الاستشهاد فی شرحی ابن‌عقیل والسیوطی على الألفیّة

نوع المستند: المقالة الأصلية

المؤلفون

1 دانشجوی مرحلة کارشناسی ارشد دانشگاه اصفهان

2 استادیار گروه زبان و ادبیات عربی دانشگاه اصفهان

المستخلص

الملخص
لقد قام المؤلِّفان فی هذا المقال بعد إیراد مقدِّمة حول الاستشهاد فی النحو العربی عامة قاما بدراسة الاستشهاد خاصةً عند الشارحَین الشهیرین من شرّاح ألفیّة ابن‌مالک فی شرحیهما علیها ـ وهما بهاءالدین عبد‌الله بن‌عقیل، وجلال‌الدین عبد‌الرحمن بن‌ أبی‌بکر السیوطی ـ على طریق المقارنة، نظراً إلى أقسامه الأربعة وهی الآیات القرآنیة، والحدیث الشریف، وکلام العرب المأثور، وأشعارهم، ثم تبیین منهجهما فی الإتیان بالشواهد، وعرض النتائج الإحصائی لهذا البحث المقارنی.
وأهمّ أهداف یحاولها هذا البحث تعریف بمکانة الشواهد فی شرح الشارحین، وتعریف بأغراض ساقتهما إلى الاستشهاد بالشواهد، ومدى استعمالهما لکلّ نوع منها.
 

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The exemplification in explanations of Ibn-e-Malek`s Alfiyya: Exemplification in Ibn-e-Aqil and Soyutyi

المؤلفون [English]

  • Elahe Safian 1
  • Sayyed Mohammad Reza Ibnerasool 2
1 M.A.Student University of Isfahan
2 Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Isfahan
المستخلص [English]

In this article, the authors after an introduction of exemplification in therabic syntax
generally try to have a comparative survey on the exemplification in explanations of two
famous Ibn-e-Malek Alfiyya`s exegetes _ Ibn-e-Aqil and soyutyi _ with attention to
fourfold instances: the Holy Koran, traditions, Arabs reliable speech, and traditional Arabic
poetry. The Authors will introduce the method of their exemplification and exhibit the
results of its numeration. Attempts are made to investigate exemplification in these two
explanations while making a comparison with exemplification of other grammarians as well
as identifying cases which the instances are being brought in them and the amount of each
instances in explanations

الكلمات الرئيسية [English]

  • Exemplification
  • Ibn-e-Malek`s Alfiyya
  • Ibn-e-Aqil
  • Soyutyi
  • Examples7

المقدمة

بما أن الألفیة من أهمّ المنظومات الصرفیّة والنحویّة التی عنی بها کثیرٌ من النحاة منذ نظمها ابن‌مالک حتى الآن، وشرحوها وعلّقوا علیها الحواشی المختلفة، وأن من أهم هذه الشروح شرح ابن‌عقیل والبهجة المرضیة لجلال الدین السیوطی اللذان تمتّعا بمقبولیّة تامّة عند المدرّسین فی الحوزات العلمیة والجامعات، فنحن بصدد مناقشة الاستشهاد فی هذین الشرحین.

وکما نعلم أن قاضی القضاة بهاء الدین عبدالله بن ‌عبدالرحمن الهمدانی المصری المعروف بـ«ابن‌عقیل» کان من أشهر النحاة فی أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن، والذی قال أستاذه أبو‌حیّان فیه عندما رأى تفوّقه على الآخرین: «ما تحت أدیم السّماء أنحى من ابن‌عقیل» (العسقلانی، 1414هـ، ص  267)، وأن جلال الدین عبدالرحمن بن أبی‌بکر السیوطی من أجلّ علماء القرن التاسع للهجرة الذی حفظ القرآن المجید وهو دون ثمانی سنین. فکلاهما کان من نحاة مدرسة مصر والشام النحویة.

ولا شک أن للشواهد دوراً هامّاً فی کتب النحو التعلیمیة من مثل هذین الشرحین الشهیرین للألفیة، وأن الکلام عن الاستشهاد فی مطاوی الکتب العربیة غیر قلیل، ولکننا لم نعثر إلا على مقالة واحدة عالج فیها صاحبها (ابن‌الرسول، 1379هـ. ش، 737 ـ 754) ظاهرة الاستشهاد فی الکتب النحویة بشکل موجز؛ وعلى رسالة ماجستیر حول الاستشهاد بالشواهد اسمها «شرح وبررسى شواهد قرآنى أوضح المسالک إلى ألفیة ابن مالک» للطالبة «مشیرفر»، ولها أقلّ علاقة بما فی هذا المقال المتواضع.

وفی هذا البحث المقارنی، بعد التعریف بالاستشهاد فی النحو العربی والآراء المختلفة حوله بالشواهد خاصّةً بالحدیث الشریف ــ لما من تباینٍ فی آراء النحاة حول الاستشهاد به ــ ندرس طرق الاستشهاد فی الشرحین لکی یبیّنَ لنا مدى استعمال کلّ من الشواهد عند الشارحین، والأغراض المختلفة التی یهدفان إلیها فی الإتیان بالشواهد.

 وأحصینا کلّاً من الشواهد فی الشرحین، وعرضنا نتائجه فی جداول أربعة مختصة لکلّ من الشواهد. والمعلومات المشترکة بین الجداول هی عدد الشواهد فی کلّ من الشرحین، وشواهدهما المکرّرة ــ وهی شواهدُ تکرّرت فی بحثین أو أکثر ــ، وعدد الشواهد المشترکة بین الشرحین.

وأما فی جدولین منها، فزدنا قائمتین علاوةً على المعلومات المذکورة؛ فعند الشواهد القرآنیة ذکرنا أیضاً عدد الشواهد القِرائیّة فی الشرحین، ثم عدد الشواهد القرائیة المشترکة بینهما. والسببُ فی إحصاء هذا النوع من الشواهد أنه قد استشهد الشارحان ببعض الآیات القرآنیة لقراءة خاصة فیها تسبّب وجهاً أو وجوهاً أخرى لقاعدة معینة.

وعند جدول الشواهد الشعریة عرضنا عدد الشواهد الشاذّة فی کل من الشرحین، ثم عدد الشواهد الشاذّة المشترکة بینهما. والسبب فی هذا الإحصاء تبیین مدى توفّر الشذوذ بین الشواهد الشعریة بالنسبة للأخرى.

وبعد هذا بیّنّا الأغراض المختلفة التی تسبّبت الاستشهاد بالشواهد مع ذکر الأمثلة، ثم اخترنا ثلاثة شواهد من الشرحین لنقاشٍ مقارنیّ بینهما. وفی الأخیر أتینا بشواهد ذُکرت أجزاء منها فی الشرحین،ولم تُذکَر برمّتها، حیث لم یعدّها محققا الشرحین من الشواهد.

فمن خلال هذه الدراسة سنجیب أسئلةً کالتالی: بالمقارنة بین الشارحَین، هل استخدما الشواهدَ المختلفة خاصّةً الحدیث الشریف على حد سواء؟ وما أغراضٌ جعلت الشارحَین یستشهدان بالأقسام الأربعة للشواهد؟

 

الاستشهاد فی النحو العربی

لکلمة «الاستشهاد» فی اللغة العربیة معانٍ مختلفةٌ[1]، منها طلب الشاهد وهو الدلیل؛ وفعل «استشهد» حین یستعمل مع حرف الباء یرادف «احتجّ بـ». والاستشهاد فی الاصطلاح هو إیراد الشاهد خلال البحوث الأدبیة تأییداً لقاعدة؛ والشاهد کلام لمن یوثق بعربیته یؤتى به إثباتاً لقاعدة من قواعد النحو وغیرها.

والکلام المستشهد به فی علوم الأدب على أربعة أقسام: شعر العرب، وکلامهم، والقرآن الکریم، والحدیث النبوی. لکنه لا یستوی جواز الاستشهاد بجمیع هذه الأقسام فی علوم الأدب بأنواعها؛ ففی اللغة والصرف والنحو لا یستشهد بکلام العرب من المولدین؛ وفی المعانی والبیان والبدیع یستشهد بها جمیعاً دون تحدید (البغدادی، 1409هـ، ص 5).

فکان النحاة یلتزمون الاستشهاد بکلام موثّق لا تلوّثه أیّة عجمة أو لحن، فإن یجدوا فیه لحناً ینبذوه ولا یعتدّوا به، بحجّة أن أمثال هذا الکلام مخلّة بقواعد اللغة العربیة العریقة؛ فلا یستشهدون بشعر العرب وکلامهم من کل عصر قدیماً وحدیثاً، بل اقتصروا على شعر الجاهلیین، والمخضرمین، وشعر الشعراء فی صدر الإسلام، وهم الذین عبّروا عنهم بالمتقدّمین. یشیر تاریخ النحو العربی إلى هذا التحدید الزمنی ویقول:

فالعرب الذین یُستشهد بهم ابتدأ تاریخهم من الجاهلیة إلى أواخر القرن الثانی. فآخر من استشهد به سیبویه هو إبراهیم بن هرمة المتوفى سنة 150هـ؛ أما الذین جاءوا بعده من محدثین ومولدین، فقد تُرکوا لفساد لغتهم، وانتقال اللغة من صیغتها الفصیحة إلى وضع العامیة، وهی تؤکدها روایات تاریخیة تبیّن أن القرن الثالث للهجرة شاعت فیه لهجات عامیة لیست معربة  (ولد أباه، 2001م، ص 24).

