Document Type : Research Article
Authors
1 Assistant Professor, University of Bu-Ali-Sina,
2 PhD student in Arabic Language and Literature, University of Bu-Ali-Sina,
Abstract
Keywords
التجربة الشعریة فی أساسها تجربة لغویة، فالشعر هو الاستخدام الفنی للطاقات الحسیة والعقلیة والنفسیة والصوتیة ویعد استثمار خصائص اللغة من أهم سمات الشعر بوصفها مادة بنائیة، فالکلمات والعبارات فی الشعر یقصد بهما بعث صورة إیحائیة، ومن خلال هذه الصور یعید الشاعر إلى الکلمات قوة معانیها التصویریة الفطریة فی اللغة.
إن أدب کل شاعر یتکوّن من عناصر تمیزه عن غیره وهذه العناصر هی الخیال والموسیقى والفکرة والعاطفة وغیرها، وطریقة نسج هذه العناصر کلها مع بعضهم تشکل أسلوب الأدیب فلذلک یکون لکل شاعر أو کاتب، أسلوبه الخاص وإذا قُورن النصوص الأدبیة بعضها ببعض تبین الأسلوب.
أدب الأطفال کأدب الکبار شکل من أشکال الأدب فی صیغ قصص وأشعار وحکایات تستلزم دراسته لما فیه من الخصائص الأدبیة والوظائف التعلیمیة والتربویة والأخلاقیة ویستلزم إسهامه أیضا إسهاما فعالا فی بناء شخصیة الأطفال. والأطفال میّالون بطبعهم إلى إیقاع الطرب فلذلک یعتبر الشعر أحد فنون أدب الأطفال یستلذه من خلال إیقاعاته وأنغامه ویعتبر أیضا وسیلة هامة لتهذیب وجدان الأطفال وتنمیة أذواقهم الأدبیة. ومن الشعراء الذین اهتموا بهذا الفن فی الأدب العربی؛ أحمد شوقی ـ أمیر الشعراء ـ ومحمد الهراوی وهما الشاعران المصریان اللذان أدخلا إلى الشعر العربی الحدیث فی مصر شعر الأطفال، حیث أرادا به أن یضعا للأطفال المصریین شعرا غنیا تتوفّر فیه القیم التعلیمیة والأخلاقیة والخیالیة. والشاعر الإیرانی عباس یمینی شریف1رائد أدب الأطفال بعد باغچهبان الذی یعتبر أبا لأدب الأطفال فی إیران وقد استطاع أن یخرج الأدب من مجال الکبار إلى الصغار.
فی هذه المقالة نتعرض للأسلوبیة المقارنة بین الشاعرین المصریین والشاعر الإیرانی فی قطعة شعریة مسماة بـ"الکتاب" عند ثلاثتهم بأسلوب وصفی ـ تحلیلی بمنهجیة الأسلوبیة المقارنة التی تسلط الضوء على الأدب بمنظار لغوی وبما لها من المیزات المقارنة التی تنبثق من مقارنة الأدبین فی لغتین مختلفتین شأنها شأن الأدب المقارن غیر أن مجال عملها یستوعب اللغة والأسلوبیة وتجعل من نصوص الأدب موضوع درس ووسیلة عمل فی نفس الوقت. وأما الأسئلة الأساسیة التی تبحث عنها المقالة فهی:
1ـ ما هی المیزات الأسلوبیة المقارنة فی أسلوب الشعراء الثلاثة؟
2ـ ما هی مشابهاتهم الشعریة ومیزات کلّّ منهم؟
3ـ أیهم أقرب إلى أدب الأطفال أسلوبا؟
والفرض الرئیسی الذی بنی علیه البحث هو:
1ـ تظهر التشابهات فی مضامینهم الشعریة وفی المستوى الموسیقى وبعض المیزات اللغویة.
2ـ من الممکن أن یکون شعر الهراوی أقرب إلى أسلوب أدب الأطفال لأن شعره یمثل أدب الأطفال تمثیلا کاملا ـ إلى حد ما ـ ویناسب مستواهم وخصائص نموهم ومتطلباتهم.
وستحاول الدراسة أن تتلمس رؤیة هؤلاء الشعراء الثلاثة فی لغتهم وقدرة الأصوات والتراکیب والدلالات على التعبیر عن تکلم الرؤیة التربویة بالترکیز على المستویات الأسلوبیة الأربعة؛ أی المستوى الصوتی وتعالج فیه الموسیقى الداخلیة (الإیقاع والسجع والجناس وصور التکرار، منها الترصیع ورد العجز على الصدر وتکرار الکلمات بأنواعها وتتابع الإضافات) والموسیقى الخارجیة (الوزن والقافیة)، والمستوى النحوی (الترکیبی) وعولج فیه استخدام الشعراء للألفاظ وطبیعة هذه الألفاظ وأنواع التراکیب الجملی، والمستوى الدلالی، کما تدرس فیه الوظائف الجمالیة، منها الاستعارة والتشبیه وصور الخیال والعاطفة والانزیاح وکل ما یمت بصلة بالبلاغة القدیمة والحدیثة والمستوى الأخیر هو المستوى الفکری (المضمون والموضوع)، فالفکر، کما یرى الفکر اللغوی المعاصر یتکوّن ویتشکل کلّما عبّرنا عنه بالکلمات، وهکذا فإن متعة اللغة الفنیة هی متعة إعطاء الفکر والشعور المعبّر عنهما تشکیلا جمالیا ممتعا وعلاقة هذه الظواهر الأسلوبیة بالشعور النفسی والتأثیر الذی یرتقی إلى الفنیة الأدبیة (خفاجی وآخرون، 1992م، ص 11). من هنا یتبین لنا أن التحلیل الأسلوبی للنص الشعری هو تحلیل لمجموعة من الظواهر اللغویة التی تأتی من بدایتها الظاهرة الصوتیة، والنحویة، والبلاغیة، والفکریة. وفی الإطار الأسلوبی تتحوّل هذه الظواهر إلى مجموعة من التنظیمات بنسب متفاوتة لکن النقطة التی یجب الاهتمام به هی دور الخیال وأثره فی تشکیل النظام الشعری ـ الصوتی، والدلالی والنحوی ـ عند الشاعر أو المبدع لأن دور الخیال بالغ الأهمیة فی تشکیل اللفظ والمعنى ویرجع إبداع الشاعر أو المبدع وقدرته على خلق المعانی الجدیدة إلیه بغض النظر عن کون المعنى مطروقاً أو مبتکراً لهذا السبب أصبح الخیال عند هؤلاء الشعراء الثلاثة موضوعا للبحث.
