Educational Values and Their Role in Children's Stories Study of Kamel Al-Keilani's Stories

Document Type : Research Article

Authors

1 .Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Shiraz;

2 PhD student- Arabic Department-University of Shiraz;

Abstract

 
Children are mirrors of the society. So, attention must be paid to them and their literature to instil educational values to them in the form of beautiful pictures of the literature.
The stories are the best way to reach what is expected from children in their manner and personality.
This article is an attempt to concentrate on the educational values in children's stories, represented in Kamel Al-Keilani's stories.
This article, after an introduction to the educational goals of children's literature, and the desired educational values in the children's stories, has analyzed the role of educational values in Kamel Al-Keilani's stories based on the descriptive and analytical meted.
Finally, the article finds that Keilani cares for educational values in his woks. He cares above all, the religious and spiritual values and moralities in his stories.

Keywords


المقدمة

1ــ بیان المسألة

أدب الطفولة أو أدب مرحلة الطفولة من الأنواع الأدبیة المتجددة فی الآداب الإنسانیة. فالطفولة هی الغرس المأمول لبناء مستقبل الأمة. «إن معرفة الطفل والتعرف على خصائصه ومتطلباته وکیفیة التعامل معه منذ تفتح شخصیته، وخلال المراحل العمریة مطالب ملحة وأساسیة وضروریة لجمیع من یهمّهم أمر بناء الأجیال من الأدباء والمعلمین والمرشدین» (خلف‌ الله، 1998م، ص 9)؛  فإن «أدب الأطفال هو الوسیلة المثلى للوصول إلى عقول الصغار، بغیة تنمیة القدرات، وصقل التفکیر والتعبیر،‌ وتحسین الأداء، وتنمیة ملکة الإبداع،‌ و الإحساس بالجمال، والارتقاء بالمشاعر، وتحبیب الهوایات إلى النفس البریئة المتفتّحة على الحیاة» (قرانیا،2003م، ص 9).

لا یوجد مجتمع إنسانی یخلو من القیم التی تعطی لحیاة أفراده معنى وغرضاً، وتنشأ هذه القیم فی المجتمع

استجابة من الأفراد للقوى والضغوط التی تفرضها البیئة. ویتشبث الأفراد بهذه القیم عن وعی منهم؛ کما أنهم ینقلونها ویلتزمون بها فی سلوکهم، وتتوحد بها الشخصیات أثناء عملیة التنشئة الاجتماعیة. کل قیمة تؤدی وظیفة فی البناء الاجتماعی لصالح الشخصیات المکونة للمجتمع ولصالح المجتمع کله، وتعمل على التوافق الاجتماعی وتلحّ علیه؛ فتوافُق الأشخاص مع القیم السائدة وتوحّدهم معها أمر ضروری لتؤدی القیم وظائفها (حلاوة، 2000م،ص 109).

تحتلّ القصة مکانة متمیزة فی أدب الأطفال، وتعدّ من الفصول الأدبیة المؤثرة على السلوک القیمی للأطفال فی المواقف الیومیة، وتعتبر أفضل وسیلة تقدّم عن طریقها قیماً دینیةً وأخلاقیة ومعلومات علمیة أو تاریخیة أو جغرافیة وتوجهیات سلوکیة أو اجتماعیة. فالأطفال «یمیلون إلى القصة ویستمتعون بها سواءً کانت مسموعة أو مقروءة، وتجذبهم شخصیاتها وحوادثها التی تثیر مشاعرهم وتدغدغ خیالاتهم، وتؤثر فی اتجاهاتهم وتصرفاتهم عن طریق الأفکار التی تطرحها والموضوعات التی تعالجها، ضمن أسلوب یتناسب مع مدارکهم وقدراتهم العقلیة والنفسیة واللغویة» (الشماسی، 1996م، ص 33).

فإذا کانت المسؤولیة فی القدیم محصورة ــ إلى حدّ کبیر ــ بالوالدین، فإنّها الیوم تشتمل عدداً أکبر من الناس، مع بقاء المسؤولیة الأولى والأهم للوالدین. فالمدرسة ووسائل الإعلام والقصص و... تترک أثرها على الطفل. وأما أدب الأطفال، فإنّه من أهم الوسائل التی تسهم فی عملیة البناء التربوی، والحمایة من الأخطار التی تهدم التربیة وتفسد الفطرة السلیمة (بریغش،1996م، ص 124).

والکیلانی، رائد قصة الطفل فی الأدب العربی، اهتمّ بالقصة فی انتقال المقاصد والغایات المختلفة إلى الطفل، واستطاع فی قصصه أن تجمع بین هذه المقاصد والغایات؛ فهناک الغایة التربویة والأخلاقیة المتمثلة فی الوعظ والإرشاد، والغایة التعلیمیة المتمثلة فی تقدیم معلومات عن الحیوانات والطیور وتعریف الطفل بالآداب العالمیة.

 تهدف هذه الورقة البحثیة إلى دراسة القیم التربویة فی أدب الطفولة عامة، ثم دراستها  وتطبیقها على قصص کامل الکیلانی، خاصّة فی جوانب لم ­یتمّ التعرض لها من قبل.

 

2ــ الدراسات السابقة

اهتم الباحثون حالیّاً اهتماماً واسعاً بأدب الطفل ومستقبله، وشهدت المکتبات دراسات جدیدة فی شتّى الموضوعات التی تتصل بأدب الطفل. هناک دراسات متعددة تناولت أدب الطفل القصصی عامة وأدب کامل الکیلانی خاصة؛ منها:

ــ أدب الطفولة بین کامل الکیلانی ومحمد الهراوی،(1994م) ‌لأحمد زلط. وقد تکلّم فیه عن ریادة کامل الکیلانی لأدب الطفولة . اقتصر على الأشعار والأناشید، مع مقارنة بین الکیلانى والهراوی دون التعرض لقصص الأطفال.