کما اهتم المستشهدون ــ إضافة إلى التحدید الزمنی فی أخذ شواهدهم ــ بنواحٍ معیّنةٍ؛ فیقول ولد أباه:

أما تحدید لغة السَّماع من ناحیة المکان، فقد جاء حصره فی وسط الجزیرة، بین صحراء السماوة، وأعالی نجد، وتهامة، والحجاز. وبیّن اللغویون أسباب هذا التحدید وهو الابتعاد عن لغة أطراف القبائل التی خالطتْها الفرس فی أعلى العراق وعمان، ومازجتْها الروم فی الشام (المصدر نفسه).

أما القرآن الکریم، فإنهم یستشهدون به جمیعاً، ویعتبرونه أصفى مصدر لکلام العرب «یجوز الاستشهاد بمتواتره وشاذّه» (البغدادی، 1409هـ، ص 9).

وأما الحدیث، فکان النحاة متّفقون على أن النبی & أفصح العرب، ولکنهم مع هذا لم یُجمعوا على جواز الاستشهاد بکلامه؛ ففریق منهم استشهدوا به مطلقاً، ومنهم الذین لم یستشهدوا به؛ لأنهم لم یثقوا بصحة ألفاظه، ومنهم من جوَّز الاستشهاد به بشروط تُنبئ عن صحته لفظاً ومعنى، لإثبات مواقف النحویین حول الاستشهاد بالحدیث والأسباب التی تسبّبها.

یجدر بنا الاستعانة بدراسة الدکتور السید الشرقاوی حول الحدیث النبوی ومعاجمه والاستشهاد به فی اللغة والنحو، وبعض کتب أخرى، ونورد فیما یلی موجزاً من نتائج هذه الدراسات:

إن منهج الخلیل بن ‌أحمد وتلمیذه سیبویه البصریَّین هو المنهج السائد على النحو العربی من أوّل أمره إلى عصرنا هذا؛ وهذا یعنی أن دراسة النحو العربی تبتنی على الأسس التی أسّساها، فلا شک فی تأسیس دراسة النحو ومناهجه فی الاستشهاد بالبصرة من أوائل القرن الثانی الهجری إلى أواخر القرن الثالث.

وأهم المراکز العلمیة توزعت بین الحجاز والعراق، واهتمام مدرسة الحجاز بالحدیث الشریف کان أکثر من المدارس الأخرى، وکانت مدرسة العراق أهم مراکز الحیاة العقلیة فی مختلف فروع العلم والفن. فأدّت النزعات العلمیة فی هذه الفترة من الزمن إلى تکوّن المنهجین هما: منهج "أصحاب الحدیث" الذی سیطر على مدرسة الحجاز وهو الاهتمام بالحدیث الشریف، ومنهج "أصحاب الرأی" ومرکزه العراق الذی کان همّه النشاطات العقلیة.

کانت البصرة منشأ حرکة مدرسة الرأی العراقی؛ لأنها کانت منشأ علم الکلام، وخاصةً مدرسة المعتزلة. فالبصرة سبقت مدن العراق خاصة الکوفة؛ فإن عقل البصرة أدقّ من عقل الکوفة لثقافته المرتفعة، فعنیت الکوفة بالفقه، والبصرة بالکلام (ضیف، 1983م، ص 21).

 

والنحو العربی فی البصرة منذ نشأته تأثّر بآراء المتکلمین وخاصة المعتزلة وأهل الرأی؛ «وکان موقف المعتزلة من الحدیث الشریف أساس ما ذهب إلیه علماء البصرة فی تلک الفترة من إقلال الروایة والتشدّد فیما خالف العقل، فیما یظهر» (الشرقاوی، 2001م، ص 215).

وأما أهل الحجاز الذین لهم منهج أصحاب الحدیث، فأقبلوا على جمع الحدیث الشریف، واهتموا بمعرفته وتفقّه أحکامه. ففی هذه الحقبة من الزمن کثرت کتب روایة الحدیث وما یتعلّق بها. وأصحاب الحدیث فرقتان: فرقة منهم ینقل الروایة، وفرقة یحقق طرق النظر والمقاییس، وهم متکلِّمو أهل السنة، ویجعلون الحدیث الشریف فی المرتبة الثانیة بعد القرآن الکریم.

فالفارق بین المنهجین هو مدى اهتمام الفرقتین بالحدیث الشریف فی إثبات الأحکام وتقریر القواعد. إضافة إلى هذا، أن أهل الرأی والمتکلمین کانوا أکثر تمسّکاً بحکم العقل. واختلاف الفریقین فی موقفهما من العقل والنقل «وأسباب سیاسیة تتصل بموقف المعتزلة فی محنة الإمام أحمد بن‌حنبل، وأسباب تتعلق بخطإ فی المنهج، وفهمه لدى طرفی الخصومة» (المرجع نفسه، ص 239) أدت إلى احتدام الخصومة بین الطرفین.

یقسم الإمام أبو‌حامد الغزالی المنهجین فی بحثه عنهما إلى فرق: الفرقة الأولى هم الذین جرّدوا النظر إلى المنقول، والفرقة الثانیة ــ وهم فی الطرف المقابل ــ جرّدوا النظر إلى المعقول واجتنبوا المنقول، «والفرقة الثالثة جعلوا المعقول أصلاً، وضعُف عنایتهم بالمنقول، لکن ما سمعوه من الظواهر المخالفة للمعقول جحدوه وأنکروه وکذّبوا روایته» (المرجع نفسه، ص 223).

تخبرنا الشواهد بأن علم النحو وطریقته فی الاستشهاد تأثّر بآراء هذه الفرقة وموقفها من الحدیث؛ فانتشرت آراء المعتزلة بین النحویین؛ ولم یکن للحجازیین وأصحاب الحدیث جهود فی تأسیس النحو أو إعطاء البدیل لما قدّمه البصریون.

«ولا یخفى أن هذا المدّ الاعتزالی قد غطّى الفترة التی شهدت تأسیس النحو ونموّه واکتمال الأصول التی قام علیها، وبخاصة منهج الاستشهاد» (الشرقاوی، 2001م، ص 234). «وفی العصور المتأخرة زاد الطین بِلّة أن النحاة اتصلوا بالفلسفة وتعلقوا بالمنطق ... والفلسفة تشترک مع الاعتزال فی موقفه من أصحاب الحدیث، بل إن بعض الفلاسفة أشد غلوّاً من المعتزلة فی ذلک» (المرجع نفسه، ص 236).

وما ذکره الدکتور مازن المبارک فی کتابه النحو العربی (1981م) یؤیّد هذا الرأی، إذ یقول:

ونعود إلى تأثر النحاة بالمتکلّمین، فنقول: إن البحث فی العلة، هذه التی ألقت عصا التفرقة ما بین النحاة، کما ألقتها من قبل ما بین الفقهاء، هو الذی ساق النحویین إل‍ى الجدل فی أمور نظریة محضة، أو أخذ بأیدیهم إلى میادین النظر الفلسفی؛ حیث التقوا بالمتکلمین، ووجدوا لدیهم ما یریدون من أسالیب الجدل وأنواع العلل؛ إذ کان المعتزلة سابقین إلى ذلک بما کان لدیهم من حریّة فی الرأی، وملائمة وتوفیق بین النقل والعقل ... وحسبنا ـ لبیان أثر المتکلمین فی النحو ـ أن نعلم أن القیاس أداته العقل، وأن أئمة القیاس فی النحو: سیبویه، والفرّاء، والفارسی، وابن‌جنّی، والزمخشری وأضرابهم کانوا معتزلةً ... کانت العنایة بأمر العلة والاهتمام بها یزداد کلما تقدّم الزمن بالنحویین. فبعد أن رأینا التعلیل یلقى به موجزاً بعقب الحکم النحوی، رأیناه یُفرد بالتألیف ویخصّ بالکتب. ونراه هنا ـ فی القرن الرابع ـ ینال عنایة أوفر ویستفید جهداً أکبر، فتکثر فیه المؤلفات، ویدخله الکثیر من التطور (ص 92 ـ 94).

فنشأت آراء النحویین تنهل من عیون هذه الفرق؛ وإلیک بعض هذه الآراء:

کان ابن ‌الضائع من الذین لا یجیزون الاستشهاد بالحدیث، وبیّن آراءه فی کتابه شرح جمل الزجاجی، وانتصر لسیبویه والفارسی حین خالفهما ابن ‌الطراوة فی قبوله الاستشهاد بالحدیث؛ فکان یرى السبب الهامّ فی هذه المخالفة تجویز علماء الفقه نقل الحدیث النبوی بالمعنى؛ و اقتفى أثره تلمیذه أبو‌حیّان فی تبیین هذا السبب. وکما انتقد فی موضع آخر من کتابه ابنَ‌خروف لاستشهاده الکثیر بالحدیث النبوی.