بناء على هذا اعتمدت هذه الدراسة کل الاعتماد على النص الشعری لهؤلاء الشعراء الثلاثة، وعلى طاقة لغتهم الشعریة وإمکانیاتها الفنیة والجمالیة والإبداعیة، ولا تزعم هذه الدراسة لنفسها القدرة على استنفاد القضایا أو الظواهر التی تتعلق بلغة الشعر عند هؤلاء کافة، ولکنها تحاول أن تکون مدخلا نقدیا لدراسات أکثر تفصیلا، وأعمق تناولا، وأرحب سعة من هذه الدراسة.
1ـ2ـ الدراسات السابقة
أما بالنسبة إلى الدراسات السابقة فهناک کتب ومقالات متنوعة مختلفة حول الشعراء الثلاثة، منها مقالة: «سبک شناسى اشعار کودک و نوجوان عباس یمینى شریف»، کتبتها مریم خلیلی جهانتیغ ومسعود زندوانی (1390 هـ.ش). درست المقالة أسلوب یمینی شریف الشعری دراسة عامة موجزة ووصلت إلى أن أشعار یمینی شریف تمیزت بمیزة السهولة والخطابیة المباشرة. ومقالة "فراز و فرودهاى یمینى شریف" کتبها کاووس حسن لی (1389 هـ.ش)، وقد عالج فیها الدکتور کاووس لی مکوّنات قوة شعره وضعفها وأشاد بدور یمینى شریف بصفة معلّم الأطفال واعتبر الاهتمام بشعر الأطفال والفتیان والمثابرة على إیجاد إنتاجات للأطفال من مکوّنات قوة شعره والخطابیة المباشرة والرؤیة التقلیدیة إلى الشعر والاستطراد المُمل من مکوّنات ضعف شعره.
ومقالة «پیوندهاى آوایى وشعر عباس یمینى شریف» لأسدالله شعبانی (1386هـ.ش) وقد اهتم الباحث فیها بالمستوى الصوتی فی شعر یمینی شریف وتناول أشعاره وأشعار باغچهبان وقارن بینهما وتحدّث عن الآخرین مثل پروین دولتآبادى ومحمود کیانوش وارتبط بین أشعارهما وأشعار یمینى شریف ووصل إلى أن یمینى شریف استفاد من الأدب الشعبی وعناصر الثقافة الشعبیة واستطاع أن یُحدث تیارا متمایزا فی أدب الأطفال ویذکر أسباب نجاح شعره وهی ـ من وجهة نظره ـ موسیقى شعره والتلاعب بالکلمات والمثابرة. ومقالة «القیم التربویة ودورها فی قصص الأطفال دراسة فی قصص کامل الکیلانی» لحسین کیانی حیث تناول القیم التربویة منها الدینیة والروحیة والخلقیة فی قصص الأطفال لکامل الکیلانی.
وکتابان عنوانهما أدب الأطفال بین کامل کیلانی ومحمد الهراوی لأحمد زلط (1995م)، وهو یقارن بین الکیلانی والهراوی ووصل إلى أن کلاهما من رُوّاد أدب الأطفال فی الأدب العربی وکتاب أدب الأطفال بین أحمد شوقی وعثمان جلال کتبه (1994م)، تناول قصص الطفولة بین أحمد شوقى وعثمان جلال بالبحث ویستخلص إلى أن معظم أعمالهما کانت مترجمة ولیست لهما فکرة ویعتبر أعمالهما من أوائل الأعمال العربیة فی أدب الأطفال وهما دراستان تحلیلیتان نقدیتان.
وکتاب أدب الأطفال فن المستقل کتبه الدکتور أنور عبدالله الحمید الموسى (2010م) وهو کتاب حدیث غنی یتمحور حول هذا الفن ویقدم نموذجا من روائد أدب الأطفال ویقوم بتحلیله. وأطروحة الماجستیر بعنوان: «تقویم النصوص الشعریة فی کتب القراءة والمحفوظات للصفوف الثلاثة العلیا من المرحلة الابتدائیة فی ضوء معاییر أدب الأطفال» کتبه خالد بن خاطر بن سعید العبیدى (1425هـ)،فهو یعالج أشعار الأطفال الموضوعة فی کتب المرحلة الابتدائیة، ولکننا لا نکاد نعثر على دراسة لموضوع الأسلوبیة المقارنة بین هؤلاء وأیضا لم نجد دراسة اعتمدت على قصیدة «الکتاب» بین الشعراء الثلاثة وإن تناولت الدراسات شعر هؤلاء الشعراء مبثوثة فکانت عامة ولم ترتکز على موضوع وقصیدة واحدة.
2ـ التعاریف والمفاهیم
2ـ1ـ الشعر وأدب الأطفال
لأدب الأطفال تعاریف عدة، منها: «أدب الأطفال هو إبداع، مؤسس على خلق فنی یعتمد بنیانه اللغوی على ألفاظ سهلة میسرة فصیحة تتفق والقاموس اللغوی للطفل بالإضافة إلى خیال شفاف غیر مرکب ومضمون هادف متنوع وتوظیف کل العناصربحیث تتفق أسالیب مخاطبتها وتوجهاتها لخدمة عقلیة الطفل وإدراکه» (عبدالفتاح، 2000 م، ص23؛ مصاحب، 1387 هـ.ش، ص 72؛ نقل عن روشنفکر وزملائها، 1391هـ.ش، ص 148)، فهو وسیلة لارتقاء لغة الطفل وتذوقه الأدبی. ویعتبر شعر الطفل وسیلة للإمتاع والترفیة وجلب السرور له والتعبیر عن انفعالاته، کما یقول الهیتی: «یؤلف أدب الأطفال دعامة رئیسیة فی تکوین شخصیات الأطفال عن طریق إسهامه فی نموهم العقلی والنفسی والاجتماعی والعاطفی واللغوی وتطویر مدارکهم وإغناء حیاتهم بالثقافة التی تسمى ثقافة الطفل، وتوسیع نظراتهم إلى الحیاة وإرهاف إحساساتهم وإطلاق خیالاتهم المنشئة» (الهیتى، 1977م، ص 72).
