حقل الألفاظ الدالّة على أعضاء الإبل فی نهج البلاغة (دراسة دلالیة جمالیة)

نوع المستند: المقالة الأصلية

المؤلفون

1 أستاذ مساعد فی قسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة لرستان (الکاتب المسؤول).

2 ** أستاذ مساعد فی قسم اللغة العربیة وآدابها بجامعة لرستان

3 طالبة الماجستیر فی قسم نهج البلاغة فرع أصول الدین والمعارف العلویة بجامعة لرستان

المستخلص

لقد کان للإبل أهمیة بالغة وشأن عظیم فی حیاة العرب القدامى، وقد نرى صدى ذلک فی لغتهم حیث وضعوا للدلالة على هذا الحیوان وما یتعلّق به من آلات وأدوات مفردات کثیرة أدّت إلى توسیع نطاق هذا الحقل الدلالی توسیعاً لافتاً، فلا بدع أن نشاهد فی نهج البلاغة أیضاً حضور هذه المفردات واستعمالها بأسالیب أدبیّة بلاغیّة. تنوی هذه الدراسة بمنهج وصفی تحلیلی أن تعالج دلالات وأسالیب استعمال الألفاظ الدالّة على أعضاء الإبل التی وردت فی نهج البلاغة وما أبدعه الإمام فیه بواسطتها من أغراض ومعان وتعبیرات، وقد حصلنا على نتائج لافتة؛ منها أنّ الإمام وظّف هذه التعبیرات توظیفاً مجازیّاً لیفید أغراضاً تدور حول الإسلام والعقیدة وأهل البیت والعبادة والحثّ على الجهاد فی معظم الأحایین بغیة أن یجسّد للمخاطبین تلک المفاهیم عبر تعبیرات وألفاظ مأنوسة یلمسونها فی حیاتهم.

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The analysis of semantics and esthetics of words indicating the body of camel words in Nahj-ol-Balaghah

المؤلفون [English]

  • aliakbar moradiyan ghobadi 1
  • sayed mahmood mirzaee alhoseyni 2
  • sedighe karami 3
1 Assistant professor, Lorestan University
2 Assistant professor, Lorestan University
3 *MA Student, Lorestan University
المستخلص [English]

Camel has of more importance in Arabian ancient life and great site and we can see its reflex in their language so that they use for this animal and its tools and the other related instruments for indicating it that has caused the interesting expansion of the frame of the sematic area. So when in Nahj-ol-Balaghah, the presence and the use of these words we see them in a literary ways, should not be surprised. This study with analytical- descriptive way tries that their reasons and the way of word's use indicating words body of camel exist so that it examines in Nahj-ol-Balaghah purposes, concepts and interpretations that Imam has created with help of them that in which we have achieved significance results. Including Imam has utilized these interpretations metaphorically, and mostly the purposes around Islam and believe and the household of the prophet of Islam and their guardianship and worship and encouragement to Jehad shows so that by interpretation and significant words, that they touch in their life, describe those concepts.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Imam Ali (a)
  • Nahj-ol-Balaghah
  • Semantics
  • esthetics
  • Camel
  • the body of camel words

 

المقدمة

لنهج البلاغة أهمّیة فائقة لدى المسلمین بعامّة والشیعة بخاصّة وهی مختارات من کلام الإمام علیّ  A  جمعها الشریف الرضی بمعونة ذوقه السلیم وقریحته الوقّادة فی ثلاثة أقسام؛ خصّ قسماً بخطب الإمام A وقسماً آخر برسائله ومکاتیبه والقسم الثالث بقصار الکلام.

قد استعملت فی هذا الکتاب مفردات وتعبیرات خاصّة بالحقل الدلالی للفظة الإبل بصورة متمیّزة وأسلوب خاصّ تنمّ عن مدى أهمیّة هذا الحیوان فی حیاة العرب آنذاک حیث إنّ هذا الحیوان تکیّف وانسجم مع طبیعة صحاریهم الحارّة الجرداء فاستأنس بهم وأنسوا به، وألموّا بسلوکیّاته وأمراضه وأدوائه وبکثیرٍ ممّا یمتّ إلیه بصلة.

قد حفل کلام الإمام علی A فی نهج البلاغة بمفردات هذا الحقل الدلالی وأبدع الإمام A  بمعونتها صوراً بدیعة الجمال تناسب الحال والمقتضى والمقام وقد افتنّ فی استعمال أسمائها وصفاتها المتعدّدة والمختلفة والمتباینة أحیاناً لبیان مقاصده.

ننوی فی هذا المقال دراسة المفردات الدالّة على أعضاء الإبل، التی تمّ استعمالها فی نهج البلاغة، وهی الجران، والغارب، والسنام والشقشقة دراسة دلالیة جمالیة، حیث یتکوّن المقال من أربعة مباحث وفق المفردات التی نعالجها.

وقد رأینا أنّ الإمام A صاغ بمعونة هذه المفردات صوراً بلاغیة متعددة ومتنوّعة تعبّر عن مفاهیم وأغراض ترتبط بالعقیدة والإسلام وأهل البیت وولایتهم ومسائل أخرى ترتبط بعصر الغیبة والإمام المهدی (عج) والخلافة والعبادة والزهد، وکذا یمدح أصحابه وینبّههم بما یهدّدهم من الفتن المحدقة ولاسیما فتنة بنی أمیة.

منهج البحث

استخرجنا فی هذا البحث التعبیرات التی ترتبط بهذه الألفاظ فی نهج البلاغة أوّلاً، ثمّ بحثنا عن دلالات المفردات المعنیة فی المعاجم والقوامیس اللغویة، ثم ناقشنا الموضوع بمعونة شروح نهج البلاغة وأخیراً تمّ تحلیل المعطیات ودراستها حسب المنهج الوصفی التحلیلی.

وسؤال البحث فی هذا المقال هو: ما هو أسلوب الإمام A فی توظیف المفردات الدالّة على أعضاء الإبل حسب ما جاء فی نهج البلاغة؟

ونفترض أنّ الإمام  A استعان فی خلق الصور البلاغیة البدیعة بهذه المفردات لأنّها کانت مألوفة لدى مخاطبیه.

سابقة البحث

لقد ألّف بعض الباحثین أبحاثاً تختلف عما ننوی دراسته، منها:

1ـ "الإبل فی القرآن والأدب العربی" هذه المقالة  کتبها یحیى معروف وتمّ طبعها فی مجلة العلوم الانسانیة سنة 2005م، ولم یتعرّض المؤلّف فیها لنهج البلاغة موضوع بحثنا بتاتا.

2ـ "نگاهی نمادین به حضور شتر در شعر دوره جاهلی" (نظرة رمزیة إلى حضور الإبل فی الشعر الجاهلی) هذه المقالة کتبها الدکتور رضا أفخمى وتمّ  طبعها فی مجلة الأدب العربی سنة 2005م، وهی کسابقتها حیث لا تزاول موضوع بحثنا نهج البلاغة.

3ـ "یادکرد حیوانات در نهج البلاغه" (ذکر الحیوانات فی نهج البلاغة)، هذه المقالة أیضاً تم طبعها فی مجلة "فرهنگ جهاد" سنة 2005م، وهی تتناول الحیوانات بعامّة فی نهج البلاغة وتدرس عددا یسیرا جدّاً من أسماء الإبل ولا غیر، إذاً یختلف عنها موضوع دراستنا إذ نحن نتناول الألفاظ الدالّة على أعضاء الإبل ولیس الإبل بمطلقه.

4ـ "بررسى بافت مدارانه دلالت ضمنى اندام واژه‌ها در نهج البلاغة" (دراسة سیاقیة لظلال المعانی للمفردات الدالّة على أعضاء الإنسان فی نهج البلاغة)، کتبتها زینب فتاحی و آخرون سنة 1395وهی لم تعالج أعضاء الإبل.

یختلف بحثنا هذا طبعاً عن البحوث المذکورة؛ لأنّها إمّا لا تدرس الموضوع دراسة دلالیة جمالیة، أو لا تعالجها فی نهج البلاغة ویتعیّن الأخذ بعین الاعتبار أنّنا نقوم بدراسة الألفاظ الدالّة على أعضاء الإبل وهذا الموضوع لم تتطرّق إلیه الدراسات السابقة بتاتاً.