إن اعتراض ابن‌الضائع على الاستشهاد بالحدیث فی قضایا النحو یعتبر من ردّ فعل الأندلسیین ومن أعلامهم أبو‌القاسم السهیلی، وابن‌خروف فی دراساتهم اللغویة. فتأثر أبوحیان برأی شیخه ابن‌الضائع، وردّ على ابن‌مالک الذی استشهد کثیراً بالحدیث الشریف. یقول ابن معصوم المدنی المعروف بالسید علیخان الکبیر فی کتابه الحدائق الندیَّة فی شرح الصمدیة (د. ت):

لأبی‌حیان مع ابن مالک فی الاستشهاد بالأحادیث مناقشة طویلة ؛ فإنه قال فی شرح التسهیل: لهج المصنِّف یعنی ابن‌مالک فی تصانیفه کثیراً بالاستدلال بما وقع فی الحدیث فی إثبات القواعد الکلیة فی لسان العرب، وما رأیت أحداً من المتقدمین والمتأخرین سلک هذه الطریقة غیره، على أن الواضعین لعلم النحو الأوَّلین کأبی‌عمرو، وعیسى بن ‌عمر، والخلیل، وسیبویه من البصریین، ومعاذ، والکسائی، والفراء، وعلی ابن‌المبارک الأحمر، وهشام الضریر من الکوفیین لم یفعلوا ذلک، وتبعهم على ذلک المتأخرون من الفریقین وغیرهم من نحاة الأقالیم کنحاة بغداد والأندلس (ص 255).

ویتابع السید علیخان قول أبی‌حیان حول استدلالهم بدلیلین فی عدم الوثوق بالاستشهاد بالحدیث النبوی: أحدهما تجویز الرواة النقل بالمعنى، والثانی کون کثیر من الرواة من غیر العرب ممن لم یتقنوا اللغة العربیة.

یقول البغدادی (1409هـ) فی خزانة الأدب: «أما الاستدلال بحدیث النبی m، فقد جوّزه ابن‌مالک، وتبعه الشارح المحقق [الشیخ الرضی] فی ذلک، وزاد علیه بالاحتجاج بکلام أهل البیت F» (ص 9). والبغدادی نفسه یتّفق مع الشیخ الرضی، ولکن ابن‌عقیل تأثر بابن‌مالک فی تسهیله، وأقبل على الاستشهاد بالحدیث بغیر تدقیق النظر فیما ورد من الأحادیث الصحیحة وغیر الصحیحة.

أما موقف الشاطبی (المتوفى سنة 790هـ)، فهو بین الموقفین؛ أی القبول والرد؛ وملخص رأیه أن النحویین یستشهدون بأشعار العرب وکلامهم، ویترکون الاستشهاد بالأحادیث الصحیحة مستدلین بأن الأحادیث النبویة تختلف فی روایاتها وألفاظها، وهذا خلافٌ لشعر العرب وکلامهم اللذین لا خلاف فی روایتهما وألفاظهما؛ فلذا یقول:

وأما الحدیث فعلى قسمین: قسم یعتنی ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم یقع به استشهاد أهل اللسان. وقسم عُرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص؛ کالأحادیث التی قصد بها بیان فصاحته m؛ ککتابه لهمْدان وکتابه لوائل بن‌حجر والأمثال النبویة. فهذا یصح الاستشهاد به فی العربیة، وابن‌‌مالک لم یفصّل هذا التفصیلَ الضروری الذی لا بدّ منه، وبنَى الکلام على الحدیث مطلقًا، ولا أعرف له سلفاً إلا ابن‌َخروف ... والحقّ أن ابن‌مالک غیر مصیب فی هذا، فکأنه بناه على امتناع نقل الحدیث بالمعنى وهو قول ضعیف (نُقل فی الشرقاوی، 2001م، ص 251؛ والبغدادی، 1409هـ، ص 13).

وحسب رأی السید الشرقاوی (2001م) «هذه النصوص التی وردت عن ابن‌الضائع وأبی‌حیان هی أهم ما یحتج به المانعون من الاستشهاد بالحدیث لإثبات القواعد الکلّیّة فی النحو، وقد أضفت إلیها ما ورد عن الشاطبی، وإن کان البغدادی یضع رأی الشاطبی فی مرتبة وسط بین المانعین والمجوزین» (ص 251).

 ویتخذ السیوطی (د. ت) ـ کما هو موقف الشاطبی ـ موقفًا وسطًا؛ حیث یقول فی الاقتراح:

وأما کلامه m، فیستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المرویّ، وذلک نادر جدّاً، إنما یوجد فی الأحادیث القصار على قلة أیضاً؛ فإن غالب الأحادیث مروی بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولَّدون قبل تدوینها، فرووها بما أدت إلیه عبارتهم، فزادوا ونقصوا، وقدّموا وأخّروا، وأبدلوا ألفاظاً بألفاظ، ولهذا ترى الحدیث الواحد مرویّاً على أوجه شتّى، بعبارات مختلفة، ومن ثم أُنکر على ابن‌مالک إثباته القواعدَ النحویة بالألفاظ الواردة فی الحدیث (ص 52).

ونقل السیوطی فی المزهر (د. ت) عن أبی‌‌علی القالی فی أمالیه أن: «رواة الشعر أعقل من رواة الحدیث؛ لأن رواة الحدیث یرْوون مصنوعاً کثیراً، ورواة الشعر ساعةَ یُنشِدون المصنوع ینتقدونه ویقولون: هذا مصنوع» (ص 175).

إن موقف السیوطی (آ 1994م) هذا واضح من خلال بعض مؤلَّفاته؛ إذ ألّف کتباً على حِدة حول إعراب الأحادیث النبویة؛ منها: عقود الزبرجد فی إعراب الحدیث النبوی (أو عقود الزبرجد على مسند أحمد). ومما یدلّ علیه قوله فی مقدمة هذا الکتاب: «واعلم أنّ لی على کل کتاب من الکتب السّتّة المشهورة فی الحدیث تعلیقةً» (ص 68).

فکان همّه فی مؤلفاته تمییز الأحادیث الصحیحة من غیرها، ویؤید رأینا هذا قوله:

حدیث: "بدأ الإسلام غریبًا وسیعود غریبًا کما بدأ". قال القرطبی: کذا الروایة بهمز بدأ، وفیه نظر؛ وذلک أن (بدأ) مهموز یتعدى إلى مفعول ... [وقال آخر]: وقد سمعت من بعض أشیاخی إنکار الهمزة، وزعم أنه «بدا» بمعنى ظهر غیر مهموز. وهذا فیه بُعدٌ من جهة الروایة والمعنى. فأما الروایة بالهمز، فصحیحة النقل عمّن یُعتمد على علمه وضبطه. وأما المعنى، فبعید عن مقصود الحدیث؛ فإن مقصوده أن الإسلام نشأ فی أول أمره فی آحاد الناس وقلّة، ثم انتشر وظهر، وأنه سیلحقه من الضعف والاختلاف حتى لا یبقى فی آحاد وقلة (السیوطی، ب 1994م، ص 128).

فنرى السیوطی یدقّق النظر فی قبول الأحادیث الموثقة، ولذا ینحاز بعض الأحیان إلى مخالفی الاستشهاد بالحدیث؛ فیقول فی الاقتراح (د. ت):

ومما یدل لصحة ما ذهب إلیه ابن‌الضائع وأبو‌حیان أن ابن‌مالک استشهد على لغة "أکلونی البراغیث" بحدیث الصحیحین: "یتعاقبون فیکم ملائکة باللیل وملائکة بالنهار"؛ وأکثرَ من ذلک حتى صار یسمیها «لغة یتعاقبون».  وقد استدلّ به السهیلی، ثم قال: لکنی أقول إن الواو فیه علامة إضمار؛ لأنه حدیث مختصر رواه البزار مطولاً مجرداً، قال فیه: "إن لله ملائکةً یتعاقبون فیکم: ملائکة باللیل وملائکة بالنهار" (ص 55).

فهکذا یردّ على ابن‌‌مالک استشهاده بأحادیثَ غیرِ الموثقة فی الألفاظ. وورد فی خاتمة کتاب أصول النحو عند السیوطی:

کلام السیوطی النظری ـ تجاه الاستدلال بالأحادیث النبویة الشریفة على إثبات القواعد النحویة ـ یشعر بأنه من المجیزین المقیِّدین؛ وأما کلامه التطبیقی، فیتردد السیوطی فیه بین المنع والإجازة، وتتجلى مظاهر المنع فی تصریحه بتغییر الرواة لبعض الأحادیث أو تصحیفهم لها، وتصریحه بتأویل بعض الأحادیث، ونصه على الروایة بالمعنى. وأما مظاهر الإجازة، فتبدو فی استشهاده بالأحادیث النبویة الشریفة فی المستویات اللغویة المختلفة: الصوتیة والصرفیة والنحویة. وقد تأتی هذه الأحادیث منفردة فی مجال الاستشهاد أو مع غیرها (أبو غربیة، 2006م، ص 555 ـ 556).

