزکاة لیحفظ مالَه، ولیُخلّیَ عن سبیله، ولکن المسلم المؤمن یعرف أن السبب والعّلة من تشریع العبادات وإقامة الصلاة وإیتاء الزکاة هو الشکر على نِعم الله؛ کما قال سبحانه: «وَجَعَلَ لَکُمُ السَّمْعَوَالْأبْصارَ وَالْأفْئِدَةَ لَعَلَّکُمْتَشْکُرونَª(النحل 14: 78)، فیقیم المؤمن الصلاة خضوعاً لله، وشکراً لما أنعم الله به علیه؛ لأنّه عرف باطن کلام الله. أمّا المنافق، فیقیم الصلاة للحصول على حطام الدنیا؛ لأنّه توقف على الظواهر، ولم یعرف سبب الحکم، ومن ثمّ لم یدرک الباطن من معنى الآیة الکریمة (القاسمی، 1415هـ، ص 46).

المثال الرابع: عندما نزلت الآیة الکریمة:«مَنْ ذَا الَّذی یُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَیُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً کَثیرةًª (البقرة 2: 245)، قالت الیهود ـ آخذین بالظاهر ـ : إنّ الله فقیرٌ؛ لأنه استقرضنا، لکنّ مؤمناً یُدعى أبا الدرداح، عندما سمع الآیة ترک حدیقة له فیها ستّمئة نخلة للفقراء وقال: «أقرضتُ ربّى هذه الحدیقةَ». فالیهود فهمت الظاهر، لکنّ أبا الدرداح فهم الباطن المرادَ من الآیة؛ لأنه عرف السبب فی هذا الحکم، کما عرف أن الله غنی ونحن الفقراء (القاسمی، 1415هـ، ص45 ـ 46).

یُذکر أننا فی المثال الرابع نقلنا معنى ومفهوم ما نقله القاسمی، ولم ننقل النص بعینه.

 

النتائج:

1-هذا النوع من الفهم الباطنی یستند إلى اللفظ ومدالیل الآیات مشفوعاً بالدلیل؛

2-اتفق علیه الشیعة والسنة؛

3-هذا الفهم جارٍ فی جمیع الآیات، المحکمات منها والمتشابهات، وما نستثنی آیة إلا حروف المقطعة فی أوائل السور؛

4-أظن أن قول النبی: «إنّ للقرآن ظهراً وبطناً» ینطبق على هذا النوع من الباطن أکثر من غیره؛

5-کل مفسّر عرف أصول التفسیر یجوز له استخراج هذه المعانی الباطنیة. إذن لاینحصر فهمه بفئةٍ دون فئة.

 

رأی علماء الفریقین فیه:

بما أنّ هذا التفسیر لا یخالف ظواهر الآیات، ویستند على آیات أخر، ویکون معتمداً على الدلیل، فما رأیت من العلماء من یخالفه، بل حتى المتشدّدین من أهل السنة أقرّوه.

على سبیل المثال، الدکتور فهد على الرغم من تشدّده على التفسیر الباطنی، قال بعد ما ذکر المعانی الباطنیة التی ذکرها العلاّمة الطباطبائی لقوله تعالى:«وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِکُوا بهِ شَیْئاًª (النساء 4: 36) قال:

«هذا الذی ذکره الطباطبائی هنا مثالاً للتفسیر الباطنی، تجده یستند إلى آیات أخرى فی بیان الآیة الأولى، إضافةً إلى هذا؛ فإن هذا التفسیر تربطه بالآیة روابط قویة من حیث المعنى فی الآیات جمیعاً، ومن حیث العموم والخصوص» (فهد بن عبدالرحمن،1423هـ، ص220).

 

النوع الثانی: فهم الباطن من لازم الآیة

من الباطن ما یستخرج من لازم الآیات غیر مستند على الظاهر، ولا مأخوذ من مدالیلها، بل یعرف المعنى الباطنی من لازم الآیة؛ وعلیک بالأمثلة لیستبین المراد:

المثال الأول: قال مقاتل: لَمّا نزلت «إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ... ª(النصر 110: 1ـ5)، قرأها النبی % على أصحابه. ففرحوا واستبشروا، وسمعها العباس فبکى. فقال النبی%: «ما یُبکیک یا عمِّ؟» فقال: «أظنّ أنه قد نعیت إلیک نفسک یا رسول الله». فقال: «إنه لَکَما تقول» (الطبرسی، 1406هـ، ص 844).

فکیف عرف العباس هذا المعنى الباطنی ولیس فی ظاهر الآیة ما یدلّ على نهایة عمر الرسول؟ دخول الناس فی دین الله أفواجاً، وطلب الاستغفار الکثیر من النبی % دلیل على أنّه حان وقت الرحیل .

المثال الثانی: عندما نزل قوله تعالى: «اَلْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دینَکُمْª (المائدة 5:5)، فرح الصحابة وبکى عمر، وقال: ما بعد الکمال إلا النقصان؛ وعرف أنّه نهایة عمر الرسول % (القاسمی،1415، ص 43).

 کیف عرف عمر هذا المعنى الباطنی؟ انتقل من ملزومها إلى لازمها؛ لأنّه کما قال: ما بعد الکمال إلا النقصان.

 

النتائج:

1-هذا الباطن لایستخرج من الألفاظ ومدالیلها، ولا یدل علیه ظاهرها، بل هو من لازم الألفاظ، ویُفهم بحکم العقل أو العادة؛ کما یقول قائلٌ: إن الیوم باردٌ تتساقط فیه الثلوج، فیفهم الآخر أنّ الشوارع الیوم غیر مزدحمة. فهذا الفهم غیر مستند إلى اللفظ، بل هو من لازمه؛

2-لم أر من العلماء مَن تطرّق إلى ردّ هذا النوع، وأمثلة الفریقین تدلّ على الموافقة.