إن الشعر کأحد فنون أدب الأطفال یکون وسیلة هامة لإمتاع الطفل لأن الطفل یأنس بالإیقاع منذ أیامه الأولى ویطرب له الکلمة المنغمة، وبخاصة إذا اتسمت الکلمة المنغمة بسهولة اللفظ ووضوح المعنى وتناسق الحروف، حیث تنبعث من ذلک إیقاعات مؤثرة تدخل البهجة والفرحة فی قلوب الأطفال، والشعر على حسب میزاته لیس خالیاً من هذه الملامح، کما یقول نجیب الکیلانی: «إن الشعر رافد مهم من روافد ثقافة الطفل، وهو فی نفس الوقت مصدر متعة وسعادة ویُعَدُّ من أقوى المؤثرات فی تربیة الذوق الفنی والحس الجمالی لما یجتمع له من حلاوة الإیقاع ورشاقة التعبیر وجاذبیة الصورة» (2005 م، ص 93). إن فن الشعر «إضافة إلى أنه یلبّی جانباً من حاجاتهم الجسمیة والعاطفیة، فهو باعتباره فناً من فنون أدب الأطفال یسهم فی نموهم العقلی والأدبی والنفسی والاجتماعی والأخلاقی» (أبو معال، 1988م، ص 93). أدب الأطفال سواء أکان شعرا أو نثرا یمهدهم للحیاة فی عالم الغد ویمنحهم المادة المعرفیة والمعلومات والمهارات والقیم (أحمد، 2009م، ص 50).
أهداف أدب الاطفال هو التعبیر الأدبی الجمیل المؤثر الصادق فی إیحاءاته ودلالاته والذی یستلهم قیم الإسلام ومبادئه وعقیدته ویجعل فیها أساسا لبناء کیان الطفل عقلیا ونفسیا ووجدانیا وسلوکیا وبدنیا ویُسهم فی تنمیة مدارکه وإطلاق مواهبه الفطریة وقدراته المختلفة وفق الأصول التربویة الإسلامیة (خاطر، 2001م، ص 67).
2ـ 2ـ المهاد النظری للبحث
تعتبر الدراسة الأسلوبیة من أهم مجالات المعاصر وهی تحتل مکانة متمیزة فی الدراسات الأدبیة واللغویة الحدیثة ولاسیما فی علوم النقد الأدبی والبلاغی. علم الأسلوب هو الذی یطلق علیه فی الإنجلیزیة (stylistic) والباحث فیه هو (stylistician) وکلمة (styles) بمعنى عود من الصلب کان یستخدم فی الکتابة، ثم أخذت تطلق على طریقة التعبیر عند الکاتب (عبدالمطلب، 1994م، ص 185 ). هذا العلم یقوم بتحلیل الأعمال الأدبیة واکتشاف قیمتها الجمالیة والفنیة وأیضا «یستخدمها الکاتب أو الشاعر لتوصیل أفکاره وعواطفه وخیاله إلى قرائه» (عبدالغنی والبرازی ، 2002م، ص 58). کل أسلوب صورة خاصة لصاحبه تُبیّن طریقة تفکیره وکیفیة نظره إلى الأشیاء وتفسیره لها وطبیعة انفعالاته. أما الأسلوبیة المقارنة[1] فهی علم له شروط وهی:
ـ هی علم على غرار ما قام علیه الأدب المقارن لذلک کان شأن الترجمة فیها کشأنها فی الأدب المقارن وتُعدُّ من أهم روافد الدراسة التی تغذی الأسلوبیة المقارنة لأنها تثری البحث وترفع من طاقة النص الاستیعابیة. وبعبارة أخرى تعد الترجمة العصب الحساس للتبادلات (الخطیب،1999م، ص 43).
ـ إن الأسلوبیة المقارنة علم یدرس الکلام فی مستوى الأسلوبیة بین اللغتین المختلفتین وتعمد على المقارنة بین الأسالیب لتبین خصائصها الممیزة عن طریق مقابلتها بغیرها إذن تبین مدى التبریر الذی یقع فی العلاقة بینها فمقابلة الأسالیب المهمة هنا بنظائرها هناک لتقدیر درجة الاختلاف بین النصین فی التعبیر، وحد الخروج فی عناصر التحلیل ومستوى السمو بالکلام وحظ النجاح فی إخراج صور الجمال (الطرابلسی،1982م، ص 87). والمقارنة هنا تنشأ من اختلاف اللغات ولا غیر.
ـ یتحتم على النصوص المقارنة حد أدنى من الاشتراک یسمح للناقد التقریب بینها فی البحث و«قد یکون الاشتراک فی الموضوع أو الغرض العام مع الاشتراک فی المؤلِف ـ بین مؤلَفاته فی لغتین ـ أو عدم الاشتراک فیه أو اشتراکا فی المؤلِف مع اختلاف فی الموضوع أو الغرض أو فی جنس الکتابة کما قد یکون الاشتراک فی نوع الأسلوب فقط» (المصدر نفسه، ص 88)، لا شک أن مجال الدراسة یکون أنجع وأوسع ونتیجة البحث أثمر کلما کانت عناصر الاشتراک بین الأثرین أکبر.
ـ یقتضی فی الأسلوبیة المقارنة حضور نصین فأکثر وتعتمد على مختلف مستویات الأسلوبیة وتجعل من نصوص الأدب موضع درس ووسیلة عمل فی نفس الوقت.
ـ إنها تبدأ بالوصف والتحلیل وتنتهی بالدرس والتقییم. تقییم مستوى البراعة اللغویة ومهارتها فی النص (أو النصوص) الذی یتوجه إلى المتلقی ودرجة نجاح المنشیء ومده إلى الإطار الکفیل الذی یجلب له النجاح.
ـ إن الأسلوبیة المقارنة تترکز على العلاقات، علاقات النصوص بعضها ببعض الآخر طبعا لا بالنسبة إلى تأثیر السابق فی اللاحق بل فی متشابهات بینهما ومتمایزات کل منها على حدة.
ـ یجب أن یکون فی هذه الدراسة عنوان النصین أو النصوص محددا وکانت شریحة المقصود محدود المعالم وموضوعها واضحا بذاته.