 

دراسة الشواهد فی الشرحین

إن الشواهد تعتبر جزء هامّاً فی الکتب النحویة؛ ولا یمکن أن نجد کتاباً نحویّاً یخلو من شواهد للاستدلال بالقواعد المذکورة؛ وکما أشیر آنفاً، استشهد النحویون بشواهد من الأقسام الأربعة: القرآن الکریم، والحدیث النبوی الشریف، وکلام العرب، وأشعارهم على تفصیلٍ مرّ ذکره؛ فبالغوا فیها حتى أدَّت محاولاتهم إلى تداول بعض الشواهد فیما بینهم،فیستشهدوا بها جمیعاً، کما نعثر على شواهد صاغوها بأنفسهم مختصةً لبیان القواعد النحویة. ولا یکون الشارحان ابن‌عقیل والسیوطی بمعزلٍ عن هذا الاهتمام.

هناک فی الشرحین شواهد أخرى صاغها النحویون مهمّتها تعلیم النحو، إضافة إلى الشواهد الأربعة؛ نحو: «خلق الله الزرافة یدیها أطول من رجلیها»، أو «لله درّه فارساً». وضمّ محقق الکتاب لسیبویه هذا النوع من الشواهد ضمن فهرس سمّاه بـ«الأسالیب والنماذج النحویة» (هارون، 1983م، ص 35ـ43)، ونکتفی هنا بدراسة الشواهد الأربعة من الشرحین لضیق المجال.

وأما النتائج الإحصائیة، فهی کما یلی:

 

النتائج الإحصائیة للشواهد القرآنیة:

 

¯

عدة الشواهد

الشواهد المکرّرة

الشواهد المشترکة

الشواهد القرائیة

الشواهد القرائیة   المشترکة

ابن‌عقیل

248

21

143

40

24

السیوطی

360

31

143

40

24

 

النتائج الإحصائیة للشواهد من الحدیث الشریف:

 

¯

عدة الشواهد

الشواهد المکرّرة

الشواهد المشترکة

ابن‌عقیل

22

ـ

8

السیوطی

31

3

8

 

النتائج الإحصائیة للشواهد من الأمثال وکلام العرب:

 

¯

عدة الشواهد

الشواهد المکرّرة

الشواهد المشترکة

ابن‌عقیل

63

1

24

السیوطی

53

1

24

 

النتائج الإحصائیة للشواهد الشعریة:

 

¯

عدة الشواهد

الشواهد المکرّرة

الشواهد المشترکة

الشواهد الشاذة

الشواهد الشاذة   المشترکة

ابن‌عقیل

362

11

186

42

14

السیوطی

360

11

186

27

14

 

 

موقع الشواهد فی الشرحین

کما هو معلوم من النتائج الإحصائیة أن للشواهد القرآنیة والشواهد الشعریة دوراً هاماً فی الأمثلة التی یعرضها الشارحان للاستدلال فی مجال القواعد النحویة شأن النحاة الآخرین، واستخدام السیوطی للشواهد القرآنیة أکثر من ابن‌عقیل، ووجوه افتراقهما فی الاستشهاد بشعر العرب قلیلٌ؛ وفی المرتبة الثالثة یستشهدان بالأمثال والمنثور من کلام العرب التی یکثر عددها فی شرح ابن‌عقیل، ثم فی المرتبة الأخیرة هی نسبة استخدام الأحادیث الشریفة. فنراهما یستدلان بالحدیث النبوی، وإن کان استخدام السیوطی للحدیث الشریف أکثر من ابن‌عقیل، ولکن الجدیر بالذکر أنه قد استدل السیوطی بعدة من الأحادیث المذکورة فی البهجة المرضیة لمقاصدَ أخرى غیرِ النحویة والصرفیة. فعلى سبیل المثال یأتی بعدّة منها فی شرح أبیات المقدمة والخاتمة.

وبجانب هذا نرى استشهاده بالأحادیث المتواترة من مثل: «أعوذ بالله من الشیطان الرجیم»، و«لا إله إلا‌ الله»؛ فجمیع ذلک یدلّ على دقّته فی الاستشهاد بالأحادیث،وفی کلا الشرحین حدیثٌ من کلام الإمام علی 4. وفی البهجة المرضیّة حدیثٌ آخر مما یُنسب إلى الإمام حسن المجتبى g.

وأما بعد مقارنة إحصائیة بین شواهد الشرحین، فیجدر بنا أن نناقش بعض زوایاها؛ فنقول إن الشارحین أوردا شواهدهما لأغراض منها:

1. بیان رأی ابن مالک: وهذا ما یتطلبه شرح کل کتاب نحوی. فکثیراً ما استشهدا لهذا المقصود، کما فی البحث عن «الحال» للبهجة المرضیة عند البیت «354» للألفیة:

354. وجملة الحال سوى ما قُدِّما
 
 

 

بواوٍ أو بمضمرٍ أو بهما
 
 

یقول السیوطی: «(أو) تأتی (بمضمرٍ) فقط؛ نحو: «وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّª [البقرة 36:2]» (1386هـ.ش، 259؛ آ 1368هـ. ش، ص 351). وأورد ابن‌عقیل فی البحث عن «أفعال المقارنة» عند شرح البیت «165» للألفیة:

165. وکَونُه بدون أن بعد عسى
 
 

 

نزْرٌ وکاد فیه الأمر عُکِسا
 
 

شاهداً من الحدیث: «ومن اقترانه بـ «أن» قوله m: "ما کِدتُ أن أصلّیَ العصرَ حتى کادتِ الشَّمسُ أنْ تَغرُبَ"» (آ 1381هـ. ش، ص 304).

2. بیان رأی النحویین: قد یستشهد الشارحان بشواهد فیها استدلال على رأی نحویّ یریدان بیانه؛ فمن الشواهد المذکورة لهذا المقصود ما جاء به ابن‌عقیل فی البحث عن «النکرة والمعرفة ـ الضمیر» هامش البیت 66 للألفیة:

66. وقدِّم الأخَصَّ فی اتِّصالِ
 
 

 

وَقَدِّمَنْ ما شئْتَ فی انْفصالِ
 
 

فقال: «وأَجازه قوم، ومنه ما رواهُ ابن الأثیر فی غریب الحدیث ... "أَراهُمُنی الْباطِلُ شَیْطاناً"» (103:1).  ومنه ما نرى عند السیوطی فی البحث عن «الموصول» وشرح الرقم 95 للألفیة:

95. ومثلُ ما ذا بعد ما استفهام
 
 

 

أو مَنْ، إذا لم تُلْغَ فی الکلام
 
 

فبعد شرح البیت وإیراد شاهدٍ شعری له قال:

«بخلاف ما إذا أُلغیتْ کقولک: «لماذا جئتَ؟»، أو کانت للإشارة کقولک «ماذا التوانی؟»؛ ولم یشترط الکوفیون تقدُّمَ «ما» أو «من» مستدلّین بقوله:

عَدسْ وما لعُبّادٍ علیکِ إمارةٌ
 
 

 

أَمنتِ وهذا تحمِلینَ طَلیقُ
 
 

وأُجیبَ عنه بأن "هذا طلیق" جملة اسمیةٌ و"تحملینَ" حالٌ؛ أی محمولاً. وقال الشیخ سراج الدین البلقینی یجوز أن یکون مما حذف فیه الموصول من غیر أن یُجعَل هذا موصولاً، والتقدیرُ: هذا الذی تحملین، على حدّ قوله:

فَو الله ما نلتمْ وما نیلَ منکم
 
 

 

بمعتَدلٍ وِفقٍ ولا مُتقارِبٍ
 
 

أی: ما الذی نلتم» (1386هـ. ش، 76؛ آ 1368هـ. ش، ص 101).

فالسیوطی یأتی فی شرح البیت بثلاثة شواهد: الشاهد الأول لبیان رأی ابن‌مالک، والثانی لبیان توجیه الکوفیین لما ظاهرُه خلاف القاعدة، والثالث لتوجیهٍ آخر قد أورده أحد النحویین (الشیخ البلقینی) على شاهد الکوفیین.

3. بیان مواضع لاستدراکهما ابن‌مالک: من مثل قول السیوطی فی البحث عن «الإضافة» بعد شرحه الرقم 409 للألفیة:

409. ومَعَ مَعْ فیها قَلیلٌ ونُقلْ
 
 

 

فَتْحٌ وَکَسْرٌ لسکون یتّصلْ
 
 

«تتمة: لا تنفک «مع» عن الإضافة إلّا حالاً بمعنى جمیع کقوله:

بکتْ عَینیَ الیُسرى فلمّا زَجَرتُها
 
 

 

عن الجهل بعدَ الحِلم أسبَلَتا مَعاً»
 
 

 (1386هـ. ش، ص 297؛ آ 1368هـ. ش، ص 402)

4. بیان الشواذ والضرورات: یستخدم الشارحان عند استشهادهما بالشواهد مصطلحات تُبیّن مدى مقبولیة القاعدة المذکورة عند العلماء؛ نحو «نادر»، و«نزر»، و«ضعیف»، و«قلیل»، و«شاذّ»، و«ضرورة»، و«کثیر»، ومشتقّاتها. وفی بعض الأحیان یبیّنان هذا المدى بتراکیب کقولهم: «ذهب قومٌ»، «قد ورد»، وشأنهما هنا شأن الآخرین من النحاة.