1ـ البحث

بما أنّ للإبل أهمّیة فائقة فی حیاة العرب فی العصر الجاهلی والعصور التی تلته ولاسیّما العصر الراشدی، حیث وضعوا مفردات جمّة للدلالة على هذا الحیوان حسب جنسه وعمله وسنّه وما أشبه ذلک کما وضعوا ألفاظاً کثیرة للأشیاء والمعدّات المتعلّقة به وألفاظاً کثیرة لأعضائه، وقد تم استعمال بعض هذه الألفاظ الدالّة على أعضائه فی نهج البلاغة وهی ألفاظ الجران والغارب والسنام والشقشقة، ونحن الآن بصدد دراسة دلالات وصور هذه المفردات والتعبیرات فی نهج البلاغة کلّ على حدة.

2ـ 1ـ الجران

لقد وردت لفظة الجران فی نهج البلاغة أربع مرّات، وقد ورد فی معاجم اللغة فی تحدید دلالة هذه اللفظة ما یأتی: "الجِرانُ: باطن العُنُق، وقیل: مُقدَّم العنق من مذبح البعیر إلى منحره، فإذا برَک البعیرُ ومدّ عنُقَه على الأَرض قیل: أَلقى جِرانَه بالأَرض" (انظر: الفراهیدی، 1410؛ ابن منظور، 1414؛ الصاحب، 1414، ذیل مادة «ج‌رن»).

2ـ 1ـ 1ـ التعبیر الأوّل

"حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِیاً جِرَانَهُ وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ" (الخطبة 56).

یتحدّث الإمام فی هذه الفقرة حول بسالة أصحاب النبی J وشجاعتهم واستماتتهم فی الدفاع عن رسول الله J وحوزة الإسلام، وهنا تدلّ عبارة "مُلْقِیاً جِرَانَهُ" أیضاً على الاستقرار والثبات، ومجاورة هذا التعبیر لمادّتی التبوّء والتوطّن تفصح عن هذه الدلالة وتؤکد علیها.

یرى ابن میثم أنّ الإمام "استعار لفظ الجران، ورشّح تلک الاستعارة بالإلقاء ملاحظة لشبهه بالبعیر الذی أخذ مکانه، وکذلک استعار لفظ التبوّء ونسبه إلى الأوطان تشبیهاً له بمن کان من الناس خائفا متزلزلا لا مستقرّ له ثمّ اطمأنّ واستقرّ فی وطنه. واستعار لفظ الأوطان لقلوب المؤمنین، وکنّى بتبوّء أوطانه عن استقراره فیها" (البحرانی، 1430، ص 274).

ویمکن أن ننظر إلى قوله A "ومتبوّء أوطانه" من وجهة نظر أخرى، فیتمّ تخریجه استعارة مکنیة، إذ إنّ الإمام شبّه الإیمان بالإنسان الذی یرید أن یحلّ فی وطنه ویستقرّ فی مأواه، ثمّ حذف المشبّه به (المستعار منه) وهو الإنسان وأتى بما یلائمه ویخصّه وهو الوطن، فهذه الصور على هذا التخریج الذی ذکرناه استعارة مکنیة وإثبات الأوطان له استعارة تخییلیة.

والإمام الخوئی وهو مرجع دین شیعی یشرح الصور البلاغیة المتمثّلة فی الاستعارة المکنیة والتخییلیة فی کلامه A حیث یقول: "(حتّى) انتظم أمر الدّین و(استقرّ الإسلام ملقیا جرانه) تشبیه الإسلام بالبعیر استعارة بالکنایة وإثبات الجران تخییل وذکر الإلقاء ترشیح وکذلک قوله (ومتبوّء أوطانه) استعار لفظ التبوّء ونسبه إلى الأوطان تشبیها له بمن کان من النّاس خائفا متزلزلا غیر مستقرّ ثمّ اطمأنّ واستقرّ فی وطنه، واستعار لفظ الأوطان لقلوب المؤمنین وکنّى بتبوّء أوطانه عن استقراره فیها" (الخوئی، 1400، ج 4، ص 333)، أو ـ حسب تعبیر محمد عبده ـ کنّى به عن التمکن إلیها (عبده، 1990، ص 178).

 

2ـ 1ـ 2ـ التعبیر الثانی

"فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ وَضَرَبَ بِعَسِیبِ ذَنَبِهِ وَأَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِیَّةٌ مِنْ بَقَایَا حُجَجهِ خَلِیفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِیَائِهِ" (الخطبة 182).

یحسن قبل دراسة هذه الفقرة الکشف عن معنى "عسیب الذنب" وهی کما قال اللغویون أصل الذنب، أو عظمه أو منبت الشعر منه (ابن سیده، د.ت، مادة «ع‌س‌ب»)، وکذا یزید ابن منظور: "والعَسِیبُ والعَسِیبةُ: عَظْمُ الذَّنَب، وقیل: مُسْتَدَقُّهُ، وقیل: مَنْبِتُ الشَّعَرِ منه" (ابن منظور، المصدر نفسه، مادة «ع‌س‌ب»).

هذه الفقرة من کلامه A وردت حول بدایة أمر ظهور مولانا الإمام الثانی عشر المهدی (عج) واختفائه وغیبته قبل الفرج، وهذه الغیبة والاختفاء حسب رأی الشیعة ابتدأ بعد زمنٍ یسیرٍ من ولادة الإمام (عج) إلى ظهوره وتشمل عصر الغیبة الصغرى والغیبة الکبرى، أما إخواننا أبناء أهل السنّة فمعظمهم ومنهم ابن أبی الحدید المعتزلی یرون أنّه (عج) غیر موجود الآن یخلقه الله تعالى فی آخر الزمان إلا أنّهم یؤکدون على أنّه (عج) سیکون له فی بدایة أمره اختفاء وغیبة حتّى یستقرّ الإسلام ویسع نطاق حوزته ویلقی بجرانه (ابن أبی الحدید، 1404، ج 7، ص 94).

هنا أیضا یشبّه الإمام الدیانة الإسلامیة بالإبل على سبیل الاستعارة بالکنایة وإثبات الجران للإسلام تخییل، وهنا یدلّ کلامه A "أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ" على الضعف وعدم الحرکة والنشاط ولاسیّما إذا أخذنا بعین الاعتبار أنّ هذه العبارة جاورت عبارتین أخریین تدلان على هذا المعنى وهما "اغْتَرَبَ الْإِسْلاَمُ"، وَ"ضَرَبَ بِعَسِیبِ ذَنَبِهِ"، حیث تدلان أیضاً على الضعف والغربة وعدم الحرکة.

یؤید ابن أبی الحدید ما ذهبنا إلیه عندما یشرح هذه الفقرة ویقول: "ثم قال هو مغترب إذا اغترب الإسلام ـ یقول هذا الشخص یخفی نفسه ویحملها إذا اغترب الإسلام ـ واغتراب الإسلام ـ أن یظهر الفسق والجور على الصلاح والعدل ـ قال A بدأ الإسلام غریبا وسیعود کما بدأ قال وضرب بعسیب ذنبه وألصق الأرض بجرانه ـ هذا من تمام قوله إذا اغترب الإسلام ـ أی إذا صار الإسلام غریبا مقهورا ـ وصار الإسلام کالبعیر البارک یضرب الأرض بعسیبه ـ وهو أصل الذنب ویلصق جرانه وهو صدره فی الأرض ـ  فلا یکون له تصرف ولا نهوض" (1404، ج 10، ص 99).

ویؤیّد ابن میثم نفس هذا المعنى إذ یعتبر کلامه A هذا "إشارة إلى إخفاء نفسه (عج) وإیثاره العزلة عند اغتراب الإسلام وضعفه وظهور البدع والمنکرات [...] واستعار لفظ العسیب والذنب والجران ملاحظة لشبهه بالبعیر البارک، وکنّى بذلک عن ضعفه وقلة نفعه فإنّ البعیر أقلّ ما یکون نفعه حال بروکه" (المصدر نفسه، ص 590).

إذن فهذا الکلام من ملاحم الإمام علی A حول الإمام المهدی (عج)، وعبارة "وَأَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ" تنبئ عن لزومه الصمت وقعوده عن واجبه بسبب ضعفه وقلّة أعوانه فی عصر الغیبة، وألفاظ الإلصاق والأرض والاغتراب تنمّ عن هذا المعنى.

ویجدر بالإشارة إلى أنّ عبارتی "ضَرَبَ بِجِرَانِهِ" و"ألقى جِرَانَهُ" تدلان على الاستقرار والسعة، کما أنّ تعبیر "أَلْصَقَ بِجِرَانِهِ" یدلّ على الضعف والضیق، وذلک حسب المفردات والتعبیرات التی صاحبت هذه الألفاظ وهی (ضَرَبَ أو ألقى أو أَلْصَقَ) وما جاورتها من مفردات وتعبیرات فی هذا النسیج اللغوی، وهی "أَقَامَ وَاسْتَقَامَ"، وتَتَبَوَّأ أَوْطَانَهُ، و"قَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ"، و"اغْتَرَبَ الْإِسْلاَمُ"، وَ"ضَرَبَ بِعَسِیبِ ذَنَبِهِ".