وبعد کتابتی لهذه السطور عثرت على نظریة للعلاّمة الآخوند الخراسانی نقلها محمد الحسینی فی تحلیله لآراء السید محمدحسین فضل الله التفسیریة تدل على أن الآخوند . اعتبر هذا النوع قسماً من التفسیر الباطنی فقال: «أن یکون البطن من لوازم المعنى المستعمل فیه اللفظُ، فلا یکون مستعملاً فیها، وإن کان یدل علیها بالدلالة الالتزامیة؛ نظیر کون مجیء زید ملازماً عادة لنزول البرکات» (الحسینى، 1425هـ، ص81).

 نقل الحسینى نظریة الآخوند مجردّة من المثال، وما أدری هل ذکر الآخوند مثالاً لهذا النوع أم لا، ولکن الأمثلة التی ذکرناها تدل على المراد.

 

النوع الثالث: ذکر مصادیق الآیة (الجری)

 قبل بیان معنى الجری، علینا ان نعرف المراد من شأن النزول: فالمراد من شأن النزول الظروف والملابسات التی استدعت نزول آیة أو آیات أوسورة. على سبیل المثال، عندما نام على بن ابى طالب 4 فی فراش رسول الله % فی لیلة المبیت، نزلت هذه الآیة الکریمة بهذه المناسبة (بناءً على إحدى الروایات): «وَمِنَ النّاسِ مَنْ یَشْری نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِª (البقرة 2: 207).

 فهذا شأن النزول، ولکنّ الآیة قابلة للانطباق على کل من یشری نفسه لله، ومن الممکن أن نطبّقها على کل مؤمن فی زماننا، فهذا التطبیق یسمّى بالجری. ویعتقد المفسرون أنّه لا یجوز حصر الآیة بما وبمن نزلت؛ لأنّه فی هذه الحالة تموت الآیة بموت من نزلت به، وتذهب مع ذَهاب تلک المناسبة التی نزلت بها الآیة، والقرآن الکریم حی لایموت، بل یجری مع الزمن، فلهذا یجب أن نبحث عن مصادیق جدیدة لآیات القرآن، کما فعل مَن کان قبلنا وسیفعل من یأتى بعدنا.

إذن، الجری لغةً بمعنى الجریان؛ کما تقول: جَرَى الماءُ جَرْیاً وجریاناً، وفی الاصطلاح بمعنى تطبیق الآیة على مصادیق جدیدة، وهذا معنى قول العلماء: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».

أمثلة هذا النوع کثیرة نذکر بعضها:

1-«اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقیمَª (الفاتحة 1: 6)؛ المراد من الصراط المستقیم أمیرالمؤمنین على بن أبی طالب 4 (العیاشی، 1380هـ، ص 24).

2-«وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذینَ قُتِلوا فی سَبیلِ اللهِ أمْواتاً بَلْ أحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقونَª (آل عمران 3: 169): هم شیعتنا (الطباطبائی نقلاًعن العیاشی ،  ب 1421هـ، ص 71).

3-«وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَیْکُمْ وَرَحْمَتُهُª (النساء 4: 83)؛ فضل الله: رسولُه، ورحمته: ولایة الأئمة 7(العیاشی، 1380هـ، ص 260).

4-«یا أیُّهَا الَّذینَ آمَنوا اتَّقُوا اللهَ وَکونُوا مَعَ الصَّادِقینَª (الأنفال 8: 119)؛ الصادقون: هم الأئمة الصّدّیقون7 (البحرانی، ب 1417هـ، ص 864).

5-«ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ یَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعیمِª (التکاثر 102: 8)؛ النعیم: ولایة علی بن أبی طالب وأهل البیت 7 (البحرانی، آ 1417هـ، ص 746).

6-«کُلُّ نَفْسٍ بما کَسَبَتْ رَهینَةٌ * إلّا أصْحابَ الْیَمینِª (المدّثّر 74: 38 -39)؛ أصحاب الیمین: نحن وشیعتنا (الحسکانی، 1393هـ، ص 293).

فیمکن تطبیق مثل هذه الآیات المتعددة المصادیق على أحد مصادیقها، أو على أشهرها ـ على حسب اعتقاد المفسر ـ . فالصادقین مثلاً مصادیقهم متعددة ربّما تبلغ المئات والآلاف، ولکن المفسّر یختار مصداقاً أو مصادیق منها على سبیل التطبیق والجری. ومن الممکن أن نختار نحن الیوم مصادیق أخرى من الصادقین من حیاتنا المعاصرة، ونطبّق الآیة علیهم.

وکذلک تأویل النعیم بولایة علی وأهل البیت 7. فالنعیم مصادیقة متعدّدة؛ لأن کل نعمة مادیة أو معنویة فهی من النعیم، وحبّ أهل البیت وولایتهم من النعم التی یتفاخر بها المسلمون إلى یومنا هذا، فهى أحد مصادیق الآیة.

ومثل هذا التطبیق یوجد فی تفاسیر أهل السنة أیضاً، ولکن على قّلة عکس ما فی تفاسیر الشیعة. على سبیل المثال:

1-قال الطبری فی تفسیر «اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقیمَª (الفاتحة 1: 6):

حدّثنا عبدالله بن کثیر أبوصدیف الآملی، قال: حدثنا هاشم بن القاسم: قال: حدثنا حمزة أبو المغیرة عن عاصم، عن أبی العالیة فی قوله: «اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقیمَª قال: «هو رسول الله ـ صلّى الله علیه وسلم ـ وصاحباه من بعده: أبوبکر وعمر». قال: «فذکرت ذلک للحسن»، فقال: «صدق أبوالعالیة ونصح» (الطبری، آ 1408هـ، ص 75).

