دور علماء أصول الفقه فی تطوّر البحوث اللغویة؛ الجمل الإنشائیة والخبریة نموذجاً

نوع المستند: المقالة الأصلية

المؤلف

أستاذ مشارک فی قسم الفقه ومبانی الحقوق الإسلامیة بجامعة إیلام

المستخلص

موضوع البحث اللغوی عند الأصولیین یبدو غریباً على الدارسین فی أقسام اللغة العربیة، فلم یتیسّر لکثیر منهم الاطّلاع على ما لهذا الحقل فی أصول الفقه من المساهمة فی الدراسات اللغویة والنحویة بالرغم من کونها مساهمة ذات أثر فی صیاغة نظریة لغویة ونحویة، ألا وهی بحث دلالة الجمل والمفهوم المخالف للجمل. وقد قام بدراسة بعض أبعادها علماء المعانی والبیان ومع ذلک لم یُستوعب جهد الأصولیین فیما قدّموه فی هذا المضمار. وقد تطرّق هذا البحث إلى الجمل الإنشائیة والخبریة والمشترکة بین الخبر والإنشاء مقارناً بینها على ضوء ما ذهب إلیه الأدباء والأصولیون من آراء ونظریات متمیزة، فاستخلص من آرائهم خمس نظریات لکلّ منها أسسها وأدلّتها الخاصة. ثم تناول مناقشة الرضی لمشهور النحاة. ومن ثم تناولت مناقشة السید الشهید الصدر لنظریة وحدة مدلول الجملتین التی ذهب الیها صاحب الکفایة، ورأى أنّ الاختلاف بین الجملتین موجود حتّى فی حالة تجرّدهما من المدلول التصدیقی، کما ردّ الشهید الصدر على السید الخوئی الذی رأى دلالة الجملتین إلى إبراز أمر نفسانی کقصد الحکایة فی الجملة الخبریة، وقصد غیر الحکایة فی الإنشائیة. فتناول أربعة اعتراضات للسید الخوئی على نظریة المشهور، وهی دلالة الجملتین على النسبة التامّ، وفنّدها مؤیّداً للمشهور. وفی نهایة المطاف، ذهب السید الشهید إلى نظریة النسبة التصادقیة. ون النسبة التصادقیة بین مفهومین کما یقول السیّد الشهید، لها حصص عدیدة إحداها النسبة التصادقیة بلحاظ وعاء التحقیق کما فی الجملة الخبریة، والأخرى التصادق فی عالم السؤال والاستفهام کما فی جملة الاستفهام، وثالثة التصادق فی عالم التمنّی. وقد استمرّ على نهجه تلمیذه السید الهاشمی الشاهرودی فعلّق وسلّط الضوء على تقریراته ورأى أنّ مفاد الجملة الفعلیة هو النسبة التحققیة.

الكلمات الرئيسية

الموضوعات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The Role of Jurisprudence Scholars in the Reformation and the Development of Lexical Issues (Compositional and Predicative Sentences as samples)

المؤلف [English]

  • Abdelgabar Zargoshnasab
Associate Professor of Fiqh and Islamic Law, Ilam University, Ilam, Iran
المستخلص [English]

It seems that the Arabic linguists are unfamiliar with the literal language that is not available to many of them, so that they will be able to find out in this field of jurisprudence discussions in lexical and inventive research. While they have a great role to play in lexical theory, and this is the discussion of the implications of sentences and the opposite of it. Scientists have studied some aspects of semantics (the argumentation), but these studies did not cover all the efforts of the principals in this regard. This research has been the subject of a dissertation, newsletter and interview between the news and the subject, and they have been implemented in the light of the prominent literary and verbal views that resulted in five theories, each with its own basis and arguments. Then the controversy over the famous comments of the syntacticians was made by Razi Estar Abadi. Then, Shahid Sadr's controversy on the theory of unity which is also the proof of the two sentences of the writings, which is the opinion of Kefayeh, was investigated. It has been noted that there is a difference between the two sentences even in their abstract status. Khoei believes in the implication of compositional and predicative sentence expressing sensual, like inform what happened in predicative sentence and not inform in compositional sentence that rejected by Shahid Sadr then criticizes four protests of Khoei to the famous opinion that it’s same implication of two sentences over full relation and has approved the famous opinion. Finally Shahid Sadr believes in the opinion of comparative relation. The comparative relation shares between two notions, first, the comparative relation in terms of the condition of realization that it’s in predicative sentence, second, to hold true in question world as its question in sentence, third, to hold true in aspiration world in aspiration sentence. Hashemi Shahroudi continued the way of his teacher (Shahid Sadr) and examined the issues of teacher and believe in the content of verb clause in creating relation.
 

الكلمات الرئيسية [English]

  • theories
  • sentence construction
  • wholesale news reporting
  • writers
  • fundamentalists

1ـ المقدمة

اضطرّ الأصولیون إلى دراسة البحوث اللغویة نظراً لحاجتهم الماسّة إلیها فی استنباط الأحکام وأسسها من القرآن الکریم والسنة الشریفة مما یطلق علیه فی علم أصول الفقه مباحث الألفاظ والمبادئ اللغویة. فناقشت هذه الدراسة الجمل الإنشائیة والخبریة من وجهة نظر الأدباء والأصولیین. فکثیر منهم یوافق الأدباء والنحاة والبلاغیین فی کون الجملة الخبریة تحکی وتکشف بلفظها عن معنى موجود قبل اللفظ أو بعده،والإنشائیة موجدة لمدلولها باللفظ نفسه وقسّموا الجملة إلى التامّة والناقصة، وأطلق کثیر منهم مصطلح الجملة الناقصة على ذات النسبة الناقصة کجملة المضاف والمضاف إلیه وجملة الوصف. ویعدّون جملتی الشرط والجواب وجملة الصلة من الجمل التامّة،وإن لم یصحّ السکوت علیها، نظراً لاحتوائها على نسبة تامة بین المسند والمسند إلیه. واختلفوا فی مفادها، فذهب المشهور إلى أنها موضوعة بإزاء النسبة الناقصة، بینما ذهب السیّد الخوئی إلى أنها موضوعة للتخصیص والتضییق. فعبارة «الرجل الکاتب» تدلّ على تضییق مفهوم الرجل بکونه کاتباً. و«کتاب علیّ» تدلّ على الحصّة الخاصة من الکتاب المقیّد بکونه لعلیّ. وذهب الشهید الصدر إلى أنّ الجمل الناقصة کقولنا ضرب زید موضوعة للنسب التحلیلیة،بمعنى أنّ ما بإزائه وجود ذهنی واحد، والنسبة جزء تحلیلی للمرکب الموجود بذلک الوجود، ویستحیل فرض نسبة واقعیة فی هذا ا المجال. بینما النسب التامة تکون واقعیة فی الذهن.

کما قسّموا الجملة التامّة إلى الاسمیة والفعلیة والشرطیة إلى الإنشائیة والخبریة. فإن کانت حاکیة عن واقع خارجی فهی خبریة، وإذا لم تکن لها حقیقة ثابتة وواقع خارجی، ومجرّد أن اللفظ هو الذی یوجد النسبة، فالجملة حینئذ إنشائیة. وقد تعرّض هذا البحث لنظریات الأصولیین حول الجمل الإنشائیة والخبریة مقارناً بین جملتی الإنشاء والخبر على ضوء آراء علماء أصول الفقه کما تناول نظریة الرضی من خلال عرض نظریة المشهور للنحاة والبلاغیین مستعرضاً اعتراضه على ما ذهب إلیه جمهور النحاة.

 

2ـ أسئلة البحث

1ـ ما الفرق بین الجملتین الإنشائیة والخبریة؟

2ـ ما هو الاختلاف بین الأدباء والأصولیین حول الجملتین؟

3ـ ما هی النظریات الرئیسیة حول الإنشائیة والخبریة؟

 

3ـ منهج البحث

منهجی فی البحث منهج الواصف المقوِّم، فحاولت أن یکون وصفی لخطوات الأدباء والأصولیین لأعرض وجهة نظرهم بالنص مرة وبالتلخیص لآرائهم مرة أخرى على أن یکون التلخیص محتفظاً بأسلوب تحلیلهم للموضوع وطرق الاستدلال علیها.

 

خلفیة البحث

سعیت ـ جهد المستطاع ـ فی البحث عن خلفیة الجملتین الإنشائیة والخبریة، فما عثرتُ على دراسة مستقلة تناولتهما، وکلّ ما لاحظته فی الکتب النحویة والبلاغیة هو التطرّق إلیهما بصورة مبعثرة وبنحو مقتضب. أما فی الکتب الأصولیة فقد أسهم الأصولیون فی التطرق إلیهما ضمن مباحث الألفاظ ومبادئ اللغة فی کتبهم الأصولیة، کالمحقّق الخراسانی فی کفایة الأصول والسیّد الخوئی فی أجود التقریرات والفیاض فی المحاضرات والشهید الصدر فی کتابه دروس فی علم الأصول و ... .

 کما أحصیت إسهامات الأصولیین فی کتبهم المدونة فی أصول الفقه، فما عثرت على نظریة رئیسیة أخرى، ما عدا النظریات الخمس. وکلّ ما بحث حول الجملتین یصبّ فی هذه النظریات أو المتفرعة منها.

 

5ـ الإنشاء والخبر لغة واصطلاحاً

لقد ورد فی شرح مختصر المعانی لسعد الدین التفتازانی: «الکلام إن کان لنسبته خارج فی أحد الأزمنة الثلاثة ـ أی یکون بین الطرفین فی الخارج نسبة ثبوتیة أو سلبیة ـ تطابق تلک النسبة ذلک الخارج بأن یکونا ثبوتیین أو سلبیین أو لا تطابقه بأن تکون النسبة المفهومة من الکلام ثبوتیة، والتی بینهما فی الخارج والواقع سلبیة أو بالعکس فخبر، وإلا، أی وإن لم یکن لنسبته خارج کذلک فإنشاء» (بلا تا، ص 31).