2ـ 1ـ 3ـ التعبیر الثالث

"وَسُئِلَ Aعَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ J غَیِّرُوا الشَّیْبَ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْیَهُودِ ، فَقَالَ A: إِنَّمَا قَالَ J ذَلِکَ وَالدِّینُ قُلٌّ فَأَمَّا الْآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ فَامْرُؤٌ وَمَا اخْتَارَ" (الحکمة 17).

هذه العبارة فی کلام الإمام "ضرب بجرانه" تدلّ على اتّساع رقعة الإسلام والاستقرار والثبات فیها، وترمز إلى القوّة والتوسّع، وفیها نفس الاستعارة المکنیة والاستعارة التخییلیة اللتین ناقشناهما فی المثالین السابقین وهی: تشبیه الإسلام بالبعیر استعارةً بالکنایة وإثبات الجران تخییلا إلا أنّ عبارة "قَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ" هنا تجرید.

کان الرسول J یأمر أهل الشیب من المسلمین بالخضاب وکان ینفّرهم عن ترکه حتّى ینظر إلیهم الکفار بعین القوّة والشبیبة وجعله الإمام فی عصره مباحاً حیث کثر المسلمون وضعف الکفّار (البحرانی، 1430، ص 939).

جدیر بالذکر أنّ الإمام الخوئیّ یعتقد أنّ هذا التعبیر یبین الحکم الاستحبابی للخضاب قائلاً: "أمره Jبتغییر الشیب بالسّواد أو الحناء، ظاهره الوجوب لحکمة ذکره Aفقوله: فامرؤ وما اختار، إعلام لنسخه فإنه قد ینسخ السّنة کما ینسخ القرآن، والظاهر أنه على وجه الاستحباب فقوله: فامرؤ وما اختار، ترخیص لترکه فإنّ الاستحباب مرکب من الأمر وترخیص الترک ولا ینافی بقاء الحکم الاستحبابی زوال الحکمة التشریعیّة کما فی وجوب أو استحباب غسل الجمعة المشرّعة لإزالة عفونة الإبط من الأعراب، ویشمل البریئین منها، فقول ابن میثم فی الشرح: إنّه Aجعله من المباح، مورد تأمّل فإنّ الأخبار الواردة فی فضل الخضاب واستحبابه مطلقا غیر قابلة للردّ والانکار" (الخوئی، 1400، ج 21، ص 34).

2ـ 1ـ 4ـ التعبیر الرابع

"وَوَلِیَهُمْ وَالٍ فَأَقَامَ وَاسْتَقَامَ حَتَّى ضَرَبَ الدِّینُ بِجِرَانِهِ" (الحکمة 467).

یشیر الإمام إلى أحد الولاة وهو النبیّ الأکرم J أو سلمان الفارسی حیث أدّى تدبیره وحنکته إلى نشوء وإقامة الدیانة الإسلامیة واتّساع رقعة الإسلام بعبارة موحیة استخدم فیها لفظة الجران فی صورة بلاغیة معبّرة ومؤثّرة یصرّح فیها أنّه استقام فی الصراط المستقیم والطریق السویّ حتّى استقرّ الحقّ، ووسع نطاق حوزته والتعبیر الکنائی "ضَرَبَ الدِّینُ بِجِرَانِهِ" یدلّ على الاستقرار والثبات، ولفظتا "أَقَامَ" وَ"اسْتَقَامَ" ترسّخان هذا المعنى وتؤیّدانه.

یشرح ابن أبی الحدید هذه الصورة البلاغیة بقوله: "استعار أمیر المؤمنین A هذه اللفظة ـ لسعة رقعة الإسلام ـ وکذلک استعار قوله وضرب بجرانه أی أقام وثبت ـ وذلک لأن البعیر إذا ضرب بجرانه الأرض ـ وجرانه مقدم عنقه فقد استناخ وبرک" (ابن أبی الحدید، 1404، ج 18، ص 124).

وهذه العبارة لها معنى کنائی أیضاً إذ إنّ عبارة "وضربه بجرانه کنایة بالوصف المستعار عن استقراره وتمکنه کتمکن البعیر البارک من الأرض" (البحرانی، 1430، ص 1030).

2ـ 2ـ الغارب

قد جاء فی قوامیس اللغة فی شرح هذه المفردة قولهم: "الغَارِبُ: الکَاهِلُ من الخُفّ، أَو هو مَا بَیْنَ السَّنَام والعُنُقِ، ج غَوَاربُ". (الزبیدی، 1414؛ ابن منظور، 1414، مادة «غ‌رب»).

وردت لفظة الغارب فی نهج البلاغة فی ثلاثة تعبیرات وهی:

 

2ـ 2ـ 1ـ التعبیر الأوّل

"وَالَّذِی فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْلَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِیَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا یُقَارُّوا عَلَى کِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَیْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَیْتُ آخِرَهَا بِکَأْسِ أَوَّلِهَا وَأَلْفَیْتُمْ دُنْیَاکُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِی مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ" (الخطبة 3).

یشبّه الإمام فی هذا الکلام أیضاً الخلافة بالإبل على سبیل الاستعارة المکنیة ـ کما سبق ـ إلا أنّ المستعار له هنا هو الخلافة بدل الدنیا فی الکلام السابق، وروعة هذه الاستعارة المکنیة هی أنّها استعارة مکنیة ترشیحیة حیث إنّ الاستعارة المکنیة أبلغ من الاستعارة التصریحیة والاستعارة الترشیحیة أبلغ من الاستعارتین المطلقة والمجرّدة، فإذن زاد الإمام جمالیة الترشیح على جمالیة الاستعارة المکنیة فی کلامه هذا، وقد شرح الإمام الخوئی هذه الاستعارة بقوله: "شبّه الخلافة بالنّاقة التی یترکها راعیها لترعى حیث تشاء ولا یبالی من یأخذها وما یصیبها، وذکر الغارب وهو ما بین السّنام والعنق تخییل وإلقاء الحبل ترشیح" (الخوئی، 1400، ج 3، ص 112- 113).

ویحسن الإشارة إلى أنّ هناک صوراً بلاغیة أخرى تزید فی جمالیة المعنى فی هذا التعبیر، ومنها رأی ابن میثم حیث یعتقد أنّ کظة الظالم کنایة عن قوّة ظلمه وسغب المظلوم کنایة عن قوّة ظلامته، وقوله ألقیت حبلها على غاربها استعارة إذ استعار وصفا من أوصاف الناقة للخلافة أو للأمّة وکنّى بها عن ترکه لها وإهماله لأمرها ولمّا استعار لها لفظ الغارب جعل لها حبلاً تلقى علیه وهو من ترشیح الاستعارة وأصله أنّ الناقة یلقى زمامها على غاربها فتترک لترعى (البحرانی، 1430، ص 163).

ومعنى کظة الظالم تخمته وبشمه، وکنى بها الإمام عن تمادیه فی العتوّ والطغیان، ومعنى سغب المظلوم جوعه وبؤسه (مغنیة، 1979، ج 1، ص 98). فالإمام بهذا التعبیر یکشف عن فلسفة السلطة وغایة الحکم حسب الرؤیة الإسلامیة، ویحصرها فی إقامة القسط والعدل ودرء الظلم وإعانة المظلومین والمضطهدین، والوقوف فی وجه المستکبرین والمستأثرین، ویعتقد أنّ تولّی أمور الناس أمانة فی عنق الوالی والعامل، ولیست الولایة للوالی بطعمة (راجع: نهج البلاغة، الکتاب 5).

وهو یبیّن هوان الدنیا لدیه بهذا الکلام کما یعرب عن حرصه واشتیاقه الشدید إلى عدم التراضی والموافقة على مظلومیّة المظلومین ویشجب عدم المبالاة والسکوت على المنکرات والمناهی عند التمکن والقدرة ولا یرى فی الخلافة خیراً إلا فی إقامة العدل والقسط.

2ـ 2ـ 2ـ التعبیر الثانی

"ذَاکَ إِذَا عَضَّکُمُ الْبَلَاءُ کَمَا یَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِیرِ" (الخطبة 187).

القتب هو "رَحْلٌ صغیر على قدر السَنام" (الجوهری، 1987، مادة «ق‌ت‌ب»). یعبّر الإمام فی هذه الفقرة عن عصر منتهى الغیبة وشدة البلایا فی ذلک الأوان و"ما یناله شیعته من البؤس والقنوط ومشقة انتظار الفرج" (ابن أبی الحدید، 1404، ج ‏13، ص 97).