ـ أمّا السؤال الأساسی الذی یخطر ببال المخاطب فهو أنه ما هو الفرق بین الأسلوبیة المقارنة والأدب المقارن؟ کما قلنا إن الأسلوبیة المقارنة هی علم على غرار ما قام علیه الأدب المقارن لکن تختلف عنه فی جهات أخرى، منها:
ـ الأسلوبیة المقارنة علم توصیفی لکن الأدب المقارن علم تقییمی.
ـ الأسلوبیة المقارنة هی منهج نقدی أدبی لغوی یعنی بدراسة النصوص الأدبیة من خلال النص ذاته ومهمتها الأساسیة الترکیز على العناصر الجوهریة والداخلیة للعمل الفنی والکشف عن قوانین الإبداع الذی هو العلامة الرئیسیة للأعمال الأدبیة وهی منهج لا یهتم بالعوامل الخارجیة لکن الأدب المقارن علاوة على اللغة یهتم بالعوامل البیئیة والتاریخیة لأن المعرفة التاریخیة تحتل رکناً هاماً فی دراسة التأثیر فهی وسیلة لکشف الصلات الثنائیة فی الأدب (الموسى، 2010م، ص 37).
ـ الأدب المقارن فرع من فروع العلم یُدرس من خلاله الأدب القومی من حیث تأثره أو تأثیره فی آداب قومیة أخرى لکن الأسلوبیة المقارنة لا تمیل إلى التأثر والتأثیر. والأسلوبیة المقارنة تدور بداخل النص والأدب المقارن تدور بخارج النص.
3ـ عرض الموضوع
3ـ 1ـ الأسلوبیة المقارنة فی قصیدة "الکتاب"
إن قصیدة "الکتاب" عند یمینی شریف وشوقی والهراوی[2]شعر تعلیمی یحفظها الأطفال فی المدرسة الابتدائیة وقلما ینسون الأشعار التی یحفظونها فی الصغر، وهذا یؤثر فی عقولهم ویسوقهم إلى تعلم الکتب وقراءتها. والشعر التعلیمی هو الشعر الذی یهدف إلى إعطاء الأطفال بعض الحقائق والمعارف والأفکار الجدیدة فی ضوء مقومات الشعر الأساسیة، فیحوّلها إلى لوحة فنیة شعریة نابضة بالحیاة فی شکل تصویر بدیع تعزز وترسخ المعلومة والفکرة فی ذهن الطفل (العبیدى، 2003م، ص 26). لذلک دراسة أسلوبهم فی المستوى الصوتی، المستوى الدلالی، المستوى النحوی (الترکیبی) والمستوى الفکری تؤدی إلى الدخول فی نصهم والبحث عن مکامن الإبداع والاکتشاف عن تشابهاتهم الأسلوبیة.
3ـ 1ـ 1ـ المستوى الصوتی
إن البحث عن مکامن الإبداع فی النص یستوجب التوقف عند البنى الصوتیة التی تمثل جزءا لا یتجزأ من هیکلیة القصیدة، کما أن تعریف الشعر بأنه کلام موزون مقفى یلفت النظـر إلى رکن ضروری ولازم للشعر، وهو رکن الموسیقى التی تتمثل فی الموسیقى الداخلیة والخارجیة. «إن الأطفال یبتهجون بالوزن والإیقاع دون الاکتراث بالمعنى وکذلک یستجیبون للقافیة الواحدة فی الشعر والتکرار فی الإیقاع لأن التکرار یؤکد التأثیر الصوتی والمعنى والموضوع» (أبو معال، 1988م، ص 99)، لذلک تعتبر الموسیقى الداخلیة والموسیقى الخارجیة عنصرین هامین فی بنیة الشعر وتلعبان دورا محوریا فی التأثیر على نفوس الأطفال لأنهما تثیران الطفل وتدفعانه لأداء حرکات منظومة متناسبة مع ما یسمع من لحن الشعر وموسیقاه.
3ـ 1ـ 1ـ 1ـ الموسیقى الداخلیة
النغم الناشئ عن انسجام الحروف ضمن الکلمة الواحدة وتناسق الکلمات ضمن الجملة فی نهایة الموسیقى التی تنبعث من تآلف الجمل أو العبارات ضمن النص الأدبی بحیث تکون الجمل متناغمة متقاربة الوقع والإیقاع والنغم (عبدالغنی والبرازی، 2002م، ص 45). تتجلى إحساسات الشاعر بالحروف والکلمات والعبارات التی تأتی فی النص أو أجزاء منه متسقة ومتجاوبة.
أ) الموسیقى النابعة من تکرار الحروف
یلعب تکرارُ الحروفِ دوراً عظیماً فی الموسیقى اللفظیّة، فقد تشترک الکلمات فی حرف واحد أو أکثر، وتکون لهذا الاشتراک فائدة موسیقیّة عظیمة، وقیمة نغمیّة جلیلة تؤدی إلى زیادة ربط الأداء بالمضمون الشعریّ. هذا یکون مطلوبا لأن یسهل على الطفل حفظ الشعر ویعطیه الفرصة لفهم المعانی.
یسهم التکرار فی شعر یمینی شریف سواء کان تکرارا للحرف أو الکلمة أو الترکیب فی تشکیل الأنغام الحسنة والإیقاع الجمیل. تعد ظاهرة التکرار الصوتی لبعض الحروف فی شعر یمینی من الوسائل التی تثری الإیقاع الداخلى بواسطة تردید حرف بعینه فی الشطر أو البیت وتعکس حالته الشعوریة. لجأ یمینی شریف إلى استعمال حروف المد بشکل واسع وهی "الألف والواو والیاء" وتکرار هذه الحروف ذو قیمة صوتیة عظیمة ویبعث إیقاعاً جمیلاً وموسیقى عذبة مؤثرة معبّرة ویحرک عاطفة الأطفال. یعد هذا التکرار أیضا أبسط أنواع التکرار. وقد جاء صوت الضمة الطویل فی اللفظتین (دوستى و باسود) وصوت الفتحة الطویل فی: (یار، مهربانم، دانا، خوش بیان وغیرها) وصوت الیاء فی: (دوستى و بىزیان) التی کررت مرات فی الشعر لغرض المبالغة والتعظیم والتوکید فی شرح المعنى.
|
من یار مهربانم |
|
دانا و خوش زبانم |
(جمعى از مولفان،1360هـ.ش، ص 18)
وقد نشأ أیضا عن تردد صوت النون نوعٌ من الموسیقى ذات الرنّة والغنة ترتاح إلیها الأُذن ونلاحظ وضوحا صوتیا شدیدا ورنینا مدویّا فی أکثر الأبیات التی یشیع فیها صوت النون، فأنشأ إیقاعا مدهشا ینسجم مع حالة الشوق للأطفال.