ـ الأدب القصصی للطفل (منظور اجتماعی نفسی)، (2000م) لمحمد سید الحلاوة الذی خصّ الفصل الأول من کتابه بالأهداف التربویة لقصص الأطفال، والفصل الثالث بالقیم التربویة فی قصص الأطفال.

ــ مقدمة فی ثقافة وأدب الطفل،(1995م)لمفتاح محمد دیاب الذی تناول أهداف القصص الموجهة للأطفال فی فصل مستقل.

ــ قصة الطفل... کامل الکیلانی نموذجاً، (2001م) لیحیى خاطر. قام الکاتب فیه بالتحلیل الفنی لبعض قصص الکیلانی، ویتعرض لقصص شکسبیر موجزاً.

وکل هذه الدراسات تتحدث عن القیم التربویة ودورها فی الأدب  وخاصة أدب الطفل، أو تتطرق إلى کامل الکیلانی وحیاته وعلاقته بأدب الطفل. وهذه الورقة البحثیة تحاول دراسة قصص کامل الکیلانی من جهة تضمّنها القیمَ التربویة، وتحلیلها دورها فی قصصه.

 

3ــ أسئلة البحث

یسعى هذا البحث الإجابة عن الأسئلة التالیة:

ــ  ما هی أهمّ القیم التربویة فی قصص الأطفال عامةً؟

ــ  ما هو دور القیم التربویة فی قصص کامل الکیلانی؟

ــ وما هی أهم القیم التربویة التی اهتمّ بها کامل الکیلانی؟

 

4ــ ضرورة البحث

تظهر ضرورة البحث فی نمو الاهتمام بالطفولة عامة وأدبها خاصة؛ لأن هذا الأدب یلعب دوراً مهماً فی تشکیل شخصیة الطفل. وفی إنتاج کامل الکیلانی کمّاً کبیراً من القصص وهو رائد قصة الطفل فی الأدب العربی ولهذا قام هذا البحث بدراسة القیم لتربویة فی قصص الأطفال عامة وقصص الکیلانی خاصة.

 

5ــ منهج البحث

نَهَج هذا البحث المنهج الوصفی ــ التحلیلی دلیلاً للدراسة، تأسیساً على هذا المنهج اختارت الدراسة بعض قصص کامل الکیلانی التی غلبت علیها الأهداف التربویة ودرسها واستخرجت منها القیم التربویةالمنشودة لأدب الطفل معتمدة على الدراسات والکتب فی علم النفس والعلوم التربویة ثم قام بتحلیلها. جدیر بالذکر أن عدد القصص المختارة ثلاثة عشر قصةً؛ فهى القصص التی تحتوی على المضامین التربویة، فالدراسة استخرجت هذه المضامین من القصص مهما تکن قلیلة بالنسبة إلى بعضها، ورتّبها فی مواضیع محدّدة.

هناک تعاریف متنوعة وآراء کثیرة من الباحثین فی أدب الطفولة وهذا الاختلاف ینشأ من التعاریف المختلفة حول الأدب الطفل. وأما التعریف الذی یفضّله البحث ویعتمد علیه، فهو ما أشار إلیه أحمد نجیب فی کتابه أدب الطفل علم وفن حیث یقول:

یمکن أن نجد لأدب الأطفال مفهومین رئیسین: أدب الأطفال بمعناه العام وهو یعنی الکلام الإنتاج العقلی المدون فی کتب الموجهة لهؤلاء الأطفال فی شتى فروع المعرفة .. وأدب الأطفال بمعناه الخاص وهو یعنی الکلام الجید الذی یحدث فی نفوس هؤلاء الأطفال متعة فنیة .. سواء أکان شعراً أم نثراً .. وعلى هذا فإننا نجد أن أدب الأطفال الذی یضم قصص الأطفال ومسرحیاتهم وأناشیدهم وأغانیهم وما إلى ذلک، إنما هو أدب الطفل بمعناه الخاص (نجیب،1991م، ص 278ــ279).

 

الإطار النظری للبحث

لا تکون غایة أدب الأطفال إذکاء الخیال عند الصغار فقط، لکنّها تتعداه إلى تزویدهم بالمعلومات العلمیة والنظم الاجتماعیة والعواطف الدینیة والوطنیة، وإلى توسیع قاموس اللغة عندهم وإمدادهم بعادة التفکیر المنظم، ووصلهم برکب الثقافة والحضارة من حولهم فی إطار شائق وأسلوب من التعلیم والمشارکة، وهو سبیل إلى التعایش الإنسانی، وطریق لمعرفة السلوک المحمود، وأداة لتکوین العواطف السلیمة، وأسلوب یکتشف به الطفل مواطن الصواب والخطإ، ویطلع على حقیقة الحیاة وما فیها من خیر وشر .

(خربسات، 1424هـ، ص 78)

علم النفس یعرّف القیم بأنها تنظیمات لأحکام عقلیة انفعالیة معممة نحو الأشخاص والأشیاء والمعانی التی توجه رغباتنا نحوها... فالقیم هی کلّ الصفات ذات الأهمیة البالغة للنواحی السیکولوجیة والسوسیولوجیة أو الأخلاقیة أو الجمالیة وتتصف بالجماعیة (را:حلاوة، 2000م، ص 111ــ112).

تعدّ القیم التربویة إحدى مرتکزات العمل التربوی،‌ بل هی من أهم أهدافه ووظائفه: «والطفل فی حاجة لأن یتعلم کیف ینبغی أن یسلک، ولا یجب أن یقتصر فی ذلک على نقل المعرفة الخلقیة، بل تکوین وتنمیة العادات والمهارات الخلقیة» (السابق، ص 122).