وقد أنکر الجاحظ انحصار الخبر فی الصدق والکذب وأثبت الواسطة وزعم أنّ صدق الخبر هو مطابقته للواقع مع الاعتقاد بأنّه مطابق؛ وکذب الخبر هو عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنه غیر مطابق، ما عدا هذین القسمین، وهو أربعة. أعنی المطابقة مع اعتقاد عدم المطابقة أو بدون الاعتقاد أصلاً،عدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة أو بدون الاعتقاد أصلاً لیس بصدق ولا کذب (المصدر نفسه، ص 35). یقول الهاشمی فی جواهر البلاغة: «الإنشاء لغة الایجاد؛ واصطلاحاً کلام لا یحتمل صدقاً ولا کذباً لذاته، نحو اغفر وارحمْ، فلا ینسب إلى قائله صدق أو کذب. وإن شئت فقل فی تعریف الإنشاء هو ما لا یحصل مضمونه ولا یتحقّق إلا إذا تلفّظت به، فطلب الفعل فی افعل وطلب الکفّ فی لا تفعل وطلب المحبوب فی التمنّی وطلب الفهم فی الاستفهام وطلب الإقبال فی النداء. کلّ ذلک ما حصل إلا بنفس الصیغ المتلفظ بها. وینقسم الإنشاء إلى نوعین: إنشاء طلبی وإنشاء غیر طلبی. فالإنشاء غیر الطلبی ما لا یستدعی مطلوباً غیر حاصل وقت الطلب، ویکون بصیغ المدح والذمّ وصیغ العقود والقسم والتعجب والرجاء، وکذا یکون بربّ ولعلّ وکم الخبریة و ... . وأکثر صیغه فی الأصل إخبار نقلت إلى الإنشاء. الإنشاء الطلبی هو الذی یستدعی مطلوباً غیر حاصل فی اعتقاد المتکلم وقت الطلب. وأنواعه خمسة: الأمر والنهی والاستفهام والتمنی والنداء» (1940م، ص 81 ـ 79).

إنّ الجملة الخبریة موضوعة للنسبة التامة، منظوراً إلیها بما هی حقیقة واقعة وشیء مفروغ عنه، وأنّ الإنشائیة موضوعة للنسبة التامة، منظوراً إلیها بما هی نسبة یراد تحقیقها. یرى الشهید الصدر فی الحلقة الأولى من دروس فی علم الأصول أنّ الجملة عادةً تقسم إلى خبریة وإنشائیة، ونحن فی حیاتنا الاعتیادیة نحسّ بالفرق بینهما،فأنت حین تتحدّث عن بیعک للکتاب بالأمس، وتقول: بعت الکتاب بدینار، ترى أنّ الجملة تختلف بصورة أساسیة عنها حین ترید أن تعقد الصفقة مع المشتری فعلاً، فتقول له: بعتک الکتاب بدینار.

وبالرغم من أنّ الجملة فی کلتا الحالتین تدلّ على نسبة تامة بین البیع والبائع،یختلف فهمنا للجملة وتصوّرنا للنسبة فی الحالة الأولى عن فهمنا للجملة، وتصوّرنا للنسبة فی الحالة الثانیة. فالمتکلم حین یقول فی الحالة الأولى: بعت الکتاب بدینار، یتصور النسبة بما هی حقیقة واقعة، لایملک من أمرها فعلاً شیئاً إلا أن یخبر عنها أذا أراد. وأما حین یقول فی الحالة الثانیة: بعتک الکتاب بدینار، فهو یتصوّر النسبة لا بما هی حقیقة واقعة مفروغ عنها، بل یتصوّرها بوصفها نسبة یراد تحقیقها ونستخلص من ذلک أنّ الجملة الخبریة موضوعة للنسبة منظوراً إلیها بما هی حقیقة واقعة وشیء مفروغ عنه، والجملة الإنشائیة موضوعة للنسبة التامة منظوراً بما هی نسبة یراد تحقیقها (الصدر،1426هـ، ج 1، ص 90). وجاء فی حقائق الأصول الخبر فی الاصطلاح الخبر هو الکلام الذی یکون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، والإنشاء کلام لیس لنسبته خارج کذلک، وکلاهما قسمان من المرکب التام، وهو ما یصحّ الاکتفاء به فی مقام الإفهام ویقابله الناقص (الحکیم الطباطبائی، بلا تا، ج 1، ص 27). لاینبغی الإشکال فی أنّ الإنشائیة والاخباریة إنما تکون بلحاظ المدلول التام, فالمدالیل والنسب الناقصة لاتتّصف بالإنشائیة والإخباریة کما لا ینبغی الشکّ فی انحفاض الفرق بین الجملة الإنشائیة والإخباریة بلحاظ مرحلة المدلول التصوری، بناءً على ما هو الصحیح من أنّ المدالیل التصدیقیة خارجة من المدالیل الوضعیة والاستعمالیة، ولهذا نجد وجدانا الفرق بین الجملتین حتى اذا سمعناهما من لافظ غیر ذی شعور (الهاشمی الشاهرودی،1431 هـ، ج 1، ص 101ـ 100).

 

6ـ نظریات حول الجمل الإنشائیة والخبریة

ذهب الأصولیون مذاهب شتّى فی تفسیر الفارق بین الإنشائیة والخبریة. فکثیر منهم یوافق النحاة والبلاغیین فی کون الجملة الخبریة تحکی وتکشف بلفظها عن مدلول موجود قبل اللفظ أو سیوجد بعده، والإنشائیة موجدة لمدلولها باللفظ نفسه. فدرسوا دلالة الجملتین نظیر ما بحثه البلاغیون فی أسالیب الخبر والإنشاء، وزادوا على البلاغیین فی تحلیلهم للنسب الخاصة التی تدلّ علیها الأدوات الإنشائیة کأدوات التمنّی والترجّی والنداء والاستفهام و... إلخ، بما لم یحلّله البلاغیون. فتستخلص آراء النحاة والبلاغیین والأصولیین فی خمس نظریات فذّة وهی:

أ ـ نظریة وحدة مدلول الجملتین،وأنّ الإنشاء والخبر من شؤون ودواعی الاستعمال.

ب ـ نظریة وضع الجملتین لإبراز أمرنفسانی، کقصد الحکایة فی الجملة الخبریة وقصد الإنشاء فی الجملة الإنشائیة.

ج ـ نظریة المشهور وهی وضع الجملتین للنسبة التامة.

د ـ نظریة النسبة التصادقیة[1] وهی نظریة حدیثة فی هذا المضمار ابتکرها الإمام الشهید الصدر.

ه ـ نظریة النسبة التحققیة[2] فی مفاد الجملة الفعلیة وهی نظریة السید الهاشمی .

 

7 ـ نظریة وحدة مدلول الجملتین وأن الإنشاء والخبر من شؤون الاستعمال

یعتقد الآخوند الخراسانی وحدة المدلول الذی استعملت فیه الجملتان الخبریة والإنشائیة،وأنّ الإنشاء والإخبار من شؤون ودواعی الاستعمال، فلا دخل لهما فی الموضوع له أو المستعمل فیه، فهما خارجان عن مدلول الجملة. فالاختلاف فی قصد المتکلم. فإن قصد بکلمة بعت،مثلاً الحکایة عن ثبوت نسبة البیع إلى نفسه فی موطنها، فذلک إخبار؛ وإن قصد بها إیجاد البیع فذلک إنشاء، فالإخباریة والإنشائیة من أطوار وشؤون الاستعمال ومنوطتان بقصد المتکلم. فیقول فی الکفایة: الاختلاف بین الاسم والحرف فی الوضع یکون موجباً لعدم جواز استعمال أحدهما فی موضع الآخر ،وإن اتّفقا فیما له الوضع (المعنى الموضوع له)،وقد عرفت أن نحو إرادة المعنى (من الاستقلالیة والآلیة) لایکاد یمکن أن یکون من خصوصیاته ومقوماته. ثم لایبعد أن یکون الاختلاف فی الخبر والإنشاء أیضاً کذلک (أی فی کیفیة الوضع مع اتحادهما فی المدلول والمعنى الموضوع له)، فیکون الخبر موضوعاً لیستعمل فی حکایة ثبوت معناه فی موطنه، والإنشاء موضوعاً لیستعمل فی قصد تحققه وثبوته، وإن اتّفقا فیما استعملا فیه (1328 هـ، ج 1، ص 6).

فتبیّن مما ذکر أنّ الأمر الذی یجعل الجملتین خبریتین أو إنشائیتین لیس هو المعنى الذی استعمل فیه لفظ الجملة، بل هو دواعی استعمال الجملة. ومن المعلوم أن دواعی الاستعمال خارجة عن المعنى المستعمل فیه، فالإنشاء والإخبار خارجان عن المعنى الواحد للجملة.