وفی النموذج الآخر تکرّر صوت الدال ـ الانفجاری ـ فی هذا البیت أربع مرات، وهو من الأصوات المجهورة التی لها قوة فی السمع وهذه المیزة تسبب التناغم بین الأصوات والمعانی: «پندت دهم فراوان.... من یار پند دانم» (المصدر نفسه).
وأما فی شعر الهراوی فتکرّر فی بدایة قطعته الشعریة حرف الهمزة (أ) وهو من الأصوات ذات الوضوح السمعی لذلک سُمی بالجرسی؛لأن الصوت یعلو عند النطق به ولأجل ذلک ذو شدة وحدة کما یشاهد فی هذا البیت:
|
أنا فَتَى ذو أدب |
|
أقرأ خَیرَ الکتب |
(الهراوی،1926م، ص 38)
وکذلک تکرر حرف باء ومد الألف فی هذا البیت:
|
إن خَابَت الأصحابُ |
|
فَصاحِبی الکتاب |
(المصدر نفسه)
وتکرر حرف الباء ومد الألف أیضا فی قطعة الشوقی للمبالغة:
|
أَنا مَن بَدَّلَ بِالکُتبِ الصِحابا |
|
لَم أَجِد لی وافِیًا إِلا الکِتابا |
(شوقى ، 1422هـ، ص 17)
یتمیز صوت «الراء » بأنه صوت تکراری والتکریر صفة قوة ومنها (المکرر) وهو حرف من أصوات ذات الوضوح السمعی العالی کما یشاهد فی شعر ثلاثتهم: «یروی لی الأشعار... وَالأدب المختار/ فالعلم فی السطور... یسری إلى الصدور» ( الموسى، 2010م، ص 440 )، «من یار مهربانم..../ پندت دهم فراوان... من یار پند دانم» (جمعى از مولفان،1360هـ.ش، ص 18)، «فتخیّرها کَما تَختارُهُ... وَادَّخِر فی الصَحبِ وَالکُتبِ اللُبابا» (شوقى، 1422 هـ، ص 17).
نلاحظ فی هذه الأبیات التتابع والتردد والتکرار فی المعنى لوجود حرف الراء، وکذلک تبعث الحرکة التی تلائم حرکة فعالیات الأطفال ویضفى على الإیقاع قوة وانسجاما وحیویة، کما یقول سید قطب «إن الإیقاع المنغم المقسم فی الشعر یجعله مصاحبا للتعبیر الجسدی بالرقص عن الانفعالات الحسیة کما یجعله أقدر على تلبیة التعبیر الوجدانی بالغناء» (سید قطب، 1990م، ص 62).
ب. الموسیقى النابعة من تردد الألفاظ
یُعدُّ تکرار الألفاظ والمفردات شکلاً آخر من أشکال التکرار المتداولة فی شعر یمینی وقد عبّر الشاعر عن الصورة الأفقیة والنسقیة بهذا التکرار، حیث تتردد الکلمة نفسها أکثر من مرة أو تذکر الکلمة ثم تأتی بعدها صیغة من مشتقاتها ویولد انسجاما فی الإیقاع وتاکیدا للمعنى کاللفظین (فراوان و من و زبانم و پند و پند دانم). تکرر هذا النوع من التکرار فی شعر الهراوی حیث یقول:
|
إن خَابَت الأصحابُ |
|
فَصاحِبی الکتاب |
(الهراوی،1926م، ص 38)
فقد تکرّرت لفظة الکتب والکتاب والأصحاب والصاحب تکرار الاشتقاقی. وقد تکررت الأفعال فی أبیات شوقی التالیة:
|
إِن یَجِدنی یَتَحَدَّث أَو یَجِد |
|
مَلَلاً یَطوی الأَحادیثَ اقتِضابا |
|
تَجِدُ الکُتبَ عَلى النَقدِ کَما |
|
تَجِدُ الإِخوانَ صِدقًا وَکِذابا |
|
صالِحُ الإِخوانِ یَبغیکَ |
|
وَرَشیدُ الکُتبِ یَبغیکَ الصَوابا |
(شوقی ، 1422هـ، ص 17).
إن التکرار النسقی والعمودی لفعل (یجد) وتکرار الفعل (یبغیک) یؤدی إلى تأکید المعنى وترسیخه فی أذهان الأطفال الابتدائیة وتفجیر انفعالاتهم.
ج. الموسیقى النابعة من تکرار التراکیب
یقصد به تکرار جملة أو سطر شعری فی مطالع المقاطع أو خواتیمها. وقد کرّر یمینی جملة (من یار مهربانم) مرتین فی بدایة الشعر فی شطر الأول وفی خاتمته فی الشطر الثانی لا لتأکیده على هذه الجملة وسهولة حفظه فحسب وإنما تکرر هذا فی شعر یمینی لیدل على شدة تأثیر الموسیقى ودوره الهام بالنسبة إلى عناصر أخرى فی الشعر. هذه المیزة تمیّز شعر یمینی عن الشاعرین شوقی والهراوی.
بعض الفنون البدیعیة المعتمدة على التکرار
أما الصناعات البدیعیة التى تؤدی دورا إیقاعیا فی الکلام خاصة الصناعات اللفظیة منها فردّ العجز على الصدر والترصیع. وقد استخدم شوقی والهراوی ویمینی هذین الفنین البدیعیین لإغناء أشعارهم بالموسیقى. وردّ العجز على الصدر ضرب من ضروب التکرار، یرد فی الشعر لإحداث نغمة موسیقیة فی حشو البیت الشعری. إحدى اللفظتین فی الحشو والأخرى فی نهایة عجز البیت، کما استخدموه فی أشکاله المختلفة:
|
أَنا مَن بَدَّلَ بِالکُتبِ الصِحابا |
|
لَم أَجِد لی وافِیًا إِلا الکِتابا |
(شوقی، 1422هـ، ص 17)
|
پندت دهم فراوان |
|
من یار پند دانم |
(جمعى از مولفان،1360هـ.ش، ص 18)
|
إن خَابَت الأصحابُ |
|
فَصاحِبی الکتاب |
(الهراوی،1926م، ص 38)
مما أکسب البیت نوعا من الموسیقى الشعریّة الداخلیّة القائمة بین مفرداته، تکرار الکلمات الواردة فی صدر البیت فی عجزه، فربط بذلک بین موسیقى شطری البیت، إذ إنّ صدى أصوات صدره تردّد مُرجّعا فی عجزه.