وهناک تجری الاستعارة التبعیة التصریحیة أو الاستعارة المکنیة وهذه الصورة البلاغیة یشرحها الإمام الخوئی بقوله: "(ذلک إذا عضّکم البلاء کما یعضّ القتب غارب البعیر) أى یشتدّ علیکم البلاء ویؤذیکم کما یؤذى القتب غارب البعیر، فاستعار لفظ العضّ للأذیّة من باب الاستعارة التبعیّة، أو شبّه البلاء بالجمل الصعب الشموس على سبیل الاستعارة المکنیّة وذکر العضّ تخییلا، ثمّ شبه عضّ البلاء بعضّ القتب من باب تشبیه المعقول بالمعقول" (الخوئی، 1400، ج 11، ص146).

 

2ـ 2ـ 3ـ التعبیر الثالث

"إِلَیْکِ عَنِّی یَا دُنْیَا فَحَبْلُکِ عَلَى غَارِبِکِ قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِکِ وَأَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِکِ وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِی مَدَاحِضِکِ أَیْنَ الْقُرُونُ الَّذِینَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِکِ أَیْنَ الْأُمَمُ الَّذِینَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِکِ" (الکتاب 45).

هذا التعبیر "حَبْلُکِ عَلى غَارِبک" من الکنایات التی کان العرب ولایزالون یستعملونه إِذَا طَلَّقَ أَحَدُهُم امرأَته، وهی کنایة کانت تستعمل منذ العصر الجاهلی إلى یومنا هذا (انظر: الزبیدی، 1414؛ وابن منظور، 1414ق ، مادّة «غ‌ر‌ب»)، وقد استعمله الإمام هنا فی الطلاق أیضاً، یقول ابن أبی الحدید فی شرح هذه الصورة البلاغیة: "إلیک عنی أی ابعدی ـ  وحبلک على غاربک کنایة من کنایات الطلاق ـ أی اذهبی حیث شئت ـ لأن الناقة إذا ألقی حبلها على غاربها ـ فقد فسح لها أن ترعى حیث شاءت ـ  وتذهب أین شاءت لأنه إنما یردها زمامها ـ فإذا ألقی حبلها على غاربها فقد أهملت" (ابن أبی الحدید، 1404، ج 16، ص 294).

لکنّ ما زاده الإمام فی جمالیة هذا التعبیر الکنائی وأبدعه هو أنّه استعمله فی طلاق الدنیا وزخارفها وزبارجها وملذّاتها التی مثّلها الإمام بصورة امرأة. إذن یصوغ الإمام من هذه العبارة الکنائیة استعارةً کنائیة حیث شبّه الدنیا بالمرأة واستعمل الرمز الکنائی "حَبْلُکِ عَلَى غَارِبِک" تخییلاً، إذ هو من ملائمات المستعار منه (المرأة)، إضافة إلى تشبیه الدنیا المهملة أو المرأة المطلّقة بالإبل المرسلة السارحة التی لا راعی لها فترعى وتسرح حیث شاءت، أضف إلى هذا، روعة التشخیص المتکرّر عبر مخاطبة الدنیا ومحاورتها عدّة مرّاتٍ وهی "إِلَیْکِ"، "یَا دُنْیَا"، "حَبْلُکِ"، "غَارِبِکِ"، "مَخَالِبِکِ"، "حَبَائِلِکِ"، "مَدَاحِضِکِ"، "غَرَرْتِهِمْ"، "بِمَدَاعِبِکِ"، "فَتَنْتِهِمْ"، و"بِزَخَارِفِکِ". وهذا التکاثف التصویری والحشد الهائل من الصور البلاغیة بتعدّدها وتنوّعها یزید فی براعة کلام الإمام وحسنه وجماله وهو یؤکد ویصرّح على زهده فی الدنیا بهذا الأسلوب المتمیّز، وعبارة "فَحَبْلُکِ عَلَى غَارِبِکِ" الدالة على الطلاق والإهمال وسیاق بعض الجمل نحو "قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِکِ" و"أَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِکِ" و"اجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِی مَدَاحِضِکِ" کلّها بیّنة الدلالة على تشجیع الإمام وتأکیده على النفور والفرار من مهالک الدنیا، وکذا الجملتان الاستفهامیتان تکشفان مصیر الذین أحبّوا الدنیا فغرّتهم وفتنتهم وأهلکتهم ولاسیّما اسم الفعل "إلیک عنّی بمعنى ابتَعِد وتَنَحَّ" (حسن، 1966، ج 4، ص 142) یدلّ على أنّ الابتعاد عن الدنیا هو الطریق الوحید المؤدّی إلى السلامة والنجاة.

2ـ 3ـ السنام

سَنامُ البعیر والناقة: أَعلى ظهرها، والجمع أَسْنِمَة، ولعلّ استعمال السنام بمعنى أَعلاه یکون مجازاً (ابن منظور، 1414ق، مادّة «س‌ن‌م»).

هذه اللفظة قد وردت فی نهج البلاغة بصورة الفعل والاسم أربع مرّات.

2ـ 3ـ 1ـ التعبیر الأوّل

"بِنَا اهْتَدَیْتُمْ فِی الظَّلْمَاءِ وَتَسَنَّمْتُمْ ذُرْوَةَ الْعَلْیَاءِ" (الخطبة 4).

المقصود بهذا الکلام أهل البیت والمخاطبون هم الحاضرون المخالفون من قریش. والمراد أنّ أهل البیت هم سبب الهدایة وقوله تسنّمتم العلیاء أی بتلک الهدایة وقد استعار وصف السنام للعلیاء ملاحظة لشبهها بالناقة ورشّح تلک الاستعارة بذکر التسنّم وهی رکوب السنام وکنى به عن علوّهم (البحرانی، 1430، صص 164ـ 165).

وقد نصّ ابن أبی الحدید أن بعض هذه المصطلحات استعملت مجازاً حیث قال: "وأما قوله A بنا اهتدیتم فی الظلماء فیعنی بالظلماء الجهالة وتسنمتم العلیاء رکبتم سنامها وهذه استعارة" (ابن أبی الحدید، 1404، ج ‏1، ص 208).

یجدر بالذکر أنّ بإمکاننا أن نجری فی هذا الکلام إمّا استعارة أصلیة مکنیة مرشّحة أو استعارة تبعیة مصرّحة مرشّحة، وقد أجرى الإمام الخوئی الاستعارة المکنیة حیث قال: "شبّه A العلیاء بالنّاقة وأثبت لها سنامها تخییلا ورشّح ذلک بذکر التّسنّم الذی هو رکوب السّنام استعارة" (الخوئی، 1400، ج ‏3، ص 124).

کما یمکننا أن نقول: إنّه A استعار لفظة التسنّم للتّرفّع والصعود استعارة تصریحیة تبعیة، فالمعنى على أیّ حالٍ أنّ المخاطبین أیّاً کانوا قد خرجوا من ظلام الضلال والشرک ودخلوا فی ضیاء الإیمان والهدایة ونالوا العزّ والمجد والرفعة بما جاء به محمّد J وآله A من أسباب الهدى والبصیرة والنجاة.

فالسنام فی هذه التعبیرات التی قاله الإمام یدلّ على الرفعة والشرف ومجاورة هذه اللفظة مع الکلمات کـ"لَهَامِیمُ" و"یَآفِیخُ" و"الشَّرَفِ" و"الْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ" فی الفقرة الأولى، و"مُنْتَهَى" و"ذِرْوَة" فی الفقرة الثانیة، و"جَبْهَة" فی الفقرة الأخیرة تفصح عن هذا المعنى.

2ـ 3ـ 2ـ التعبیر الثانی

"وَأَنْتُمْ لَهَامِیمُ الْعَرَبِ وَیَآفِیخُ الشَّرَفِ وَالْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ وَالسَّنَامُ الْأَعْظَمُ" (الخطبة 107).

یحسن بنا قبل الخوض فی دراسة هذه الفقرة بیان دلالة المفردات الصعبة منها  وهی اللهامیم والیآفیخ، أمّا اللهامیم جمع اللِّهَم وهو الفرس السابق الذی یجری أمام الخیل، جاء فی العین: "وفَرَسٌ لِهَمٌّ: سابقٌ یَجْری أمامَ الخَیْل، لالتِهامِهِ الأَرْضَ، والجمع: لَهامِیمُ" (الفراهیدی، 1410، انظر ذیل مادّة ل ه م). وأمّا عن الیآفیخ فقد جاء فی معجم تاج العروس من جواهر القاموس ما نصّه: "الیافوخ حیْثُ الْتقَى عَظْمُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وعَظْمُ مُؤخَّرِه، وهو الموضع الذی یَتحَّرک من رأَسِ الطِّفل، وقیل: هو حیْث یکون لَیِّناً من الصَّبیّ قبل أَن یتَلاقَى العَظْمَانِ: السَّمّاعة والرَّماعة، وهو ما بینَ الهَامةِ والجَبْهة" (الزبیدی، 1414، انظر ذیل مادّة أ ف خ).