 

8 ـ نقد نظریة الآخوند الخراسانی

یردّ علیه أولاً أنّ الإنشاء والإخبار من شؤون الاستعمال، فلا یعقل دخلهما فی المستعمل فیه وفی الجمل المشترکة بین الإنشاء والخبر یکون المعنى واحداً. ففی وحدة مدلول هذه الجمل أنها تدلّ على معنى واحد هو نسبة مضمون المسند فعلاً کان أو اسماً إلى المسند إلیه سواء کانت الجملة فی مقام الإخبار عن مضمونها أو فی مقام الإنشاء، وکلّ ما بینهما من فرق أن المتکلم قد یقصد الکشف عن ثبوت النسبة فی الواقع فتکون الجملة الخبریة، وقد یقصد أمراً آخر هو إنشاء النسبة وإیجادها فی الواقع فتکون إنشائیة. ثانیاً أنّ ادعائه هذا لا یصحّ إلا فی خصوص الألفاظ المشترکة فی الإنشاء والخبر کصیغة "بعت". فإذا استعملت فی العقد تکون للإنشاء وفی غیر العقد تکون خبراً، وأما المختصة بأحدهما کالجملة الاسمیة المختصة بالإخبار وصیغة أفعل المختصّة بالإنشاء فلا یصحّ ادّعائه لعدم معهودیة صحة قصد الإخباریة بالألفاظ المختصّة بالإنشاء والإنشائیة بالألفاظ المختصة بالإخبار. ثالثاً ردّ الشهید الصدر علیه بعد أن عرض ما ذهب إلیه صاحب الکفایة من أنّ النسبة التی تدلّ علیها "بعت" فی حال الإخبار، و"بعت" فی حال الإنشاء واحدة، وعدم الفرق بین الجملتین فی المدلول التصوری وناقشه فی أن الفرق بینهما فی المدلول التصدیقی لهما، قائلاً:وهناک من یذهب من العلماء کصاحب الکفایة إلى أنّ النسبة التی تدلّ علیها "بعت" فی حال الإخبار، و"بعت" فی حال الإنشاء واحدة، ولا یوجد أیّ فرق فی مرحلة المدلول التصوری بین الجملتین، وإنما الفرق فی مرحلة المدلول التصدیق؛ لأنّ البائع یقصد بالجملة إبراز اعتبار التملیک بها، وإنشاء المعاوضة عن هذا الطریق، وغیر البائع یقصد بالجملة الحکایة عن مضمونها، فالمدلول التصدیقی مختلف دون المدلول التصوری. ومن الواضح أنّ هذا الکلام إذا تعقّلناه فإنّما یتمّ فی الجملة المشترکة بلفظ واحد بین الإنشاء والإخبار، کما فی "بعت" ولا یمکن أن ینطبق على ما یختصّ به الإنشاء أو الإخبار من جمل، فصیغة الأمر مثلاً جملة إنشائیة ولا تستعمل للحکایة عن وقوع الحدث، وإنما تدلّ على طلب وقوعه ولا یمکن القول هنا بأنّ المدلول التصوری لأفعل نفس المدلول التصوّری للجملة الخبریة،وأنّ الفرق بینهما فی المدلول التصدیقی فقط، والدلیل على عدم إمکان هذا القول أنّا نحسّ بالفرق بین الجملتین حتى فی حالة تجردهما عن المدلول التصدیقی وسماعهما من لافظ لا شعور (صدر، 1426 هـ، ج 1، ص 91).

 

9 ـ نظریة وضع الجملتین لإبراز أمر نفسانی

إن الجملة الإنشائیة موضوعة لإبراز أمر نفسانی فی الخارج،بمبرز من قول أو فعل أو ما شاکل ذلک. والجملة الخبریة موضوعة لإبراز أمر نفسانی کقصد الحکایة. فالجملتان تشترکان فی أصل الإبراز والدلالة على أمر نفسانی، والفرق بینهما فی ما یتعلّق به الإبراز، وإن المتصف بالصدق والکذب مدلول الجملة، والجملة تتّصف بهما بتبع مدلولها. وقد ورد فی کتاب محاضرات فی أصول الفقه (تقریرات السید الخوئی) أن الجملة الإنشائیة وضعت للدلالة على قصد المتکلم لإبراز أمر نفسانی غیر قصد الحکایة عند إرادة تفهیمه والجملة الخبریة موضوعة للدلالة على قصد المتکلم الحکایة عن الواقع ثبوتاً أو نفیاً (الفیاض، 1419 هـ،ج 1، ص 91).

 

10 ـ مناقشة السید الخوئی لصاحب الکفایة والمشهور

ینکر السید الخوئی ما ذهب إلیه المشهور من دلالة الجملتین على النسبة التامة کما یردّ على ما ذهب إلیه صاحب الکفایة من وحدة مدلول الإنشاء والإخبار واختلافهما من ناحیة الداعی الى الاستعمال. فیقول: ما ذکره صاحب الکفایة مبنی على ما هو المشهور بینهم،بل المتسالم علیه من أنّ الجمل الخبریة موضوعة لثبوت النسبة فی الخارج أوعدم ثبوتها فیه، فإن طابقت النسبة الکلامیة النسبة الخارجیة فصادقة، وإلا فکاذبة. وأنّ الجمل الإنشائیة موضوعة لإیجاد المعنى فی الخارج الذی یعبر عنه بالوجود الإنشائی، کما صرّح فی عدة من الموارد، وقال:إنّ الوجود الإنشائی نحو من الوجود، ولذا لا یتّصف بالصدق أو الکذب، فإنّه على هذا لا مانع من أن یکون المعنى واحداً فی کلتا الجملتین، وکان الاختلاف بینهما من ناحیة الداعی إلى الاستعمال. أقول: یقع الکلام هنا فی مقامین: المقام الأول فی الجملة الخبریة، والمقام الثانی فی الجملة الإنشائیة. أما الکلام فی المقام الأول، فالصحیح هو أن الجملة الخبریة موضوعة للدلالة على قصد الحکایة والإخبار عن الثبوت أو النفی فی الواقع،ولم توضع للدلالة على ثبوت النسبة فی الواقع أو نفیها عنه؛ وذلک لسببین: السبب الأول أنها لا تدلّ على ثبوت النسبة خارجاً أو على عدم ثبوتها ولو ظناً، مع قطع النظر عن حال المخبر وعن القرائن الخارجیة، مع أن دلالة اللفظ لا تنفکّ عن مدلوله الوضعی بقانون الوضع، وإلا لم یبق للوضع فائدة ... . إنّ قانون الوضع والتعهّد یقتضی عدم تخلف اللفظ عن الدلالة على معناه الموضوع له فی نفسه، فلو کانت الجملة الخبریة موضوعة للدلالة على النسبة الخارجیة لدلّت علیها لا محالة.

والسبب الثانی أن الوضع على ما سلکناه عبارة عن التعهد والالتزام النفسانی، ومقتضاه تعهد کل متکلم من أهل أیّ لغة أنه متى ما قصد تفهیم معنى خاص، أن یتکلم بلفظ مخصوص فاللفظ مفهم له ودالّ على أن المتکلم أراد تفهیمه بقانون الوضع. ومن الواضح أن التعهد والالتزام لا یتعلّقان إلا بالفعل الاختیاری، إذ لا معنى للتعهد بالإضافة الى أمرغیر اختیاری، وبما أنّ ثبوت النسبة أو نفیها فی الواقع خارج عن الاختیار فلا یعقل تعلّق الالتزام والتعهد به، فالذی یمکن أن یتعلق الالتزام به هو إبراز قصد الحکایة فی الإخبار وإبراز أمر نفسانی غیر قصد الحکایة فی الإنشاء؛ لأنهما أمران اختیاریان داعیان إلى التکّلم باللفظ فی الجملة الخبریة والإنشائیة. إذا عرفت ذلک فنقول: على ضوء هذا البیان قد أصبحت النتیجة أنّ الجملة الخبریة لم توضع للدلالة على ثبوت النسبة فی الخارج أو نفیها عنه، بل وضعت لإبراز قصد الحکایة والإخبار عن الواقع ونفس الأمر ... لافرق بین الجمل الخبریة وبین الجمل الإنشائیة فی الدلالة الوضعیة، فکما أن الجملة الإنشائیة لا تتّصف بالصدق أو الکذب، بل أنها مبرزة لأمر من الأمور النفسانیة، فکذلک الجملة الخبریة فإنها مبرزة لقصد الحکایة عن الواقع نفیاً أو إثباتاً،حتى فیما إذا علم المخاطب کذب المتکلم فی إخباره.

 فالجملة الإنشائیة والإخباریة تشترکان فی أصل الإبراز والدلالة على أمر نفسانی،وإنما الفرق بینهما فیما یتعلق به الإبراز، فإنه فی الجملة الإنشائیة أمر نفسانی لا تعلق له بالخارج،ولذا لا یتصف بالصدق أو الکذب بل یتّصف بالوجود أو العدم. وفی الجملة الخبریة أمر متعلق بالخارج، فإن طابقه فصادق، وإلا فکاذب. ومن هنا یتضح أنّ المتّصف بالصدق والکذب هو مدلول الجملة لا نفسها واتّصاف الجملة بهما هو بتبع مدلولها وبالعرض والمجاز. ثم یقول: وأما الکلام فی المقام الثانی فالصحیح هو أن الجملة الإنشائیة موضوعة لإبراز أمر نفسانی غیر قصد الحکایة، ولم توضع لإیجاد المعنى فی الخارج. والوجه فی ذلک هو أنهم لو أرادوا بالإیجاد الإیجاد التکوینی کإیجاد الجوهر والعرض لبطلانه من الضروریات التی لا تقبل النزاع، بداهة أن الموجودات الخارجیة بشتى أشکالها وأنواعها لیست مما توجد بالإنشاء، کیف؟ والألفاظ لیست واقعة فی سلسلة عللها وأسبابها کی توجد بها؟! وإن أرادوا به الإیجاد الإعتباری، کإیجاد الوجوب والحرمة أو الملکیة والزوجیة وغیر ذلک، فیرده أنّه یکفی ذلک نفس الاعتبار النفسانی من دون حاجة إلى اللفظ والتکلم به، ضرورة أن اللفظ فی الجملة الإنشائیة لا یکون علة لإیجاد الأمر الاعتباری، ولا واقعاً فی سلسلة علته، فإنه یتحقق بالاعتبار النفسانی، سواء أکان هناک لفظ یتلفظ به أم لم یکن، نعم اللفظ مبرز له فی الخارج، لا أنه موجود له، فوجوده بید المعتبر وضعاً ورفعاً. وقد ظهر مما قدمناه أنّ الجملة الإنشائیة ـ بناء على ما بیناه من أن الوضع عبارة عن التعهد والالتزام النفسانی ـ موضوعة لإبراز أمر نفسانی خاص، فکلّ متکلم متعهّد بأنه متى ما قصد إبراز ذلک یتکلم بالجملة الإنشائیة، مثلاً إذا قصد إبراز اعتبار الملکیة یتکلم بصیغة "بعت" أو "ملکت". وإذا قصد إبراز اعتبار الزوجیة یبرزه بقوله "زوجت" أو "أنکحت". وإذا قصد إبراز اعتباره المادة على عهدة المخاطب،یتکلم بصیغة أفعل وهکذا. ومن هذا قلنا: إنه لا فرق بینهما وبین الجملة الخبریة فی الدلالة الوضعیة والإبراز الخارجی، فکما أنها مبرزة لاعتبار من الاعتبارات کالملکیة والزوجیة ونحوهما فکذلک تلک مبرزة لقصد الحکایة والإخبار عن الواقع ونفس الأمر. فیحصل مما ذکرناه أنه لا وجه لما ذکره المحقق صاحب الکفایة من أن طبیعة المعنى فی الإنشاء والإخبار واحد، وإنما الاختلاف بینهما من ناحیة الداعی إلى الاستعمال.