الترصیع: هو توازن الألفاظ مع توافق الأعجاز أو تقاربها (الهاشمی، 1994م، ص352). ویعد عنصرا مستکملا من عناصر الموسیقى الداخلیة، یلجأ إلیه الشاعر لیحقق باستخدامه تناسقا فی البنیة الشعریة، فیجعل ألفاظ القصیدة، أشد تماسکا ویسهم فی زیادة موسیقى البیت، والترصیع فی شعر الهراوی یقع بین لفظتی (السمر والصور ـ یجیبنی ویریبنی ـ البیان واللسان وغیرها) فی حین نلاحظه فی شعر یمینی بین اللفظین (مهربانم و زبانم)، وکذلک یرى الترصیع فی بیت شوقی بین اللفظین (الصحابا والکتابا). ومثل هذه المحسّنات اللفظیة یؤدّی إلى مزید من الإتقان الصوتی الذی یؤثّر فی حسن الأسلوب وقوّة المعنى.
والجدول الآتی یوضح لنا کیفیة استخدام الموسیقى الداخلیة عند هؤلاء الشعراء الثلاثة:
|
الموسیقى الداخلیة |
تکرار الحروف |
تکرار الحروف المشترکة |
تکرار الکلمة |
تکرار السطر الشعری |
رد العجز على الصدر |
الترصیع |
|
قصیدة یمینی |
حروف المد (الف وواو ویاء) وحرف الدال |
مد الألف والراء |
فراوان و من و زبانم و پند و پند دانم |
من یار مهربانم |
(پند و پند) فی البیت الثالث |
(مهربانم وخوش بیانم) |
|
قصیدة الهراوی |
حرف الهمزة وحرف الباء ومد الألف |
مد الألف والراء |
الکتب والکتاب والأصحاب والصاحب |
- |
(أصحاب وصاحب) فی البیت الثانی |
السمر والصور، یجیبنی ویریبنی،البیان واللسان، سطور وصدور |
|
قصیدة شوقی |
حرف الباء ومد الألف |
مد الألف والراء |
الکتب، الصاحب، یجد |
- |
(کتب وکتاب) البیت الأول (صاحب، صاحب وتعب، عاب)،البیت الثانی (تجد، تجد)،فی البیت الثامن (یبغیک، یبغیک) البیت الأخیر |
الصحابا والکتابا |
3ـ 1ـ 1ـ 2ـ الموسیقى الخارجیة
الوزن والرتم (الإیقاع) الذی یتحقق بالتکرارات من أبرز الخصائص الصوتیة فی القصیدة العربیة یدرس عروض الشعر وموسیقاه الخارجیة من البحر العروضی والروی والقافیة. وقد تجسّدت موسیقى الشعر عن طریق بحور الشعر وقوافیه التی تعد الأرکان الأساسیة فی تکوین النص الشعری.
إن کل بیت فی شعر هؤلاء الشعراء الثلاثة مُؤلَف من شطرین متساویین على الشکل الکلاسیکی لکن یمینی وشوقی التزما بالقافیة الواحدة فی کل الأبیات والشطر الأول. وقد سمّى هذا النوع من الشعر فی الأدب الفارسی الغزل وفی الأدب العربی القصیدة. تکون استجابة الطفل للشعر المقفى أکبر حیث تستکمل خصائص الشعر الموسیقیة بالقافیة وتزداد جاذبیته. استخدم شوقی البحر الرمل التام على تفعیلة "فاعلاتن" ذی نغمة خفیفة جداً، وتفعیلاته مرنة للغایة وفی رنته نشوة وطرب. یصعب على الطفل حفظ البحر الکامل فی حین استخدم یمینى کالهراوی، البحر القصیرة المجزوءة لسهولة حفظه وتداوله على الألسن ودوره فی تنمیة التفکیر لدى الأطفال. هذا یدل على خبرة الشاعرین الجمالیة ووعیهما الفنی لوظیفة الإیقاع اللغوی الموسیقی عند الطفل. أما محمد الهراوی فاستخدم بحر الرجز، و«یکون هذا البحر مضطربا لأنه یکثر فیه الجوازات والتغیرات ولا یثبت على حال واحد وفی هذا ما یسهل على الشعراء أن ینظموا علیه» (فاخوری، 1981م، ص 69).
اختار الشاعر هذا البحر لأن طبیعة موضوعه تقتضى هذا البحر المضطرب ملاءمة مع تفاعل الأطفال، لذلک البحر الرمل والرجز تضمنا تفاعل الطفل الحرکی والغنائی على حسب میزاته التی توجد فیهما کذلک تشیر کتب العروض أن هذا البحر من أسهل البحور نظماً وأکثره استعمالاً لهذا السبب سماه الأسلاف بحمار الشعراء وهو صالح لنظم العلوم التعلیمی (الشایب،1994م، ص 323).
وأما القافیة فی شعر الهراوی؛ فقافیة شطر الأول هی نفس قافیة الشطر الثانی وهذا ذو تاثیر قوی فی حفظ المقطوعة لتنوع القوافی وکل زوج على قافیة واحدة تخالف بقیة القوافی فی الأبیات التالیة. إن کلمة القافیة والروی ذات قیمة موسیقیة فی البیت لأن تکرارهما یزیدان فی وحدة النغم. وکلمات القافیة فی شعرهم ذات معان متصلة بموضوع القصیدة. حرف الروی (باء) مشترکة فی شعر شوقی (بین الشفتین) وعلى حسب خصائصه تشیع الشوق والشجاعة والحب فی نفس الأطفال ولزم تکراره فی نهایة کل بیت فی حین قافیته مختلفة.