فی هذه الفقرة یشبّه الإمام أهل الکوفة مرّة بلهامیم العرب ومرّة بیآفیخ الشرف ومرّة بالأنف ومرّة أخیرة بالسنام الأعظم وهی کلّها لدینا تشبیهات بلیغة على طریقة تشبیه الجمع، وتدلّ جمیعها على الرفعة والعزّة والمجد والشرف، کما یمکن تخریج کلامه فی التعبیرات الثلاثة الأخیرة، وهی "یَآفِیخُ الشَّرَفِ وَالْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ وَالسَّنَامُ الْأَعْظَمُ"، على الاستعارة المکنیة؛ إذ إنّه u قد شبّه أهل الکوفة مرّة بإنسان له یافوخ فحذف المشبه به (المستعار منه) وهو الإنسان وأثبت لهذه الاستعارة من أعضاء الإنسان ومیزاته ما یلائم کلامه وهو الیافوخ تخییلاً، وفی الصورة الأخرى شبههم بإنسانٍ أیضاً ثمّ حذف المشبّه به (المستعار منه) إلا أنّه هذه المرّة اختار من ملائماته الأنف الذی یرمز شممه إلى العزّ والرفعة والسموّ والإباء على سبیل الاستعارة التخییلیة، أمّا فی الصورة الأخیرة فقد شبّههم بالإبل وحذف المشبه به (المستعار منه) وأثبت السنام لها على سبیل الاستعارة التخییلیة.

والإمام الخوئی یعتبر الصورتین الأولیین صورتین تشبیهیتین والأخیرتین صورتین استعاریتین، لنتأمّل فی قوله: "(وأنتم لهامیم العرب) وساداتها (ویآفیخ الشرف) تشبیههم بالیآفیخ لکونهم فی علوّهم وشرفهم بالنسبة إلى العرب کالیآفیخ بالنسبة إلى الأبدان وکذلک التشبیه بـ(الأنف المقدم والسنام الأعظم) واستعارة لفظى الأنف والسنام لهم باعتبار العزّ والشرف، فإنّ الأنف أعزّ الأعضاء وأشرفها ومتقدّم علیها وحسن الوجه به" (الخوئی، 1400، ج  7، ص 277).

و ابن میثم یرى أنّ الإمام u "استعار لفظ الیوافیخ لهم، إذ کانوا بالنسبة إلى العرب فی علوّهم وشرفهم کالیوافیخ بالنسبة إلى الأبدان، وکذلک استعار لفظ الأنف والسنام، ووجه المشابهة عزّهم وشرفهم" (البحرانی، 1430، ص 423).

2ـ 3ـ 3ـ التعبیر الثالث

"جَعَلَ اللَّهُ فِیهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَسَنَامَ طَاعَتِهِ" (الخطبة 198).

یبیّن الإمام فی هذه الفقرة أهمّیة الجهاد ومکانته العظیمة بین الفرائض الإسلامیة الأخرى. إنّ الإمام u یشبّه الطاعات بالإبل، وکأنّ کلّ طاعة بمنزلة عضو من أعضائها، وأمّا الجهاد فهو سنامها الذی هو فوق أعضاء الإبل الأخرى وعبارته على هذا التفسیر نوع من التشبیه.

ویمکن تخریج کلامه u بصورة أخرى، إذ بالإمکان أن نقول: إنّه قد شبّه الطاعات بالإبل، ثمّ حذف المشبّه به (المستعار منه) وذکر ما یلائمه وهو السنام، فهذه الصورة على هذا القول استعارة مکنیة، وإثبات السنام له تخییل.

2ـ 3ـ 4ـ التعبیر الرابع

"مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى أَهْلِ الْکُوفَةِ جَبْهَةِ الْأَنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ" (الکتاب 1).

قد شبّه الإمام u العرب بالإبل وهو ینوی أنّ أهل کلّ مدینة بمنزلة عضو من أعضائها، وهنا یشبّه أهل الکوفة بالسّنام، وبما أنّ السنام أعلى أعضاء البعیر وأشرفها فللکوفة ذروة الشرف والعلوّ والمجد.

ویحسن التنویه أخیراً بأنّه أحیاناً یدلّ السنام على الشرف والذروة (راجع: الأصمعی، 1424، ص 87)، وهذه الدلالة ـ کما رأینا ـ قریبةٌ جدّاً ممّا نواه الإمام فی معانی هذا اللفظ.

2ـ 4ـ الشِّقْشِقَة

قد ورد فی معاجم اللغة فی معنى هذه اللفظة أنّ "الشِّقْشِقَة: لهاة البعیر، وتجمع شَقَاشِقَ، ولا یکون ذلک إلا للعربی من الإبل" (الفراهیدی، 1410؛ والصاحب، 1414، مادّة «ش‌ق‌ق»). "الشِّقْشِقَةُ بالکسر: لهاةُ البَعِیرِ، لما فیهِ ملأ الشَّقّ، قالَهُ الرّاغِبُ، وقالَ الجَوْهرِی: هو شَیء کالرِّئَةِ یُخْرِجُه البَعِیرُ من فیهِ إِذا هاجَ [...] وقالَ النَّضْرُ: الشقْشِقَةُ: جِلْدَةٌ فی حَلْقِ الجَمَلِ العَربِیِّ یَنْفُخُ فیها الرِّیح، فتَنْتَفِخُ، فیَهْدرُ فِیها قال ابنُ الأثِیر: الشّقْشِقَةُ: الجِلْدَةُ الحَمْراءُ التی یُخْرِجُها الجَمَلُ من جَوْفِه، یَنْفُخُ فیها، فتَظْهَرُ من شدْقِهِ، ولا تَکُونُ إِلا للجَمَل العرَبِی" (الزبیدی، 1414؛ وابن منظور، 1414ق، مادّة «ش‌ق‌ق»).    

قد وردت هذه اللفظة مرّتین فی نهج البلاغة إحداها بصورة المفرد و الأخرى بصورة الجمع:

2ـ 4ـ 1ـ التعبیر الأوّل

"تِلْکَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ" (الخطبة 3).

یعبّر الإمام هنا عن هیاجه الذی أسفر عن أداء خطبته وانقشاع هذا الهیاج بعد ذلک، فکما أدّى به هذا الهیاج إلى إلقاء الخطبة فانقشاؤه أیضاً أسفر عن لزومه للصمت. ویجری کلامه هذا مجرى الاستعارة المکنیة، فهو ـ حسب تعبیر الإمام الخوئیّ ـ "شبّه u نفسه بالفحل الهادر فاستعار لخطبته لفظ الشّقشقة التی من خواص الفحل قیل: فی الکلام إشعار بقلّة الاعتناء بمثل هذا الکلام إمّا لعدم التأثیر فی السّامعین کما ینبغی، أو لقلّة الاهتمام بأمر الخلافة من حیث إنّها سلطنة، أو للإشعار بانقضاء مدّته، فإنّها کانت فی قرب شهادته، أو لنوع من التّقیة أو لغیرها" (الخوئی، 1400، ج 3، صص 114 ـ 115).

2ـ 4ـ 2ـ التعبیر الثانی

"لَکَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّیلٍ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَفَحَصَ بِرَایَاتِهِ فِی ضَوَاحِی کُوفَانَ فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَاشْتَدَّتْ شَکِیمَتُهُ وَثَقُلَتْ فِی الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْیَابِهَا وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وَبَدَا مِنَ الْأَیَّامِ کُلُوحُهَا وَمِنَ اللَّیَالِی کُدُوحُهَا فَإِذَا أَیْنَعَ زَرْعُهُ وَقَامَ عَلَى یَنْعِهِ وَهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَایَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ وَأَقْبَلْنَ کَاللَّیْلِ الْمُظْلِمِ وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ هَذَا وَکَمْ یَخْرِقُ الْکُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ وَیَمُرُّ عَلَیْهَا مِنْ عَاصِفٍ وَعَنْ قَلِیلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ وَیُحْصَدُ الْقَائِمُ وَیُحْطَمُ الْمَحْصُودُ" (الخطبة 101).