2-إنَّ عمر رأى فی ید جابر بن عبدالله درهماً، فقال: «ما هذا الدرهم؟» قال: «أرید أن أشتری به لأهلی لحماً». فقال عمر: «أکلّما اشتهیتم شیئاً اشتریتموه؟ أین تذهب عنکم هذه الآیة: «أذْهَبْتُمْ طَیِّباتِکُمْ فی حَیاتِکُمُ الدُّنْیاª؟!» (الأحقاف 46: 20) (الألوسی،1405هـ، ج26، ص23).

قال القاسمی فی تفسیره تعلیقاً على هذا التطبیق:

إنّ الآیة وإن نزلت فی أهل الأصنام، فإن لأهل الإسلام فیها نظراً بالنسبة إلیهم. ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لبعض مَن توسّع فی الدنیا من أهل الإیمان: أین تذهب بکم هذه الآیةُ: «أذْهَبْتُمْ طَیِّباتِکُمْ فی حَیاتِکُمُ الدُّنْیاª؟! (الأحقاف 46: 20)، وکان هو یعتبر نفسه بها، وإنّما أنزلت فی الکفار لقوله:«وَیَوْمَ یُعْرَضُ الَّذینَ کَفَروا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ...ª (السابق) (القاسمی، 1415هـ، ص 53).

 فهذه الآیة نزلت فی الکافرین، ولکن عمر طبّقها على نفسه وعلى بعض المسلمین عندما رأى انکبابهم على الدنیا وتعلّقهم بها، ولأنهم أصبحوا من مصادیقها؛ وهذا معنى الجری.

قال الطبری (ب 1408هـ) فی تفسیره لقوله تعالى: «یا أیُّهَا الَّذینَ آمَنوا لا تَخُونُوا اللهَ وَتَخُونوا أنْفُسَکُمْª (الأنفال 8: 28): «إنها نزلت فی قتل عثمان» (ص222).

 هذا التفسیر أحد الاحتمالات التی ذکرها الطبری للآیة الکریمة، والطبری یعرف أن الآیة نزلت قبل قتل عثمان الواقع بعد انقطاع الوحی بسنوات. إذن ما نقله لیس من التفسیر أو شأن النزول فی شیء، بل هو من التطبیق؛ فاعتبر الطبری قتل عثمان أحد مصادیق الخیانة.

 

النتائج:

1-هذا النوع غیر مستخرج من الألفاظ ومدالیلها؛

2-یوجد فی تفاسیر الشیعة والسنة؛

3-أمّا رأی علماء الفریقین فیه، فسوف أقدّمه بعد تبیین النوع الرابع من معانی الباطن.

 

النوع الرابع: التفسیر الباطنی الموضوع

 هذا النوع الرابع من التفسیر الباطنی الذی وضعه الکذّابون، ونسبوه إلى الأئمة الأطهار 7ظلماً وزوراً، أکثره یتنافى مع أصول الشریعة وحقیقة القرآن. وأکثر هذه التفاسیر وربّما کلُّها وصلتنا عن طریق روایات ضعیفة موهونة لا اعتبار لها؛ کما یعتقد بعض العلماء. فیقول الأستاذ المحقّق الشیخ محمد هادی معرفة P فی بیان هذه الحقیقة:

من المؤسف جدّاً أن نجد کَثرة الوضع فی التفاسیر المنسوبة إلى السلف الصالح، ولاسیّما أئمة أهل البیت 7، حیث وجد الکذابون من رفیع جاه آل الرسول بین الأمّة ومواضع قبولهم من الخاصة والعامّة أرضاً خصباً استثمروها لترویج أباطیلهم، وتنفیق بضائعهم المزجاة. فصاروا یضعون الأحادیث، ویختلقون لها أسانید، یرتفعون بها إلى السلف والأئمة المرضیّین، کی تحظـى بالقبول والتسلیم. وفی أکثر هذه المفتریات ما یتنافى وقدسیةَ الإسلام، وتتعارض مع مبانیه الحکیمة، فضلاً عن منافرتها لدى الطبع السلیم والعقل الرشید. ولحسن الحظّ أن غالبیة أسانید هذه الروایات المفتعلة، أصبحت مقطوعة أو موهونة برجالٍ ضعاف، أو مشهورین بالوضع والاختلاق (معرفة، 1425هـ ، ص 444).

نذکر هنا نماذج لهذا النوع من التفسیر، ثم نذکر رأی العلماء فیه وفی الکتب التفسیریة التی جمعت هذه الروایات:

1-«وَالْفَجْرِ * وَلَیالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّیْلِ إِذا یَسْرِª (الفجر 89: 1ـ4)؛ الفجر: هو القائم 4، ولیالٍ عشر: الأئمة 7من الحسن إلى الحسن، والشفع: أمیرالمؤمنین وفاطمة 6 (البحرانی، آ 1417 هـ، ص 650).

2-«وَالسَّماءِ وَالطّارِقِª (الطارق 86: 1)؛ السماء هو أمیر المؤمنین 4 (البحرانی، آ 1417 هـ، ص 630).

3-«فَلا أُقْسِمُ بالْخُنَّسِª (التکویر 81: 15)؛ الخنّس: إمام یخنِس فی زمانه ... ثم یبدو کالشهاب الثاقب (البحرانی، آ 1417 هـ، ص 595).

4-«عَمَّ یَتَساءَلونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظیمِª (النبأ 78: 1)؛ قال: النبأ العظیم: الولایة (البحرانی، آ 1417 هـ، ص 564).