إذا کان روی الشعر متحرکا سمیت القافیة مطلقة، والقافیة المطلقة تکون أوضح فی السمع وأشد أسراً للأذن لأن الروی فیها یعتمد على حرکة بعده قد تستطیل فی الإنشاد وتشبه حینئذ حرف مد، لذلک القافیة فی شعر شوقی موصولة بحرف مد (الألف) تعطی حدة وقوة وسهولة فی النطق وتمکّن فی السمع و"الألف" رمز لعلیاء الشاعر وعزة نفسه وترفعه وحرکة حرف الروی (الفتحة) تلائم حالة الشاعر النفسیة وهی الفخر. والحال أن کلمات القوافی فی شعر یمینی (مهربانم و خوش بیانم و بى زبانم و پند دانم) مختلفة لکن حروف القوافی (انم) مشترکة ومکررة حتى النهایة.
تختلف القوافی والروی فی کل بیت من شعر الهراوی لما یقتضیه البحر الرجز. أمّا التحلیل الإحصائی فی الموسیقى الخارجیة فهو متمثل فی الجدول الآتی:
|
حرف الروی |
نوع القافیة |
البحر العروضی |
الموسیقى الخارجیة |
|
(آنم) |
مقیّدة (سکون حرف الروی) |
مجزوء الرجز |
قصیدة یمینی |
|
(المتغیرة بین الراء والیاء والنون) |
مطلقة (حرکة حرف الروی المتغیرة) |
مجزوء الرجز |
قصیدة الهراوی |
|
(الباء) |
مطلقة (حرکة حرف الروی الممدودة) |
رمل مسدس محذوف |
قصیدة شوقی |
3ـ 1ـ 2ـ المستوى الترکیبی
أمّا الغرض الرئیسی من هذا المستوى فهو متمثل فی مفردات العنوان ولیس إلا اکتشاف الخصائص اللغویة والترکیبیة حیث یتناول الدارس فی هذا المستوى استخدام الشعراء الثلاثة للألفاظ ومعرفة أی نوع من الألفاظ هو الغالب؟ وما هی طبیعتها؟ وهل فی النص ألفاظ غریبة أو حوشیة أو ألفاظ مألوفة؟ وهل تکتسب هذه الألفاظ دلالات جدیدة فی السیاق؟ أمّا بالنسبة إلى التراکیب فالباحث یدرس ویهتم بالتراکیب التی یستخدمها هؤلاء الشعراء وبمعرفة أی نوع من أنواع التراکیب التی تغلب على النص. هل یغلب علیه الترکیب الفعلی أو الاسمی؟ أو تغلب علیه الجمل الطویلة المعقّدة أو القصیرة؟ فی النهایة یؤدّی هذا الأمر إلى معرفة أسلوب الشاعر بعضه ببعض.
إذا کان من الضروری أن یتفق الإنتاج الأدبی فی حقل الأطفال مع درجة نموهم النفسی فإن اللغة التی یکتب بها یجب أن تتفق مع درجة نموهم اللغوی (نجیب، 1991م، ص 45)، فاللغة أداة لنقل الشعور والتعبیر عن التجربة والألفاظ وسیلة للتعبیر اللغوی. لذا تقوم الألفاظ بدور هام فی بناء النصوص اللغویة. إن شاعر الأطفال فی مرحلة الکتابة المبکرة علیه أن یستخدم اللغة التصویریة ویختار الألفاظ وینتقیها حتى یساعد الطفل على تصویر الحقائق المجردة تصویرا أقرب للفهم ویبعد الملل عن نفسه.
1ـ من حیث المفردات والتراکیب یتصف شعر الهراوی ویمینی شریف بالوضوح والبساطة والإیجاز. ویضم شعرهما الألفاظ والتراکیب التی یستطیع الطفل أن یفهمها إذا رآها مکتوبة ویستخدمها فعلا فی کلامه ویتفق مع مستوى الطفل ودرجة نموه من النواحی النفسیة واللغویة. استخدم الشاعران الجمل القصیرة أو متوسطة الطول، والکلمات المألوفة والموحیة المنسجمة لا الحوشیة والوعرة وتجنبا الجمل الطویلة المعقدة لأن الجملة القصیرة أشد قربا إلى الطفل إذ إن الطفل یرید من الجمل نتیجة سریعة وهو قلیل الصبر لا یحتمل ولا یحمل نفسه کثیرا من المشقة حیث یفضّل أن یتسلم النتائج جاهزة فی کثیر من الأحیان. والحال أن أحمد شوقی غزیر المفردات فلا یرعى مستوى النمو اللغوی والعقلی للطفل لأن ألفاظه لیست سهلة فهی خارجة عن قاموسهم اللغوی وفهمهم فلا یدرکها الطفل إلا بعد أن یتقدم به العمر. نموذجا من تلک الألفاظ: اقتضاب، عابا، بدل، یطوى وغیرها.
2ـ لم یبتعد یمینی وشوقی عن الانزیاح الشعری[3]فنلاحظ هذا العدول الشعرى عند یمینی فی فعل النهی (مباش)، وهو الانزیاح النحوی؛ أی عدل الشاعر عن قواعد لغة المعیار ومال إلى القواعد القدیمة التی ترک استعماله الیوم (انورى واحمدى،1386م، ص 72) . یشاهد أیضا هذا الانزیاح فی شعر شوقی حیث یقول:
|
أَنا مَن بَدَّلَ بِالکُتبِ الصِحابا |
|
لَم أَجِد لی وافِیًا إِلا الکِتابا |
(شوقی، 1422هـ.ش، ص 17)
إن الباء فی هذا التعبیر تلحق بالمتروک، وتسمى باء الترک؛ أی تترک الکتاب، وحقّه أن یقول: «أنا من بدل بالصحاب الکتابا». ویعترف الشاعر فی الشطر الثانی بتفضیل الکتاب على الصِّحاب ولأجل هذا لا یشتمل البیت الأول على الفکرة الواحدة، وتکون المباعدة بین رکنی البیت.