 یمکن عرض عدد من هذه القیم التربویة فیما یلی:

1. احترام الفرد وآدمیته وحریته؛

2. الوفاء والاحترام للوالدین والتماسک الأسری بین أفراد الأسرة الواحدة؛

3. وحمایة المجتمع والمشارکة فی تنمیته وتقدمه؛

4. الدعوة للخیر والنهی عن المنکر ومقاومته؛

5. سیادة القیم الدینیة الروحیة والخلقیة بین الناس؛

6. احترام ثقافة المجتمع وقیمه وعاداته وتقالیده؛

7. الحث على الفضیلة ومقاومة الرذیلة؛

8. البعد عن الخوف والرعب والقلق (السابق، ص 122ــ128).

الکاتب الذی یهتمّ بالقیم التربویة فی قصصه یجب علیه أن یراعی الأمور التالیة فی کتاباته:

ــ تکوین العقیدة وتثبیتها فی نفس الطفل شیئاً فشیئاً؛

ــ الحرص على غرس شعور المحبة للآخرین والتعاون معهم والخضوع فی کلّ علاقاته وتصرفاته؛

ــ تربیة الجانب العلمی وغرس حب العمل والإنتاج، مع الحرص على النطام والترتیب؛

ــ غرس المحبة والاحترام والمودة للوالدین وتحقیق معانی الطاعة والسکینة؛

ــ غرس محبة الإخوة وحبّ التعاون معهم، والتضحیة من أجلهم، والشعور بالرباط الأسری مع محبة ذوی الأرحام والحرص على صلتهم ومحبة الناس جمیعاً؛

ــ حسن الخلق، والصبر، ومحبة الآخرین، وعدم الثرثرة أو التکبر، واحترام الکبار  ورحمة الصغار، وإنزال الناس منازلهم، ومعرفة حقوق الآخرین، ومحاربة الآفات الاجتماعیة والغیبة والکذب (را:بریغش، 1996م، ص 124ــ128).

بما أن أدب الطفل یؤدی دوراً أساسیاً فی بناء شخصیة الطفل تربویاً ولغویاً ونفسیاً وعلمیاً فکریاً ویشغل مساحة کبیرة من اهتمامات الطفل الیومیة، فیجب على أدب الطفل أن یتجه إلى تأصیل هذه القیم التربویة وبثّها فی هذا الأدب؛ ومن ذلک کله تدرک أهمیة هذا الأدب من الجانب التربوی.

 

کامل الکیلانی والقیم التربویة

أثار کامل کیلانی ــ ولم یزل ــ اهتمام الباحثین فی التاریخ الأدبی المعاصر، وخصوصاً فی الفترة الأدبیة الخصبة التی قُدّر له العیش فیها مع مطلع القرن الماضی إلى العقد السادس منه. ومعایشته لکل الأحداث السیاسیة والأدبیة والشعبیة: ابتداءً من سقوط الدولة العثمانیة، ومشاهداته للأحداث التی سادت خلال الحرب العالمیة الأولى ومن ثم الثانیة، وما تخللهما من ثورة مصریة شهیرة على الاحتلال الإنکلیزی فی أواخر العشرینیات من القرن الماضی، وصولاً إلى ثورة الضباط الأحرار وسقوط الملکیة فی وطنه مصر ومن قبلها سقوط فلسطین والقدس بأیدی الغزاة. وفی هذه الأجواء المحتشدة، نشأ کامل کیلانی إبراهیم کیلانی فی شرق القاهرة، وفی «حیّ القلعة» الذی یتمیز عن غیره بعطر التاریخ والآثار والمساجد الإسلامیة الشهیرة.

تعلق فی أوان حیاته بحفظ الشعر. وبعد الحصول على شهادة البکالوریا من مدرسة القاهرة الثانویة عکف على دراسة الإنجلیزیة والفرنسیة، وظلّ یختلف إلى دروس الأزهر للتزود بعلوم اللغة والمنطق والأدب. وفی عام 1927م أطلق کامل الکیلانی الشرارة الأولى فی مَیَدان التألیف القصصی للأطفال العرب، عندما أصدر قصته الشهیرة السِّندباد البحری.

وفی عام 1922م انضم لرابطة «الأدب الحدیث» ولنشاطه الأدبی الملحوظ. عمل سکرتیراً عامّاً لها من عام 1929 إلى عام 1932م. وفی 9 أکتوبر عام 1959م توفی کامل الکیلانی بعد حیاة أدبیة حافلة بنتاجه الممیَّز للأطفال، وأدبه المکتوب فی عالم الکبار (را:زلط، 1994م، ص 91).

یؤکد الکیلانی أن فی قصصه عبراً یمکن للمعلم أن یستخلصها بسهولة لتلامیذه. وهو یرى أنّ الهدف التربوی هو الأهم؛ فکل والد حریص على تربیة أطفاله وفائدتهم، ویکابد مثلما یکابد الکیلانی، ویَلقى من الحرج مثلما یلقى. فکان ذلک أقوى حافز له على الاضطلاع بحمل هذا العبء، وأکبر مشجّع لـه للمضیّ فی هذا الطریق بلا تردد. «لا یُلقی کلامه دون وضع آلیّة محدّدة دقیقة للتعامل مع الأدب القصصی الخاص بالطفل؛ حیث یعتبر القصة أداة للتربیة على وجه الخصوص. ویرى الکاتب مربّیاً قبل أن یکون أدیباً، فهو ینتهج أسلوباً قائماً على توضیح حقیقة الحیاة للأطفال» (البکری، 2006م، ص 77).