هذه أمثلة من التفسیر الباطنی المصنوع الذی نسبه الکذّابون إلى الأئمة الأطهار 7، وأخذ العلماء المعاصرون من الشیعة یردون على مثل هذه التفاسیر الباطنیة التی تتلاعب بالقرآن وتبعده عن مقاصده النبیلة. فمن هؤلاء العلماء الدکتور محمدکاظم شاکر. فأفاد الدکتور مفصّلاً فی نقده لهذا النوع من التفسیر الباطنی، وانتبه لفساد أکثر هذه الروایات التی اعتمد علیها هذا النوع، وأخذ یدرس نصوصها وأسانیدها؛ فوجد أکثرها فاسدة، إمّا نصاً، أو سنداً، أو نصاً وسنداً معاً؛ ومن شاء، فلیراجع کتابه روش‌هاى تأویل قرآن (مناهج تأویل القرآن).

ونلخّص ما قاله فی أسطر:

 یبدو لی أنّ بعضهم تعمّد فی مثل هذه التفاسیر لهدم أصول الشریعة، فلهذا فسّروا آیات القیامة والآخرة والحشر والنشر والبعث بأحد الأئمة؛ کما قالوا فی «وَالْآخِرَةُ خَیْرٌ وَأبْقىª (الأعلى 87: 17) المراد من الآخرة الإمام علی 4. راوی هذا الحدیث المفضّل بن عمر، وهو من الغلاة، وفی سندها محمد بن سنان ومعلّى بن محمد والاثنان من الضعفاء، والأول من الغلاة.

کما قالوا فی تفسیر الأمر بالمعروف والنهى عن المنکر، المراد من المعروف الإمام علی 4، والمراد من المنکر الشیخان اللذان ظلماه. وفی سند هذا الحدیث محمد بن عامر وهو مهمل.

أمّا نصوص هذه الروایات ومضامینها، فلا تثبت للنقد، ولا یخفى ما فیها من ضعف وابتعاد عن روح الشریعة، بل فیها إساءات لأهل البیت<؛ کما رأینا فی تفسیرهم لــ«ناراً تَلَظّىª (اللیل 92: 14) أن المراد منها قائم آل محمد D. ثم یقول الراوی: سوف یقتل من کل ألف 999 شخصاً. فکیف یقتل الإمام هؤلاء، وهو رحمة للعالمین؟! وإذا افترضنا أنّ سکانَ العالم عند ظهور الإمام 4 عشرة ملیارات، فلم یبق منهم إلا عشرة ملایین، وأمّا الآخرون، فسوف ینحرهم قائم آل محمد!! (شاکر، 1424هـ، ص 178ـ180).

 هذا موجز ما قاله الدکتور فی نقده لهذه الروایات، ومن شاء کلامه مفصّلاً، فلیراجع ص 169 وما بعدها.

وکذلک الشیخ الأستاذ معرفة … یقول: فُسّرت کلمات بأشیاءَ أو بأشخاص لا مناسبةَ بینهما. ثم ذکر الأمثلة التالیة:

1-«إِنَّ اللهَ لا یَسْتَحْیى أنْ یَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعوضَةً فَما فَوْقَهاª (البقرة 2: 26)؛ البعوضة أمیرالمؤمنین 4 (القمی، آ 1404هـ، ص 35).

2-«بَلْ کَذَّبوا بِالسّاعَةِª (الفرقان 25: 11)؛ أی: بعلی 4 (القمی، ب 1404هـ، ص112).

3-«رَبُّ الْمَشْرِقَیْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَیْنِª (الرحمن 55: 17)؛ المشرقین رسول الله % وعلی 4، والمغربین الحسن والحسین 6 (القمی، ب 1404هـ، ص344).

4-«مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ یَلْتَقِیانِ بَیْنَهُما بَرْزَخٌ لا یَبْغِیانِª (الرحمن 55: 31)؛ البحرین علی وفاطمة 6والبرزخ رسول الله % (القمی، ب 1404هـ، ص 344).

5-«سَنُفْرِغُ لَکُمْ أیُّهَا الثَّقَلانِ‌‌‌ª (الرحمن 55: 31)؛ الثقلان: العترة والکتاب (القمی، ب 1404هـ، ص 345).

(معرفة، 1425هـ، ص 445)

 والحق أن هذا النوع من التفسیر الباطنی لا مناسبة بینه وبین آیات القرآن، کما قال الشیخ معرفة F، ویجب الابتعاد عنه، وتنـزیه کتاب الله الکریم منه، وتطهیر ساحة الأئمة المقدسة من هذه التفاسیر المکذوبة. فأهل البیت الأطهار 7أعرف الناس بکتاب الله، فلا یحمّلون الوحی الذی نزل على جدّهم مثل هذه التفاسیر الضعیفة.

فمثل هذه التفاسیر تلاعبٌ بألفاظ القرآن، وابتعاد عن مقاصد الآیات. وما أدری هؤلاء الغلاة ماذا أرادوا بتطبیقهم ألفاظ القرآن على الأئمة الأطهار؟ هل أرادوا أن یزیدوهم شرفاً بقولهم: إنّ المراد من الْبَحْرَیْنِ مثلاً أمیرالمؤمنین وفاطمة 6، والمراد من اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجانِ الإمام الحسن والحسین 6؟ أنا أعتقد ـ ولا أظنّ مسلماً یخالفنی فی اعتقادی هذا ـ أنّ أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب والسیدة فاطمة والحسن والحسین 7أشرف وأعظم مِن السماء والأرض.  وما أجمل قولَ الألوسی ـ مفسر أهل السنة ـ فی هذا المعنى:

ومن غریب التفسیر ما أخرجه ابن مردویه عن ابن عباس قال: مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ یَلْتَقیانِ: علی وفاطمة... وَبَیْنَهُما بَرْزَخٌ لا یَبْغِیانِ: النبی. یَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانِ: الحسن والحسین *، والذی أراه أنّ هذا إن صحّ، لیس من التفسیر فی شیء، بل هو تأویل کتأویل المتصوفة لکثیر من الآیات. وکلٌّ من علی وفاطمة  * عندی أعظم من البحر المحیط علماً وفضلاً، وکذا کلٌّ من الحسنین * أبهى وأبهج من اللؤلؤ والمرجان بمراتبَ جاوزتْ حدّ الحُسبان (الألوسی، 1405هـ، ص 107).