ونقل السیوطی فی الاقتراح (د. ت) قول جمال الدین بن هشام فی هذا الصدد:

اعلم أنهم یستعملون «غالباً»، و«کثیراً»، و«نادراً»، و«قلیلاً»، و«مطروداً». فالمطرد لا یتخلّف، والغالب أکثر الأشیاء ولکنه یتخلف، والکثیر دونه، والقلیل دونه، والنادر أقلّ من القلیل، فالعشرون بالنسبة إلى ثلاثة وعشرین غالب، والخمسة عشر بالنسبة إلیها کثیر لا غالب، والثلاثة قلیل، والواحد نادر، فاعلم بهذا مراتب ما یقال فیه ذلک (ص 59).

فالشارحان یستخدمان هذه المصطلحات فی کل نوع من الشواهد الأربعة، لکنّنا هنا اخترنا دراسة الشذوذ فی الشواهد الشعریة لکثرته فی هذا النوع.

وکما هو ظاهر من النتائج الإحصائیة أن الشواهد الشاذة فی شرح ابن‌عقیل أکثر مما جاء فی البهجة المرضیة، هذا وحین اتفق الشارحان على الإتیان بشاهدٍ ولم یصرح أحدهما بلفظة «شاذ» أو أحد مشتقاتها، لم نُحص ذاک الشاهد من شواهده الشعریة الشاذة. إلیک مثالین مما یکون من الشذوذ ولم یصرّح به السیوطی لعلة ما:

والمثال الأول من الشواهد الشعریة المشترکة یستشهد کلا الشارحین به فی البحث عن «النکرة والمعرفة» عند البیت 70 للألفیة:

70. فی الباقیات واضْطراراً خَفَّفا
 
 

 

مِنّی وعَنّی بَعْضُ مَنْ قد سَلَفا
 
 

فابن‌‌عقیل یعدّه شاذاً، وأمّا السیوطی فیقول فیه: «(واضطراراً خَفّفا) نونَ (منّی وعنّی بعضُ من قد سلفا) من الشعراء، فقال:

أیُّهَا السّائلُ عَنْهُمْ وعنِی
 
 

 

لَسْتُ مِنْ قَیْسَ ولا قَیْسُ مِنی
 
 

والاختیار فیهما إلحاق النون کما هو الشائع الذائع، على أنّ هذا البیت لا یُعرَف له نظیر فی ذلک، بل ولا قائلٌ» (1386هـ. ش، 55؛ آ 1368هـ. ش، ص 74). فقوله: «لایُعرف له نظیر فی ذلک بل ولا قائلٌ»، ربما یدلّ على کونه من الشواذ، ولکن لم یصرّح به.

والمثال الثانی هو استشهاد السیوطی فی البحث عن «الکلام وما یتألّف منه» بشاهد ذیل الرقم 11 للألفیة:

11. بتا فَعَلْتَ وَأتتْ، ویا افْعَلی
 
 

 

وَنُونِ أقبلَنَّ فِعْلٌ یَنجلی
 
 

فیقول: «ولا یقدح فی ذلک دخول النون على الاسم فی قوله: "أقائلُنّ أَحضِروا الشُّهودا" لأنه ضرورةٌ» (1386هـ. ش، ص 17؛ آ 1368هـ. ش،ص 21)، فلا یشیر إلى لفظة «شاذّ» ثم یستشهد به مرّة أخرى فی البحث عن «نونا التوکید» فی شرح البیت 638 للألفیة:

638. وَغَیْر إِمَّا مِنْ طَوالبِ الجَزا
 
 

 

وَآخِرَ المُؤَکّدِ افْتَحْ کَابْرُزا
 
 

فیقول: «وأشذّ من هذا توکید اسم الفاعل فی قوله:

أرأیتَ إن جاءتْ به أُملودا
 
 

 

مُرجّلاً ویَلبسُ البُرودا
 
 

ولا یُرى مالاً له معدودا
 
 

 

أقائلُنّ أحضِروا الشُّهودا»
 
 

 (1386هـ. ش، ص 441؛ ب 1368هـ. ش، ص 593)

فاعتبره هنا شاذاً على أن موضع الشاهد واحد، وإن استشهد بهما تحت عنوانین متباینین.

5. مقارنة قاعدة مع أخرى: فیبیِّنان قاعدة، ثم یقارنانها بما فی کلام العرب. ولکلا الشارحین شاهد مشترک فی البحث عن «نعم وبئس» عند الرقم 494 للألفیة:

494. وَأَوْلِ ذَا المَخصوص أیّاً کان لا
 
 

 

تَعْدِلْ بذا فهو یُضاهی المَثَلا
 
 

فیقول ابن‌عقیل (ب 1381):

أی: أوْقعِ المخصوصَ بالمدح أو بالذمِّ بعد ذا على أیّ حال کان، من الإفراد، والتذکیر، والتأنیث، والتثنیة، والجمع، ولا تُغَیَّرُ ذا لتغیُّر المخصوص، بل یلزم الإفراد والتذکیر؛ وذلک لأنها أشبهت المثلَ، والمثلُ لا یُغَیَّر، فکما تقول: "الصَّیفَ ضیَّعَتِ اللَّبَنَ" للمذکر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع بهذا اللفظ» (ص 160).

ویقول السیوطی: «و(لا تعدل بذا) بأن تُغیِّرَ صیغتَها، بلِ ائتِ بها باقیةً على حالها؛ نحو: حَبّذا هندٌ، الزَّیدان، والهندان، الزیدون، والهندون (فهو یُضاهی المَثَلا) الجاری فی کلامهم من قولهم: "فی الصّیفِ ضیّعتِ اللبن" بکسر التاء للجمیع» (1386هـ. ش، ص 353؛ ب 1368هـ. ش، ص 482). فلم یذکرا الشاهد لیستدلا به فی القاعدة، بل لبیان جَرْی القاعدة المذکورة على أمثالها.

6. بیان وجوه إعرابیة أخرى: وکثیراً ما تکون هذه الشواهد من بین القراءات الخاصة؛ من مثل استشهاد الشارحین بشاهد واحد عند البحث عن «الإضافة» فی شرح البیت 411 للألفیة:

411. قَبْلُ کَغَیْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ
 
 

 

ودُون والجهاتُ أیضاً وَعَلُ
 
 

فیقول ابن‌عقیل (ب 1381هـ. ش):

هذه الأسماء المذکورة ... لها أربعة أحوال تُبْنَى فی حالة منها، وتُعرَب فی بقیتها. فتعرب إِذا أضیفت لفظاً، ... أو حُذف المضاف إلیه ونُویَ اللفظ ... وتبقى فی هذه الحالة کالمضاف لفظاً؛ فلا تُنَوَّنُ إلا إذا حُذف ما تضاف إلیه ولم یُنْوَ لفظُه ولا معناه، فتکون حینئذ نکرةً. ومنه قراءةُ مَنْ قرأ: «لله الأمر مِنْ قَبْلٍ وَمِنْ بَعْدٍª [الروم 4:30] بجرّ «قبل» و«بعد»، وتنوینهما (ص  68).

ویقول السیوطی: «والأحسن فیها أیضاً وفیما بعدها ما اختاره الأخفش من الإعراب مطلقاً. ومثلها أیضاً (بعد)، فتُبنى وتُعرب ... وقُرئَ: «لله الأمر مِنْ قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِª [الروم 4:30]» (1386هـ. ش، ص 300 ـ 301؛ آ 1368هـ. ش، ص 405 ـ 406).

7. التطرّق إلى لغة بعض القبائل: منه أنه یأتی ابن‌عقیل بشاهدین فی البحث عن «حروف الجر» هامش البیتین 364 و365 للألفیة لبیان لغة بنی هذیل:

364. هاکَ حُروفَ الْجَرِّ وَهْیَ مِنْ   إِلى  
 
 

 

حَتّى خَلا حاشا عَدا فی عَنْ عَلى
 
 

365. مُذْ مُنْذُ رُبَّ اللّامُ کَیْ واوٌ   وتا
 
 

 

والْکافُ وَالْبا ولعلّ ومتى
 
 

فیقول: «وأما (متى)، فالجرُّ بها لغة هُذَیْلٍ، ومن کلامهم: "أخْرَجَهَا مَتَى کُمِّهِ"، یریدون "مِنْ کمه"؛ ومنه قولُه:

شَرِبْنَ بماءِ الْبَحْر ثُمَّ تَرَفَّعَتْ
 
 

 

مَتَى لججٍ خُضْرٍ، لَهُنَّ نَئیجُ»
 
 

 (ب 1381 هـ. ش، ص 12)

8. بیان ردّ المصنف لرأی الآخَرین: منه ما فی البهجة المرضیة عند البحث عن «الاستثناء» فی شرح الرقم 327 للألفیة:

327. ولسوى سُوى سَواءٍ اجْعَلا
 
 

 

عَلَى الأصَحِّ ما لِغَیْرٍ جُعِلا
 
 

ومقابل الأصح قول سیبویه إنها لا تستعمل إلا ظرفاً، ولا تخرج عنه إلا فی الضرورة. وردّه المصنف بورودها مجرورةً بمن فی قوله m: "دعوتُ ربّی ألّا یسلّطَ على أُمّتی عدوّاً مِن سِوى أنفسهم"؛ وفاعلاً فی قوله:

ولم یَبقَ سوى العُدْوا
 
 

 

نِ دِنّاهُمْ کما دانوا
 
 

ومبتدأ فی قوله:

وإذا تُبَاعُ کَرِیمةٌ أو تُشْتَرَى
 
 

 

فَسِواک بائعُها وأنْتَ المُشْتَری
 
 

واسماً للیس فی قوله:

أأترُکُ لیلَى لیس بَینی وبینها
 
 

 

سِوى لیلةٍ إنّی إذاً لصبورٌ
 
 

 (1386هـ. ش، ص 240 ـ 241؛ آ 1368هـ. ش، ص 325 ـ 326)

وکذلک ابن‌عقیل، فاستشهد بهذه الشواهد وغیرها عند شرحه لهذا البیت.