من أجل ذلک، لقی تأییداً من کبار رجال التربیة والمدرسین والآباء. فهو یسعى إلى أن یشرح للطفل دقائق الحیاة وأسرار النفوس لتستنیر لـه السبل فیمشی على هدى، ویرید أن یُریه عاقبة الحسد، ومغبّة الحقد، وآخرة الغدر، وکیف تنتهی هذه الخلال بالوبال على أصحابها، وتُنزلهم من أسمى درجات المجد إلى أحطّ درکات المهانة والشقاء، وأسفل منازل الهوان. ویسعى إلى أن یُری الطفل مصداق هذا، ویعرّفه کیف ینتصر الحق آخِرَ الأمر، ویَخفِق عَلمه. ثم یَلقى الآثمون ما هم أهل لـه من العقاب والتنکیل، جزاءً وفاقاً لما اقترفوه من الإثم وارتکبوه من عدوان.

وهو یدعو إلى عدم الاستهانة بما تفرضه الأخلاق الفاضلة من أدب الخطاب وما إلیه، ویطالب بقصص «لا تصطدم والأخلاقَ الفاضلة القویمة». ویرى ذلک بمثابة «الحمل والثقل». ولعل دافعه الأول للکتابة الأهداف التربویة الأخلاقیة. فقد کان یعتبر أن مؤلفی "کثیر من القصص قد أسفّوا إسفافاً شدیداً، لا یعدله إلا إسفافهم فی لغتها وأسلوبها. وقد کتبوها لجمهرة العامة، فلم یراعوا فیها أی اعتبار أخلاقی، ولم یتورّعوا عن خوض کل موضوع» (البکری، 2006م، ص 77).

إن مجموعات الکیلانی القصصیة تسعى لتحقیق هدف تربوی. فغایته غرس الفضائل والمثل العلیا التی اختارتها الجماعة، وتوجیه الطفل العربی نحو أنماط السلوک والقیم الاجتماعیة والمعاییر الأخلاقیة، والتمسک بکلّ ما هو إیجابی منها، ونبذ کلّ ما هو سلبی.

یؤکد الکیلانی على دور بعض قصصه فی الترکیز على الآثار النفسیة وتثبیت الفضائل؛ وذلک عندما یقول:

وأنت إذا تدبّرت هذه القصص حقَّ التدبر، وجدتها موافقة لما یظهر حولک من أخلاق الناس وغرائزهم. فهی إنّما تصف طباعاً مکینة وغرائز أصیلة ثابتة تلابس الناس، وتتصل بهم فی کلّ عصر ومصر. وسترى فی هذه المجموعة التی تخیّرتُها لک أمثلة علیا تحبّب إلیک الفضیلة، وتبین لک  مزایاها وحسن آثارها ما یزیدک تمسکاً بما طُبعتَ علیه من نبیل الخلال، وکریم الخصال، وحمید السجایا، ومحمود الطبایع، ومرضیّ الأخلاق (السابق، ص 85).

القیم التربویة مبعثرة فی کتب کامل الکیلانی، وهو یحاول أن یعرضها للأطفال کأب حنون. فبعد استقراء الکتب المختارة له وقراءة القصص فیها واستخراج الأهداف التربویة، وصل البحث إلى القیم التالیة:

 

1ـ الوفاء والاحترام للوالدین والتماسک الأسری بین أفراد الأسرة الواحدة:

الطفل فی حاجة إلى أن یتعلّم کیف ینبغی أن یسلک أمام الوالدین والأسرة؛ فالاجتماع الأسری أول اجتماع دخل فیه الطفل وأهمّه طبعاً. فکامل الکیلانی یخصص همّه الأکبر ببیان أهمیة الأسرة والمعاملة الحسنة معها. فیبدأ قصته باسم «عبدالله البری وعبدالله البحری» بإشارات خاطفة وظریفة ومؤثرة فی نفس الوقت، إلى التماسک الأسری والوفاء والاحترام بین الوالدین والأولاد؛ حیث یعبّر عن أحاسیس عبدالله الصیّاد حین ماتت زوجه ویقول: «و مازال کذلک حتى ماتت زوجه؛  فحزن لموتها أشدّ الحزن، ولکنّه علم أنّ الحزن لاینفع؛ فأسلم أمره لله، وصبر على قضائه، ورضی بما قسمه له» (الکیلانی،1998م، ص 3).

فحُزن البطل بعد موت زوجه یُرشدنا إلى حبّه لها فی حیاتها والتماسک الأسری فیما بینهما، والکاتب یشیر أیضاً بصورة مباشرة إلى صفات حسنة؛ کالصبر أمام المصائب والرضاء بما قدّره الله.

والکیلانی یؤکد على التماسک والمحبة بین أفراد الأسرة والحثّ على قبول المسؤولیة، حیث یقول:

و ذهب ــ فی الیوم الثانی ــ مبکّراً إلى البحر، بعد أن أوصى ابنته "أمینة" بإخوتها. وکانت أمینة بنتاً مؤدبةً ذکیةً، فعُنیت بإخوتها خیر عنایة، وقد أصبحت لهم ــ بعد موت أمّها ــ والدة ثانیة، تغمرهم بعطفها وحنانها، وتؤَسّیهم، وتسهر على خدمتهم، وتقوم بکلّ ما یحتاجون إلیه» (السابق، ص 3ـ4).

وهو یشیر إلى الصفات المحبّذة للطفل؛ فـ«أمینة» مؤدبة وذکیة ولا تتکاسل فی العنایة بإخوتها. فالکیلانی لا یستهدف الطفل ولا یخاطبه لبیان المیزات الخلقیة الحسنة، بل یشیر إلى هذه المیزات من خلال مکانة أمینة فی الأسرة؛ فهی عون لأبیها بعد وفاة أمّها، وهی تقبل المسؤولیة وتهتمّ بإخوتها. فالطفل بعد قراءة هذه السطور یرجع إلى نفسه، ویقارن خصائص الخلقیة لدى أمینة بخصائصه الخلقیة فی البیت وتجاه الأسرة. فلهذا النوع من الخطاب ضمنَ الکلام أثر کبیر  فی غرس الأواصر التربویة فی الطفل.

 

2ـ حمایة المجتمع والمشارکة فی تنمیته وتقدمه

یعبّر کامل الکیلانی عن مهمة حمایة المجتمع والدفاع عنه فی قصة صراع الأخوین؛ حیث یتکلم عما یتمنّاه الملک العجوز: «و کان أکبر ما یتمنّاه الشیخ "بهشما" أن یرى حَفَدته متّحدین أقویاء، یذودون عن وطنهم، ویردّون عادیة المعتدین وبطش الغزاة المغیرین»(الکیلانی،1973م، ص 7). فالغایة المتصورة لدى «بهشما» أن یرى الاتحاد والذود عن الوطن وردَّ بطش المغیرین متجلیةً فی أحفاده.

وهکذا ینقل الکاتب هذه الصور والقیم إلى ذهن الطفل القارئ أو المستمع. فغایة أبطال القصص عادة قریبة من الغایات المنشودة فی الحیاة. ویشجّع الکاتب الأطفالَ على العدل بما یمثّل لهم عدل الملوک فی قصصه؛ کما یقول فی القصة نفسها:

ثم عادوا إلى وطنهم، حیث أقاموا العدل بین الناس، ونشروا بینهم روح الصّفح والرّحمة والإحسان، ووقفوا على الإصلاح جهودَهم، فعَلا شأنُهم، وثبت مُلکهم، وعزّ سلطانهم، وکثر أنصارهم، وخلا الجوّ لهم بعد أن اندحر حسّادهم وهلک أعداؤهم. وصحبتهم عنایة الله وتوفیقه (السابق، ص 96).

فعلوّ شأن الأبطال هو نتیجة لجهودهم فی إقامة العدل ونشر روح الصفح والرحمة وإصلاح المجتمع.

ویعبّر الکاتب عن نفس المضمون فی قصة الوزیر السجین قائلاً: «و لو کان الأمر موکولاً إلى ذلک المستبدّ الطاغیة، لَزُلزل حکمه، واضطرب أمره فی وقت قصیر؛ لأنّ العدل أساس الملک، والبغی مرتعه وخیم» (الکیلانی،1997م، ص 4). فهنا یشیر الکاتب مباشرة إلى عاقبة من یَظلم ویحکم على الناس باستبداد والطغیان.

ویشجّع الأطفالَ فی قصة نارادا علىحبّ الوطن، بقوله عن لسان بطل القصة «نارادا»: «سأقضی على الدبة، سأحمی الوطن، کما حماه أبی!» (الکیلانی،د ت، ص 5). وهذه صورة ساذجة من دعوة الکاتب المخاطبَ إلى حبّ الوطن وحمایته.

 

3ـ سیادة القیم الدینیة الروحیة والخُلقیة بین الناس

کامل الکیلانی یعبّر فی کثیر من قصصه عن القیم الدینیة الخلقیة والروحیة بلسان بسیط یفهمه الطفل، والذی یؤثّر فی باطنه ویهیئ روحه لنموّ شجرة الإسلام. ففی قصته عبدالله البرّی وعبدالله البحری یحاول أن ینقل القیم الروحیة إلى المخاطب؛ حیث یقول: «فحزن عبدالله الصیاد أشدَّ الحزن، وتألّم لسوء بخته. وقال فی نفسه: إنّ الفرج یأتی بعد الشدّة، ولابدّ من الصبر؛ فإنّ الله سبحانه لن یترکنی وأولادی بلا قوت، فی هذا الیوم الذی لم أر له شبیهاً طول عمری» (الکیلانی،1998م، ص 5).

ففی هذا المقطع من الکلام یدعو المخاطبَ إلى الصبر وإلى الیقین أنّ الله لن یترک عباده ویحمیهم، لکن على العباد ألّا یستسلموا أمام المصائب، ولایقنطوا من رحمة الله.  وحیث یقول:

وکان عبدالله الخبّاز ــ صاحب الفُرن ــ رجلاً محسناً کریماً محبّاً للخیر. فلمّا رأى عبدالله الصیّاد واقفاً أمام دکانه محزوناً متألماً ینظر إلى الخبز بلهفة وحسرة، عرف أنّه فقیر محتاج جائع، وأدرک أنّ نفسه تشتهی الخبز، ویمنعه الخجلُ والحیاء من السؤال. فناداه برفق وهو یبتسم له: "مرحباً بک أیها الصیاد، تعال إلیّ أیّها الرفیق العزیز، هلمّ یا صاحبی، فخُذ ما تحتاج إلیه من الخبز"»(السابق، ص 6ـ7).

فیتلقّى المخاطب کثیراً من المعارف والقیم الخلقیة؛ کتفویض الأمور إلى الله تعالى وحسن الخلق والقول المعروف والحبّ للخیر والحیاء من السؤال. فهذه القیم تنتقل إلى الطفل بصورة غیر مباشرة، وتشکّل ثقافة الطفل.

وفی الواقع أثر هذا الخطاب غیر المباشر أکثر من المباشر؛ لأن الأطفال لا یحبّذون النصائح المباشرة، ولا یهتمون بما یأتی فی المواعظ من القیم الخُلقیة، لکنّما المواعظ الخفیّة بین سطور القصص تجذبهم نحوها وتغیّر خُلقیاتهم على أساسها.

والبطل فی قصة العلبة المسحورة یصلّی صلاة الشکر بعد أن أنجز عمله بالتوفیق: «بادر إلى أن یتوضأ، وأن یؤدّی صلاة الصبح حاضرة. قبلها صلّى رکعتین، شکراً لله على ما وفّقه إلیه فی لیلته» (الکیلانی، 1988م، ص 20). وهذه السطور تعلّم الأطفال ألّا ینسوا الله فی الصعوبات ولا فی التوفیقات؛ فبعد کلّ فوزٍ على الإنسان أن یشکر ربّه على ما وفّقه فی إنجاز عمله.

ومن الملاحظ أن الکیلانی کان وفیّاً بالأسلوب القرآنی باعتباره النموذج اللغوی والأسلوبی الأخلاقی، فیوحى بعض القیم الخلقیة والتربویة التی استخدمها بالمصدر القرآنی. فالجمل التی استخدمها مشحونة بالمعانی القرآنیة السامیة.

 

4ـ الحثّ على الفضیلة ومقاومة الرذیلة

المخاطب فی قصص الکیلانی یرى نفسه أمام بعض الفضائل تؤمر إلیها، وبعض الرذائل تنهى عنها، ویحاول أن یذهب مذهب البطل الصالح فی القصص. ففی قصة عبدالله البرّی وعبدالله البحری، کلام البطل ــ وهو ابنة عبدالله الصیاد ــ نموذج یحثّ المتلقی على اکتساب الفضیلة، حینما تقول:

على الإنسان أن یسعى، ولیس علیه إدراک النّجاح، ولابدّ من الصبر على قضاء الله. ویجب علیک ــ یا أبتِ ــ أن تحمد الله على لطفه بک؛ فقد عطف علیک قلبَ هذا الخبّاز المحسن فی أیام الضیق. ولابدّ أن یأتی الیسر بعد العسر، والفرج بعد الضیق» (الکیلانی، 1998م، ص 12ــ13).

فابنة الصیّاد فی مثل عمر المخاطب، فتبیّن له هذه الفضائل عبر کلامها الساذج النافذ، وتؤکد على أهمیة الصبر والحمد والجهد فی سبیل الخیر. وینهى الکاتب عن الکذب، ویذکّرنا قبحها عن لسان عبدالله البحری وأولاده؛ حیث یقول: «أنت تکذب وترید منّی أن أکذب؟! إنّ الرّجل الذی یکذب لا وفاء له، ولن أصاحبک بعد الیوم. وصاح أولاده: هذا عجیب! هذا رجلٌ یکذب، وما سمعنا طول عمرنا أنّ رجلاً یکذب.»(السابق، ص 24). فالمخاطب یرى نتیجة الکذب، ویفهم أن الکذب لیس عملاً اعتیادیاً کما یظنّ بعض الناس، بل ذنب کبیر.

وفی قصة أبوصیر وأبوقیر، الحثّ على الفضیلة ومقاومة الرذیلة سمة بارزة فی صفات الأبطال. یقول الکیلانی فی صفات أبوقیر:«کان هذا الجار شرهاً طمّاعاً. وهو مثال للغشّ والخداع والمماطلة: إذا حدّثک کذب علیک، وإذا وعدک أخلف وعدَه، وإذا ائتمنتَه خانک. فکرهه الناس وکفّوا عن معاملته. فکسدت صناعته، ولم یُقبل علیه أحد، وصار الناس یحذرونه ویحذّرون غیرهم من معاملته» (الکیلانی،آ 1991م، ص 4). فصفات أبی قیر من الرذائل، وعلى المخاطب أن یتجنّب من الطمع والشره والغشّ والخداع والکذب والخیانة.

ویحثّ على الفضیلة عن لسان أبی صیر: «و کان أبوصیر یرى مماطلة جاره وهربه من أداء الحقوق إلى أصحابها، فینصح له بالاستقامة، فلا یسمع له قولاً» (السابق، ص 8). فصفة أبی صیر من الفضائل، وهی عدم الاستسلام أمام الدعوة إلى الشرّ، ونصیحة أصحاب الشرّ ودعوتهم إلى الخیر.

و فی قصته تاجر بغداد مواضع کثیرة من اهتمام الکاتب بالقیم التربویة. فهذه القصة تهدف إلى مذمة الکذب وعدم الوفاء والخیانة فی الأمانة. فهو یعبر عن هذه المفاهیم بأسلوب بسیط وتفصیل کثیر وأسئلة مرتبطة بالکلام فی هامش کل صفحة، کی تعلّق المضامین فی أذهان الأطفال. وحینما یتکلم الکاتب عن الأعمال القبیحة التی یرتکبها صدیق التاجر، یذکّر المخاطب بقبح هذه الأعمال مباشرة؛ نحو ما یقوله فی حین خیانة التاجر صدیقَه علی کوجیا: «لم یبال التاجر کلام امرأته؛ فقد کان مشغولاً بالدنانیر التی وجدها فی جرة "علی کوجیا"، وأنساه فرحُه بها شناعةَ الجرم (قبحَ الذنب) الذی عزم على ارتکابه» (الکیلانی؛ ب 1991م، ص 26). فیشیر الکاتب فی هذه السطور إلى شناعة الخیانة فی الأمانة.

و أیضاً ینهى عن مذمة الیأس أمام المصائب حین برّأ القاضی السارق خطئاً: «خرج "علی کوجیا" من المحکمة غاضباً، ولکنه لم یستسلم للیأس؛ لاعتقاده أنّ صاحب الحق لا بدّ أن یصل إلى حقّه متى ثابر (واظب) على المطالبة به.» (السابق، ص 47). فالبطل، وهو نموذج مثالی للمخاطب، لم یستسلم أمام الیأس، ویطلب حقّه مهما کان صعباً.

و فی روایة شنطح وصیدح، حینما ینصح الصیدحَ حظُّه، هو یقول لأخیه شنطح: «لما قابلت حظی، قدّم لی نصیحة غالیة: هی أن أعمل، أن أجاهد .. لا أیأس. إن فاتنی التوفیق مرة، فسألقاه مرّات ومرّات»(الکیلانی،ب 1987م، ص  16). فکأنّ الصیدح ینصح المخاطب عبر هذه الجمل، ویدعوه إلى عدم الاستسلام أمام الفشل والمصائب.