فإنک عرفت اختلاف المعنى فیهما، فإنه فی الجملة الخبریة شیء، وفی الجملة الإنشائیة شیء آخر. ومما یؤکد ما ذکرناه أنه لو کان معنى الإنشاء والإخبار واحد بالذات والحقیقة،وکان الاختلاف بینهما من ناحیة الداعی، کان اللازم أن یصبح استعمال الجملة الاسمیة فی مقام الطلب کما یصحّ استعمال الجملة الفعلیة فیه (المصدر نفسه، ص 101 ـ 95).

إن الصادق والکاذب برأی السید الخوئی هو المخبر به لا الجملة نفسها، فالکلام من ناحیة الدلالة لا یوصف بأنه صادق أو کاذب.

 

11 ـ نقد نظریة السید الخوئی

بنى السید الخوئی أدلّته فی إنکار دلالة الجملة على النسبة التامة على رأیه فی أنّ الدلالة الوضعیة للجملة دلالة تصدیقیة، ورأیه هذا ناشئ من رأیه الآخر فی أنّ حقیقة الوضع عبارة عن التعهد والالتزام النفسانی. وکلا الرأیین موضع التأمل عند الأصولیین. فیناقش السید الشهید الصدر السید الخوئی فیرى فی هذا الصدد أن حقیقة الوضع بعد أن کانت عبارة عن التعهد عند السید الخوئی فلا محالة یتعلق بأمر اختیاری. وما هو اختیاری یقصد الحکایة أو الإنشاء لا ثبوت النسبة أو عدم ثبوتها ویرد علیه أنّ وضع الجملة للنسبة لا یراد به إلا نفس ما یراد، حین یقال مثلاً: إن "من" موضوعة للتحصیص أو أنّ "نار" موضوعة للجسم المحرق. فلماذا لایعترض هناک، ویقال:إنّ التحصیص أو الجسم المحرق لا معنى للتعهد به کما لا معنى للتعهد بالنسبة.

إنّ حلّ المغالطة بناء على التعهد یکون المعنى الموضوع له حقیقة أمراً نفسانیاً دائماً حتى فی الکلمات الإفرادیة والحروف، وهو قصد إخطار المعنى تصوراً فی ذهن السامع فقصد إخطار التحصیص، مثلاً هو معنى "من" بناء على مسلک التحصیص فی الحروف وقصد إخطار صورة الجسم المحرق هو معنى کلمة "نار". وبناءً على هذا یعود النزاع بین المسلکین فی باب الجملة التامة بعد الفراغ عن کونها موضوعة لأمر نفسانی إلى الخلاف فی تعیین هذا الأمر النفسانی، فهل هو قصد إخطار النسبة تصوراً أو قصد الحکایة عنها؟ فالأول هو المدعى فی مسلک المشهور بعد افتراض عدم بطلان التعهد، والثانی هو المدّعى فی مسلک السید الخوئی وهکذا یتضح أنّ کون الوضع هو التعهد لا یعین أحد القولین فی المقام. ثم یقول: إننا تارة نتکلم على مبنى کون الوضع غیر التعهد، وأخرى على مبنى أن الوضع هو التعهد. فعلى الأول تکون الدلالة الوضعیة دائماً تصوریة،إذ لا یعقل نشوء أکثر من ذلک من الوضع بناء على عدم إرجاعه إلى التعهد. فجملة "زید عالم" دلالتها الوضعیة تصوریة أیضاً، وأما دلالتها التصدیقیة على قصد الحکایة فلیست وضعیة بل بملاک الظهورات الحالیة والسیاقیة. وأما على الثانی فالدلالة الوضعیة تصدیقیة دائماً حتى فی الکلمات الإفرادیة، حیث أنها تدلّ دلالة تصدیقیة على قصد إخطار المعنى، وتکون الجملة التامة مثل "زید عالم" ذات دلالة وضعیة تصدیقیة على المسلکین معاً. غایة الامر أنّ مدلولها الوضعی التصدیقی على مسلک السید الخوئی هو قصد الحکایة، وعلى مسلک المشهور مدلولاً وضعیاً، بل مدلولاً تصدیقیاً سیاقیاً ینشأ من قرائن الحال والسیاق (الهاشمی الشاهرودی،1426هـ، ج 1 ، ص 268 ـ 266).

 

12 ـ نظریة المشهور هی وضع الجملتین للنسبة التامة

إن کان للنسبة التامة مطابق خارج مفهوم الجملة فهی خبریة، وإلا فإنشائیة. وبعبارة أخرى، تدلّ الجملة الخبریة على نسبة تامة لها خارج تطابقه، فتکون صادقة أو لا تطابقه فتکون کاذبة. والإنشائیة تدلّ على إیجاد نسبة تامة لا مطابق لها فی الخارج،فلا توصف بالصدق والکذب، ولیس لنسبة الجملة الإنشائیة واقع خارجی، وإنما اللفظ هو الذی یوجد واقعها، فلذلک وصفت بأنها موجدة لمعناها بینما لنسبة الجملة الخبریة واقع خارجی قبل التلفّظ بالجملة ولذلک وصفت بأنها حاکیة عنه.

یقول سعدالدین التفتازانی:الکلام إما خبر وإما إنشاء،لأنه لا محالة یشتمل على نسبة تامة بین الطرفین، قائمة بنفس المتکلم، وهی تعلق أحد الشیئین بالآخر بحیث یصحّ السکوت علیه،سواء کان إیجاباً أو سلباً أو غیرهما کما فی الإنشائیات وتفسیرها بإیقاع المحکوم به على المحکوم علیه،أوسلبه عنه خطأ فی هذا المقام،لأنه لا یشمل النسبة فی الکلام الإنشائی. فلا یصحّ التقسیم لأن الکلام إن کان لنسبته خارج فی أحد الأزمنة الثلاثة أی یکون بین الطرفین فی الخارج نسبة ثبوتیة أو سلبیة تطابق تلک النسبة ذلک الخارج، بأن یکونا ثبوتتین أو سلبیتین أو لا تطابقه بأن تکون النسبة المفهومیة من الکلام ثبوتیة،والتی بینهما فی الخارج والواقع سلبیة، أو بالعکس فخبر، وإن لم یکن لنسبته خارج کذلک فإنشاء. وتحقیق ذلک أن الکلام إما أن تکون نسبته بحیث تحصل من اللفظ، ویکون اللفظ موجداً لها من غیر قصد إلى کونه دالاً على نسبة حاصلة فی الواقع بین الشیئین وهو الإنشاء،أو تکون نسبته بحیث یقصد أنّ لها نسبة خارجة تطابقه أو لا تطابقه وهو الخبر، لأنّ النسبة المفهومة من الکلام الحاصلة فی الذهن لا بدّ أن تکون بین الشیئین، ومع قطع النظر عن الذهن لا بدّ وأن یکون بین هذین الشیئین فی الواقع نسبة ثبوتیة، بأن یکون هذا ذاک أو سلبیة بأن لا یکون هذا ذاک (التفتازانی، بلا تا، ص 32 ـ 31).

المعروف عند جمهور النحاة والبلاغیین أنّ الجملة الخبریة تکشف عن معنى موجود فی الخارج، قبل التلفّظ فلا توجد معنى لم یکن موجوداً، فیوصف الکلام بالصدق إن طابق الخارج، وبالکذب إن لم یطابقه. أما الإنشائیة فتوجد معنى فی الخارج لم یکن موجوداً قبل اللفظ نحو التمنّی فی لیت والترجّی فی لعلّ والاستفهام فی هل والمدح والذمّ فی نعم وبئس و... إلخ. فلا یوصف الکلام الذی تدخله هذه الأدوات بالصدق والکذب عندما تقول: "بئست المرأة هند" فإنما تنشأ وتحدث الذم، ولیس الذم موجوداً فی الخارج لیوصف بالصدق أو الکذب.

إذن تقسیم المشهور للجملتین قائم على أن النسبة التامة إن کان لهما مطابق خارج مفهوم الجملة فهی خبریة وإلا إنشائیة، والافتراق عندهم هو أنّ الخبریة ما کان لنسبتها واقع خارجی قبل النطق بها فیصبح وصفها بالصدق والکذب، والإنشائیة لیس لنسبته هذا الواقع الخارجی، وإنما اللفظ هو الذی یوجد واقعها ولهذا وصفت الخبریة بأنها حاکیة لمعناها والإنشائیة بأنها موجدة لمعناها.

 

13 ـ نقد نظریة المشهور

یمکن نقد هذه النظریة بأنّ لیس هناک وجودان مستقّلان؛ أحدهما وجود اللفظ والآخر وجود المعنى. وإنما هناک وجود واحد للفظ والمعنى، بل وجود اللفظ هو وجود معناه سواء کان خبراً او إنشاءاً، وهذا الوجود ینسب للفظ أصالة وللمعنى عرضاً کما أن حدوث المعنى باللفظ أمر مشترک بین الإنشاء والإخبار، فإن مفاد "بعت" إنشاءاً أو إخباراً واحد، وهو نسبة البیع إلى المتکلم وإن کان الفرق بینهما أنه إذا قصد وجود تلک النسبة خارجاً بوجود اللفظ فالجملة إنشائیة، وإذا قصد زیادة على ذلک حکایة عن وجود النسبة فالجملة خبریة.