هذه الخطبة من ملاحم الإمام u وهو یشیر فیها إلى سلطة معاویة بن أبی سفیان أو عبد الملک بن مروان، إلا أنّ معظم شرّاح نهج البلاغة ذهبوا إلى أنّه عبد الملک بن مروان (الطریحی، 1375، ج 4، ص 81؛ والقمی، 1414، ج 5، ص 261، و ج 6، ص 92) وهناک من یرى أنّ مورد الإشارة هو السفیانی (المجلسی، 1403، ج 31، ص 551).

والإمام الخوئی یعدّد الصور البلاغیة المتعدّدة فی هذا التعبیر کما یلی (الخوئی، 1400، ج 7، صص 171 ـ 172):

1ـ )فإذا فغرت فاغرته) أی انفتح فوه وهو استعارة لاقتحامه للناس وافتراسه لهم بالفتک والقتل کما یفتح الأسد فاه عند افتراس فریسته.

2ـ (اشتدّت شکیمته) وهو کنایة عن شدّة بأسه وقوّته، لأنّ الفرس القوىّ شدید الرأس یحتاج إلى قوّة الشکیمة.

3ـ (ثقلت فی الأرض وطأته) وهو کنایة عن شدّة جوره وظلمه.

4ـ (عضّت الفتنة أبنائها بأنیابها) شبّه الفتنة بحیوان صائل وأثبت لها النّاب على سبیل التخییل ورشح الاستعارة بذکر العضّ وأراد بأبناء الفتنة أهلها، والمراد أنه إذا قوى سلطنة ذلک الضلیل کثر الفتن ویقع أهلها فی الشدّة والألم.

5ـ (ماجت الحرب بأمواجها) کالبحر المتلاطم التیار المتراکم الزّخار مجاز فی الإسناد.

6ـ (بدا من الأیام کلوحها) نسبة الکلوح إلى الأیام من التوسّع فی الإسناد وأراد به کثرة ما یلقى النّاس فیها من العبوس وسواء الحال وکذلک نسبة الکدوح إلى اللیالی.

7ـ (من اللّیالی کدوحها) وهو إشارة إلى ما یبتلى به النّاس فیها من المصائب الشبیهة بآثار الجراحات والخدوش والجنایات.

8ـ (أقبلن کاللّیل المظلم) وجه تشبیهها باللیل کونها لا یهتدى فیها إلى حقّ کما لا یهتدى فی ظلمة اللّیل إلى المقصد.

9ـ (البحر الملتطم) أى کثیر الأمواج وتشبیهها به فی عظمها، وفی التّوصیف بالملتطم إشارة إلى خلط الخلق فیها بعضهم ببعض ومحق بعضهم بعضا کما یلتطم الأمواج بعضها بعضا هذا.

10ـ (هذا وکم یخرق الکوفة) أی یجوبها ویقطعها استعاره‏ (من) ریح‏ (قاصف) وهى التی تقصف کلّ ما مرّت علیه‏ (وتمرّ علیها من) ریح‏ (عاصف) قال الشارح البحرانی: استعار وصفى القاصف والعاصف لما یمرّ بها ویجرى على أهلها من الشدائد (راجع: الخوئی، 1400، ج 7، صص 171 ـ 172).

والصور البلاغیة المستعملة فی هذا الکلام لا تنتهی إلى هذا الحدّ، وهناک صور أخرى لم یذکرها الإمام الخوئی، کما أنّه بإمکاننا تخریج بعضها بصور أخرى، نذکر بعضها:

1ـ (ماجت الحرب بأمواجها) استعارة مکنیة حیث شبّه الحرب بالبحر ثمّ حذف المشبّه به (المستعار منه) ورمز إلیه بما یلائمه وهو الأمواج على سبیل الاستعارة التخییلیة.

2ـ (بدا من الأیام کلوحها) هناک أیضاً استعارة مکنیة حیث شبّه الأیام بالإنسان أو أیّ حیوان آخر ثمّ حذف المشبّه به (المستعار منه) ورمز إلیه بما یلائمه وهو الکلوح على سبیل الاستعارة التخییلیة.

3ـ (من اللّیالی کدوحها) کما أنّ هنا استعارة مکنیة حیث شبّه الأیام بالإنسان ثمّ حذف المشبّه به (المستعار منه) ورمز إلیه بما یلائمه وهو الکدوح على سبیل الاستعارة التخییلیة.

4ـ (فاذا أینع زرعه) استعارة تمثیلیة حیث شبّه استتباب واستقرار الأمر للضلّیل بإیناع الزرع، فاستعار تعبیر (أینع زرعه) لـ(استتبّ له الأمر) استعارة تمثیلیة.

5ـ (قام على ینعه) استعارة تمثیلیة حیث شبّه استتباب الأمر للضلّیل واستواؤه على العریکة بالقیام على الینع، فاستعار تعبیر (قام على ینعه) لـ(استوى له الأمر).

6ـ (هدرت شقاشقة) استعارة تمثیلیة کذلک، حیث شبّه هیاج الضلّیل وتمکنه من السلطة واستیلاءه على أمور الناس وتهدید المخالفین وطردهم بالشقشقة التی تهدر، فاستعار تعبیر (هدرت شقاشقة) لـ(هدّد المخالفین وتمکن من رقابهم).

7ـ (برقت بوارقه) هنا استعارة تمثیلیة حیث شبّه استیلاء ذلک الضلّیل على أمور الناس وقیامه بتهدید المخالفین وطردهم بالبوارق التی تبرق، فاستعار تعبیر (برقت بوارقه) لـ(هدّد المخالفین وطردهم).

8ـ (عقدت‏ رایات‏ الفتن‏ المعضلة) مجاز حیث نسب الرایات للفتن وإنّما هی لأصحاب الفتن.

یشرح ابن میثم أیضاً بعض الصور البلاغیة ودلالاتها فی هذه الخطبة؛ منها ما یتعلّق بصفات الإبل أو أعضائها حیث یقول: "استعار لفظ العض للفتنة ووجه المشابهة ما یستلزمانه من الشدّة والألم، ورشّح تلک الاستعارة بذکر الأنیاب، [... ] ولفظ الشقاشق والبروق استعارة لحرکاته الهائلة وأقواله المخوفة تشبیها بالسحاب ذی الشقاشق والبروق" (البحرانی، 1430، صص 410 ـ 411).

إذن ـ کما رأینا ـ فی هذا الکلام حشدٌ مکثّف من الصور البلاغیة الرائعة التی تخلق بتعدّدها وتنوّعها جوّاً رهیباً یرمز إلى هذه التقلّبات السریعة والاضطرابات الدامیة التی تنبّأ الإمام أنّها ستحدث على ساحة الکوفة، حیث یشبّه سرعة نشوء هذه الفتنة ورسوخها واشتدادها مرّة بالزرع ومرّة بالإبل ومرّة ثالثة بالعاصفة التی فیها برق ورعد، کما یشبّه الفتن أیضاً بالجیوش التی لها رایات ویشبّهها أیضاً باللیل المظلم والْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ. ثمّ یستعیر للطغاة الذین سوف یحکمون الکوفة لفظتی "القاصف" و"العاصف" ویشبّههم فی تنازعهم على تملّکها بالأیاعل التی تتضارب وتتناطح فیما بینها بالقرون حتّى تتسلّط على قطیع الغزلان، ویشبّه الشعب المسحوق الذی یدوسونه فی هذه الصراعات المریرة فیما بینهم بالزرع الذی یحصدون قائمه ویحطّمون حصیده.

وجاء فی بحار الأنوار أنّ "المراد بالتفاف بعضهم ببعض اجتماعهم فی بطن الأرض وبحصدهم قتلهم أو موتهم وبحطم محصودهم تفرق أوصالهم فی التراب أو التفافهم کنایة عن جمعهم فی موقف الحساب أو طلب بعضهم مظالمهم من بعض وحصدهم عن إزالتهم عن موضع قیامهم أی الموقف وسوقهم إلى النار وحطمهم عن تعذیبهم فی نار جهنم" (المجلسی، 1403، ج 41، ص 357).

ومصطلحات مثل "الضِلِّیل"، و"فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ"، و"اشْتَدَّتْ شَکِیمَتُهُ"، و"ثَقُلَتْ"، و"وَطْأَتُهُ"، و"عَضَّت"، و"الْفِتْنَة"، و"الأَنْیَاب"، و"مَاجَت"، و"الأَمْوَاج"، و"اللَّیَالِی"، و"الکلُوح"، و"الْمُعْضِلَة" و"اللَّیْل الْمُظْلِم" و"الْبَحْر الْمُلْتَطِم" و"قَاصِف" و"عَاصِف" و"یُحْصَدُ الْقَائِمُ" و"یُحْطَمُ الْمَحْصُودُ" تفصح عن الفتن والشدائد والضلالة والتقلّبات الهائلة، وهذه الفتنة تأتی بسرعة خاطفة وتضمحلّ بسرعة خاطفة أیضاً وسیاق الجملة یساعد فی فهم سرعة مجیء هذه الفتن وسرعة اضمحلالها ولیس انکشافها إذ تحلّ محلّها فتنٌ أخرى متناوبة ومتواصلة وألفاظ کـ"البوارق" و"یَمُرُّ" تنبئ عن هذه السرعة وتکشف عن هذا التحوّل.