 بناءً على هذا، إنّ التفاسیر الروائیة الموجودة التی حوت هذه الروایات الضعیفة، لا یجوز الاعتماد على أکثرها، ولهذا أفاد شیخنا الکبیر الأستاذ معرفة . حیث یقول:

إن الجوامع الحدیثیة التی حوت على أمثال هکذا تفاسیر مأثورة نقلاً عن الأئمة، لم تکد تصحّ منها إلا القلیل النادر. فمثل تفسیر العیاشی حذفت أسانیده، وأسقط عن الحجیة والاعتبار.

والتفسیر المنسوب إلى الإمام العسکری 4 ، فزعموا أنّه من إملاء الإمام الحسن بن علی العسکری على أبی یعقوب یوسف بن محمد بن زیاد وأبی الحسن علی بن سیّار، والراوى عنهما أبو الحسن محمد بن القاسم الخطیب غیر أن الشخصین الأولین مجهولان، والراوی عنهما أیضاً مجهول. فهنا ثلاثةُ مجاهیلَ حفّوا بهذا التفسیر المبتور.

وکذلک تفسیر البرهان للسید هاشم البحرانی، ونور الثقلین لعبد علی بن جمعة الحویزی، فجمعا المأثور من أحادیث أهل البیت الواردة فی التفسیر، غیر أن هذه الروایات مما لا یوزن بالاعتبار، حیث ضعف إسنادها، أو إرسالها، أو مخالفة مضامینها مع أصول العقیدة، أو مبانی الشریعة، فضلاً عن مخالفة العلم أو العقل الرشید، الأمر الذی یوهن صدور مثلها عن أئمة أهل البیت 7؛ إذ یجب تنـزیه ساحتهم عن صدور مثل هذه الأخبار الضِّعاف (معرفة، 1425هـ، ص 446ـ447).

هذا موجز مما قاله الشیخ الأستاذ، ومن أراد کلامه مفصلاً، فلیراجع المجلد الأول، ص 444 إلى 451.

 

موقف الأئمة من الوضّاعین

کاد لایشک العلماء بأنّ هذه الروایات الضعیفة مِن وضع الغلاة الذین لا یمتّون إلى الشیعة الاثنی عشری بصلة أبداً، بل لاینتمون إلى الإسلام؛ فلهذا وقف الشیعة وأئمتهم 7من الغلاة قدیماً وحدیثاً موقفَ المحارب.

ولیس من الممکن أن نؤرّخ للغلاة وعقائدهم، وموقف الأئمة منهم بتفصیل؛ لأن هذا البحث یُطلب فی موضعه، ولکن نرید هنا أن نبیّن باختصار موقف الأئمة 7وشیعتهم الاثنی عشری منهم، حتى لاینسبهم أحدٌ إلى الشیعة ظلماً وزوراً، ولایحسبَهم علینا.

کتب علماء الشیعة ردوداً قاطعة على الغلاة، حتى عدّ صاحب الذریعة خمسة عشر کتاباً من تلک الکتب؛ منها:

1-الرد على الغالیة وأبی الخطاب، تألیف أبی إسحاق الکاتب؛

2-الرد على الغالیة، تألیف الحسن بن علی بن فضال الکوفی؛

3-الرد على الغالیة، تألیف الفضل بن شاذان؛

4-الرد على الغلاة لأبی الحسین العقرانی؛

5 -الرد على الغلاة لأبی سهل إسماعیل بن علی؛

6 -الرد على الغلاة لأبی محمد الحسن بن موسى النوبختی (الطهرانی،1956م، ص 211 ـ 214).

 هذا ما عدا کتبَ الشیعة التی ذکرت الغلاة فی فصول لها وردّ علیهم.

وأمّا العلماء المعاصرون، فلهم آثار عدیدة قد استوفوا فیها الغلاة، وعقائدهم وتاریخهم، وموقف الأئمة من هذه الفرقة الضالة. من هذه الکتب:

1-الجذور التاریخیة والنفسیة للغلو والغلاة لسامی الغریری؛

2-هویة التشّیع للمرحوم الدکتور الشیخ أحمد الوائلی؛

3-آراء أئمة الشیعة فی الغلاة للشیخ میرزا خلیل کَمَرِئی.

کما کتبت کتب بالفارسیة مثل:

1-غالیان، کاوشى در جریانها و برآیندها (الغلاة، دراسة فی الاتجاهات والنتائج) لنعمة الله صفری فروشانی؛

2-غلو للمرحوم صالحی نجف آبادی .

 وهناک رسائل جامعیة کتبت للتعریف بالغلاة والکشف عن زیف هذه الفرقة الضالة؛ مثل رسالة الدکتور عبدالحمید گلشنی إبراهیمی أستاذ جامعة طهران.