 

14 ـ حوار هادئ بین جمهور النحاة والرضی

بما أنّ بعض الأصولیین ذهبوا إلى ما ذهب إلیه جمهور النحاة وقد ناقشهم الرضی الأسترآبادی، فلذلک عرضنا هذا الحوار لصلته بصلب الموضوع. یناقش الرضی الجمهور بأن المتکلم بجملة "زید أفضل من عمرو" قد أوجد التفضیل ولا یمکن تکذیبه بذلک یقال: إنک لم تفضل، بل التکذیب یتعلّق بأفضلیة زید، ونحو "زید قائم" خبر بلا شک ولا یحتمل الصدق والکذب من حیث نفس الإخبار الذی هو فعل المخبر لأنه أوجده بهذا اللفظ قطعاً، بل التکذیب والتصدیق من حیث المخبر به، وهو ثبوت القیام لزید. (1310هـ، ج 2، ص 311). وناقش النحاة والبلاغیون کلام الرضی هذا بأن الکلام فی مدلول الجملتین التفضیل والإخبار وإن کانا فعل المتکلم الذی أوجده بقوله "أزید أفضل من عمرو" أو "زید قائم"، إلا أن کلاً منهما لیس مدلول الخبر، بل مدلوله الحکم بالنسبة بین طرفی الإسناد أی "ثبوت الأفضلیة أو ثبوت القیام لزید" وهو محتمل للصدق والکذب فلایکون إنشاءاً، أما مدلول جملة "نعم الرجل زید" أو "ما أحسن زیداً" فهو إحداث المدح أو إحداث التعجب. أما "حسن زید مثلا" فلازم عرفی للمعنى الموجود، ولیس مقصوداّ من الصیغة فلا یلازم کونها خبراً (المصدر نفسه). واعترض ابن هشام فی شرح شذور الذهب على بعض النحویین فی تقسیمهم الکلام إلى ثلاثة أنواع: خبر وطلب وإنشاء، ورأى أنّ الطلب من أقسام الإنشاء، فقال:کذلک انقسم الکلام إلى ثلاثة أنواع: خبر وطلب وإنشاء، وضابط ذلک أنه إما أن یحتمل التصدیق والتکذیب أو لا؛ فإن احتملهما فهو الخبر، نحو "قام زید" و"ما قام زید" وإن لم یحتملهما فإما أن یتأخر وجود معناه عن وجود لفظه، ویقترنا. فإن تأخر عنه فهو الطلب، نحو "اضرب" أو یقترنا؛ فإن تأخر عنه فهو الطلب،نحو"اضرب" و"لاتضرب" و"هل جاءک زید؟" وإن اقترنا فهو الإنشاء،کقولک لعبدک: "أنت حرّ". وقولک لمن أوجب لک النکاح: "قبلت هذا النکاح" والتحقیق خلافه، وإن الکلام ینقسم إلى خبر وإنشاء فقط، وإن الطلب من أقسام الإنشاء،وإن مدلول "قم" حاصل عند التلفظ به لا یتأخر عنه، وإنما یتأخر عنه الامتثال، وهو خارج عن مدلول اللفظ، ولما اختصّ هذا النوع بأن إیجاد لفظه إیجاد لمعناه سمی إنشاء (ابن هشام الأنصاری، بلا تا،ص 32). یقول الشهید الصدر: المشهور أن الجمل الخبریة موضوعة للنسب، ولکن النسبة المفاد علیها بالجملة التامة نسبة تامة، یصحّ السکوت علیها، بخلاف النسبة المفاد علیها بالجملة الناقصة أو الحرف (الهاشمی الشاهرودی،1426 هـ، ج 1، ص 265). وجاء فی محاضرات فی أصول الفقه أنّ الجمل على قسمین: أحدهما إنشائیة، والثانی خبریة؛ والمشهور أنّ الأولى موضوعة لإیجاد المعنى فی الخارج. ومن هنا فسّروا الإنشاء بإیجاد ما لم یوجد والثانیة موضوعة للدلالة على ثبوت النسبة فی الواقع أو نفیها عنه (الفیاض، 1419 هـ، ج 1، ص 91). وجاء أیضاً أنّ نظریة المشهور فی مسألة الإنشاء هی إیجاد المعنى باللفظ مقابل الإخبار (المصدر نفسه، ﺝ 2، ص 119).

 

15 ـ اعتراضات السید الخوئی على نظریة المشهور وردّ الشهید الصدر

أورد السید الخوئی اعتراضات أربعة على نظریة مشهورة. فردّ الشهید الصدر علیها وفنّدها مثبتاً بذلک صحة مسلک المشهور، فقال: وقد أفاد السید الخوئی بهذا الصدد اعتراضات عدیدة فی محاولة لإبطال ما ذهب الیه المشهور، نذکرها مع التعلیق علیها بما یثبت فی النهایة صحة مسلک المشهور.

الاعتراض الأول: هو النقض بموارد لا یعقل فیها وجود النسبة خارجاً بین الموضوع والمحمول، کقولنا: "العنقاء ممکن وشریک الباری ممتنع"، لأن ثبوت النسبة فرع ثبوت المنتسبین خارجاً فمع عدمهما لا یعقل ثبوتها، فلا بدّ أن یکون معنى الجملة الخبریة سنخ معنى محفوظ حتى فی هذه الموارد ولیس هو إلا قصد الحکایة. وواضح أن هذا الاعتراض مبنی على افتراض أخذ النسبة الخارجیة فی مفاد الجملة الخبریة، والواقع أنّ هذا الاعتراض منه انسباق مع فهمه لمسلک المشهور ... حیث رأینا کیف حمل کلام المحقق الأصفهانی على إرادة وجود الرابط الخارجی، وقد عرفت أن نظر المشهور إلى النسبة الذهنیة بین المفهومین، وهی محفوظة فی کل مورد یفترض فیه وجود مفهومین فی الذهن ولو فرض استحالة وجودهما خارجاً. فلو کان مقصوده عدم تصور النسبة فی موارد النقض بین المفهومین فی صقع الوجود الذهنی فهو غیر صحیح،وإن کان مراده عدم النسبة الخارجیة لتوقفها على وجود الطرفین فی الخارج فیرد علیه:

أولا:أنّ النسبة المدّعى وضع الجملة لها لیست هی الخارجة .

ثانیا:أن الملحوظ لو کان هو النسبة الخارجیة فلا موجب لتخصیص النقض بمثل "شریک الباری ممتنع"، لأنّ النسبة الخارجیة غیر محفوظة فی جمیع القضایا الحملیة حتى مثل "زید عالم"، لأنّ الحمل مبنی على الهویة ،وکون زید وعالم موجودین بوجود واحد، ومع وحدة الوجود فی الخارج لا یمکن افتراض نسبة خارجیة،لأنّ النسبة فی کلّ صقع تحتاج إلى طرفین فی ذلک الصقع، فمع عدم التعدد فی صقع لا نسبة أیضاً.

الاعتراض الثانی: أنّ حقیقة الوضع بعد أن کانت عبارة عن التعهد عند السید الخوئی، فلا محالة أن تتعلق بأمر اختیاری وهو قصد الحکایة أو الإنشاء لا ثبوت النسبة أو عدم ثبوتها.

ویردّ علیه إن وضع الجملة للنسبة لا یراد به إلا نفس ما یراد، حین یقال مثلاً: إن "من" موضوعة للتحصیص أو إن "نار" موضوعة للجسم المحرق. فلما لا یعترض هناک ویقال: إن التحصیص أو الجسم المحرق لا معنى للتعهد به کما لا معنى للتعهد بالنسبة؟

الاعتراض الثالث: وهو مبنی على أن مثل "زید عالم" له دلالة تصدیقیة على معناه، إذ یقال على هذا الاساس: إن معنى جملة "زید عالم" یجب أن یکون سنخ معنى تقتضی الجملة التصدیق به، ومن الواضح أنّ الجملة بما هی لا تقتضی التصدیق بالنسبة ولوظنّاً، بل بقصد الحکایة، فیتعین أن یکون قصد الحکایة هو مدلول الجملة.

الاعتراض الرابع: عدم تعقل الفرق بین الجمل التامة، والجمل الناقصة فیما إذا فرض أنهما معاً موضوعان للنسبة إذ لیست النسبة من الأمور القابلة للقلة والکثرة، فلا بدّ أن یکون منشأ الفرق الذی نجده بینهما أن تکون الجمل التامة موضوعة لقصد الحکایة عن وقوع تلک النسبة لیکون مطلباً تصدیقیاً یصحّ السکوت علیه، وهذا الاعتراض هو أوجه الاعتراضات التی وجّهها السید الخوئی على مسلک المشهور،إلا أنه مع ذلک مما لا یمکن المساعدة علیه، لأنّ الفارق بین الجمل التامة والجمل الناقصة لا بدّ أن نفتش عنه بلحاظ مدلولیهما التصوریین، ولا یکفی إدخال المدلول التصدیقی فی مفاد الجملة التامة لابراز ذلک بدلیل انحفاظ الفرق بینهما حتى إذا ما انسلخت الجملة عن قصد الحکایة، کما إذا دخل علیها الاستفهام، فقیل: "هل زید عالم"، وهو ینافی قصد الحکایة عن النسبة، فلو کان مدلولها التصوری عین المدلول لصحّ أن یقال: "هل زید العالم" بدلاً من "هل زید عالم" مع وضوح عدم صحته، ولیس ذلک إلا من جهة الفرق التصوری بین المدلول الجملتین، وأن النسبة نفسها على قسمتین تامة وناقصة (الهاشمی الشاهرودی،1426 هـ، ج 1، ص 268 ـ 265).

یمکن نقد آراء السید الخوئی الآنفة الذکر بالنحو التالی أنّ بناء حقیقة الوضع على التعهد یکون المعنى الموضوع له حقیقة أمراً نفسانیاً سواء فی الکلمات الانفرادیة أو الحروف، فی کون قصد إخطار المعنى تصوراً فی ذهن السامع، فلذلک یعود النزاع بین مسلک المشهور ومسلک السید الخوئی فی باب الجملة التامة إلى الخلاف فی تعیین الأمر النفسانی، فهل هو قصد إخطار النسبة تصوراً أو قصد الحکایة عنها؟ فیتّضح أن کون الوضع هو التعهد لا یلزم القول بأحد المسلکین. کما أن البناء على أنّ الوضع هو التعهد فالدلالة الوضعیة تصدیقیة حتى فی الکلمات الإفرادیة، فتدلّ بالدلالة التصدیقیة على قصد إخطار المعنى، وتکون الجملة التامة مثل "سعید معلم" ذات دلالة وضعیة تصدیقیة على المسلکین. نهایة الأمر، أن مدلولها الوضعی التصدیقی على مسلک السید الخوئی هو قصد الحکایة، وعلى مسلک المشهور هو قصد إخطار النسبة فی الذهن، کما أن قصد الحکایة لا یکون على مسلک المشهور مدلولاً وضعیاً بل مدلولاً تصدیقیاً سیاقیاً ینشأ من القرائن وسیاق الکلام.