2ـ 5ـ الضَّرع

ضَرْع الشاة والناقة: مدرّ لبنها. والجمع: ضُرُوع (ابن سیده، د.ت؛ وابن منظور، 1414ق، مادّة «ض‌ر‌ع»).

قد وردت هذه اللفظة مرّتین فی نهج البلاغة إلا أنّ إحداها وهی الحکمة الأولى (راجع الصالح، 2004، ص 469)، فی معناها الحقیقی فضربنا عن ذکرها صفحاً و أمّا المعنى المجازی فیتمثّل فی:

2ـ 5ـ 1ـ التعبیر الأوّل

"فَیَا عَجَباً بَیْنَا هُوَ یَسْتَقِیلُهَا فِی حَیَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَیْهَا" (الخطبة 3).

یشرح العلامة المجلسی المفردات العویصة فی هذه الخطبة وینطلق منها إلى بعض أهمّ دلالاتها أیضاً إذ یقول: "وتشطّرا: إمّا مأخوذ من الشطر ـ بالفتح ـ بمعنى النّصف، یقال: فلان شطّر ماله .. أی نصّفه‏، فالمعنى أخذ کلّ واحد منهما نصفا من ضرعی الخلافة، وأما منه بمعنى خلف النّاقة ـ بالکسر ـ أی حلمة ضرعها، یقال: شطّر ناقته تشطیرا: إذا صرّ خلفین من أخلافها ... أی شدّ علیهما الصّرار، وهو خیط یشدّ فوق الخلف لئلّا یرضع منه الولد، وللنّاقة أربعة أخلاف، خلفان قادمان ـ وهما اللّذان یلیان السّرّة ـ، وخلفان آخران‏. وسمّى u خلفین منها ضرعا لاشتراکهما فی الحلب دفعة" (المجلسی، 1403، ج 29، ص 522).

یصرّح الإمام أنّ الخلیفتین الأوّل والثانی أسرفا فی استئثار بیت المال وتنحیة الآخرین من الحکم وقد شبّه ذلک باثنین یقتسمان أخلاف الناقة.

یرى ابن میثم أنّ الإمام "قد استعار لفظ الضرع ههنا للخلافة، وهی استعارة مستلزمة لتشبیهها بالناقة. ووجه المشارکة المشابهة فی الانتفاع الحاصل منها، والمقصود وصف اقتسامهما لهذا الأمر المشبه باقتسام الحالبین أخلاف الناقة بالشدّة على من یعتقد أنّه أحقّ بها منهما أو على المسلمین الذین یشبهون الأولاد لها" (البحرانی، 1430، ص 157).

قال ابن أبی الحدید المعتزلی أیضاً فی شرح هذا الکلام: "للناقة أربعة أخلاف خلفان قادمان وخلفان آخران وکل اثنین منهما شطر وتشطرا ضرعیها اقتسما فائدتهما ونفعهما والضمیر للخلافة وسمى القادمین معا ضرعا وسمى الآخرین معا ضرعا لما کانا لتجاورهما ولکونهما لا یحلبان إلا معا کشی‏ء واحد" (ابن أبی الحدید، 1404، ج ‏1، ص 170).

فنرى ابن أبی الحدید کذلک یرى ما رآه المجلسی والآخرون، إذ لا یحمتل کلام الإمام غیر هذا المعنى ولم یکن فی مقدور الشارح المعتزلی أن یحمّل هذا اللفظ معنى لا یؤدّیه ولا یحتمله بوجه من الوجوه، فالمعنى بناءً على کلا القولین هو أنّهما نصّفا بینهما منافع بیت المال واستأثراها ولم یسمحا للآخرین أن یستفیدوا منها.

2ـ 6ـ الخُفّ

قال الفراهیدی فی تحدید دلالة هذه اللفظة: "الخُفُّ: مجمع فرسن البعیر، والجمعُ: أخفافٌ" (الفراهیدی، 1410، مادّة «خ‌ف‌ف»). وأکد بعض اللغویین أنّ الخفّ یستعمل للإبل، فقد قال ابن سیده: "والخُفُّ: مجتمع فرسن البعیر والناقة، وقد یکون الخُفُّ للنعام، سووا بینهما للتشابه" (ابن سیده، د.ت، مادّة «خ‌ف‌ف»). کذا قال الجوهریّ: "والفِرْسِنُ من البعیر، بمنزلة الحافر من الدّابّة" (الجوهری، 1987، مادّة «خ‌ف‌ف»).

وقد وردت هذه اللفظة مرّتین فی نهج البلاغة إحداها بصورة الجمع والأخرى بصورة المفرد:

2ـ 6ـ 1ـ التعبیر الأوّل

"فِی فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا وَوَطِئَتْهُمْ بِأَظْلَافِهَا وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِکِهَا" (الخطبة 2).

السُّنْبُک: طرَفُ الحافِرِ وجانباه من قُدُمٍ، وجمعهُ سنَابِکُ (ابن منظور، 1414ق؛ والزبیدی، 1414؛ والفراهیدی، 1410، مادّة «س‌ن‌ب‌ک»).

یرى ابن میثم أنّ:"قوله فی فتن داستهم بأخفافها ووطأتهم بأظلافها وقامت على سنابکها یحتمل أن یکون فی فتن متعلّقة بهم سارت أعلامه وقام لواؤه، ویحتمل أن یتعلّق بمقدّر یکون خبراً ثانیاً لقوله والناس، وهذه الفتنة هی التی أشار إلیها أوّلاً وإنّما أوردها ثانیاً بزیادة أوصاف فبالغ فی تشبیهها بأنواع الحیوان فاستعار لها أخفافاً وأظلافاً وحوافراً وجعل لها دوساً ووطأً وقیاماً على الحوافز، ویحتمل أن یکون هناک إضمار، أی داستهم بأخفاف إبلها ووطأتهم بأظلاف بقزها وقامت على سنابک خیلها فحذف المضاف، وأقام المضاف إلیه مقامه وحینئذ یکون التجوّز فی نسبة الوطئ والدوس والقیام إلیها فقط وهو المجاز فی الإسناد" (البحرانی، 1430، ص 149).

یوضح الإمام الخوئی الصور البلاغیة التی هی استعارات مکنیة على رأیه الشخصی، ومجازات عقلیة على رأی البحرانی الذی ینقله عنه. یقول الإمام الخوئی: "شبّه uهذه [الفتن‏] بأنواع الحیوان فاستعار لها أخفافا وأظلافا وحوافر وقال‏ (داستهم) أى وطأتهم‏ (بأخفافها، ووطأتهم بأظلافها، قامت على سنابکها) أى أطراف حوافرها. قال الشّارح البحرانی ویحتمل أن یکون هناک إضمار، أى داستهم بأخفاف إبلها ووطأتهم بأظلاف بقرها وقامت على سنابک خیلها، فحذف المضاف وأقیم المضاف إلیه مقامه وحینئذ یکون التّجوز فی نسبة الوطئ والدّوس والقیام إلیها فقط وهو المجاز فی الاسناد" (الخوئی، 1400، ج 2، 299).

وعلى کلّ حالٍ فإنّ الإمام u یشبّه الفتنة مرّةً بالإبل التی تدوس الناس بأخفافها ومرّةً بالبقر التی تدوس الناس بأظلافها ومرّة ثالثة بالفرس التی تدوسهم بحوافرها وسنابکها، والناسُ فی هذه الظروف التی یصوّرها الإمام لا محالة منکوبون فی هذه الفتن التی هی فتن العصر الجاهلی على قول أو هی فتن تنبّأ بها الإمام u وهی حدثت بعد استشهاده.

2ـ 6ـ 2ـ التعبیر الثانی

"لا یَزْکُو بِهَا خُفٌّ وَلا حَافِرٌ وَلا ظِلْفٌ" (الخطبة 192).

قبل دراسة النصّ یتعیّن علینا تحدید دلالات لفظتی الحافر والظلف إذ إنّهما قریبا الدلالة من الخفّ وجمیعها بمنزلة القدم من الإبل والفرس والبقر.

قد ورد فی بعض کتب اللغة أنّ: "الحافر من الدّوابّ: ما یقابل القدم من الإنسان" (أنیس، 1376، مادّة «ح‌ف‌ر»)، کذا قال ابن سیده: "والحافِرُ من الدواب، یکون للخیل والبغال والحمیر" (ابن سیده، د.ت، مادّة «ح‌ف‌ر»)، وقال الزبیدی: "والحَافِرُ: واحِدُ حَوَافِرِ الدَّابَّةِ: الخَیْلِ والبِغَالِ والحَمِیرِ" (الزبیدی، 1414، مادّة «ح‌ف‌ر»). أمّا الظلف ففسّره الصاحب ابن عبّاد بقوله: "الظِّلْفُ: ظِلْفُ البَقَرَةِ وغَیْرِها؛ وهو ظُفْرُها" (الصاحب، 1414، مادّة «ظ‌ل‌ف»)، کما أنّ الزبیدی أیضاً حدّد دلالة هذه الفظة إذ قال: "والظِّلْفُ بالکَسْرِ: ظُفُرُ کُلِّ ما اجْتَرَّ، وهو للبَقَرةِ والشّاةِ والظَّبْی وشِبْهِها بمنْزِلَةِ القَدَمِ لنا، ج: ظُلُوفٌ وأَظْلافٌ وقالَ ابنُ السِّکِّیتِ: یُقالُ: رِجْلُ الإِنْسانِ، وقَدَمُه، وحافِرُ الفَرَسِ، وخُفُّ البَعیرِ والنّعامَةِ، وظِلْفُ البَقَرةِ والشَّاةِ" (الزبیدی، 1414، مادّة «ظ‌ل‌ف»)، فالخف للجمل والحافر للفرس والظلف للبقر والغنم (راجع: مغنیة، 1979، ج 3، ص 129).

بعد تحدید دلالات هذه الألفاظ انکشف لنا أنّ الإمام استعمل کلّاً من الخفّ والحافر والظلف استعمالاً مجازیاً، إذ أطلق الجزء وأراد به الکلّ، والمقصود من الخفّ فی کلامه الإبل وأمثالها، ومقصوده من الحافر الخیل وما یشبهه، وینوی بالظلف البقر وما یماثله فی کونه ذا ظلف.

یشرح الإمام الخوئی کلام الإمام u قائلا: "أی لا یزید ولا ینمو بتلک الأرض ذوات الخفّ کالإبل والحافر کالخیل والبغال والظلف کالبقر والغنم، وعدم نمائها بها لما عرفت من قلّة مائها ونباتها وخشونة جبالها وسهولة رمالها وخلوّها من المرتع والمرعى" (الخوئی، 1400، ج 13، ص 340).

ثمّ یبیّن الإمام فلسفة استقرار الکعبة فی هذه الصحراء الجرداء وقد کان هیّناً له تعالى أن یجعلها "بَیْنَ جَنَّاتٍ وأَنْهَارٍ وَسَهْلٍ وَقَرَارٍ جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِیَ الثِّمَارِ مُلْتَفَّ الْبُنَى مُتَّصِلَ الْقُرَى بَیْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ وَرَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَأَرْیَافٍ مُحْدِقَةٍ وَعِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ وَرِیَاضٍ نَاضِرَةٍ وَطُرُقٍ عَامِرَةٍ" (الخطبة 192)، إلا أنّه تعالى لم یفعل ذلک زیادة للأجر ومزیداً للمثوبة.

 

3ـ الخاتمة

  1. کثرة الألفاظ المرتبطة بالحقل الدلالی لأعضاء الإبل فی نهج البلاغة تنمّ عن أهمیة هذا الحیوان لدى العرب المعاصرین من جهة، وتکشف عن رعایة أحوال المخاطبین ومطابقة المقتضى والمقام فی کلام أمیر المؤمنین من جهة أخرى، حیث استعمل ألفاظاً و صوراً یعرفونها کلّ معرفة ویستأنسون بها.
  2. قد صاغ الإمام بمعونة ألفاظ هذا الحقل الدلالی صورا بلاغیة متعدّدة ومتنوّعة، منها الاستعارات بأنواعها التصریحیة والمکنیة والمرشحة والمجردة والمطلقة.
  3. استعمال الاستعارات فی کلام الإمام u أکثر من التشبیهات واستعمال الاستعارات المکنیة أکثر من الاستعارات التصریحیة والاستعارات الترشیحیة أکثر من الاستعارات المطلقة والمجرّدة، وهذا الموضوع ینمّ عن البراعة فی خلق الصور البیانیة فی نهج البلاغة.
  4. بیّن الإمام u عبر الصور المسبوکة بواسطة هذه الألفاظ مفاهیم وأغراضاً ترتبط بالعقیدة والإسلام وأهل البیت وولایتهم ومسائل ترتبط بعصر الغیبة والإمام المهدی (عج) والخلافة والعبادة والزهد، وکذا یمدح أصحابه وینبّههم بما تهدّدهم من الفتن المحدقة ولاسیما فتنة بنی أمیة، ویبیّن فلسفة فضل مکة وحجّها.
  5. یؤکد الإمام u على حقّه فی الخلافة ویصرّح أنّ الخلفاء الراشدین الثلاثة ولاسیّما الاثنین الأوّلین غاصبون، بحیث یذعن ابن أبی الحدید وهو من إخواننا أبناء أهل السنّة لهذا التأکید ولهذا التصریح الذی ورد فی کلامه.

 

  1. ابن أبی الحدید، عبد الحمید بن هبة الله. (1404). شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید. (تحقیق محمد أبو الفضل ابراهیم). قم: مکتبة آیة الله العظمى المرعشی النجفی.
  2. ابن ابی طالب، علی u. (2004). نهج البلاغة. (فهرسة صبحی الصالح). (ط 4). القاهرة ـ بیروت: دار الکتاب المصری بالاشتراک مع دار الکتاب اللبنانی.
  3. ابن سیده، (د. ت). أبو الحسن علی بن إسماعیل. المحکم والمحیط الأعظم. (تحقیق عبد الحمید هنداوی). بیروت: نشر دار الکتب العلمیة.
  4.  ابن منظور، محمد بن مکرم. (1414ق). لسان العرب. (ط 3).  بیروت: دار صادر.
  5. الأصمعی، أبو سعید عبدالملک. (1424). کتاب الإبل. (تحقیق: حاتم صالح الضامن). الإمارات المتحدة العربیة: دار البشائر.
  6. أنیس، إبراهیم؛ وآخرون. (1376 هـ، ش). المعجم الوسیط. (ط 7) قم: نشر مکتب النشر والثقافة الإسلامیة.
  7.  البحرانی، کمال الدین ابن میثم. (1430). شرح نهج البلاغة. (ط 2). قم: دار الحبیب للطباعة والنشر.
  8. الجوهری، أبو­نصر إسماعیل بن حمّاد. (1987). الصّحاح. (تحقیق أحمد عبد الغفور عطار). (ط 4). بیروت: نشر دار العلم للملایین.
  9. حسن، عباس. (1966). النحو الوافی. (ط 3). القاهرة: نشر دار المعارف
10. الخوئی، میرزا حبیب الله. (1400). منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة. (تصحیح: سید ابراهیم المیانجی). (ط 4). طهران: مکتبة الإسلامیة.

11. الزبیدی، محمد مرتضى. (1414). تاج العروس من جواهر القاموس. (دراسة وتحقیق علی شیری). (ط 1). بیروت: دار الفکر.

12. الصاحب، إسماعیل بن عبّاد. (1414). المحیط فی اللغة. (ط 1). بیروت: عالم الکتب.

13. الطریحی، فخر الدین بن محمد. (1375). مجمع البحرین. (ط 1). طهران: مکتبة المرتضوی.

  1. 14.  عبده، محمد. (1990). شرح نهج البلاغة. (إشراف عبد الله أنیس الطبّاع وعمر أنیس الطبّاع). (ط 1). بیروت: مؤسسة المعارف للطباعة والنشر.
15. الفراهیدی، خلیل بن أحمد. (1410). العین. (تحقیق مهدی المهزومی وإبراهیم السّامرائی). (ط 2). قم: نشر مؤسسة دار الهجرة.

16. القمی، عباس. (1414). سفینة البحار. قم: دارالاسوة للطباعة و النشر،

17. المجلسی، محمد باقر بن محمد تقى. (1403). بحار الأنوار. (ط 2). بیروت: دار احیاء التراث العربی.

18. مغنیة، محمد جواد. (1979). فی ظلال نهج البلاغة. (ط 3). بیروت: دار العلم للملایین.