وهذا الموقف الحاسم من الشیعة تجاه الغلاة لم یأت إلا تأسّیاً بأئمتهم الأطهار 7. فکان موقف الأئمة 7موقفاً رادعاً حاسماً غاضباً. فمن کفریّات هؤلاء الغلاة هو التلاعب بآیات القرآن، وتطبیقها على الأئمة بلا دلیل وبلا مناسبة، بل بعضها کفرٌ بالله، حیث أدّى إلى غضب الأئمة وتکفیرهم الغلاةَ.

تبیّن الحکایة التالیة خطر الغلاة على الأمة الإسلامیة وموقف الأئمة الأطهار 7منهم.

کان أبوالخطاب ـ وهو من الغلاة ـ یقول فی قوله تعالى: «وَهُوَ الّذی فی السَّماءِ إِلهٌ وَفی الْأرضِ إِلهٌª (الزخرف 43: 84) کان یقول: المراد من إله الأرض الإمام.  یقول المجلسی فی کتابه البحار: عندما سمع الإمام الصادق 4 هذا التطبیقَ من أبی الخطاب، قال: «لا والله! لا یأوینى وإیّاه سقفُ بیت أبداً. هم شرٌّ من الیهود والنصارى والمجوس والذین أشرکوا. واللهِ ما صغّر عظمةَ اللهِ تصغیرُهم شیءٌ قَطُّ». (المجلسی، آ 1983م، ص 294).

 وکان الأئمة 7 یمنعون شیعتهم من مجالَسة الغلاة. فهذا الإمام الصادق 4 ینصح المفضل: «یا مفضّلُ، لا تُقاعِدوهم ]الغلاة[، ولا تُشاربوهم، ولا تُصافحوهم، ولا تُوارثوهم» (المجلسی، آ 1983م، ص 296).

یقول العلامّة المجلسی: إنّ قول الإمام 4 «لا توارثوهم»؛ لأن الغلاة مشرکون لا إیمان لهم؛ فلهذا یُمنعون من الإرث.

ثم یذکر المجلسی اعتقاد الشیخ الصدوق . فی تکفیر الغلاة:

«اعتقادنا (اعتقاد الشیعة) فی الغلاة أنهم کفّار بالله، وأنهم شرٌّ من الیهود والنصارى والمجوس والقدریة والحروریة، ومن جمیع أهل البدع والأهواء المضلّة»...(المجلسی، آ 1983م، ص 342).

 هذا اعتقاد الشیعة وأئمتهم فی تکفیر الغلاة، ومن ثمّ لا یجوز لأحدٍ أن یحسب الغلاة على الشیعة الاثنی عشری. فلا أنسى عندما کنت أشاهد مناظرةً بین الشیعة والسنة ـ فی قناه «المستقلة» الفضائیة ـ ، فکان الأخ السنّی یتهم الشیعة بأنهم مشرکون؛ لأنهم یقولون فی الآیة الکریمـة: «وَهُوَ فی الْأرْضِ إِلهٌª، المراد من «إله الأرض» الإمام.

والعجیب أن هذا الباحث کان ینسب هذا القول إلى العلامة المجلسی فی البحار، ولکنّی لمّا راجعته، وجدت المجلسی . نقل هذا التفسیر، ثم کفّر قائلَه.

وجاء کلام المجلسی هذا فی فصل استغرق تسعین صفحة عنوانه:«نفی الغلوّ فی النبی والأئمة»، وذکر هناک عشرات الروایات من الأئمة 7 وعلماء الشیعة فی تکفیر الغلاة، ولکن لا أدری لماذا غابت هذه الروایات کلها على هذا الباحث السنی، وأخذ یکفّر الشیعة بلادلیل؟!

ولا أشک أنّ هذا التکفیر لم یأت إلا تعامیاً، أو لعدم التمییز بین الشیعة الاثنی عشری والغلاة.

 

الفرق بین النوعین الثالث والرابع:

 ربّما یتداخل النوعان الثالث والرابع، وکاد بعض العلماء لا یمیز بینهما، ولکن هناک فرقاً جوهریاً بین النوعین: فالنوع الثالث (الجری) صفة أو صفات فی الآیة متعددة المصادیق یطبّقها المفسر على أحد مصادیقها. على سبیل المثال: «مِنَ النّاسِ مَنْ یُعْجِبُکَ قَوْلُهُ فی الْحَیاةِ الدُّنْیا وَیُشْهِدُ اللّهََ عَلى ما فی قَلْبهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِª (البقرة 2: 204). هذه صفات تنطبق على کثیر من الناس، والمفسر یطبّقها على أحد مصادیقها.

أمّا ما جاء فی النوع الرابع بأن المراد من السماء مثلاً أمیر المؤمنین 4، أو المراد من التین والزیتون الحسن والحسین 6، فلیس من التطبیق فی شیء؛ لأنه لا علاقة بین الآیة وبین هذه التطبیقات؛ کما قال الشـیخ معرفة.

 وکما قلت، إنّ بعض العلماء لم یمیز بین النوع الثالث (الجری) وبین هذا النوع الباطل من التفسیر الباطنی. فمن هؤلاء الذین خلطوا بین النوعین ولم یمیزوا بینهما، الذهبی وفهد بن عبدالرحمن. فأخذا یهاجمان الشیعة نتیجةً لهذا الخلط. وهنا ننقل ما قالا، ثم نقول رأینا فیه.

قال الذهبی (1425هـ):

ومما ساغ لهم (للشیعة) أن یقولوه بعد تقریرهم لمبدإ القول بالباطن، أن تأویل الآیات القرآنیة لا یجری على أهل زمان واحد، بل عندهم أن کل فقرة من فقرات القرآن لها تأویل یجری فی کل آنٍ، وعلى أهل کل زمان. فمعانی القرآن على هذا متجدّدة حسب تجدّد الأزمنة وما یکون فیها من حوادث، بل وساغ لهم ما هو أکثر من ذلک، فقالوا: إن الآیة الواحدة لها تأویلات کثیرة مختلفة متناقضة. وقالوا: إن الآیة الواحدة یجوز أن یکون أولها فی شیء وآخرها فی شیء آخر. ولا شک أن باب التأویل الباطنی باب واسع یمکن لکل من ولجه أن یصل منه إلى کل ما یدول بخَلَده ویَجیش بخاطره.