 

16 ـ نظریة النسبة التصادقیة

وهی نظریة حدیثة فی هذا المضمارابتکرها الشهید الصدر فیرى أن المدلول فی الجمل الخبریة والإنشائیة هو النسبة التصادقیة. فهذه النسبة هل بین "محمدکاتب" فی الخبریة هی نفس النسبة فی الجملة المتمحضة للإنشاء مثل "هل محمدکاتب؟" وتفترق الخبریة من الإنشائیة فی الوعاء الملحوظ فی تصادق المفهومین،أی الوعاء الذی تمّ به التصادق بین الطرفین خارج الذهن، فإذا کان هذا الوعاء،وعاء التحقق والثبوت فهی خبریة، ویدلّ علیه تجرد الجملة عن الأداة ،وإن کان وعاء التمنّی أو الترجّی أو الاستفهام، فهی إنشائیة وتدلّ علیه الأداة مثل "لیت ولعل وهل و... إلخ".

النسبة التصادقیة هی النسبة التامة للجملة والتی تتصوّر فی کلا قسمی الجمل الخبریة کما تتضمن الإنشائیة بکلا قسمیها النسبة التصادقیة التامة:

أ ـ الاسمیة: نحو "الرجل ضارب" التصادق فی هذا القسم بمعنى انطباقهما على واقع واحد، ومثل النسبة بین محمد وکاتب. فالذهن یتصور من سماع الجملة "محمدکاتب"، "محمد" و"کاتب" متصادقین على واقع واحد.

ب ـ الفعلیة: نحو "ضرب الرجل" التصادق فی هذا القسم بمعنى انطباقهما على مرکز واحد مرکب من العرض ومحله،کما لو لوحظ مفهوم الضرب فانیاً فی حادثة معینة،ومفهوم الرجل فانیاً فی طرف تلک الحادثة، فیتصادقان على واقعة مرکبة واحدة فی الخارج.

یقول الشهید الصدر فی هذا الصدد:نستطیع أن نفهم النسب المفاد علیها فی الجملة الخبریة الاسمیة الحملیة،بأنها موضوعة للنسبة التصادقیة وهی الربط بین المفهومین (الموضوع والمحمول) بنحو یرى أحدهما الآخر، ویصدق علیه فی الخارج،فإن الذهن البشری قادر على استحضار مفهومین وإفنائهما فی واقع خارجی معین،فتکون بینهما نسبة التصادق والإرائة لمعنون واحد. هذه نسبة ذهنیة ولیست خارجیة، بل یستحیل أن تکون خارجیة إذ لیس فی الخارج وجودان،لیکون بینهما نسبة خارجیة، بل وجود واحد مصداق للمحمول والموضوع فی الجملة الخبریة (المصدر نفسه، ص 269).

ویقول عن مفاد الجملة الخبریة الفعلیة: والنسبة التصادقیة التی هی النسبة التامة المداولة للجملة الخبریة، کما تتصور فی الجمل الخبریة الاسمیة،کما فی قولنا: "الرجل ضارب" کذلک تتصور فی الجمل الخبریة الفعلیة کما فی قولنا: "ضرب الرجل" غایة الامر، أنهما نحوان من التصادق، فإن التصادق فی الأول هو بالمعنى الذی یرجع لى انطباقهما على واقع واحد، والتصادق فی الثانی بمعنى انطباقهما على مرکز واحد مرکب من العرض ومحله، فالضرب والرجل مفهومان وهذان المفهومان قد یلحظ مفهوم الضرب منها فانیاً فی حادثة ومفهوم الرجل فانیاً فی ذات غیر واقعة طرفا لتلک الحادثة، وفی مثل ذلک لا ربط ولا تصادق بین المفهومین، وقد یلحظ مفهوم الضرب فانیاً فی حادثة معینة، ومفهوم الرجل فانیاً فی طرف تلک الحادثة، فیکون بینهما علاقة وارتباط وتصادق على واقعة مرکبة واحدة فی الخارج، وهذا هو مفاد الجملة الفعلیة. فالتصادق دائماً یکون بلحاظ أخذ العنوانین بما هما مشیران إلى الخارج مع افتراض نحو وحدة فی المشار نحوه بهما معاً،فإن کانت هذه الوحدة ذاتیة کان من باب الحمل کما هو الحال فی الجمل الخبریة الاسمیة وإن کانت وحدة فی الواقعة کان من باب الإسناد کما هو الحال فی الجمل الخبریة الفعلیة (المصدرنفسه، ص 272).

وعن الجمل الإنشائیة، یقول السید الشهید:إن الجملة الانشائیة بکلا قسمیها لا تتضمن نسبة جدیدة غیر النسبة التصادقیة التامة،وإنما یختلف ما یتمحض فی الإنشاء عن الجمل الخبریة فی الوعاء الملحوظ فیه تصادق المفهومین. إلا إنا نقول ذلک فی الجمل المتمحضة فی الإنشاء والتی یکون مدخول أداة الإنشاء فیها جملة تامة کالجملة الاستفهامیة، وأما الأدوات الإنشائیة التی لا تدخل على جملة تامة کما فی قولنا "یا زید"، فلا یتم فیها ما ذکر،لأنّ المدخول لیس متکفلاً لنسبة تصادقیة تامة. فإما أن ترجع بحسب المدلول إلى جملة فعلیة إنشائیة فیکون فی قولنا "أدعو زیدا" إنشاءاً لا إخباراً فینطبق علیه ما ذکرناه فیما سبق، وإما أن یدعی أن حرف النداء باعتباره بنفسه منبهاً تکوینیاً على حد المنبهیة التکوینیة لکل صوت فإطلاقه إیجاد لما هو المنبه تکویناً لا لما هو حاکٍ ودال علیه بالدلالة اللفظیة، فیکون من الإطلاق الإیجادی لا الحکائی (المصدر نفسه، ص 302).

 فیفهم من ذلک أنّ مدلول الجملة الخبریة نحو "خالد شاعر" هو النسبة التصادقیة بین خالد وشاعر، یعنی أنّ الذهن یتصور من سماع الجملة المذکورة أن "خالداً" و"شاعراً" متصادقان على موضوع واحد، وهذه النسبة هی نفس النسبة فی الجملة المتمحضة للإنشاء مثل: هل خالد شاعر؟ والفرق بینهما أن النسبة بین خالد وشاعر لیس لها رکنان فقط، وهما المسند والمسند إلیه وانما لا بد من رکن ثالث، وهو وعاء الإسناد یعنی الوعاء الذی تمّ به التصادق بین الطرفین خارج الذهن، فإنّ هذا الوعاء قد یکون وعاء التحقق والثبوت فیما لو کانت الجملة الخبریة ویدلّ علیه تجرد الجملة من الأداة کـ"هل". وقد یکون وعاء الاستفهام فیما لو کانت الجملة استفهامیة نحو "هل خالد شاعر؟" ویدل علیه "هل أو سائر أدوات الاستفهام"، وقد یکون وعاء الترجی نحو "لعل خالدا شاعر" ویدل علیه لعل. إذن النسبة التامة بین خالد وشاعر نسبة واحدة، ولکن لها ثلاثة أرکان: المسند والمسند إلیه ووعاء الإسناد. فتمتاز الجملة الخبریة عن الإنشائیة فی وعاء الإسناد، فإذا کان هذا الوعاء وعاء الثبوت والتحقق فهی خبریة، أما إذا کان وعاء الاستفهام أو الترجی أو التمنی فهی إنشائیة.

 

17 ـ الجمل المشترکة بین الإنشاء والخبر من وجهة نظر الشهید الصدر

المقصود من الجملة المشترکة الجمل الخبریة المستعملة فی مقام الإنشاء المعاملی، نحو "بعت" أو فی مقام الطلب مثل "یعید". یقع البحث فی أنها هل مستعملة فی معنى مغایر لمدلولها المراد منها فی مواد استعمالها کجملة خبریة بحیث یحتاج استعمالها فی ذلک المعنى إلى وضع آخر أو مستعملة فی نفس المعنى؟ وبناء على أنها مستعملة فی نفس المعنى، فما الفرق بین "یعید" و"بعت" الإخباریة و"یعید" و"بعت" الإنشائیة بعد وحدة المعنى المستعمل فیه؟