9. وقد وردتْ عدة من الشواهد لأغراض غیر نحویة: منها قول ابن‌عقیل فی البحث عن «الترخیم» لدى الرقم 608 للألفیة:

608. تَرْخیماً احْذِفْ آخِرَ المنادى
 
 

 

کَیا سُعا فیمَنْ دَعا سُعادا
 
 

وهو: «الترخیم فی اللغة: ترقیقُ الصوت، ومنه قولُه:

لَها بَشَرٌ مِثْلُ الحَریر، ومنطقٌ
 
 

 

رخیمُ الحواشی لا هُراءٌ ولا نزرُ
 
 

أی: رقیق الحواشی؛ وفی الاصطلاح: حذفُ أواخر الکلم فی النداء؛ نحو: یا سُعا، والأصل: یا سُعادُ» (ب 1381 هـ. ش: ص  263). فأراد ابن‌عقیل من بیان هذا الشاهد ذکر المعنى اللغوی للترخیم لا بیان قاعدة.

ومنها شواهد من الأحادیث الشریفة أو کلام العرب التی جاء بها السیوطی لبیان مقصود الناظم من أبیات المقدمة والخاتمة، أو ما جاء به الشارح نفسه فی البحث عن «النکرة والمعرفة ـ الضمیر» عند شرحه للبیت 54 للألفیة:

54. فما لِذی غَیْبَة أو حُضورِ
 
 

 

کأَنتَ وَهْوَ سَمِّ بالضَّمیرِ
 
 

حین یقول: «وقد عکس المصنّف المثال، فجعل الثانی للأول والأول للثانی على حدّ قوله تعالى: «یَوْمَ تَبْیَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذینَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْª [آل عمران 106:3]» (1386هـ. ش،ص 46 ؛ آ 1368هـ. ش،ص 61). فجاء السیوطی بهذه الآیة لغرض بلاغی.

ومنها ما نراه فی شرح ابن‌عقیل ذیل الرقمین 64 و65 للألفیة:

64. وَصِلْ أوِ افْصِلْ هاءَ سَلْنیهِ وَما
 
 

 

أَشْبَهَهُ فی کُنْتُهُ الْخُلْف انْتَمَى
 
 

65. کَذاکَ خِلْتَنیهِ واتِّصالا
 
 

 

أخْتارُ، غیری اخْتارَ الانفصالا
 
 

فیقول الشارح: «وکذلک المختار عند المصنف الاتصالُ فی نحو: «خِلْتَنیهِ» ... ومذهَبُ سیبویه أن المختار فی هذا أیضاً الانفصالُ؛ نحو: خِلْتَنی إیّاهُ، ومذهَبُ سیبویه أرْجَحُ؛ لأنه هو الکثیر فی لسان العرب على ما حکاه سیبویه عنهم، وهو الْمُشافِهُ لهم. قال الشاعر:

إذا قالت حَذامِ فَصَدِّقوها
 
 

 

فإنّ القولَ ما قالت حَذامِ»
 
 

(آ 1381 هـ. ش، ص 131)

جاء هذا البیت فی البحث عن «النکرة والمعرفة ــ الضمیر» کمَثَل من الأمثال، فیُرجّح رأی سیبویه على رأی ابن‌مالک، ویعترف بأن سبب ترجیحه هو تفوُّق سیبویه فی العلم والشهرة؛ ولذا قال محقق الکتاب محیی‌الدین عبد‌الحمید (آ 1381 هـ. ش):

هذا البیت قیل إنه لدسیم بن‌طارق أحد شعراء الجاهلیة، وقد جرى مجرى المثل، وصار یُضرب لکلّ من یُعتدُّ بکلامه، ویُتَمسّک بمقاله، ولا یلتفتُ إلى ما یقول غیره، وفی هذا جاء به الشارح، وهو یرید أن سیبویه هو الرجل الذی یُعتدُّ بقوله، ویعتبر نقله؛ لأنه هو الذی شافَهَ العرب، وعنهم أخذ، ومن ألسنتهم استمدّ (ص 102).

10. إکمال شواهد یُشار إلیها فی أبیات الألفیة: قد یکمّل الشارحان شاهداً أتى ابن‌مالک بعدةٍ من أجزاءه أو أشار إلیه بقوله؛ ومنه شاهدٌ ذکر فی الشرحین على هامش البیتین 397 و398 من بحث «الإضافة»:

397. وبَعْضُ ما یُضافُ حتماً امتَنَعْ
 
 

 

إیلاؤُهُ اسماً ظاهراً حَیْثُ وَقَعْ
 
 

398. کوَحْدَ لبى وَدَوالَیْ، سَعْدَیْ
 
 

 

وَشَذَّ إیلاءُ یَدَیْ للبَّی
 
 

فیقول ابن‌عقیل (ب 1381هـ. ش): «من اللازم للإضافة لفظاً ما لا یُضاف إلا إلى المضمر، وهو المراد هنا ... وشذ إضافة لبّی إلى الظاهر؛ أنشد سیبویه:

دَعوْتُ لِما نابَنی مسوراً
 
 

 

فَلَبَّىْ فَلَبَّیْ یدَی مِسورِ»
 
 

 (ص 50 ـ 52)

ویقول السیوطی: «(ولبّی) ویختصُّ بضمیر غیر الغائب؛ نحو: «لبّیک»، أی إجابةً بعد إجابةٍ. وهی عند سیبویه مثنًّى للتکثیر، وعند یونس مفرداً أصله «لبّى» ... (ودوالی) کـ «لبَّی»؛ نحو: «دوالیک»، أی تداولاً بعد تداولٍ. و(سعدَی) نحو: «سعدَیک» أی سَعداً بعد سعدٍ (وشذَّ إیلاءُ یَدَی لِلَبَّی):

دَعوْتُ لِما نابَنی مِسوراً
 
 

 

فَلَبَّىْ فَلَبَّیْ یدَی مِسورِ»
 
 

 (1386 هـ.ش، ص  288 ـ289؛ آ 1368 هـ.ش، ص 389ـ390)

فقول المصنف: «وَشَذَّ إیلاءُ یَدَیْ للبَّی» إشارةٌ إلى البیت المستشهَد به فی الشرحین.

 

نقاش مقارنی لاستشهاد الشارحین

بما أننا بصدد مقارنة الشواهد عند الشارحین، اخترنا ثلاثة من الشواهد المشترکة فی الشرحین لنقاش موجز حولها.

1) بعض الشواهد مشترکة بین الشرحین بشکل غیر مباشر؛ منها ما جاء به السیوطی فی البحث عن «الإضافة» ذیل الرقم 403 للألفیة:

403. وألزَمُوا إذا إضافةً إلى
 
 

 

جُمَلِ الأفعالِ کهُنْ إذا اعْتَلى
 
 

فیقول بعد شرح البیت: «ونحو: «إِذَا السَّماءُ انشَقَّتْª [الانشقاق 1:84] من باب «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِکینَ اسْتَجارَکَª [التوبة 6:9]» (1386هـ. ش، ص 292؛ آ 1368هـ. ش، ص 394). فکلتا الآیتین المذکورتین فی هذا الباب تُعدّ من باب واحد، وهو التفسیر؛ هذا ونرى الشارح استشهد بالآیة الثانیة فی البحث عن «الفاعل» فی وجوب حذف عاملِ فاعلٍ له مفسّرٌ فی ما یلیه، فلا غرو من أن تُحتسب الآیة الأولى شاهدة لباب الفاعل أیضاً کما استشهد بها ([الانشقاق 1:84]) ابن‌عقیل فی البحث عن «الفاعل»؛ فنستنتج أنهما یشترکان فی هذا الشاهد بشکلٍ غیر مباشر.

2) ومن الشواهد المشترکة بین الشارحین الشاهد الذی قد استشهدا به فی البحث عن «الموصول» عند شرح البیت 93 للألفیة:

93. وَمَنْ وما وَاَلْ تُساوی ما ذُکرْ
 
 

 

وَهکَذا «ذُو» عِنْدَ طَیِّءٍ شُهِرْ
 
 

فقال ابن‌عقیل (آ 1381هـ. ش): «وأکثر ما تستعمل «ما» فی غیر العاقل، وقد تستعمل فی العاقل ... و«مَنْ» بالعکس؛ فأکثر ما تستعمل فی العاقل، وقد تستعمل فی غیره؛ کقوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ یَمْشی عَلى أَرْبَعٍ یَخْلُقُ اللّهُ ما یَشاءُª [النور 45:24]" (ص 140).