وأیضاً حینما یشیر أخوه شنطح إلى سبب النجاح هکذا: «حقاً! العمل والکفاح هما سبب النجاح» (السابق).

و أیضاً یذمّ فیها الطمع والحسد فی جمل بسیط؛ حیث یقول: «أخوک له حظّ. لا تَحسده. لا تطمع فی أن تأخذ ما لیس من حقّک» (السابق، ص 4).

و یوصی کامل الکیلانی المخاطب بالأمانة حین یتکلم عن لسان بطله فی قصة التاجر مرمر، ویقول: «أنا رددت الأمانة لصاحبها، ردّ الله لی ولدی! الله لا یضیع أجر من أحسن عملاً» (الکیلانی،آ 1987م، ص 14)؛ ویشیر إلى أنّ الله لاینسى إحسانک بالنسبة إلى الآخرین، فیعاملک کما عاملت الناس.

وفی قصة خسرو شاه المأخوذة من روایات «ألف لیلة ولیلة»، حرص الکاتب على تبیین الرذائل والفضائل الخلقیة، وهو یتکلم عن وسوسة الشیطان خسرو شاه وحَمْله على أن یشرب الشراب الممنوع شربه: «ثمّ وسوس له الشیطان أن یشرب من تلک الزجاجة، فنهتْه الفتاة، وحذّرتْه سوء العاقبة. فاشتدّت رغبته وإلحاحه، وأصرّ على عناده. وما کاد یشرب قلیلاً من ذلک الشراب حتى اختلط، وظهرت علیه أمارات الخَبَل» (الکیلانی،ج 1991م، ص 9).

ثم یأتی بنتیجة القصة ویقول إنّ سبب کل النکبات الطارئة فیها تهور خسرو شاه وحمقه الذی کان بسبب شرب الشراب الممنوع: «و رأى خسرو شاه أنه کان سببَ هذه النکبات کلّها؛ فرحل إلى بلده بعد أن زار ضریح الأمیرة. ولم ینس ــ طول عمره ــ أنّ خطئاً واحداً دفعه إلیه حمقُه کان سبباً فی قتل أمیرتین، وجنّیٍّ ووزیرٍ، وتعویر ملک، وتعریج أمیر» (السابق، ص 24).

هذه العبارات توحی بأن الاستسلام أمام وسوسة الشیطان سینتج خسارات لاتُجبر، فیسعى أن یهتمّ بنفسه وأن یمیّز وسوسة الشیطان من نداء قلبه.

وفی قصصه للأطفال الصغار، یمیّز بطل قصته بصفات قیمة؛ کما یفعل فی قصة «نارادا» ویصفه بقوله: «نارادا شجاعٌ جرئٌ، حلوُ الحدیث، یعاون أصحابه، ویعاملهم معاملةً حسنةً. نارادا لم یکن جمیل الشکل، ولکنه کان طیّب النفس، کریم الأخلاق» (الکیلانی، د ت، ص 1). فالأطفال مع صغرهم یدرکون أن السیرة الحسنة خیر من الشکل الجمیل؛ فیحکمون على الناس على أساس أعمالهم.

ویُری الکاتب المخاطبَ عاقبةَ الغدر والمکر فی قصة دمنة وشتربة، وفی نهایة القصة یأتی بکلام عن لسان میمون، قاضی الغابة: «مسکین أنت یا دمنة! کیف أضلّک الحسدُ وأغواک، وحیّر عقلَک وأعماک؟! فظلمت نفسَک، وخدعت أسامة،  غدرتَ بصاحبک، وأهلکتَ أخاک؟ کنت یا دمنة بارعاً ذکیاً، وکان عیشک سائغاً هنیئاً؛ ثمّ غیّرک الحسدُ، فبدّل ذکاءَک غباءً، وسعادتَک شقاءً، فأصبحتَ تاعساً شقیاً» (الکیلانی، 2002م، ص 26).

فالحسد یغیّر حیاة الإنسان نحو الأسوإ؛ وهذا ما یستنتجه المخاطب من النص.

ویشیر الکاتب إلى جزاء الوفاء والمروءة والصدق، فی قصة العرندس؛ حیث أُعجب السلطان «بشجاعة المتّهمین ووفائهم، فأمر لکلٍّ منهم بمکافأةٍ کبیرة على صدقه ومروءته (أی: طیب نَفسه وکرَم صفاته)، واتخذ العرندس ندیماً له منذ ذلک الیوم» (الکیلانی، ب 1989م، ص 15).

ویحثّ على الصبر والتوکل على الله فی قصة الوزیر السجین؛ حیث ینصح الوزیر زوجته وهو فی السجن: «و لکنّی أوصیک بالصّبر والثّقة بالله، لینجح سَعیُنا، ویتمّ فوزنا. وحذارِ أن یتسرّب الیأسُ إلى قلبک! فإنّ الیأسَ طریق الخذلان، والصّبرَ مفتاح الفرج» (الکیلانی، 1997م، ص 11).

فهذه المعانی کثیرة فی قصص کامل الکیلانی. فهو دوماً ینصح المخاطب بالصبر أمام الصعوبات عبر معامَلات الأبطال ومغامراتهم وحوارهم. وهو یشیر إلى عاقبة الظلم فی حق الرعیة فی القصة نفسها.

وأما قصة الأرنب الذکىّ، فهذه القصة تهدف إلى أن لکل مأزق مخرج ، وباستخدام العقل یمکن النجاة من المهالک.