یجیب الشهید الصدر عن ذلک بما یلی: إذا بنی على أن المدلول الوضعی للجملة الخبریة تصوری بحت ـ وهو فی رأینا النسبة التصادقیة بلحاظ وعاء التحقق أو معنى آخر فی رأی الآخرین ـ فیفتح المجال لإمکان القول بأن الجملة الخبریة حینما تستعمل فی مقام الإنشاء تحتفظ بمدلولها التصدیقی وتبدل من قصد الحکایة إلى الطلب أو اعتبار التملیک بعوض مثلاً، فلا یحتاج الاستعمال کذلک إلى وضع آخر أو التزام بالتجوز. وفی مقابل ذلک، یمکن القول باختلاف المدلول التصوری، وأن مفاد "یعید" أو "بعت" إنشاءاً هو النسبة التصادقیة فی وعاء التحقق. وفی مقابل ذلک، یمکن القول باختلاف المدلول التصوری وأنّ مفاد "یعید" أو "بعت" إنشاءاً هو النسبة التصادقیة فی وعاء آخر غیر وعاء التحقق، وهو وعاء الطلب فی "یعید" ووعاء الاعتبار فی "بعت" فکما اختلفت النسبة فی الجملة الاستفهامیة عن النسبة فی الجملة الخبریة من ناحیة الرکن الثالث للنسبة وهو وعاء التصادق،کذلک الحال فی الجمل المشترکة. ولکن الأقرب هو الأول، وأن الجملة المشترکة ذات مدلول تصوری واحد فی موردی الإخبار والإنشاء وهو النسبة التصادقیة فی وعاء التحقق ولا تقاس بمثل الجملة الاستفهامیة مما یختص بالإنشاء لوجود فارق ثبوتی وإثباتی، أما الثبوتی فلأنّ وعاء الاعتبار مثلاً فی "أنت طالق" أو وعاء الطلب فی یعید صلاته لیس فی عرض وعاء التحقق على حدّ عرضیة وعاء الاستفهام له،فإنّ الاعتبار یتعلق بالنسبة التصادقیة التحقیقیة، فما هو المعتبر مفهوماً النسبة المحققة فی الخارج لا النسبة المحققة فی الاعتبار، وإنما تأتی الاعتباریة من تعلق الاعتبار بتلک النسبة، وکذلک وعاء الطلب فی الجملة "یعید صلاته" فإن إبرازه بمثل ذلک بعنایة افتراض تحقق الشیء وکونه مفروغاً عنه،أو بعنایة الإخبار عن تحقق الشیء من العبد المفروض کونه منقاد أو متمثّلاً الملازم لکونه مطلوباً. فالنسبة التصادقیة فی وعاء الاعتبار ملحوظ فی هذا القسم من الجمل الإنشائیة فی المرتبة السابقة. وأما الفارق الإثباتی فعدم وجود أداة مستقلة تساعد على افتراض وعاء آخر غیر وعاء التحقق الذی یقتضیه تجرّد الجملة المستعملة فی مقام الإنشاء عن الأداة ... . فلا إشکال فی اختلافهما فی المدلول التصدیقی. ولکن یمکن القول إضافة إلى ذلک باختلافهما فی المدلول التصوری أیضاً على الرغم من وحدته ذاتاً فیها على أساس الإیجادیة والحکایة بالوجه الرابع المتقدم، وهی إیجادیة وحکائیة من شؤون نفس المدلول التصوری. وقدعرفت أن بالإمکان أخذ هذه الخصوصیات فی الموضوع له والمستعمل فیه، والوجدان العرفی یساعد على ذلک أیضاً لکی یتناسب المدلول التصدیقی مع المدلول التصوری، فإن تعین المدلول التصدیقی لکل جملة لیس جزافاً، وإنما هو حسب تناسباته العرفانیة النوعیة مع المدلول التصوری (الهاشمی الشاهرودی، 1426 هـ،ج 1، ص 268 ـ 266).

یمکن أن یقال إن إنشاء الطلب والوجوب وعناوین العقود والإیقاعات کالنکاح والبیع والطلاق من قبیل الإنشاء الادعائی للأمر الحقیقی لا من قبیل الإنشاء الحقیقی لأمر اعتباری؛ وقد یکون إنشاء هذه العناوین بصیغ تخصّه کصیغ الأمر التی هی مستعملة فی إنشاء المادة، وقد یکون بصیغ یشترک فیها الخبر فتتوقف دلالتها علیها على القرینة کصیغ الإیقاعات والعقود التی هی بهیئة الماضی أو المضارع أو الخبر، فیقع حینئذٍ البحث فی أنها إنشاء موضوعة لنفس معناها إذا استعملت خبراً فالمعنى الموضوع له فی "بعت" إنشاءاً وخبراً واحد، والاختلاف ناشئ من الاستعمال من حیث قصد الحکایة أو قصد الإیجاد.

 

18 ـ نظریة النسبة التحققیة

وهی النظریة الخامسة بأنّ مفاد الجملة الفعلیة هو النسبة التحققیة أی أنّ الذهن یتصور منها تحقق الحدث وخروجه إلى الفعلیة ومن العدم إلى الوجود والحدوث بأنحائه المختلفة من الحلول أو الصدور أو الوقوع أو غیرها،ویرى لا ضیر فی أن تکون هذه النسبة التحققیة کالتصادقیة نسبة تامة؛ إذ لیس المراد أخذ مفهوم التحقق، بل واقعة ولیس واقعة تحصیصاً فی المفهوم، بل کالتصادق والصدق أمر مربوط بکیفیة إفناء المفهوم ولحاظه فی خارج الذهن. ثم یبین ذلک بأن هذه النسبة التحققیة التامة مفاد هیئة الفعل نفسها فإنّها تدلّ على التحقق فی الماضی أو الحال والمستقبل لا أنّها مفاد هیئة الفعل والفاعل والدلیل على ذلک مضافاً إلى الوجدان القاضی بتبادر التحقق من نفس هیئة الفعل بمجرد سماعه بلا انتظار إلى سماع الفاعل ما نجده من أخذ التقدیر للفاعل کلما لم یکن ظاهراً، مما یعنی أنّ هیئة الفعل بنفسها تقتضیه أی تدلّ على معنىً تقتضی فرض فاعل بالدلالة الالتزامیة.

 وقد استنتج السید الهاشمی الشاهرودی ستة أمور تلی:

أ ـ أنّ الإخبار أیضاً إیجاد للحکایة الذهنیة عن الخارج تصوّراً، إلّا أنّه حیث إنّ متعلقه تحقق النسبة التصادقیة والتصدیق بها فیقبل أن یتّصف متعلقه بالصدق والکذب، وهذا بخلاف المعانی الإنشائیة الأخرى.

ب ـ أنّ هذا المعنى محفوظ حتى مع عدم الجدیة لأنّ هذه الفعالیات الذهنیة تحصل قهراً فی مواردها بأی داعٍ کان إیجادها فی الذهن کما هو واضح.

ج ـ الفرق بین الجملة الإنشائیة الطلبیة أو الندائیة والجملة الإنشائیة الاستفهامیة ونحوها من أدوات الإنشاء التی تدخل على النسبة التصادقیة،فإنّ هذا ملحوظ تصوراً أیضاً باعتبار أنّ النداء والطلب لا یتوقفان على ملاحظة نسبة تصادقیة بخلاف مثل الاستفهام والترجی والتمنی.

د ـ أنّ الجملة الخبریة المستعملة فی مقام الإنشاء خارجة عن ذلک المعنى للإنشاء رأساً وإنّما هی نظیر الإخبار عن أنّه یأمره فعلًا حیث یتحقق به مصداق الأمر حقیقة فی الخارج، فهو یخبر عن أنّه یبیع مثلًا لأنّه متحقق به فهذا سنخ آخر من الإنشاء وبلحاظ التقسیم المتقدم للإخبار والإنشاء هو إخبار فی الحقیقة یتحقق به مصداق له.

ه ـ أنّ نقصان النسبة التصادقیة حینما تدخل علیه أدوات الإنشاء کالاستفهام والترجی والتمنی أو الطلب لیس بلحاظ المدلول التصوری وانقلابها إلى نسبة ناقصة ولهذا لا یصحّ جعل نسبة وصفیة أو إضافیة فی محلها مدخولًا لأدوات الإنشاء، بل بمعنى عدم لحاظها فی وعاء التحقق موقع الإخبار عنها الذی کان مفاداً بالدالّ العدمی وهو التجرد عن أدوات الإنشاء أو بلفظة (است) و(استین) فی بعض اللغات الأخرى،ولهذا لا توجد مجازیة ولا تصرف فی مدلول الجملة لأنّ الدالّ على ذلک الوعاء واللحاظ إنّما هو دالّ آخر لا نفس الجملة ونفس الشی‏ء یقال فی الجملة الشرطیة، فإنّ أدوات الشرط تدلّ على أنّ النسبة التصادقیة لا یراد الإخبار عنها بالفعل کما لو جاءت مجردة عن أداة الشرط وإنّما الملحوظ التلازم بین صدقها وتحققها وصدق جملة الجزاء.

و ـ أنّ ما ذکره الأصولیون فی المقام وصوّروه من أنحاء من النسب کالنسبة الاستفهامیة والطلبیة ونحوها مما لا یرجع إلى محصل، إذ مضافاً إلى ما ذکره السید الشهید قدس سره من أنّ هذه المعانی أو النسب خارجیة فلا یمکن أن تکون فی الذهن نسب تامة بل ناقصة تحلیلیة.

ثم قال السید الهاشمی: أقول زائداً على ذلک یرد علیه أنّ الاستفهام والترجی والطلب معان عرضیة ذاتیة ولیست نسباً أی لیست عین الربط والنسبة کالظرفیة والابتدائیة، وإنّما هی وجودات فی نفسها ولکنها عرضیة تعرض على النفس کالأعراض الأخرى کالعلم مثلًا والحبّ والبغض، ومجرد کونها ذات إضافة وتعلق لا یجعلها نسبة ووجوداً ربطیاً کما هو واضح. فما ذکر فی کلمات الأعلام والسیّد الشهید قدس سرّه أنّها موضوعة للنسبة الإرسالیة أو الاستفهامیة أو نحو ذلک لا یمکن المساعدة علیه، وکأنّهم صاروا إلى اختیار ذلک باعتبار تصور أنّ کلّ مدلول غیر اسمی لا بد وأن یکون نسبیاً، وهو غیر تامّ (الهاشمی الشاهرودی،1431هـ، ج1، ص 105 ـ 103).

عند إمعان النظر فی هذه النظریة نرى أنها لا تختلف کثیراً عن النظریة التصادقیة، فإنها تصبّ بنحو ما فیها، ولاسیّما فی الجملة الفعلیة فالنظریتان تلتقیان فیها.

 

19 ـ خاتمة المطاف

وقد تحصل أن الفرق بین الجملة المختصة بالإنشاء والجملة الخبریة ینشأ من المدلول التصوری نظراً لاختلاف الإنشائیة عن الخبریة فی الوعاء الملحوظ فیه تصادق المفهومین المقوم لکیفیة النسبة التصادقیة.