وقال السیوطی:

(ومَن) تساوی ما ذُکر من الذی والتی وفروعها؛ أی تُطلَقُ على ما تطلق علیه بلفظ واحد، وهی مختصة بالعالِم، وتکون لغیره إن نُزّل منزلته ... أو اختلط به تغلیباً للأفضل؛ نحو قوله تعالى: «یَسْجُدُ لَهُ مَن فیالسَّماواتِ  وَمَنْ  فی الْأَرْضِª [الحجّ 18:22]، أو اقترن به فی عمومٍ فُصِّل بمِن؛ نحو قوله تعالى: «وَاللّهُ خَلَقَ کُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ یَمْشی عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ یَمْشی عَلى رِجْلَیْنِª [النور 45:24] (1386هـ. ش، ص 72 ـ 73؛ آ 1368هـ. ش، 95 ـ 96).

فحین یدقق القارئ النظر فیما قال الشارحان، وفی استشهادهما بالآیة الشریفة من سورة النور، یظهر له أن قول السیوطی واستشهاده بالآیة أدق مما ذهب إلیه ابن‌عقیل؛ لأنهما یقصدان ذکر شاهد لجواز استعمال «مَن» لغیر العاقل؛ فیُعبِّر ابن‌عقیل عنه بکلامه: «وقد تستعمل فی غیره»، والسیوطی بقوله: «أو اقترن به فی عمومٍ فُصِّل بمِن»؛ فنظراً إلى ما مرّ، وأن فی الآیة الشریفة ذُکر العاقل وغیر العاقل عموماً، ثم فصّل بمِن، یظهر أن قول السیوطی أقوى وأدقّ، وظاهر کلام ابن‌عقیل أن «من» فی الآیة لغیر العاقل فقط، لعلّه صرف النظر عمّا جاء قبلها.

3) واستشهد الشارحان بشاهد واحد فی البحث عن «أفعل التفضیل» فی هامش بیتین متباینین للألفیة، وموضع الشاهد فی الشرحین واحد. فقال ابن‌عقیل فی شرح البیتین «500» و«501»:

500. وَتِلْوُ أل طِبقُ، وما لمَعْرفَةْ
 
 

 

أُضیفَ ذو وَجْهَیْنِ عن ذی مَعْرفةْ
 
 

501. هذا إِذا نَوَیْتَ مَعْنى   مِن، وإن
 
 

 

لم تَنْوِ فهو طِبْقُ ما به قُرِنْ
 
 

إذا کان أفعلُ التفضیل بأل لزمت مُطابَقَتُه لما قبلَه فی الإفراد، والتذکیر، وغیرهما... ولا یجوز عدم مطابقته لما قبله ... ولا یجوز أن تقترن به مِن؛ فلا تقُول: زید الأفضل من عمرو؛ فأما قولُه:

وَلَسْتَ بالأکثر مِنْهُمْ حَصًى
 
 

 

وإِنَّمَا العِزَّةُ لِلکاثرِ
 
 

فیُخرَج على زیادة الألف واللام، والأصل: "ولست بأکْثَرَ منهم"، أو جَعْلِ "منهم" متعلقاً بمحذوفٍ مجردٍ عن الألف واللام، لا بما دخلتْ علیه الألف واللام، والتقدیر: "ولست بالأکثرِ أکثرَ منهم" (ب 1381هـ. ش، ص 168).

وقال السیوطی عند الرقم 498 للألفیة:

498. وَأَفْعَل التَّفْضیلِ صِلْهُ أبَدَا
 
 

 

تَقْدیراً أو لفظاً بمِن إن جُرِّدا
 
 

«(وأفعل التفضیل صله أبداً تقدیراً أو لفظاً بمن) التی لابتداء الغایة (إن جُرّدا) من «أل» والإضافة ... فإن لم یُجرَّد، فلا؛ وقوله:

وَلَسْتَ بالأکثر منْهُمْ حَصًى
 
 

 

وإِنَّمَا العِزَّةُ لِلکاثرِ
 
 

«مِن» فیه لبیان الجنس لا لابتداء الغایة» (1386هـ. ش، ص 356؛ ب 1368هـ. ش، ص 487).

فکلا الشارحین استدلّ بهذا البیت لبیان قاعدة واحدة، وهی عدم جواز اقتران «من» بأفعل التفضیل المقرون بـ «أل»، لکنهما أتیا بها ذیل البیتین المتباینین للألفیة فی البحث الواحد. وأما توجیههما للشاهد المذکور الذی ظاهره خلافٌ للقاعدة، فمتباینٌ کما هو ظاهر من کلامهما.

 

الشواهد الشعریة الملحقة بالشواهد

فی إحصاء الشواهد الشعریة أحصینا بعض الشواهد التی لم یُذکر لها فی الشرحین إلّا شطرٌ واحدٌ أو أقلُّ منه؛ وهنا جئنا بأبیاتها تامّة وفق الترتیب الأبجدی للقوافی موفّرین بعدة معلومات حولها:

1. ذُکر الشطر الأول من البیت التالی دون کلمته الأولى، فی البحث عن «إن وأخواتها» فی شرح ابن‌عقیل(آ 1381هـ. ش)؛ أی جملة «لیت الشبابَ یعودُ یوماً» (ص  318)، والبیت:

ألا لَیتَ الشّبابَ یعودُ یوماً 
 
 

 

فأُخبرَه بما فعل المَشیبُ
 
 

وأشار محیی‌الدین عبدالحمید إلى أن هذه الجملة قد وردت فی هذا البیت، ولکنه لم یحصها من الشواهد الشعریة. وربما یرجع السبب إلى کون هذا البیت من «أبی العتاهیة»، وهو من شعراء العام 130ـ 211هـ؛ وکما أُشیر فی مقدمة البحث إن العرب «الذین یُستشهد بهم ابتدأ تاریخهم من الجاهلیة إلى أواخر القرن الثانی. فآخر من استشهد به سیبویه هو إبراهیم بن هرمة المتوفى سنة 150هـ» (ولد أباه، 2001م، ص  24)، ولکننالوأحصینا الجملة المذکورة من الشواهد، لعلمنا أن ابن‌عقیل لم یقل هذا الکلام من عند نفسه، وأقدم بیت أو کلام یضمّ الجملة هو هذا البیت. فعلى هذا استشهد ابن عقیل بشعر شاعر من العصر العباسی.

2. یقول السیوطی فی خاتمة کتابه: «وقد منَّ الله تعالى بإکمال هذ الشرح المحرَّر موشّحًا من التحقیق والتنقیح بالوشی المحبّرِ، مُحرِزاً لدلائل هذا الفن، مُظهِراً لدقائق استعملنا الفکر فیها إذا ما اللیل جنّ، متحرّیًا أوجزَ العبارة» (1386هـ.ش،ص  618؛ ب 1368هـ. ش، ص 867). فیُشعر کلامه: «إذا ما اللیل جنّ» بأنه اقتبسه من کلام أحد الأدباء، وهو من بیت لعمر بن أبی ‌ربیعة المخزومی من شعراء العصر الأموی (23ــ93 هـ)، والبیت:

حَتّى إِذا ما اللّیلُ جَنَّ ظَلامُهُ
 
 

 

وَرَقَبتُ غَفلَةَ کاشِحٍ أَن یَمحُلا
 
 

3. البیت التالی لأبی‌طالب والد الإمام علی g (85 ـ 3 ق ‌هـ)، وهو من المخضرمین. جاء السیوطی بنصف من شطره الأول (نِعمَ ابنُ أُختِ القَومِ) خلال البحث عن «نعم وبئس» (1386هـ. ش، ص 348؛ ب 1368هـ. ش، ص 475)، دون أن یُشیرَ إلى کونه من قول شاعر. وهذا تمام البیت:

فَنِعمَ ابنُ أُختِ القَوم غَیرَ مُکَذَّبٍ
 
 

 

زُهَیرٌ حُساماً مُفرَداً مِن حَمائِلِ
 
 

4. جاء ابن‌عقیل (ب 1381هـ. ش) بکلمتین من البیت التالی وهما: «أصبح لیل» فی البحث عن «النداء»، مشیراً إلى أنه من قول العرب (ص 235). فأقدم شعر یضمّ هذا الکلام لبشر ابن‌ ‌أبی‌حازم (22 ق‌ هـ) الشاعر الجاهلی:

فَباتَ یَقولُ أَصبِح لَیلُ حَتّى      
 
 

 

تَجَلّى عَن صَریمته الظَلامُ
 
 

5. إن السیوطی استدل بالشطر الثانی من البیت التالی عند البحث عن «عوامل الجزم» (1386هـ. ش، ص 472؛ ب 1368هـ. ش، ص 642)؛ والبیت للشاعر الجاهلی زهیر ابن أبی‌سلمى (13 ق ‌هـ):

هَنّاکَ رَبُّکَ ما أَعطاکَ مِن حَسَنٍ
 
 

 

وَحَیثُما یَکُ أَمرٌ صالِحٌ فَکُنِ
 
 