لیس لقائل أن یقول: إن رسول الله صرّح بأن للقرآن باطناً، وإن المفسرین جمیعاً یعترفون بذلک ویقولون به، فکیف تُوجِّه اللّؤم إلى الإمامیة وحدهم؟ لیس لقائل أن یقول ذلک؛ لأن الباطن الذی أشار إلیه الحدیث وقال به جمهور المفسرین هو عبارة عن التأویل الذی یحتمله اللفظ القرآنی، ویمکن أن یکون من مدلولاته، أما الباطن الذی یقول به الشیعة، فشیء یتفق مع أذواقهم ومشاربهم، ولیس فی اللفظ القرآنی الکریم ما یدل علیه، ولو بالإشارة (ص 23 ـ 24).

ووقع فی مثل هذا الخلط والارتباک الدکتور فهد بن عبدالرحمن، حیث خلط بین الجری الوارد فی کتب السنة وبین ما جاء منه فی کتب الشیعة، ولم یمیز بینهما. فقال بعد نقله مجموعة من تفاسیر الجری:

«بقی أن أقول: إنّ هذه السفسطة لم ترد فی مؤلَّف مستور، بل فی أحد مؤلفاتهم الحدیثة المنشورة والموجهة لأهل السنّة لإقناعهم بمذهب الشیعة... ولا شک أن هذا من الإلحاد فی آیات الله سبحانه» (فهد بن عبدالرحمن، 1423هـ، ص 221 و 226).

هذا ما قاله الذهبی وفهد بن عبدالرحمن؛ ومما یؤخذ علیهما:

أولاً: هناک فرق بین الشیعة الاثنی عشری وبین الغلاة من الشیعة الذین ظهروا فی التاریخ فی ظروف سیاسیة خاصة، ثم بادوا ـ والحمد لله ـ . أمّا الشیعة الاثنا عشری فی یومنا هذا، فلایعتبرون الغلاة على مذهبهم، بل یکفّرونهم بصراحة؛ کما کفّرهم الأئمة الأطهار 7، وأعلنوا برائتهم من هذه الفئة الکاذبة الکافرة ـ کما مرّ ـ . فکان على الذهبی وفهد بن عبدالرحمن أن یفرّقا بین الشیعة وبین الغلاة الذین نسبوا أنفسهم إلى الأئمة ظلماً وزوراً. فلا علاقة للشیعة الاثنی عشری بهم إطلاقاً.

ثانیاً: إنهما خلطا بین النوعین الثالث (التطبیق) والرابع، وجعلاهما فی میزانٍ واحد؛ کما رأینا فی کلام الذهبی الذی مرّ آنفاً. فبدأ بنقل النوع الثالث ـ من تفاسیر الشیعة ـ ثم مزجه بالنوع الرابع، ثم أخذ ینتقد الشیعة؛ وهذا ارتباک منه.

والحقّ أنّ هناک فرقاً بینهما، وکفاهم دلیلاً بما أقول أنّ المفسرین من أهل السنة أیضاً سلکوا منهج الجری فی تفاسیرهم؛ کما رأیت فی الأمثلة التی نقلناها فی النوع الثالث.

وهذا ابن کثیر ـ وهو من فحول المفسّرین لإخواننا السنة ـ نقل عن محمد بن کعب القرظی:

وحدّثنی محمد بن أبی معشر نجیح قال: سمعت سعیداً المقابری یذاکر محمد بن کعب القرظی. فقال سعید: إن فی بعض الکتب: إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر. لبسوا للناس مُسوک الضأن من اللین، یجترّون الدنیا بالدین. قال الله تعالی: علی تجترئون وبی تغترّون؟! وعزتی! لأبعثنّ علیهم فتنة تترک الحلیم منهم حیران. فقال محمد بن کعب: هذا فی کتاب الله. فقال سعید: أین هو من کتاب الله؟ قال: قول الله: «مِنَ النّاسِ مَنْ یُعْجِبُکَ قَوْلُهُ فی الْحَیاةِ الدُّنْیاª الآیة. فقال سعید: عرفت فیمن أنزل هذه الآیة. فقال محمد بن کعب: إنّ الآیة تنـزل فی الرجل، ثم تکون عامةً بعدُ. ]ثم قال ابن کثیر:[ وهذا الذی قاله القرظی حسنٌ صحیح (ابن کثیر، 1418هـ، ص 333).

 وهذا القول من القرظی: «إنّ الآیة تنزل فی الرجل، ثم تکون عامةً» هو معنى الجری الذی قال به الشیعة. فلماذا ینتقد الذهبی وغیره الشیعة فی استخدامهم الجری؟! ولو أننا نعترف أن بعض الشیعة توسع فیه، وخلط الحابل بالنابل ـ کما خلط غیرهم ـ وهذا حق والحقّ یقال.

ثالثاً: إنهم فی کثیر من آرائهم اعتمدوا على کتب أصبحت مکشوفةً مزوَّرةً عند الشیعة أنفسهم .