إنّ النسبة التصادقیة لا معنى لها إلا بلحاظ وعاء یکون فیه التصادق، أی أن الذهن یتصور "زید" و"عالم" متصادقین على شیء فی عالم من العوالم خارج الذهن، وهذا العالم فی الجملة الخبریة هو عالم التحقق والثبوت، وتدل علیه تجرد الجملة عن الأداة. وفی جملة الاستفهام هو عالم الاستفهام أو السؤال، وتدلّ علیه أداة الاستفهام، وفی جملة التمنی عالم التمنی، وتدلّ علیه أداة التمنی، وهکذا لیس المقصود من هذا الطرف الثالث وجود مفهوم اسمی ثالث للنسبة التصادقیة على حد مفهوم "زید" و"عالم"، بل وجود رکن ثالث لقوام النسبة التصادقیة، فإنهما بحاجة إلى وعاء یصدق بلحاظه المفهومان، وإن شئت قلت: إن النسبة التصادقیة بین مفهومین لها حصص عدیدة، إحداهما النسبة التصادقیة بلحاظ وعاء التحقق، والأخرى التصادق فی عالم السؤال والاستفهام. والثالثة فی عالم التمنی وهکذا تعیین إحدى هذه الحصص یکون بالأداة الداخلة على الجملة أو بمجردها عن کل أداة کما فی الجملة الخبریة (الهاشمی الشاهرودی،1426 هـ، ج 1، ص299). یرى السید الشهید الصدر فی القسم الأول من الحلقة الثالثة أن الجملة التامة تنقسم إلى خبریة وإنشائیة، ولا شک فی اختلاف إحداهما عن الأخرى حتى مع اتحاد لفظیهما کما فی "بعت" الخبریة و"بعت " الإنشائیة، فضلاً عن "عاد" و"أعد" وقد وجدت عدة اتجاهات فی تفسیر هذا الاختلاف:

الأول:ما تقدم عن صاحب الکفایة وغیره من وحدة الجملتین فی مدلولهما التصوری، واختلافهما فی المدلول التصدیقی فقط وقد تقدم مناقشته.

الثانی أن الاختلاف بینهما ثابت فی مرحلة المدلول التصوری، وذلک فی کیفیة الدلالة، فقد یکون المدلول التصوری واحداً، ولکن کیفیة الدلالة تختلف، فإن جملة "بعت" الإنشائیة دلالتها على مدلولها بمعنى إیجادها له باللفظ،وجملة "بعت" الإخباریة دلالتها على مدلولها بمعنى إخطارها للمعنى وکشفها عنه. فکما ادّعى فی الحروف أنها إیجادیة، کذلک یدعى فی الجمل الإنشائیة، لکن مع فارق الإیجادیتین،فتلک بمعنى کون الحرف موجداً للربط الکلامی، وهذه بمعنى کون "بعت" موجدة للتملیک بالکلام، فما هو الموجد ـ بالفتح ـ فی باب الإنشاء أمر اعتباری مسبب عن الکلام.

ویرد على ذلک أنّ التملیک اعتبار تشریعی یصدر من البائع ویصدر من العقلاء ومن الشارع، فإن أرید الأول بالتملیک الذی یوجد بالکلام فمن الواضح سبقه على الکلام، وإن البائع بالکلام یبرز هذا الاعتبار القائم فی نفسه، ولیس الکلام هو الذی یخلق هذا الاعتبار فی نفسه، وإن أرید الثانی أو الثالث، فهو وإن کان مترتباً على الکلام، غیر أنه یترتب علیه بعد فرض استعماله فی مدلوله التصوری وکشفه عن مدلوله التصدیقی، ولهذا لو أطلق الکلام بدون قصد أو کان هازلاً، لم یترتّب علیه أثر، فترتب الأثر إذن ناتج عن استعمال "بعت" فی معناها ولیس محققاً لهذا الاستعمال.

الثالث أن الجملتین مختلفتان فی المدلول التصوری، حتى فی حالة اتحاد لفظهما ودلالتهما على نسبة واحدة، فإن الجملة الخبریة موضوعة لنسبة تامة منظوراً إلیها بما هی حقیقة واقعة وشیء مفروغ عنه، والجملة الإنشائیة موضوعة لنسبة تامة منظوراً إلیها بما هی نسبة یراد تحقیقها.

ویمکن أن نفسر على هذا الأساس إیجادیة الجملة الإنشائیة، فلیست هی بمعنى أن استعمالها فی معناها هو بنفسه إیجاد للمعنى باللفظ، بل بمعنى أن النسبة المبرزة بالجملة الإنشائیة نسبة منظوراً إلیها لا بما هی ناجزة، بل بما هی فی طریق الإنجاز والإیجاد (الصدر، 1426 هـ، ج 2، ص 74 ـ 73).

 

الخاتمة

نستنتج مما مرّ أن آراء الأدباء والأصولیین حول الجملة الخبریة والإنشائیة والجملة التامة ما یلی:

1 ـ نظریة المختار هی نظریة النسبة التصادقیة التامة للجملة، تتصور فی کل من الجملة الخبریة الاسمیة والجملة الخبریة الفعلیة وفی کلا قسمی الجملة الإنشائیة والجمل المشترکة بین الإنشاء والإخبار. والاختلاف هو فیما یتمحض فی الإنشاء عن الجمل الخبریة فی الوعاء الملحوظ فیه تصادق المفهومین، فالفرق بین الجملة المختصة بالإنشاء والجمل الخبریة ینشأ من المدلول التصوری نظراً لاختلاف الإنشائیة عن الخبریة فی الوعاء الملحوظ فیه تصادق المفهومین المقوم لکیفیة النسبة التصادقیة. فتمتاز الخبریة من الإنشائیة فی وعاء الإسناد، فإذا کان هذا الوعاء وعاء الثبوت والتحقق فهی خبریة، أما إذا کان وعاء الاستفهام أو الترجّی أو التمنّی فهی إنشائیة.

2 ـ أن بحث الأصولیین فی دلالة الجملتین یشبه بحث البلاغیین فی أسالیب الإنشاء والخبر، وإن خالفوهم فی أن الجملة الإنشائیة توجد معناها والخبریة تحکی عنه،وحلّلوا النسب الخاصة التی تدل علیها الأدوات الإنشائیة کأدوات التمنی والترجی والاستفهام والنداء، بینما لم یحلّلها البلاغیون.

3 ـ دلالة الجملة الخبریة على الوجوب أظهر من ظهور صیغة أفعل من وجهة نظر صاحب الکفایة والشهید الصدر، بینما یرى السید الخوئی أنّ ظهورها فی الوجوب لم یصل إلى مستوى الظهور العرفی.

4 ـ نستخلص مما مرّ أن آراء الأدباء والأصولیین حول الجملة الخبریة والإنشائیة والجملة التامة تترکز فی خمس نظریات رئیسیة وسائر الآراء قد تختلف یسیراً عن هذه النظریات أو تصبّ فی مصبها. فذهب الآخوند الخراسانی إلى وحدة مدلول الجملة الإنشائیة والخبریة، وأن الإنشاء والخبر من دواعی الاستعمال، بینما ذهب السید الخوئی إلى أن مفاد الجملتین إبراز أمر نفسانی، کقصد الحکایة فی الخبریة والإنشاء فی الجملة الإنشائیة.

وذهب جمهور النحاة والبلاغیین ومشهور الأصولیین إلى أن جملتی الإنشاء والخبر تدلان على نسبة تامة. فان کان لهذه النسبة واقع خارجی،فالجملة خبریة،ولذلک وصفت بأنها حاکیة عنه، وإن لم یکن لها واقع خارجی،وإنما دلت الجملة على إیجاد نسبة تامة، فهی إنشائیة ولذلک وصفت بأنها موجدة لمعناها.

کما أن الشهید الصدر ذهب إلى النظریة التصادقیة وهی النظریة التی اخترتها فی هذا المقال.

وذهب السید الهاشمی إلى أنّ مفاد الجملة الفعلیة هو النسبة التحققیة أی أن الذهن یتصور منها تحقق الحدث وخروجه إلى الفعلیة ومن العدم إلى الوجود والحدوث بأنحائه المختلفة من الحلول أو الصدور أو الوقوع أو غیرها. ویرى أنه لا ضیر أن تکون هذه النسبة التحققیة کالتصادقیة نسبة تامة. وبالأحرى، هذه النظریة تصبّ فی نظریة النسبة التصادقیة وتکون مؤیدة لها.

 



[1]. وهی أن مدلول الجملة الخبریة، نحو: خالد شاعر، هو النسبة التصادقیة أی أنّ الذهن یصوّرمن سماع الجملة أنّ خالداً وشاعراً متصادقان على موضوع واحد، وهذه النسبة هی نفس النسبة فی الجملة المتمّحضة للإنشاء، نحو: هل خالد شاعر.

[2]. وهی أنّ الذهن یصوّر من الجملة الفعلیة تحقّق الحدث وخروجه من العدم والحدوث إلى الوجود.

  1. الآخوند الخراسانی، محمد کاظم. (1328هـ). کفایة الأصول. (ط1). بغداد: مطبعة الشابندر.
  2. ابن هشام الأنصاری، عبد الله بن یوسف. (بلا تا). شرح شذور الذهب. (ط1). قم:مرکز نشر منظمة الإعلام الإسلامی.
  3. التفتازانی، سعدالدین. (بلا تا). شرح مختصر المعانی. (ط2). طهران: وفاء.
  4. الحکیم الطباطبائی، السید محسن. (بلا تا). حقائق الأصول. (ط2). قم: مؤسسة آل البیت للطباعة والنشر.
  5. الرضی الأسترآبادی، محمد بن الحسن. (1310 هـ). شرح الکافیة. (ط1). ترکیا.
  6. الصدر،محمد باقر. (1426 هـ). دروس فی علم الأصول. (ط7). قم: مؤسسة النشر الإسلامی.
  7. الفیاض، محمد إسحاق. (1419هـ). محاضرات فی إصول الفقه: تقریرات السید الخوئی. (ط1). قم: مؤسسة النشر الإسلامی.
  8. الهاشمی بک، السید احمد. (1940م). جواهر البلاغة. (ط10). مصر: مطبعة الاعتماد.
  9. الهاشمی الشاهرودی،السید محمود. (1431 هـ). أضواء وآراء على تعلیقات کتابنا بحوث فی علم الأصول. ( ط1). قم: مؤسسة دائرة المعارف.
  10. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (1426 هـ). بحوث فی علم الأصول: تقریرات الشهید الصدر. (ط3). قم:مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامی.