Critical Humor in Hamedani’s Maghamat

Document Type : Research Article

Authors

1 Mentor, islamic azad university of najafabad

2 Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Isfahan

Abstract

Humour is one of the richest literal kinds in literature including Arabic literature. One of the remainded humorous texts in Hamedani’s Maghamat is redicule and its kinds regarded in this article for studying and shows that how and by using what skills Hamedani as a popular humourist has been successful in making laugh and attracting the readers. His intelligent and sharp look in identifying the ethical maladies of his time people , masterful selection and prescribing types of humour as suitable for the classes of Abbassi’s society imply a skillful physician or a scholar teacher who informs the public of the indirect humourous advices effect in instruction and training. In this survey, we found out that as the Hamedani’s aim is to modify the society, the ethical ridicule in his Maghamat is a lot but he hasn’t applied the personal redicule. Finally, we succeeded in giving a definition of critical redicule ( altahkomo-al-fokahi).

Keywords


 

1ـ المقدمة

إنّ الضحک من ضروریات الحیاة، لأنّ الدنیا ملیئة بالآلام، والحیاة بغیر الضحک مملة یصعب احتمالها. الضّحک یعیدنا إلى إنسانیتنا، لأن الإنسان ـ کما یعتقد به المناطقة من قدیم الزمن ـ حیوان ضاحک (برجسون،1968م، ص 14)، والّذی لا یضحک یعتبره علماء النّفس ممن تتعرّض له الأمراض النفسیة کالاکتئاب أکثر من الآخرین. إنّ الضّحک غریزة مهمة لها فوائد کثیرة فی تحسین العلاقات الاجتماعیة والاقتصادیة والأسریة والتربویة، فهو یرفع من مستوی الأداء العقلی ومن القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات لأطول فترة ممکنة ویقوّی الذاکرة (العطری،1970م، ص27 )، ویثیر فی الإنسان القدرة لإزالة الغمّ الذی ینشأ عن الصفات السیئة فی الإنسان، مثل الغرور والحسد والجبن الذی یمنع من التهذیب الفردی والاجتماعی. ونرى بعض أصحاب الأدب الفکاهی وقفوا على ما یؤدّی إلیه الضحک من تزکیة الإنسان والمجتمع، فجعلوه بیت القصید لأعمالهم والموضوع الرئیسی لها. من النصوص الفکاهیة الرائعة فی الأدب العربی "المقامات" فالضحک ملازمها و«حتى المقامات الجدیّة فیها شیء من الفکاهة» (المصدر السابق،1970م، ص29)،و من أصحاب المقامات، بدیع الزّمان الهمذانی الذی له فضل السّبق فیها.

 ویقال فی تعریف موجز للمقامات: إن المقامات فی اللغة جمع المقامة والمقامة هی المجلس وفنّ المقامة فی الاصطلاح: قصة تدور حوادثها فی مجلس واحد (البستانی،
1883م، ج  2، ص389)، لم یصل إلینا من مقامات الهمذانی إلا اثنتان وخمسون مقامة وللمقامات مضامین مختلفة، منها: الکدیة، التعامی، القراد، النقد الأدبی، اللغة والتعلیم، النقد الاجتماعی، الوصف، التکسب، الوعظ والدین. تقمّص دور البطل فی هذه المقامات شخصیتان رئیسیتان؛ البطل المحوری هو أبو الفتح الإسکندری والراوی هو عیسی بن هشام (الفاخوری، 1986م، ص 620). أسلوب المقامات هو أسلوب النثر المنمّق الذی یعتمد على السجع والغریب من الألفاظ، کما یعتمد على الحوار والقصص حُلْو الألفاظِ، سائغُ الترکیب،جمیل الرَصْف،کثیر الصناعة المعنویة من غیر تکلّف،ولا إغراق فی السجع (فروخ، 1906م، ص597؛ الفاخوری، 1986م، ص630 )

وأما الضّحک فله مرادفات کثیرة فی اللغة العربیة منها: المفاکهة والتفاکه ( التمازح) والفکاهة والفکیهة (الإطراف بملح الکلام،الدعابة)، رجل فکه (طیّب النفس ضحوک)، والأفکوهة (الأملوحة)، والمزح ( الدعابة)، والبشر (طلاقة الوجه)، والبهجة والابتهاج (السرور والفرح)، والدغدغة (السخریة)، والسرور (الفرح)، والطرب (خفّة تعتری الفرحان)، والظرف والمرح (شدّة الفرح)، والممازرة (المفاکهة التی تشبه السباب)، والهزل (نقیض الجدّ) (ابن منظور،1405، مادة «ف‌ک‌ه»،«م‌زح»،«ب‌ش‌ر»،«ب‌ه‌ج»،«س‌خ‌ر»،«ف‌رح»،«ط‌ر‌ب»،«ظرف»،«دع‌ب»،«ه‌زل»؛ ابن سیده ،1317 ،ص13 ـ 19)

وجاء فی تعریف الفکاهة: «الفکه هوالذی ینال من أعراض الناس. ورجل فَکِهٌ: یأکل الفاکهة.  والفاکهة أیضاً: الحلواء على التشبیه. وفکههم بِمُلح الکلام: أطرفهم. وهوفَکِهٌ إذا کان طیّب النفس مزّاحاً» (المصدر نفسه، «ف‌ک‌ه»)، إذن من معانی الفکاهة  فی اللغة المزاح، والدعابة هی المزاح والمضاحکة، والمزح والمزاح: الدعابة، والهزل یعنی الفکاهة، والسخریة: هی الضحکة والسخرة والاستهزاء (المصدر نفسه، «ف‌ک‌ه»، «دع‌ب»، «م‌زح»، «س‌خ‌ر»؛ ابن سیده،1317، 13 ـ 19).

على ما أسلفناه نصل إلى أن الفکاهة تعنی الضحک، بغضّ النظر عن بعض الفروق البسیطة بینهما، وکلّ أسلوب تعبیری یثیر الضحک بإمکاننا أن ندرجه تحت عنوان الفکاهة فکلام الحوفی فی تعریف الفکاهة یبدو جیّداً قائلا: «کلّ باعث على الضحک من فنون القول وإن اختلف الاسم» (الحوفی،2005م، ص 7 )، وهناک رأی أخر فی الفکاهة وهو: «نادرةٌ أوطُرفة تتضَّمنُ حکایةً أوخبراً‌ یبعث على الضحک، وتکون مکتوبةً أومحکیّةً. وهی فی النثر غالباً، ولکنها ترد على الشعر»  (التونجی،1993م،ص90)، وبالإجمال یمکن أن نستنتج ونقول فی تعریف الفکاهة أنها نوع أدبی أو أسلوب من أسالیب التعبیر یتضمّن نادرةً أو طرفةً أو دعابة تبعث على الضحک. والفکاهة لها أنواع مختلفة لتنوع بواعثها على الضحک منها: التهکم بالعیوب، الغفلة والتغافل، والتناقض، واللعب بالألفاظ والمعانی، والدعابة، والرد بالمثل، وتخلّص الفکه (الحوفی،2005م،ص5).

وأما ما یستدعینا فهو أن ندرس فی هذه المقالة التهکم وهو نوع من الفکاهة ونحاول الإجابة عن الأسئلة التالیة:

ـ أیّ نوع من أنواع التهکم قد استعمل أکثر فی المقامات وما هو غرض الکاتب من الإکثار منه؟

ـ فی أیّ نوع من أنواع التهکم قام الکاتب بالإهمال وما هو السبب؟

ـ هل التهکم الذی یتمیّز بالصراحة والمرارة قد لعب دوره جیّداً فی المقامات وما هی تفنیات الکاتب فی إضحاک القارئ من خلال أسلوب التهکم؟

ـ بأیّ نوع من أنواع الفکاهة یستعین الکاتب الفکاهی أو المصلح الاجتماعی الکومیدی للتمثیل على خشبة مسرح الأدب الساخر؟

أما فی الدراسات السابقة فینبغی القول إننا ما وجدنا کتاباً یکون قد درس هذا الموضوع بصورة مستقلة إلا أننا عثرنا على بعض الکتب التی عالجت موضوع الفکاهة بصورة عابرة نأتی بأسماء بعض منها:

ـ کتاب أدبنا الضاحک لعبد الغنی العطری، فالمؤلّف فی فصله الخامس: «الضحک فی المقامات»  تطرّق إلى الفکاهة بشکل عامّ فی ثلاث عشرة صفحة وأتى بالمقامة المضیریة کلها وأشار إلى وجود الضحک والسخریة فی هذه المقامة، إلا أنه لم یشر إلى نوع الفکاهة المستعملة فی النص.

ـ کتابالفکاهة فی الأدب الأندلسی لریاض القزیحة ، فهو یأتی بأنواع الفکاهة فی الأدب الأندلسی وبنماذج لها.

ـ کتابالفکاهة فی الأدبلأحمد محمد الحوفی، یأتی بأنواع الفکاهة مثل التهکم وتعریفه ثم یأتی بأمثلة من هذا النوع من کتب  الأدب العربی،  وتحت عنوان "التخلّص الفکه" فی صفحة ۱۳۱ من الکتاب ینقل المقامة المضیریة مباشرة من مقامات الهمذانی ویشیر إلى وجود "التخلّص الفکه" فی هذه المقامة، لکنه لم یذکر ما هو السبب لإتیان هذا النوع الأدبی وإلام یهدف الهمذانی فی هذه المقامة. ثم أنه لایتناول الموضوع فی المقامات الأخری للهمذانی ویکتفی بالمقامة المضیریة.

ـ مقالة «الفکاهة فی مقامات الهمذانی» وجدتُها عبر الإنترنت، فکاتب المقالة،موسى بن سلیمان، لا یتجاوز عن المقامة المضیریة، إضافة إلى أنه لا یدرس أنواع الفکاهة فی دراسته (مجلة الاثنین، تشرین الثانی، فی الموقع الإلکترونی:(www.divanalarab.net).

 بین الدراسات السابقة التی أشرنا إلیها یمکن أن نرکز على الکتاب القیّم للحوفی وهو الفکاهة فی الأدب فالکاتب یعرّف الفکاهة وأنواعها ومنها التهکم، وهذا الکتاب هو المرجع الرئیس لدراستنا.

 

• التهکّم لغة واصطلاحا

التهکم فی اللغة هو «التکبر... والسیل الذی لا یطاق... وتهکمت البئر: تهدمت... والتهکم الاستهزاء ...والوقوع فی القوم... المتهکّم هو المتقحّم على ما لا یعنیه والذی یتعرض للناس بشرّه... وتهکّم بنا: زری علینا وعبث بنا» (ابن منظور، 1405،«ه‌ک‌م»).  وفی الاصطلاح:«التهکم لون من السخریة یراد به نسبة عیب إلى شخص أوتفخیم عیب فی شخص وسیلة إلى تهذیبه وإصلاحه، لیخاف ذلک العیب إن لم یکن فیه، ولیبرأ منه کله أو بعضه إن کان فیه، فهو إذاً نوع من الزجر والردع شبیه بالعقوبة لکنه أخفّ منها وقعاً وإن أنفق معها فی الغایة وهی خدمة الفرد والمجتمع» (الحوفی،2005م، ص 17).

 

• أنواع التهکّم

الغرض من التهکم إصلاح العیوب ومبعث التهکم هو الرغبة فی نقد العیوب والتهکم یشتمل على الأقسام التالیة (المصدر نفسه، ص71):

ـالتهکم الفردی: العیوب التی تکون فی شخص خاص (نطلق علیه فی هذا البحث: التهکم الفردی).

ـ التهکم الاجتماعی: العیوب التی تکون فی المجتمع.

ـ التهکّم بالعیوب الجسدیة: العیوب التی تتعلق بظاهر الإنسان؛ أی الجسد والثیاب، أو کل ما یتصل بالجسد والثیاب وبعض هذه العیوب الجسدیة یولّد فی نفس الرائی رحمةً أو إشفاقا أو سخطاً وبعضها یثیر الضحک ونطلق علیه التهکّم الجسدی.

ـ التهکّم بالعیوب الخلقیة والنفسیة: هدفه إصلاح العیوب الّتی تتعلّق بنفس الإنسان وبأخلاقه وباطنه، کالصفات الأخلاقیة منها: البخل والغرور والجبن وغیرها ونطلق علیه التهکم النفسی.

ـ تهکم الشخص بنفسه: الفکاهة تکون عادة بین شخصین أو عدّة أشخاص بحیث یسخر الکاتب الفکاهی من شخص خاص أو أشخاص وهو یهدف إلى إصلاح العیوب الخلقیّة أوالجسمیّة إلا أن هذا النوع یختلف ممّا تعرّفنا علیه حتى الآن فهو یقوم على أن یتندر الشخص بنفسه وهذا ما یسمّى بالتهکّم الشخصی.

ـ التهکّم السیاسی: یشیع فی زمن الاختناق السیاسی وفی زمن الملوک والحکام المستبدّین، فالحکام یعاقبون ویسجنون ویقتلون من یقف أمامهم، فالفنان الذی یشعر بمثل هذه الآلام فی مجتمعه ولایستطیع أن یعبّر عنها مباشرةً للاختناق السائد فیجد الحلّ فی التعبیر غیر المباشر فیلجأ بالتندر والتهکم والأقاصیص الخرافیة (انظر:المصدر السابق، ص 224).

 

• خصائص التهکم

من میزات التهکم أنه یصدر عن نفس ساخره ناقدة، مبرّأة من الحقد والموجدة، لا سبّ فیه ولا إقذاع والغرض منه التهذیب والتقویم والإصلاح. یقوم التهکم على التصریح والأدیب حین یتهکم یربط ما بین الأشیاء والأمور الواقعة وما یجب أن یکون، أی أنه یقابل الواقع على ما فیه من تخلّف أو فساد أو نقص بالمثالیة الخلقیة (المصدر نفسه، ص177 ـ  178).

 

• التهکم الفکاهی

لا تثیر العیوب کلها الضحک، فقد تحمل السامع على أن یظهر ردود فعل أخرى، کالسخط أو الإشمئزاز أو الإشفاق وغیرها وهذا ما یباعد بیننا وبین الضحک (المصدرنفسه، ص 179 ـ 178)، فنظراً إلى میزات التهکم، کالصراحة والمرارة من ناحیة وأن العیوب قد تثیر أحاسیس مضادة للضحک من ناحیة أخرى، نرکز فی دراسة التهکم بالعیوب على ما یثیر الضحک أکثر من أی ردّ فعل آخر وإن نذعن بأن التهکم لا یسفر عن الضحک المجرّد والهمذانی قد أجاد فی ما قام به فی مقاماته الفکاهیة عن طریق التهکم الفکاهی فهو: التهکم بالعیوب مشتملا على العیوب الجسدیة،والشخصیة، والخلقیة، والنفسیة، والسیاسیة، والاجتماعیة، قائماً على أغراض التهکم، معتمدا على أنواع الفکاهة وأسالیبها، وهذا یحتاج  إلى تغافل الأدیب والمرح النفسی عنده، فهذا کله ینتهی إلى الضحک المرّ المصلح الذی یسوق القارئ إلى أن یفرّغ أحاسیسه کالغضب أوالرحمة أو الإشفاق. 

فندرس فی هذه المحاولة کیفیة استعانة التهکم بالأنواع الأخرى من الفکاهة ونقوم بمعالجة فنون الهمذانی فی إضحاک القارئ عن طریقها فی  مقاماته، منها:

الف) التهکم النفسی ـ الاجتماعی یلتبس بالهجاء استعانة بالحَذلقَة والمبالغة فیها

فی المقامة الدیناریة نرى عیسى بن هشام معه دینار فجاءه سائلان من بنی ساسان کلّ یبغی تصدّقا، فطلب منهما الهمذانی أن یشتم بعضهما بعضاً فمن غلب على منافسه یأخذ الدینار، فسجّلا طائفة من الشتائم. نلاحظ أن الکاتب یتهکم بالعیوب الخلقیّة والنفسیّة فی المجتمع، فتدلّ علیها الکلمات المقذعة البشعة التی تجری على ألسن الناس فی الحوار. نسبة الألقاب السیّئة إلى الآخرین من أجل دینار عدیم القیمة، وهتک الأعراض ابتغاء للنقود ونشر الفساد والکدیة ووضع المتکدّین فی مجموعات لکل منها حیاتها الخاصة ولغتها المعروفة، کل هذه الأمور تدلّ دلالة قوّیة على حالة تدهور الظروف الاقتصادیة وعدم کفاءة الزعماء وهذا یمکن أن نعتبره نوعاً من التعریض[1] السیاسی، فکأن الکاتب خبیر اجتماعی عالم بأحوال المجتمع والأدب السوقی التافه الذی یجری بین الناس، وهذا هو الذی یساعد طائفة کبیرة من الشتائم المقذعة على أن تشقّ طریقها إلى المقامات وهی تنبعث من اقتراب الکاتب من حیاة الناس الیومیة.

  هذه ا لمقامة تلتبس بالهجاء[2]ولم یهدف هذان الشّخصان المنافسان اللذان راهنا على دینار إلا السّبَّ والإقذاع والهدم والتّجریح فی هذه المهاجاة إلا أن الکاتب یطمح إلى ما وراء الهجاء؛ فهو یبتغی التهکم لا الهجو، والإصلاح لا الهدم، واجتذاب أنظار السامعین لا دفعها. هنا یدخل فی المیدان نوع آخر من الفکاهة وهو الحَذلقَة وهی «استعمال الکلمات الغریبة والألفاظ الحوشیّة التی لا یفهمها السّامع، لأنّ الکلام حینئذ یمثل جهداً ضائعاً ولا جدوى من ورائه وإذا کان السّمع لبقاً ردَّ على الکلام الذی لا یُفهَم بکلام مثله لا یُفهَم فیزداد الموقف إضحاکا، لأنّ جهد المتکلّم الأول عبث، وجهد المتکلّم الثانی عبث، فالجهد الضّائع حینئذ مضاعف وهذا اللّون الفکاهیّ، مشوب فی نظر النّاس بالغرور أو بالتّناقض، أوبالغفلة، أو بالجهل والادعاء» (انظر: المصدر نفسه، ص81).

ویمکن أن نعتبر هذا التهکم ما یدعى بـ"الردّ بالمثل"[3] لأن جانبی الحوار فی ردّهما حاضرا البدیهة، سریعا الخاطر، ماهران فی اختیار الردّ المجانس للکلام الذی یسمعان، فمثل هذه المهارة تبعث على الضحک. وما یستدعی الانتباه أن الکاتب عالم اللّغة و یظهر مقدرته فی اللّغة‌، فلیس غریباً أن نراه یستعمل المفردات الصّعبة والحوشیة، والغریبة. وأخیراً یجب أن نقول إنه أدیب ساخر بکل معنى هذه الکلمة فیظهر مهارته فی الفکاهة من خلال الحذلقه والمبالغة فیها وبالتلاعب بالألفاظ کالسجع والجناس[4]، وهذا یثیر فینا أحاسیس قد تتناقض إذ إن الشتائم التی قد أسلفناها تبعث اشمئزاز القارئ وتأسفه من ناحیة، کما أنها تدفعه إلى التفحص والبحث من ناحیة أخرى بحیث تحمله على متابعة القراءة لیفهم هل یمکن إجابات ألذع من الشتام هذه، ثم یتعجبالقارئ إذ إنهما لا یقل شتائمهما عن الأخرى وحینما تشتعل نیران صراع لفظی بین الشخصین، فهذا یشجعالقارئ على أن یواصل القصة حتى یرى من ینتصر فی هذه المعرکة التی تُعجز الراوی فی اختیار الفائز المنتصر، وهو یقول: «فَوالله ِماَ عَلمت أَیّ ُالرّجُلین ِأوُثِرُ ومَا مِنهُما إلاّ بدیعُ الکلامِ عَجیب ُالمَقام ِألدّ ُالخِصامِ» (الهمذانی،  1889،ص222)، فبینما نقرأ هذه الشتائم نلمس کثیراً من المفردات التی تبعث على  التعجب والضّحک، مثل: "المُمازرة"؛ أی «المفاکهة الّتی تشبه السباب»، وهذه تضحکنا للمبالغة الموجودة فیها بحیث لا یمکن وجود کل هذه الصفات فی شخص واحد وهذا یؤدّی إلى ألا نکره المنافسین لأن هذا الضحک یخفّف من غضبنا علیهما، فلیس بمستبعد أن یفغر القارئ فمه متعجّباً لا یکاد یصدّق حذلقة الهمذانی فی إتیان الألفاظ الحوشیة والغریبة المسجعة فیثنی علیه غیرَ واعٍ بعد التخلّص من الأحاسیس المتناقضة التی یفرّغها، عندما یسمع المقامة، فلا یجد حیلة إلا أن یقول إن الهمذانی فنّان رائع خلق بمقاماته تحفا أثریة خالدة على مرّ العصور، فنقرأ نموذجاً منها:

یاَ بَرد َ العَجوزِ[5]. یا کربَةَ  تَمّوزِ. یا وَسَخَ  الکّوز ِ[6]. یا درهَماً لاَ  یَجوزُِ ... والله لو وضعت إحدى رجلیک على أروند والأخرى على دماوند وأخذت بیدک قوس قزحٍ ما کنت إلا حلّاجاً. وقال الآخر «یَا لَبوُدَ الیهُودِ» أمورهم فی نظر معاملیهم من الأمم من أقبح الشؤون وأشنعها فهم یعرفون عند أغلب الشعوب بالخیانة والغشّ وکفى بها قبحاً وشناعة و«یَا نَکْهَةَ الّأُسُودِ» من أخبث الحیوان نکهةً ... «یَا قِرداً فِی الفِراَشِ» من أشدّ المقلقات و«یا أقل من لاش ...  لو وضعت إستک على النجوم ودلیت رجلک فی التخوم ... ما کنت إلا حائکا(المصدر نفسه، ص 218، 220).

 

ب)  التهکم النفسی ـ الاجتماعی استعانة بالتهکم الجسدی قائماً على المبالغة والتغافل

فی المقامة المکفوفیّة یروی عیسى بن هشام أنه بینما کان یجول فی أکناف بلاد الأهواز وصل إلى رقعة فسیحة من البلد فوجد فیها الناس مجتمعین على رجل أعمى یخبط على الأرض بعصا على إیقاع غنج، وهو ینشد أشعاراً فی وصف سوء حاله وشکوى زوجته ومطالبتها إیاه بالمهر وحین منحه ابن هشام دیناراً میّز الدینار بسرعة فیعلم الراوی أنه لیس أعمى بل یتعامى، فهنا یتهکم بجهل الناس ونفاقهم، بصورة غیر مباشر، من خلال تصویر الظواهر الاجتماعیة والنّفسیة، ویلبس الکاتب على وجه البطل لثام التّعامی، وهذه الصفة یکنّی بها عن بلاهة الناس وغفلتهم وهذا یعتبر نوعاً من التغّافل، ومبعث التغافل[7] هو فلسفة حیاة الإسکندری التی تتجلی فی أقواله هذه:

إذا کان الدّهر لا یواخی إلاّ الأدنیاء فاختر من الکسب الدُّون أی السّافل لیوافیک الدّهر کما وافى سائر الأسافل، وادفع عنک شدة الزّمان بالحمق فإنّ الزّمان زبون کالنّاقة الّتی ترفع بثفنات رجلها عند الحلب ولا تکذبک نفسک بما تمنیک من الشهرة بالعقل والوقوف عندما یحده ویرشد إلیه فإن العقل ما أودع فیک لیفیدک الخیر فی حیاتک والسّعادة فی معیشتک ولا یأتیک بمثل هذه الفائدة إلاّ الجنون فهو العقل بعینه وهذا مذهب الشّیخ أبی الفتح وعلیه کلّ مجنون (الهمذانی، 1889م، ص81).

مبعث الضحک هنا التهکم الجسدی قائما على المبالغة المضحکة فی العیوب الجسدیة وتضخیمها بالوصف الساخر وبالتشبیه حیث أن الکاتب یرسم صورة کاریکارتوریة، على سبیل المثال یسخر من القبح الجسدی فی البطل وقدّه الطویل ویشبّهه بالقرنبی: «سَرَّحتُ الطّرف َ عَنه ُ إلى حُزُقَّةِ[8] کَالْقَرَنْبَی[9] أعمَى مَکْفوُفٍ فی شَمْلَةِ صوُفٍ یَدوُرُ کَالْخُذروُفِ مَتَبرنِساً[10] بأطُْوَل منه معتمداً على عَصاً فیها جَلاجِلُ یَخبِطُ الأرضَ بِهَا على إیقاعٍ غَنِجٍ[11] بِلَحْنٍ هَزِجٍ وصَوْتٍ شج ٍ من صَدرٍ حَرِجٍ» (المصدر نفسه، ص78)، وإضافة إلى هذه المبالغة فی العیوب الجسدیة یتلاعب الکاتب بالألفاظ فیستعین البطل بفصاحته ووقاحته والإستشهاد بالأشعار الموزونة إظهاراً للعجز والفقر أمام الناس لیثیر فی الناس أحاسیسهم القلبیة ویجعلهم یشفقون علیه فالضحک والشفقة کلاهما یهتزّان کما قال عیسى بن هشام: «والله قلبی واغرورقت له عینی فنلته دیناراً کان معی...» (المصدر نفسه، ص80)، فما یلبسه الکاتب من القناع الجدید لیتقمّص شخصیة جدیدة تحملنا على الضحک والاستغراب وهذا یمکن أن نعتبره من لطائف الحیل للکاتب الذی یسعى أن یخفّف انزعاج القارئ لما یشاهد فی جسد المجتمع من الأورام الخبیثة.

ج) التهکم الاجتماعی ـ النفسی ملتبسا بالدعابة[12]، استعانة بالتناقض المضحک (القلب والعکس ـ الردّ بالمثل)

فی المقامة المجاعیة، نلتقی بعیسى بن هشام الذی نجده فی معظم مقاماته، رافلاً فی النعیم، متقدّماً فی التجارة، ولکن واقع الحیاة فی هذا المجتمع لابدّ أن یحیل أمثاله إلى الکدیة فی بغداد فی عام مجاعة (نور عوض،1979م، ص 105)، فنرى الکاتب یتهکم بالواقع الاجتماعی والمأساة الاقتصادیة الباعثة على شیوع الشحاذة فی العصر العباسی، وکذلک یتهکم الهمذانی بظاهرة البؤس فی صدر المقامة، عن طریق الدعابة[13] بین الفتى وعیسى بن هشام، ویتخیّر جوانب الضعف فی عیسى بن هشام فیتهکم بها إلا أنه یتهکّم تهکماً غیر مؤلم حتّى لا تؤدّی دعاباته إلى الازدراء به، إذْ یسأله: «ما خَطْبُکَ؟ قُلْتُ: حَالانِ لا یُفْلِحُ صَاحِبُهُمَا، فقیرٌ کَدَّهُ الجِوُعُ وغَریبٌ لا یُمْکِنُهُ الرُّجوُعُ. فَقالَ الْغُلاَمُ: أَیُّ الثُّلمَتیِنِ تُقَدِّمُ سَدَّها قُلْتُ: الْجُوعُ فَقَدْ بَلَغَ منّیِ مَبَلغاً». (الهمذانی،1889م،ص127).

فیوصف فی الحالة الأولى وجبةٌ من الطعام عامرة بألوان من المآکل والمشروبات یکاد المرء من حلاوة طعمها أن تتلمّظ ویسیل لعابه وفی الحالة الثانیة یصف مجلس أنس کامل المعدّات من مطرب جمیل المحیا حسن الغناء وما یوجد فی هذا المجلس من أنوار مجلوّة وفرش مبثوثة وأکواب مصفوفة والغذاء هنا غذاء الروح والوجدان والمائدة مائدة القلب والإحساس. وقبل أن یبدی عیسى رأیه فی المائدتین السابقتین یبادر الفتى بوصف مائدة ثالثة تحوی ألواناً من السمک النهری والباذنجان المقلی والتفاح الجنی وهیّأ لهذا الطّعام مکانا شاعریا جمیلا ساحریا على مضجع مریح (الشکعة، 1983م،ص 346).

هنا یتمّ التهکم بالوصف الدقیق الضاحک للأطعمة وتوشّی المقامة بالمحسّنات اللفظیة والتلاعب بالألفاظ، وهذا کله یخلق صورة فنتازیة رائعة تسحر عقولنا بحیث نستغرق فی الخیال فنجد أنفسنا بغتةً فی المشهد الموصوف ونجیب عفو الخاطر: نحن أیضا عباد الثلاثة، فلنقرأ ما یلی: «ثمّ یعیدها قال عیسى بن هشام: أنا عبد الثَلاثَةِ فَقالَ الغُلامُ: وأناخادمها... لو کانت» (الهمذانی،1889م،ص 129) وهذا هو الردّ بالمثل لأنه یکون مبنیا على التعبیر ومراعاة اللفظ الذی نطق به الأول "عبد" المفردة التی یعیدها الشخص الثانی بتصرّف قلیل فیها  فیردّ الثانی بلفظ مجانس للفظ الأول ویؤدی به المعنى الذی یریده: "أنا أیضاً خادمها"  والغریب أننا نزعم فی الوهلة الأولى أنهما یقصدان معنى واحدا إلا أننا نفاجئ عندما نجد الثانی یقصد بکلامه معنى یختلف عن الأول،فالعبارة بعدها: "لو کانت..." تدلنا على أن هذا المعنى الثانی مختلف عن الأول فهو الردّ بالمثل .

وأخیراً هذه المداعبات کلها تصل إلى عقدة القصة التی هی تأزّم الأحداث وتشابکها قبیل الوصول إلى الحلّ، والعقدة فی مقامة الکاتب هذه تبعث على الضحک أکثر من العناصر الأخرى للقصة وما یلفت النظر أن الضحک المنبعث من العقدة یختلف عمّا سبق اختلافاً بسیطاً فهذا هو الذی یُطلق علیه التناقض المضحک[14]؛ فالغلام یُتوقّع منه أن یظهر ردّ فعل معلوم إلا أنه یقوم بما لانتنبّأ به فیباغت الغلامُ الراویَ، عیسى بن هشام، بردّه علیه. فعندما نکون على استعداد لنجیب سؤال المتکلم ونقبل المائدات الثلاث نفاجَئ بما لانتوقعه فنعجب ونضحک ونقول عفو الخاطر: یا لک من فتى حاضر البدیهة، «إذ یقول: ... لوکانت »، فقال عیسى بن هشام: «لا حیّاکَ الله، أحییتَ شهواتٍ قد کانَ الیأس أماتها؟ فمن أیّ ِ الخراباتِ أنت؟ ..." (المصدر نفسه، ص129)، وبإمکاننا أن نعتبر هذه العبارة من القلب والعکس[15]، وهذا یعنی قلب الجواب الذی یتوقّعه القائل، وهو الراوی هنا، من السامع، وهو الفتى.

 

د) التهکم النفسی ـ الاجتماعی استعانة بالقلب والعکس قائماً على التناقض والتغافل:

فی المقامة الوصیة،نجد أبا الفتح الإسکندری تاجرا ـ فهو یمثّل طبقة التجار ـ یُجَهِّز ولده للتجارة یُوَصیه بها، ویمنحه شفقة علیه ما جرّبه طوال اشتغاله بهذه المهنة إلا أن ما یهمّنا هو أن هذا التاجر یوصی ولده بما ینافی القیم الأخلاقیة مثل البخل والکذب وعدم الثقة بالناس والحذر من الفقر واقتناء المال بحیث ینبغی للإنسان أن ینام وهو جائع ویدّخر نقوده ومثل هذه النظرة التجاریة تتغلغل شیئاً فشیئاً إلى کلّ العلاقات الاجتماعیة بحیث یظن التاجر الناس کلهم أعداءه یریدون أن یخدعوه والتاجر یجب أن یقف منهم بالمرصاد ویرکز فکره فی حساب الأرباح والخسائر کلاعب الشطرنج العبقری. مقامة "الوصیة" قصة فکاهیة تقوم على التغافل والتناقض والمبالغة والتلاعب بالمعانی والألفاظ والقلب والعکس. یعتمد التهکم هنا على المبالغة حینا ویعتمد على المفارقة والجمع بین النقیضین حینا آخر لإبراز المعالم وتجسیم الصور، فیجری فی هذه القصة تناقض خلاف ما ألفناه؛ نجد شیئاً من هذا التناقض بین کلام التاجر فی البدایة والنهایة، فهو یبدأ بحمد النبی والصدق والثقة والملاینة ویخاطب ابنه بالعبارة اللطیفة "یا بنیّ"، وهو یقول: «یا بُنَیَّ إنّی وَثَِقْتُ بِمَتانَةِ عَقْلِکَ وطَهارَةِ أصْلِکَ» (المصدر نفسه، ص204)، عندما نصل إلى وسط الوصیة نباغَت بما نسمعه من وصایا منافیة للسجایا الحسنة والکلام ینتهی بالشتائم التی تُهدی إلى أمّه المسکینة: «یَا ابْنَ الخبیثةِ! یَا ابْنَ الْمَشْؤُومَةِ! لا اُمّ لَکَ!» (المصدر نفسه، ص 204 ـ 206).

هذا نوع من التناقض أن یتکلّم الشخص کلاماً یرید به الإصلاح ویغفل عمّا فیه الإفساد، فما هو مألوف عند الناس أن السخاء ممدوحٌ والخساسة مذمومة، وکان البخلاء مبغوضین إلى الناس، لکن التاجر یحذّر ابنه من الکرم، بحمد النبی والاستعانة بما هو مألوف وبدیهی لیزید من تأثیر کلامه فی ابنه: «بلى إنّ الله لکریم، ولکن کرم الله یَزیدُنا ولا یَنْقَصُهُ، ... ومن کانت هذه حاله فلتکرم خصاله» (المصدر نفسه، ص 205)، و یستعین الکاتب بالتلاعب المعنوی[16] مثل: "الأسلوب الحکیم" فنجد شیئاً من هذا الأسلوب فی قول الأب وهو ینوی إقناع ابنه: «إنَّ اللهَ کریمٌ، لِأنّ کرمَ اللهِ لا ینقص من خزائنه شیءٌ»، ومثل التشبیه وضرب المثل، نحو: «کُنْ مَعَ النّاسِ کَلاعِبِ الشطرنج خُذْ کُلَّ مَا مَعَهُمْ وَاحْفَظْ کُلَّ مَا مَعَکَ» أو«فَأَمَّا کَرَمٌ لا یَزیدُکَ حتّى یَنْقُصَنی ولا یَریِشُکَ حتّى یَبْرِیَنی[17] فخذلانٌ لا أقوُلُ عَبْقرَیٌّ ولکِنْ بَقَرِیٌّ» أو «إنَّ الله کریمٌ، خدعة الصَّبی عن اللبن» [18] (المصدر نفسه، ص 205 ـ 206)، أما ما یسترعی الانتباه فهو أنه لا یمکن استخدام أسلوب التناقض إلا بالتغافل فیفضی إلى ظهور ضرب من الفکاهة ألا وهو القلب والعکس. فمبالغة التاجر فی إطراء الخسّة والبخل تحطّ من شأن الکرم والسخاء وتنقلب المنظر العالی للکرم إلى منظر زری فی نظر الابن، فلا نکاد نصبّ جام غضبنا على التاجر البخیل حتّى یهدّئنا الکاتب بأسلوبه الفکه وما یجری فیه من التغافل والتناقض والمبالغة فیها یُضحکنا، وما یهدف إلیه هو أن ینقد البخل الذی یشیع فی بیئته بقصاص غیر مباشر وهو التهکم.

 

هـ)التهکم النفسی ـ الاجتماعی استعانة بالتهکم الشخصی والتخلص الفکه معتمدا على التغافل

 المقامة المضیریة تحدّثنا من تاجر یدعو بطلنا أبا الفتح الإسکندری إلى المضیرة ـ وهی طعامٌ من لحم ولبن وحموضة ـ إلا أنه یلعن الطعام ومن طبخه ومن یأکله، فیسأله المضیف عمّا سبّب هذا اللعن فیحدّثه عن تاجر دعاه إلى مضیرة ببغداد وهو «رجل الفصاحة یدعوها، فتجیبه والبلاغة یأمرها فتطیعه» (المصدر نفسه، ص 104)، فمن نجده فی معظم المقامات محتالاً، مدهناً، متحذلقاً یلعب هنا دور التعیس المخدوع الذی یُلقَی فی فخّ تاجر ثری متغافل أنانی و یروی قصة انخداعه بلسان بلیغ وینقل أحاسیسه التی جربها فی کل لحظة بأسلوب التهکم الشخصی إلى القارئ. وأساساً على ما یشرحه الحوفی من التهکم الشخص بنفسه (الحوفی، ص 203 ـ 297)، یمکن أن نعدّ هذا اللون من التهکم أشدّ ألوان التهکم إثارة للضحک، لأن البطل شخص فکه خفیف الروح، ویصوّر ذاته فی مواقف الإحراج والضعف والارتباک والغفلة ویتندر بغفلته، فیبعث على الضحک أضعافاً مضاعفة، وهکذا یکون تهکمه نوعاً من الثأر السلیم والقصاص العادل. فبهذا التهکم الظریف یسخر من غفلته وینفّس عن غیظه المکنون فی صدره ویهزئ من المجتمع وما یحدث فیه، کما أنه یصون نفسه من تهکم أصدقاءه به، أو هو یتهکم بنفسه لرغبته الشدیدة فی الفکاهة فلا یفوته أحدٌ حتى نفسه، فیتخلّص من المأزق الذی یرتطم فیه ألا وهو أکل المضیرة ثم نرى أن ردّه المحلى بالفکاهة یقنع الأصدقاء وینقذه من لومهم علیه ویقبلون عذره ونذره: «فنذرت أن لا آکل مضیرة ما عشت فهل أنا فی ذا یا أهل همذان ظالم؟ قال عیسى بن هشام: فقبلنا عذره ونذرنا نذره وقلنا قدیما جنت المضیرة على الأحرار وقدمت الأراذل على الأخیار» (الهمذانی،1889م،ص 117) 

وکذلک الهمذانی یصف وصفاً ضاحکاً بعض المظاهر الاجتماعیة فی عصره ویرسم صورة دقیقة لها کأنها نسخة طبق الأصل، فیصور تاجرا بغداذیا یعیش فی حیّ یختصّ بالأغنیاء، یبیّن کیف یلجأ التاجر البغداذی بالألفاظ والعبارات التی تشمئزّ منها النفوس ویتهکم بالصّفات الدّمیمة فی هؤلاء الأغنیاء منها: الثرثرة والعجب بالنفس. ویصف کل شیء ولوکان شیئا تافها منحطا کالمرحاض، أو یتّجه خلاف ذلک فیصف جمال زوجته وحسن خلقها وطینتها وحذقها فی صناعة المضیرة، والعشق بینهما وتنافس الأخیار فی نزول الحی الذی یقیم فیه، وباب داره وصنعتها وشکلها وحذق نجارها وأصل غلامها حتى یصل إلى الخوان والخبز والخباز والدّقیق والملح ومن الصفات السیئة التی یجرحها الکاتب بسهام نقده اشتراء البضائع بثمن بخس من الناس وبیعها بأرباح مضاعفة، أما ما یؤلمنا فهو أن التاجر یشکر الله بما وفقه فی مخادعة الناس: «فَأخَذْتُهُ مِنْهَا إخْدَةَ خَلْسٍ. وَاشْتریتُهُ بِثَمَنٍ بخْسٍ وسیَکوُنُ لََهُ نفَعٌ ظاهِرٌ ورِبْحٌ وافِرٌ بِعَوْنِ اللهِ ودَوْلَتِکَ وإنّما حَدَّثتْکَ بِهَذا الحَدیِث لتَعلَمَ سَعَادَةَ جَدّی فِی التَّجارة، وَالسَّعَادَةٌ تُنْبِطُ الْماَء[19] مِنَ الحِجارَةِ» (المصدر نفسه، ص111)، ویلجأ الکاتب لإضحاک السامع بأسلوب التهکم الشخصی فالتاجر یتهکم بعیوب نفسه، منها أنه یعجز من الإجابة بـ "لا" أمام من یطلب منه شیئاً. التاجر المتغافل یثرثر وثرثرته تتیح فرصة للکاتب لیصوّر غضب البطل الغافل الذی یشتدّ من لحظة إلى لحظة لیفهم السامع أحاسیسه جیداً: «فقلت ألله اکبر ربما قرب الفرج وسهل المخرج ... فقلت هذا الشکل ومتى الأکل ... قال أبوالفتح فجاشت نفسی ... قلت قد بقی الخبز وآلاته وصفاته والحنطة من أین اشتریت أصلا ... وقد بقی الحطب ... والخباز وصفه والخمیر وشرحه ... هذا خطب یطم وأمر لا یتم...» (المصدر نفسه، ص 112، 116).

فی هذه المقامة تعدّ ثرثرة التاجر، ومخادعته للناس، وما یعقبها من الحمد لله کلها من علامات الغفلة، لکن التاجر  ـ وإن هو عالم بغفلته ـ إلا أنه لا یستطیع أن یمنع نفسه منها وهذا یدلّ على تغافله. یثرثر وهو یعلم أن الضیف قد تعب من ثرثرته غیر أنه یتغافل وهذا یمکن أن یرجع إلى أن التاجر یرید أن یفتح باب التقرب بینهما، أو یسخر منه وتدلّ العبارات التالیة على هذا الإدعاء: «یا غلامُ الخُوانَ، فَقَدْ طَالَ الزَّمَانُ، والقصاعَ، فقد طاَلَ المصاعُ[20]، وَالطَّعَامَ، فَقَدْ کَثُرَ الکَلامُ...» (المصدر نفسه، ص 114). 

نرى التهکم بنفسیات طبقة الأثریاء والمستغلّین الذین اغتنموا الثروات بمصّ دماء الفقراء الذین یعانون من الهوّة الواسعة بین طبقات المجتمع. هذا التهکم الاجتماعی استعانة بالتهکم الشخصی معتمداً على المبالغة فی غفلة البطل وتغافل التاجر، یسوق غضبنا إلى ضحک مرّ ، فتنتهی القصة نهایة کومیدیة فالبطل الغافل الذی ملّ من ثرثرة التاجر یبحث عن مفرّ فیهرب بأسلوب "التخلص الفکه" عندما یقول: «حاجة ً أقضیها»، کأنّه یعتبر الذهاب إلى  المرحاض ملجأ له لیتخلص به من التاجر وهذا یدلّ على المقدرة البیانیة على الردّ المناسب وسرعة الخاطر، فإنّ ردّه هذا یبعث على الضحک: «فَقُمْتُ فقال: أیْنَ تریدُ فَقُلْتُ: حاجةَ أقْضیَها. فقال یا مَولایَ تریدُ کنیفا ً یُزْرِی بربیعِیِّ الأمیِرِ، وخَریِفیّ الوزیر[21]» (المصدر  نفسه، ص116)، فجعل یحدّثه عن المرحاض ووصفه بأنّه فرش بالمرمر وهو فی نهایة‌ الزلق بحیث یتمنّى الضیف أن یأکل فیه، ویردّ البطل بلون آخر من الفکاهة وهو الردّ بالمثل: «فَقُلْتُ: کُلْ أنْتَ مِنْ هذاَ الْجِرابِ، لَمْ یَکُن الکنیفِ فی الحِسابِ» (المصدر نفسه، ص 116)، والطُّرفة فی هذا القول هی أن المتکلم الأول یقصد إلى الاستهزاء بالسامع، فإذا بالسامع یباغته بردّ أشد تندّرا وأ کثر استهزاء وأدعى إلى الضحک.  وهو فی ردّه حاضر البدیهة، سریع الخاطر، ماهر فی اختیار الرّد المجانس للکلام الذی یسمعه. إلا أنه لا یفارقه طائر الشؤم فیعدو الضیف والمُضیف یعدو وراءه وینادیه: "یا أبالفتح المضیرة" وظنّ الصبیان أن المضیرة لقب له، فنادوه هم الآخرون بالمضیرة، فرمى أحدهم حجراً من فرط الضجر، فأصاب رجلاً عابراً فأسجنوه لسنتین فکافئوه لذنب لم یرتکبه.

إن التلاعب بالألفاظ المثیرة والتلاعب بالمعانی مثل التشبیه والتمثیل وما إلى ذلک تعدّ من أسالیب تقوّی الفکاهة وتجذب المستمع وتؤثّر فی الإنسان تأثیراً لا نرى فی نص یخلو من هذه المحسّنات البدیعیة:

«فِی قَصْعَةٍ یَزِلُ عَنْها الطَّرْف[22] ویَموُجُ فِیِها الظَرْفُ»: (الجناس)، «الدهر حبلی لیس یدری ما یلد»: (التمثیل)،«وظَننّا، یَمْزَحُ فَإذا الأمْرُ بِالضِّدِّ وإذاَ الْمِزَاحُ عَیْنُ الجد»: (الطباق )، «وهِیَ تَدوُرُ فِی الدُّورِ:  مِنَ التَّنُّورِ إلى  الْقُدوُرِ ومِن القُدُورِ إلى  التّنوّر»: (العکس)، «ولزمنی ملازمة الغریم والکلب لأصحاب الرقیم»: (التشبیه) وهلمّ جرّاً.

 

نتائج البحث

بعد دراسة التهکم فی مقامات الهمذانی حصلنا على نتائج منها:

1 ـ  التهکم  أسلوبٌ فکاهی غایة من غایات المقامات: آثره الهمذانی فی مقاماته هذا الأسلوبلغایة تهکمیة نقدیة إصلاحیة، عمله مصداق: «سیرین فی خرزة»، فیمکن إضافة هذه الغایة إلى جانب الغایات الأخرى التی ذکرت فی الکتب الأخرى، منها الغایة التعلیمیة للناشئین وهی تعلیم اللغة وأنواع البدیع والتمرّن على الإنشاء، والغایة الثانیة هی إظهار تفوّقه فی اللغة والبدیع والوقوف على مذاهب النظم والنثر، والثالثة هی التسلیة والإضحاک. فالهمذانی لا یختار إنشاء المقامات لهذه الغایات فحسب وإنما اختارها فی تهکم بما یجری فی المجتمع من التقالید والظروف الاجتماعیة والاقتصادیة کشیوع الکدیة والأدب السوقی الذی یتکلم به الناس وثقافتهم المنحطة، فاستفرغ مجهوده فی الاختیار الدقیق لأسلوب الفکاهة و أسلوب الأقصوصة والشخصیات بالدقة والإمعان ووصف نفسیاتها و وکل هذا یدلّ على أن الهمذانی لیس أدیبا منعزلا عن الناس أو معلم اللغة وحدهما، بل هو مُصلحٌ شعبی وعالم نفسی فحل یقف على ما ینتج الضحک الساخر المرّ من الفوائد التربویة الإصلاحیة فیتخذ من التهکم هدفا لسهامه الفکاهیة.

2ـ استخدم الهمذانی التهکم الاجتماعی والنفسی أکثر مما استخدم أقساما أخرى من التهکم، ثم إنه لم یصرّح بالتهکم السیاسی فی المقامات خلافاً للفروع الأخرى، فإذا أردنا أن نبحث عن التهکم السیاسی یجب أن نتوغّل فی المخبّآت، فالکدیة وظهور طائفة من بنی ساسان المتکدین والظروف الاقتصادیة السیئة للمجتمع والفجوة العمیقة بین الطبقات الاجتماعیة، کل هذه الظواهر والتهکم بها تُرینا تأزّم الظروف السیاسیة وعدم کفاءة الزعماء فی البیئة العباسیة التی عاصرها الکاتب وهذا یمکن أن نعتبره نوعا من التعریض السیاسی، فالهمذانى یصبّ من خلال المقامات جام غضبه على الحکومة. لم نجد أثراً للتهکم الفردی وهذا إن دلّ على شیء فیدلّ على أن الهمذانی لا یرمی سهام نقده متبعاً أهواءه وأیضا لم یستخدم التهکم الشخصی وهو یلوم نفسَه على غفلته إلا لیلقی الضوء على العیوب الخلقیة وعندما یستعمل التهکم الجسدی یهدف إلى استدعاء انتباه القارئ لما یختفی وراء الکوالیس وهذا یظهر فی المقامة المکفوفیة ویجب إشارة بأنه یمکن ظهور أنواع من التهکم فى مقامة واحدة . 

3 ـ تمّ التهکم الاجتماعی والنفسی بالمجتمع بنجاح فی المقامات، لأن التهکم الاجتماعی یحتاج إلى خبیر اجتماعی عالم بأحوال المجتمع، وإلى عالم نفسی له خبرة بالأمراض النفسیة، وإلى عالم لغوی وأستاذ فی مذاهب الکلام والتعابیر المختلفة الوجوه، وإلى أدیب ساخر فنان وأخیراً إلى معلّم أخلاق له معرفة عمیقة بالمثالیة الأخلاقیة فینقد المساوئ الفردیة والاجتماعیة و یطرح هذه القضایا بطریق غیر طارد القارئ ولا مُملّه، إذن جعل الهمذانی معدّات نصب عینیه للتهکم منها:

أ.  أسلوب النقد غیر المباشر فی القصة الفکاهیة: الکاتب یعرف جیدا أنه من طبیعة البشر أن یملّ النصح أولا والحاکم الجابر لا یغض العین عن الکلام الناقد ثانیا فلاجتذاب المستمع من جهة ولأمنه من حکام عصره من جهة أخرى فیتخذ أسلوبا غیر مباشر فهو أسلوب الأقصوصة والتهکم ویحثّ القارئ على التفکیر فی نفسه وفی عمق الرذایل فی المجتمع لیصلح ما فیه من العیوب والأخطاء فکأنه یُنذرنا ویقول: أنت المجتمع، أصلحْ نفسک یصلحْ المجتمع.

ب. الأدب الواقع والقلم الصادق: بیان الصادق لواقع المجتمع من  أسرار المثیر فی توفق التهکم وجذب المستمع وخلود الهمذانی  ومقاماته فی قلوب الناس:

 ـ الأدب الواقع: تعالج المقامات أشکال الواقع  ومشاکل المجتمع کما هی من خلال حیاته الیومیة مبشّراً بالحلول، وتسلّط الأضواء على جوانب هامة یرید الفنان إیصالها للجمهور بأسلوب یسجّل الواقع بدقائقه. فالهمذانی هو کاتب واقعیّ شعبی یقترب من الناس ویتعرّف على أحوالهم من اللغة والأدب والتقالید والثقافة وهذا هو الذی أدّى إلى أن تتغلغل إبداعاته لا فی الأذهان وحدها بل فی القلوب.

ـ القلم الصادق: فالکاتب یصور الحیاة الیومیة بصدق وأمانة، دون أن یدخل ذاته فی الموضوع، وهذه المیزة؛ أی المحایدة هی مما یحتاج إلیه الهمذانی، کمصلح اجتماعی یرید نقد المساوئ الاجتماعیة والفردیة، نقدا عاما تابع الشمول والکلیة، لیس ناشئا من الأغراض النفسیة أو حقدا شخصیا أو الثأر لشخص خاص بقلمه ویرید إظهار الضعف فی الموازین الکلّیة وسخریّة هذه العیوب دون إزعاج مستمع، کما أن المستمع لا یرغب فی استماع تصفیة الحسابات الشخصیة للغیر، نتیجة لهذا النوع من التعبیر لا یظن القارئ أنه هو المقصود بموضوع المقامة وصفاته السیئة، ثم القارئ ینحّی نفسه جانبا ویأخذ جانب الحیاد من الأمراض النفسیة والخلقیة، فهذا المنهج ربما یکون أحسن فرصة یحمل القارئ على التفکیر فی نفسه لاجتثاث مثل هذه الأورام الخبیثة وإزالة هذه العیوب عن نفسه.

ج. المقامات تخلو من التهکم الفردی والشخصیتان أی البطل الرئیسی ـ أبو الفتح الإسکندری ـ والراوی ـ عیسى بن هشام ـ ثابتتان فی المقامات کلها، فذلک الخلوّ وهذا الثبوت یدلان على أن الهمذانی لم یسدّد سهام تهکمه إلى شخص خاصّ أو طائفة خاصة إلا أن الشخصیتین المذکورتین آنفاً تمثّلان الفئات الاجتماعیة التی تنتمیان إلیها فقد نَمَت فیها أعشابٌ ضارّة یجب أن تُقتلع.

د. الإبداع والدقة فی اختیار کل نوع من الفکاهة فی مکانه وفقا على شدّة ألم المثلبة وضعفها أو شدّة الضحک وضعفها هدفا للتهکم: فالهمذانی کطبیب محترف حاذق یصف العقاقیر للمریض وفقاً لشدّة المرض فکلما اشتدّ المرض أوصى الطبیب بتناول جرعة أکبر من الدواء. فها هو الهمذانی یجیء بالتهکم قائما على التغافل فی مقامة، ومعتمداً على المبالغة أو التلاعب بالألفاظ والمعانی أوالقلب والعکس فی مقامة أخرى. یلمّ الهمذانی بأنواع الفکاهة ـ الموجودة فى مقاماته ـ إلماما لا یترک لنا مجالاً لسیطرة الاشمئزاز أو الشفقة أو الغضب على الضحک ولو لحظةً.

 هـ. التهکم الفکاهی: إن التهکم بمیزاته کالصراحة والمرارة لا یسفر عن الضحک المجرّد من ناحیة و من ناحیة أخرى أن التهکم قد یلتبس بالهجاء أو التعریض أو السباب وغیرها فلا یفضی إلى الضحک بل یثیر فی السامع ردود فعل أخرى  وهذا ما یباعد بیننا وبین الضحک کالسخط أو الاشمئزاز أو الأسف أو الاستغراب، فبما أن الکاتب یرید أن ترجَح کفّة الضحک على غیره یبدع التهکم الفکاهی وهو: التهکم بالعیوب (مشتملا على العیوب الجسدیة، والشخصیة، والخلقیة، والنفسیة، والسیاسیة والاجتماعیة)، قائما على أغراض التهکم، معتمدا على أنواع الفکاهة، وحسن تغافل الأدیب والمرح النفسی عنده حتى ینتهی إلى ضحک مریر مُصلح یسوق القارئ إلى أن یفرّغ أحاسیسه کالغضب أو الرحمة أو الإشفاق

و. التهکم الفکاهی یلزمه حسن التغافل: التهکم بالعیوب قد یثیر أحاسیس متناقضة للضحک کالاشمئزاز والسخط والتأسف وغیرها ولا یؤثر فی القارى فحسب وإنما یؤثر على کیفیة تعبیر الکاتب، فحسن التغافل وما یتبعه من المرح النفسی وسعة الصدر عند الکاتب الفکاهی فی بیان فکه من العیوب، مقدمة للتمثیل على خشبة مسرح الأدب الساخر، کما یوصی الکاتب فی معظم مقاماته باتخاذ التغافل کأحسن أسلوب للعیش فی مجتمع یکثر فیه الحمقى والمغفّلون.



1ـإن التهکّم قد یلتبس بالتعریض،أما الفرق بینه وبین التعریض، فهو أن التعریض لا یصرح فیه بالفکرة المقصودة، على حین أن التهکم قائم على التصریح (الحوفی،2005، ص 178 ).

2ـ إن التهکّم قد یلتبس بالهجاء،أما الفرق بین التهکم والهجا، فهو أن الهجا صادر عن نفس واحدة غاضبة حاقدة، والتهکم صادر عن نفس ساخرة ناقدة، مبراة من الحقد والموجدة. ثم إن الغرض من الهجا التجریح والتشهیر والإنقاص والعدوان، على حین أن الغرض من التهکم التهذیب والإصلاح ویکثر فی الهجا السب والإقذاع،لکن التهکم لا سب فیها ولا إقذاع (المصدر نفسه، ص17).

[3]ـ الرّدّ بالمثْل: هو أنّ المتکلم الأوّل قصد إلى الاستهزاء أو التّندر بالسامع، فإذا بالسامع یبغته بردّ أشد تندرا، وأکثر استهزاء، وهو ردّه حاضر البدیهة، سریع الخاطر، ماهر فی اختیارالرد المجانس للکلام الذی سمعه وهذه المفاجأة البارعة فی الرد المجانس مثیرة للضحک،  وقد تکون مبنیة على التعبیر ومراعاة اللفظ الذی نطق به الأول، فیرد الثانی بلفظ من وادی اللفظ الأول، ویودی به المعنى الذی یریده (المصدر نفسه، ص136).

[4] ـ اللّعب بالألفاظ: تغییر الحروف فی الکلمة، وتغییر الکلمات أو إبدالها فی الجملة لننحرف بها عن معناها الأول ولنؤدی بواسطتها معنى آخر، هو باعث من بواعث الضحک والتفکه؛ ولعلّ السبب فی ذلک هوإدراکنا بطبیعتنا صحة التعبیر الأول، ثمّ نسمع التعبیر فی صیغته الجدیدة بعد تلاعبنا به، وعند الموازنة السریعة فإننا ندرک أن المتکلم یهدف إلى التفکه والإضحاک.  إذن اللعب بالألفاظ یشتمل على الطباق،والجناس أو الانطباق بین اللفظ الذی سمعه أو ینطق به (القزیحة، ریاض، 1998م،ص154)، مثل: یا  زَوالَ المُلک ِ، یا هَلالَ الهُلک ِ،  همَِن قَلسٍ، یا أفضَح َ مِن عِبرِة ٍ، یا أَبغى مِن إبرَة ٍ، یاَ مَهَبَّ الخُفِّ، یا مَدرَجَة َ الأ َکُفّ ِ(الهُلُک: یرید أن مطلعه مطلع الهلاک؛ القلس: حبل ضخم من لیف أو خوص؛ أجر منه من جر بمعنى جذب وهو مبالغة فی الوصف بالهوان کما لا یخفى، مهب لخف: الموضع الذی یجیء منه من قولهم من أین هببت؛ أی من أین جئت؛ الأکف:جمع کف ومدرجة الأکف مکان دروجها وحرکتها فی صفعه).

 

1ـ أیام العجوز سبعة أو أربعة من آخر شباط الرومی وبرد العجوز یشتد غالبا ویزداد ثقلا بمجیئه فی آخر الشتاء عند استعداد الناس للقاء الربیع.

2ـ وسخ الکوز مما تتقزز منه الدرهم الذی لا یجوز المغشوش الذی لا یروج فإذا دفعه مالکه ثمنا لشیء فرد علیه لأنه غیر رائج انعکس أمله ووجد خسارة غیر منتظرة.

 3ـ التغافل:« تعمّد الغفلة، إنه ختل فی غفلة» (ابن منظور، مادة «غ‌ف‌ل»)، وفی الاصطلاح: تصنّع الغفلة، فلقد یکون الشخص عاقلاً، لکنه یتغافل، فیخال الناس أنه ذو غفلة.  أمّا أسباب التغافل فهی شتى: رغبة الشخص فی أن یُفکّه الناس، أو یتقرّب إلیهم،أو لنیل العطایا عندهم، أو التحدث عن نفسه کأنما شخص آخر هوالذی یتحدث عنه.  أو سوء ظن الناس به: إذا یظن الناس برجل عاقل،فینسبون إلیه الغفلة، فیتغافل. أو السخریة بالناس: لیکافئ العاقل بمجازاتهم على نقص عقولهم أو التّقیة وسَتْرُ ما بالنفس: فراراً من العقاب أو الاضطهاد أو الاتّهام (الحوفی، 2005،ص 30).

[8]ـ الحزقة والحزق العظیم البطن القصیر وإذا مشى کأنه یدیر عجزه.

[9]ـ القرنبی بالقصر: دویبة تشبه الخنفساء طویلة الرجلین .

[10]ـ متبرنسا من تبرنس إذا لبس البرنس وهو کل ثوب یکون غطاء الرأس جزءا منه متصلا به.

[11]ـ الغنج الحسن یشکومن ثقل الدین علیه بثقل مطالبة الغرماء له کأنما یحمل على ظهره ما لا یحتمل وزاده ثقلا مطالبة طلته أی زوجته بمهرها.

[12]ـ إن التهکم قد یلتبس بالدعابة، أما الدعابة فهی تفکه بین الأوداء والأصدقاء ولیس لها من غرض إلا الضحک والإضحاک ومن هنا یغایرها التهکم، لأنه یرمی إلى الإصلاح والتهذیب ( الحوفی، 2005م، ص 178).

6ـ«الدُّعَابَة»:جاء فی اللِّسان: «داعبه مداعبة: مازحه، والاسم: الدعابة.  والمداعبة الممازحة، والدعابة:  المزاح واللعب، وأدعب الرجل: أملح؛ أی قال کلمة ملیحة» (لسان العرب،مادة «دع‌ب»)، وکثیراً ما یتداعب الأصدقاء، ویتبادلون الفکاهات،طرحاً للکلفة وثقة بالألفة، وترویحاً عن النفس، ومجلبة للسرور، وإظهاراً للمقدرة، على المزاح دون جرح للآخرین وإیلامهم.  وهم حین یتداعبون، یتخذون من بعض الصفات التی اشتهر بها الصدیق مادة للضحک فیصورون جانب الضعف مضخماً أو معکوساً أو مقلوباً، فیتهکمون ولکنّه تهکّم غیر مؤلم حتى لا تتحول دعاباتهم إلى  ما یشبه الهجاء والتحقیر، فالدعابة تحتاج إلى  مهارة فی التعبیر والتصویر بحیث لا تؤذی الصدیق ولا تغضُّ من قدره (القزیحة، 1998م، ص200).

 

1ـ التّناقض: الشیء المغایر للمعهود قد یثیر اشمئزازا أو إشفاقا أوضحکا ( الحوفی، 2005م، ص42)، ونسمیه:‌ «التناقض المشمئز» و«التّناقض المشفق» و«التناقض المضحک»،و«هوقد ینشأ عن حیرة الشخص بین عاملین مختلفین: تناقض الکلام آخره أوله، تناقض بین قول الشخص أووعظ إلى  الأخرین وعمله فی المجلس نفسه، تناقضٌ ینشأ من فهمٍ خطأ من قول الآخرین والحکم على أعمالهم على أساس هذا الفهم الخاطیء، أو القیاس بین عاملین متناقضین، لا ارتباط بینهما فی الباطن ولکن هذا القیاس صحیح فی صورته، أو أن یکون الشخص فی حالة تقتضی تصرفاً معیناً معلوماً فإذا به یفعل أو یقول نقیض ما کان یجب أن یفعل أو یقول...» (المصدر نفسه، ص 42 ـ 45).

القَلْبُ والعَکْس: وهو قلب المظهر إلى  نقیضه أو قلب الفکرة المعروفة إلى نقیضها أو قلب الجملة أو الفکرة ضدّ  قائلها، فیظهر القائل الأول مناقضاً لنفسه، فکأنِّه قال غیر الذی أراد أن یقوله.  وأیضاً قلب الجواب الّذی یتوقّعه القائل من السامع قلباً مفاجئاً لا یتوقعه ترتیب مفردات الجملة ترتیباً آخر یجعلها تفصح عن معنى آخر وینقلها إلى  فکرة أخرى مغایرة للفکرة الأولى مثل نصیحة فاسد برعایة الأخلاق أو خدعة شخص غیره فانخدع هو، فإنها تضحکنا (المصدر نفسه، ص 149).

 

1ـ اللعب بالمعانی ضرب من الفکاهة وهوأنواع شتى منها: الکنایة، والتوریة، وأسلوب الحکیم والتعریض (المصدر نفسه، ص79).

2ـ راش السهم یریشه الزلق علیه الریش، وبراه یبریه: نحته.  فالکرم لا یزید الآخذ حتى ینقص من المعطی. 

3ـ قولهم إنّ الله کریم فهو یفیض من کرمه على عباده إذا أنفقوا من مالهم فإنّ هذا الدلیل منزلته من عقل العاقل منزلة خدعة الصبی التی یلهونه بها عن طلب اللبن فکما أن تلک الخدعة لا أثر لها عند المدرک الراشد وإنّما أثرها عند الصبی الغریرکذلک هذا الدلیل ربّما یقنع به المغفلون لا المحنکون فإنّ کرم الله $ لا ینقص شیئاً ممّا لدیه وکرمنا یأتی على ما فی أیدینا.     

1ـ تنبط الماء تستنبعه منها والحجارة فی یبسها لیست مظنة الماء ومن ساعده البخت تراه یکسب من حیث لا مظنة للکسب.

[20]ـ المصاع فعال من ماصع القوم مماصعة ومصاعا تجالدوا وتقاتلوا کأنه أحس بإطالته فی وصف زوجته.

[21]ـ کنیف صاحب القصة یزری وینتقص بحسنه
ونظافته قصر الأمیر المختص بإقامته أیام الربیع،  ومثله خریفی الوزیر.

2ـ أراد من الطرف البصر، فهو یصف القصعة بأنها لامعة الجوهر کأنها مضیئة، یزل أی یزلق البصر عنها لشدة نقاوتها.

 

  1. ابن منظور، محمد بن مکرم. (1408 هـ). لسان العرب. بیروت: دار النهار.
  2. البستانی، بطرس. ( 1883م). أدباء العرب. (ج2). مشهد: مجتمع البحوث الإسلامیة.
  3. همذانی، أحمد بن الحسین. (1957م). مقامات أبی الفضل الهمذانی. (شرح محمد عبده). (ط7). بیروت: د.ن.
  4. التونجی، محمد. (1413هـ). المعجم المفصل فی الأدب. بیروت: دار الکتب العلمیة.
  5. الحوفی، أحمد محمد. ( 2005م). الفکاهة فی الأدب. القاهرة: نهضة مصر.
  6. الشکعة، مصطفى. ( 1983م). بدیع الزمان الهمذانی . بیروت: عالم الکتب.
  7. العطری،عبد الغنی. (1970 م). أدبنا الضاحک. بیروت: دار الفکر.
  8. الفاخوری، حنا. ( 1986م).  الجامع فی تاریخ الأدب العربی. بیروت: دار الجیل.
  9. فروخ، عمر. ( 1906م).  تاریخ الأدب العربی. بیروت: دار العلم للملایین.

10.قزیحة، ریاض. ( 1998 م). الفکاهة فی الأدب الأندلسی. بیروت: المکتبة العصریة.

11.نور عوض، یوسف. ( 1979م). فن المقامات بین المشرق والمغرب. بیروت: دار القلم. 

12.ابن سیده، علی بن إسماعیل. ( 1317هـ). المخصص. المطبعة الکبرى الأمیریة.

13.ابن سلیمان، موسی. (2007م). «الفکاهة فی مقامات بدیع الزمان الهمذانی». مجلة الاثنین تشرین الثانی فى الموقع الإلکترونی: .www.divanalarab.net