 

5ـ البعد عن الخوف والرعب والقلق

ینتهز الکیلانی کلّ فرصة لبیان قبح الخوف والجبن؛ فقصة العلبة المسحورة ملیئة بهذه المواقف. فالصادق ــ بطل القصة ــ هو جبان، وعرُف بین أصدقائه بـ"فتى الجبان". وأصدقاءه کلّما استطاعوا مشاکسته ومعاکسته، لم یألوا جهداً فی ذلک. «.. کان صادق یتحمل السخریة من زملائه صابراً، لایثور. کان یخشى أن تزید شکواه من معاکستهم له، الانتقام منه» (الکیلانی،1988م، ص 6).

وبعد أن قابل شیخاً أهداه إلى الطمأنینة والاتّکال على النفس، تغیّرت أخلاقه، وتغیّرت معاملة الزملاء إیاه:

مرّت الأیّام والأسابیع، والفتى صادق یزداد ثقةً بنفسه، اعتدّ بشجاعته، وآمن بقوّته، فلم یَعُد للخوف سلطان علیه. دُهش أصحاب صادق لما رأوه مِن تغیّره وتبدّل حاله. قدّروا استطاعته أن یکتسب خصال الشجاعة والجرأة وقوّة العزیمة. نسوا خصال صادق القدیمِ واحترموا خصال صادق الجدید. عامله رفقاؤه ورؤساؤه فی المصرف الذی یعمل فیه معاملة حسنة تتفق مع تلک الخصال التی تحلّى بها (السابق، ص 15).

فیشجّع کامل الکیلانی المخاطب على البعد عن الخوف والجبن وعلى اکتساب الشجاعة والجرأة.

وهکذا شأن کامل الکیلانی فی أکثر قصصه، أنه یهتم بالقیم الأخلاقیة والتربویة، کلّما فسح له المجال. ونشاهد البطل فی قصصه متحلٍّ بالقیم الأخلاقیة السامیة. وهو لا یألُ جهداً فی تبیین القیم التربویة للأطفال فی أسلوب سهل رشیق یفهم ویحبه کل الأطفال.

 

النتیجة

 الطفل فی حاجة لأن یتعلم کیف ینبغی أن یسلک. وللقصة دورٌ أساسیٌ فی نموّ السلوک ونشوء القیم التربویة لدیه. کامل الکیلانی من الکتّاب الذین اهتموا بالقیم التربویة، ویسعى لکی ینتقل هذه القیم إلى الأطفال على قدر استطاعته. فهو یشرح للطفل دقائق الحیاة وأسرار النفوس لتستنیر له السبل، فیمشی على الهدى.

کما أشارت هذه الدراسة إلى بعض قصصه التی یرى الطفلُ فیها عاقبةَ الحسد والحقد ونهایة الغدر، وکیف تُنزل هذه الخصال المذمومة أصحابها إلى أحطّ درکات المهانة.

ولعلّ دافع الکیلانی الأول للکتابة هو الأهداف التربویة الأخلاقیة. فهو یهتم قبل کلّ شیء ببیان القیم الدینیة والروحیة والخلقیة فی قصصه، وهو یرى سیادة لهذه القیم. وهو أیضاً یهتم بالفضائل الأخلاقیة؛ فیحثّ المخاطب لاکتسابها فی کلّ فرصة بین سطور قصصه، مهما کانت ضیّقة، أو کانت إشارته خاطفة. ثمّ هو یهتمّ بالقیم الاجتماعیة، فیحثّ المخاطب الطفل باهتمام واحترام إزاء المجتمع وبالدفاع عن قیم المجتمع وحفظها. فهو کمعلّم حنون یسعى فی تربیة أبناء شعبه بکلّ ما فی یدیه من الإمکانیات.

إن مجموعات الکیلانی القصصیة تسعى لتحقیق هدف تربوی. فغایته غرس الفضائل والمثل العلیا التی اختارتها الجماعة، وتوجیه الطفل العربی نحو أنماط السلوک والقیم الاجتماعیة والمعاییر الأخلاقیة، والتمسک بکلّ ما هو ایجابی منها، ونبذ کلّ ما هو سلبی.

والتوزیع.
7. الشماسی، عیسى. (1996م). القصة الطفلیة فی سوریة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة.
8. قرانیا، محمد. (2003م). قصائد الأطفال فی سوریة. دمشق: اتحاد الکتّاب العرب.
9. الکیلانی، کامل. (آ 1991م). أبوصیر وأبوقیر. القاهرة: دار المعارف.
10. ــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1991م).  تاجر بغداد. القاهرة: دار المعارف.
11. ــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ج 1991م). خسرو شاه. القاهرة: دار المعارف.
12. ــــــــــــــــــــــــــــــــ. (آ 1989م). الأرنب الذکى. القاهرة: دار المعارف.
13. ــــــــــــــــــــــــــــــــ . (ب 1989م). العرندس. القاهرة: دار المعارف.
14. ــــــــــــــــــــــــــــــــ .( 1998م). عبدالله البرّی وعبدالله البحری. القاهرة: دار المعارف.
15. ــــــــــــــــــــــــــــــــ .( 1988م). العلبة المسحورة. القاهرة: دار مکتبة الأطفال.
16. ــــــــــــــــــــــــــــــــ. (آ 1987م). التاجر مرمر. القاهرة: دار مکتبة الأطفال.
17. ــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1987م).  شنطح وصیدح. القاهرة: دار مکتبة الأطفال.
18. ــــــــــــــــــــــــــــــــ. (2002م). دمنة وشتربة. القاهرة: دار مکتبة الأطفال.
19. ــــــــــــــــــــــــــــــــ . (1973م). صراع الأخوین. القاهرة: دار المعارف.
20. ــــــــــــــــــــــــــــــــ . (دون تاریخ). نارادا. القاهرة: دار المعارف.
21. ــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1997م). الوزیر السجین. القاهرة: دار المعارف.
22. نجیب،أحمد. (1991م). أدب الأطفال علم وفن. القاهرة: دار الفکر العربی.