6. استشهد السیوطی فی البحث عن «التوکید» (1386هـ. ش، ص 375؛ ب 1368هـ. ش، ص 510) بشطرٍ جاء به إمیل بدیع یعقوب مؤلف کتاب المعجم المفصل فی شواهد النحو الشعریة فی فهرس أنصاف الأبیات، ولکنه لم یشر إلى البهجة المرضیة أو السیوطی الذی استشهد به. وهذا نص کلامه:«الشطر من الرمل، وهو بلا نسبةٍ فی الدرر 6/42، وشرح الأشمونی 2/49، وهمع الهوامع 2/125» (1308:3)؛ والشطر:

أنت بالخیر حقیقٌ وقمینٌ

 

نتیجة البحث

ومن خلال هذا البحث المقارنی نحصل على النتائج التالیة:

أولاً. بعد إعادة النظر فی النتائج الإحصائیة نرى أنه استشهد کلا الشارحین کثیرًا بالأشعار المأثورة من العرب والآیات القرآنیة؛

ثانیاً. احتجاج السیوطی بالقرآن الکریم أکثر من احتجاج ابن‌عقیل بها، کما لا یقلّ من استشهاد السیوطی نفسه بالشواهد الشعریة، وهذا لیس ببعید لمن یُعدّ من حفظة القرآن، واستدلالهما بکلام العرب یکون فی المرتبة الثالثة؛

ثالثاً. استشهاد السیوطی بالحدیث الشریف أکثر من ابن‌عقیل، لکن السیوطی أتى بطائفة من هذه الأحادیث لشرح معنى أبیات المقدمة والخاتمة ل‍لألفیة،وفی البواقی همّ بإتیان الأحادیث المتواترة، کما هو رأیه فی الاستشهاد بالأحادیث، وابن‌عقیل لایعدل عن طریق الاعتدال فی ذلک. والجدیر بالذکر أننا نرى فی کل من الشرحین حدیثاً من کلام الإمام علی A، وفی البهجة المرضیة حدیثٌ آخر مما یُنسب إلى الإمام الحسن المجتبى8؛

رابعاً. مما یُستنتج من البحث هو أن شواهد الشرحین استخدمت لأغراض مختلفة؛ منها: بیان رأی المصنف، وبیان رأی النحویین. فیؤدِّی بعض الأحیان إلى بیان توجیه یوجّهه النحوی إلى شاهد مذکور. ومن الأغراض الأخرى بیان الشواذ والضرورات، وبیان وجوه إعرابیة أخرى؛ وکثیرًا ما یُستدل فی هذا المجال بالقراءات الخاصة، ومنها الإشارة إلى لغة بعض القبائل، وإیراد مؤید لما یردّ المصنف فیه قولَ الآخرین، وإکمال شواهد یُشار إلیها فی أبیات الألفیة. هذا وقد وردت شواهد لأغراض غیر نحویة؛

وأخیراً وخامساً مما جدیر بالذکر أنهما فی الاستشهاد کانا یستخدمان مصطلحاتٍ مثل: «ندر»، و«نزر»، و«ضعف»، و«قلّ»، و«شاذّ»، و«ضرورةٌ»، و«کثیرٌ» ومشتقّاتها، أو عبارات کقولهم: ذهب قومٌ. وهی لبیان مدى استعمال کل قاعدة فی الکلام الفصیح.

وبهذا تمّ البحث عن الاستشهاد فی الشرحین الشهیرین للألفیة، وبالله التوفیق وإلیه المآب.

 



[1]. استَشهد: «تعرّض أن یُقتل فی سبیل الله، والرجل فلاناً: طلب منه أن یشهد؛ وبکذا: احتج به؛ واستُشهد فلان: قُتل شهیداً. والشاهد: من یؤدّی الشهادة؛ والدلیل؛ وشبه مخاط یخرج مع المولود ج: شُهود وأَشهاد وشُهَّد وشَهْد، وجمع غیر العاقل: شواهد؛ وصلاة الشاهد: صلاة المغرب وصلاة الفجر» (المعجم الوسیط، «ش‌ه‌د»).

أ) العربیة

•   القرآن الکریم.       

1ـ ابن‌ الرسول،سیدمحمدرضا. (1379هـ. ش). «استشهاد به نهج البلاغه در کتب معتبر نحوى». مجله دانشکده ادبیات وعلوم انسانى. دانشگاه فردوسى مشهد 3و4: 737 ــ 754.

2ـ ابن ‌حجر العسقلانی،أحمد بن ‌علی. (1413هـ/1993م). الدرر الکامنة فی أعیان المأة الثامنة. (ج 2). بیروت: دار الجیل.

3ـ ابن‌ عقیل،عبدالله بن ‌عبدالرحمن. (آ 1381 هـ .ش). شرح ابن‌عقیل على ألفیة ابن‌مالک (ومعه کتاب منحة الجلیل بتحقیق شرح ابن‌عقیل). (تحقیق محمد محیی الدین عبدالحمید). (ج 1). طهران: استقلال.

4ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (ب 1381 هـ .ش). شرح ابن‌عقیل على ألفیة ابن‌مالک (ومعه کتاب منحة الجلیل بتحقیق شرح ابن‌عقیل). (تحقیق محمد محیی الدین عبدالحمید). (ج 2). طهران: استقلال.

5ـ أبو‌غربیة،عصام عید فهمی. (2006م). أصول النحو عند السیوطی بین النظریة والتطبیق. القاهرة: الهیئة المصریة العامة للکتاب.

6ـ البغدادی،عبد القاهر بن ‌عمر. ( 1409هـ/1989م). خزانة الأدب ولب لسان العرب. تحقیق وشرح عبد السلام محمد هارون.  (ج 1). (ط 3). القاهرة: مکتبة الخانجی.

7ـ سیبویه، عمرو بن ‌عثمان. (1403 هـ/1983م). الکتاب. (تحقیق وشرح محمد عبدالسلام هارون). (ج 5). (ط 2). بیروت: عالم الکتب.

8ـ السیوطی، عبدالرحمن بن أبی‌بکر. (د.ت).  الاقتراح فی علم أصول النحو. (تحقیق وتعلیق أحمد محمد قاسم).  قم: نشر أدب الحوزة.

9ــ ـــــــــــــــــ. (1386هـ.ش). البهجة المرضیة لجلال الدین السیوطی على ألفیة ابن‌مالک. (تعلیق السید علی الحسینی). (ط 3).  قم: دار الفکر.

10ــ ـــــــــــــ. (آ 1994م). عقود الزبرجد فی إعراب الحدیث النبوی. (حقّقه وقدّم له دکتور سلمان القضاة).  (ج 1). بیروت:دار الجیل.

11ــ ـــــــــــــ. (ب 1994م). عقود الزبرجد فی إعراب الحدیث النبوی. (حقّقه وقدّم له دکتور سلمان القضاة).  (ج 3). بیروت:دار الجیل.

12ــ ـــــــــــــ. (د.ت). المزهر فی علوم اللغة وأنواعها. (شرحه وصححه وضبطه وعنون موضوعاته وعلّق حواشیه محمد أحمد جاد المولى بک، محمد أبو الفضل إبراهیم، علی محمد البجاوی). (ج 1). القاهرة: مکتبة دار التراث.

13ـ الشرقاوی، السید دسوقی إبراهیم. (1421هـ/2001م). معاجم غریب الحدیث والأثر والاستشهاد بالحدیث فی اللغة والنحو. القاهرة: مکتبة الخانجی.

14ـ الشیرازی، سیدصادق. (آ 1368هـ. ش/1409هـ.ق). شرح السیوطی، توضیحات للبهجة المرضیة فی شرح الألفیة.  (ج 1). (ط 2).   قم: دارالإیمان.

15ــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1368هـ. ش/1409هـ.ق). شرح السیوطی، توضیحات للبهجة المرضیة فی شرح الألفیة. (ج 2). (ط 2).   قم: دارالإیمان.

16ـ ضیف، شوقی. (1983م). المدارس النحویّة. (ط 5). القاهرة: دار المعارف.

17ـ المبارک، مازن. (1401هـ/1981م). النحو العربی العلة النحویة: نشأتها وتطوّرها. (ط 3). بیروت: دار الفکر.

18ـ مجمع اللغة العربیة. (1412هـ/1372هـ. ش). المعجم الوسیط. (ط 4). طهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامی.

19ـ مدنی، سیدعلی خان بن أحمد. (د. ت). الحدائق الندیة فی شرح الفوائد الصمدیة. قم: دار الهجرة.

20ـ ولد أباه، محمد المختار. (1422هـ/2001م). تاریخ النحو العربی فی المشرق والمغرب. (مراجعة محمد توفیق أبو علی ونعیم علویة). بیروت: دار التقریب بین المذاهب الإسلامیة.

21ـ یعقوب، إمیل. (1413هـ/1992م). المعجم المفصل فی شواهد النحو الشعریة. بیروت: دار الکتب العلمیّة.

 

ب) الفارسیة

22ـ مشیرفر، شیوا. (1371 هـ. ‌ش). «شرح و بررسى شواهد قرآنى أوضح المسالک إلى ألفیّة ابن مالک» (پایان نامه کارشناسى ارشد) دانشگاه تربیت مدرس.