وإذا قال قائل منهم: لماذا أدخل علماء الشیعة مثل هذه الروایات الضعـیفة فی تفاسیرهم القدیمة والحدیثة؟ نقول: إن الروایات الضعیفة موجودة فی التراث الإسلامی کله؛ شیعیاً کان أم سنّیاً، فواجبنا الیوم تنقیح هذا التراث من هذه الأخبار الضعیفة، لا أن نقوم بتکفیر مَن نقلها؛ کما کفّر فهد بن عبدالرحمن الشیعةَ لنقلهم هذه الروایات!

ولواعتبرنا کل من یتناقل الروایات الضعیفة کافراً، فلا نجد مؤمناً بین کتّابنا المسلمین. فهذا الطبری ـ المفسر الجلیل لأهل السنة ـ ینقل الإسرائیلیات فی تفسیره؛ کنقله قصة الغرانیق وأمثالها . فهل نکفّره؟ وهذا ابن کثیر، نقل کثیراً من الروایات المکذوبة فی تفسیره، فهل نکفّره ونعتبره ملحداً؟

وکذلک اعتمد سید قطب . فی تفسیره على الأحادیث الضعیفة التی نقلها ابن کثیر. فماذا نفعل حیال هذه الروایات المأثورة الضعیفة؟ هل الأفضل أن ننقّح تراثنا منها، أم نقوم بتکفیر هذا وذاک، ونکیل إلیه الاتهام، ونُخرجه من دائرة الإسلام؟! فإن اختار الذهبی وأمثاله طریقة التکفیر ـ لأنها أسهل الطرق ـ فنحن وکلّ مؤمن صادق بإیمانه لا نختارها، بل نقول: ما یجب على علماء الفریقین الیوم أن یشمّروا ساعدهم، وینقّحوا هذا التراث الإسلامی، ویطهّروه من هذه الروایات الضعیفة المنسوبة کذباً إلى رسول الله  وأهل بیته والسلف الصالح I.

***

) العربیة

•   القرآن الکریم.

•   نهج البلاغة. (1365هـ ش). (مع ترجمة سیدعلینقی فیض الإسلام إلى الفارسیة). قم: هجرت.

1. ابن عبدالرحمن، فهد. (1423هـ/ 2002م). اتجاهات التفسیر فی القرن الرابع عشر. (ج 1). (ط4). الریاض: مکتبة الرشد.

2. ابن کثیر، إسماعیل. (1418هـ ـ/1998م). تفسیر القرآن العظیم. (ج1). (ط2). عمان: دار الفیحاء.

3. الألوسی، محمود. (1405هـ/1985م). روح المعانی. (ج27). (ط4). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.

4. البحرانی، سیدهاشم. (آ 1417هـ). البرهان فی تفسیر القرآن. (ج 5). (ط1). قم : مؤسسة البعثة.

5. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1417هـ). البرهان فی تفسیر القرآن. (ج 6). (ط1). قم: مؤسسة البعثة.

6. الحسکانی، عبیدالله بن عبدالله. (1393هـ). شواهد التنزیل. (ج2). (ط1). بیروت: مؤسسة الأعلمی للمطبوعات.

7. الحسینی، سیدمحمد. (1425هـ/ 2004م). السید محمد حسین فضل الله مفسّراً. (ط1). بیروت: دارالملاک.

8. الذهبی، محمدحسین. (1425هـ/2005م). التفسیر والمفسرون. (ج2). (ط1). طهران: آوند دانش.

9. الطباطبائی، سیدمحمدحسین. (آ 1421هـ). المیزان فی تفسیر القرآن. (ج 1). قم: مؤسسة النشر الإسلامی.

10. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1421هـ). المیزان فی تفسیر القرآن. (ج 4). قم: مؤسسة النشر الإسلامی.

11. الطبرسی، الفضل بن الحسن. (1404هـ/ 1986م). مجمع البیان فی تفسیر القرآن. (تصحیح سیدهاشم رسولی محلاتی). (ج 1). (ط1). بیروت: دارالمعرفة.

12. الطبری، محمد بن جریر. (آ 1408هـ /1988م). جامع البیان فی تأویل آی القرآن. (ج 1). بیروت: دارالفکر.

13. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (ب 1408هـ /1988م). جامع البیان فی تأویل آی القرآن. (ج 6). بیروت: دارالفکر.

14. الطهرانی (آغابزرگ)، محمدمحسن. (1956م). الذریعة إلى تصانیف الشیعة. (ج 10). تهران: چاپخانه مجلس.

15. العیاشی، محمد بن مسعود. (1380هـ). التفسیر. (ج 1). قم: المطبعة العلمیة.

16. القاسمی، محمد جمال الدین. (د. ت). محاسن التأویل المسمى بــتفسیر القاسمی. (تصحیح محمد فؤاد عبدالباقی). (ج 1). (ط1). القاهرة: دار إحیاء الکتب العربیة .

17. القمی، علی بن إبراهیم. (آ 1404هـ ). تفسیر القمی. (ج 1). (ط3). قم: مؤسسة دارالکتاب.

18. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1404هـ ). تفسیر القمی. (ج 2). (ط3). قم: مؤسسة دارالکتاب.

19. المجلسی، محمدباقر. (آ 1983م). بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. (ج25). (ط3). بیروت : دار إحیاء التراث العربی.

20. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1983م). بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. (ج71). (ط3). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.

21. المظفر، محمدرضا. (1422هـ). أصول الفقه. (ج 1). (ط3). قم: منشورات الفیروزآبادی.

22. معرفة، محمدهادی. (1426هـ). التفسیر والمفسرون فی ثوبه القشیب. (ج1). (ط2). مشهد: الجامعة الرضویة للعلوم الإسلامیة.

 

ب) الفارسیة

23. شاکر، محمدکاظم. (1375).  روش هاى تأویل قرآن (مناهج تأویل القرآن). (ط2). قم: مؤسسة بوستان کتاب.