3ـ یمیل شعر الشعراء الثلاثة إلى الألغاز والأحاجی حیث نجد فیها غموضا ومن خصائص ومیزات الألغاز أنها تتکوّن من کلمات ومعان متناقضة أو مرکبة بأسلوب یثیر الدهشة وتحتوی على معنى خفی. یتوفر کل هذه المیزات فی شعر ثلاثتهم:
|
گویم سخن فراوان |
|
با آنکه بیزبانم |
(جمعى از مولفان،1360هـ.ش، ص 18)
|
کلَّما أَخلَقتُهُ جَدَّدَنی |
|
وَکَسانی مِن حِلى الفَضلِ ثِیاب |
(شوقی، 1422هـ، ص 17)
|
یحلو به البیان |
|
وما له اللسان |
(الهراوی،1926م، ص 38)
4ـ إطلاق توالی الصفات الخاصة ذات تأثیر انفعالی فی الطفل ولیس مملة له وهذا فی شعر یمینى: «یار مهربان، دانا و خوشزبان، دوستى هنرمند»، وفی شعر الهراوى:«حدیث السمر، الحکایة، مزین، لطیفة، یحلو»، وفی شعر شوقی: «وافیا، والفضل، ووداد، وصدقا، وصالح الخوان، ورشید الکتب».
5ـ استعمل ثلاثة الشعراء فی البدایة، ضمیر التکلم (أنا) وهو لفظ یدل على الفخر والشجاعة بمصاحبة الکتب بدل الصحاب. وهذا یدل على مدى قیمة الکتاب ونفعه وفخامة شأنه، ولکن بدأ الهراوی وشوقی مقطوعتهما بلسان الطفل مباشرة وهو نهج أعمق دلالة من القص على لسان الشاعر:
|
من یار مهربانم |
|
دانا و خوش زبانم |
(جمعى از مولفان،1360هـ.ش، ص17)
|
أنا فَتَى ذو أدب |
|
أقرأ خَیرَ الکتب |
(الهراوی،1926م، ص 38)
|
أَنا مَن بَدَّلَ بِالکُتبِ الصِحابا |
|
لَم أَجِد لی وافِیًا إِلا الکِتابا |
(شوقی، 1422م، ص 17)
6ـ إن الأطفال ینفرون من أیّ مضمون أدبی یشعرون أنه مفروض علیهم حتى وإن کان أسلوبه مناسبا وهذا یلزمنا أن نتجنب افتعال الحوادث أو الإکثار من المضامین ذات الطابع الدعائی السافر (الهیتی، 1977م، ص 100). لم یبتعد شوقی ویمینی أیضا عن أسلوب الوعظ والإرشاد والنصح المباشر کما جاء فی الأبیات التالیة:
|
فَتَخَیَّرها کَما تَختارُهُ |
|
وَادَّخِر فی الصَحبِ وَالکُتبِ اللُبابا |
(شوقی، 1422م، ص 17)
"فتخیرها وادّخر" أسلوب أمر للنصح والإرشاد وفیه تشبیه لقواعد اختیار الکتب بقواعد اختیار الصدیق،کما جاء هذا الأسلوب فی شعر یمینی، حیث یقول:
|
پندت دهم فراوان |
|
من یار پند دانم |
(جمعى از مولفان،1360هـ.ش، ص 18)
وکأنّ شعر یمینی وشوقی أدب وعظی على لسان الکتاب ویکون فی صیاغة النصیحة وهذا مشترک بینهما لکن ابتعد الهراوی عن هذا الصیاغ.
7ـ استعمل الهراوى، المضارع المعتل الناقص کثیرا فی شعره بالنسبة إلى سائر الأفعال وهذا الأمر یدل على الاستمرار، کما یشاهد فی أبیاته التالیة:
|
أسأله یجیبنی |
|
عن کلِّ ما یریبنی |
(الهراوی،1926م، ص 38)
فی حین یتجه أسلوب شوقی نحو مضاعفة الفعل مضعف العین أو استخدام الفعل المضعف:
|
أَنا مَن بَدَّلَ بِالکُتبِ الصِحابا |
|
لَم أَجِد لی وافِیًا إِلا الکِتابا |
(شوقى ، 1422هـ، ص 17)
فهو متوسل بالتضعیف لتحقیق قیمة أسلوبیة تفیض بمعانی القوة والشدة ومن المعلوم «أن التضعیف هو أحد الوسائل التعبیریة التی یعبر بها عن قیم انفعالیة وعاطفیة» (رزقه ، 2002م، ص 338)، استخدم یمینی الأفعالَ المرکبة (پندت دهم ـ گویم سخن ـ مباش غافل) فی شعره لدلاتها وتأثیرها فی ذهن الأطفال.
ومن هنا نشیر إلى میزة أخرى فی شعر الهراوی وهی التقلیل من استعمال الحال منصوبا مفردا أو مقدرا جملة لأن استعمال الصیغ النحویة غیر مألوفة لدى الطفل لا یدرکها إلا حین یتقدم به العمر. وقد یعدل عن الاستعمال المألوف للغرض البلاغی: الاستفهام یخرج فی البیت التالی عن معنى الاستخبار إلى التعبیر عن الکثرة وأخرج الهراوی الاستفهام عن معناه الحقیقی إلى معان أخرى لیحقق أغراضا بلاغیة، کالتکثیر: «کم قَصَّ لی حکایةً ... لطیفَة للغایة».
إن شوقی لم یبتعد عن الأسلوب البلاغی لاسیما استعماله أسلوب التأکید فی شعره: (لم أجد وافیاً إلا الکتابا) أسلوب مؤکد بالنفی «لم» والاستثناء «إلا» وتصویر الکتاب بصاحب وفیِّ: (لیس بالواجد للصاحب عابا) تعبیر جمیل یؤکد ما سبق أن الکتاب صاحب لا یبحث عن عیوب أصدقائه، وکلمة «عابا» نکرة للتقلیل والباء حرف جر زائد على خبر لیس، یؤکد أن الکتاب صدیق وفی. وکذلک شوقی استخدم الجملة الاعتراضیة التی تضعف أسلوبه وتبعده عن عالم الطفل لصعوبته وإطنابه للحفظ:
|
صاحِبٌ ـ إِنْ عِبتَهُ أَو لَم تَعِبْ ـ |
|
لَیسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا |
(شوقى ، 1422هـ، ص 17)
3ـ 1ـ 3ـ المستوى الدلالی
إذا کان للصور الکلامیة أشکال مختلفة فی الأدب فنحن نقصد بالصور الشعریة فی بحثنا هذا ما استخدمه هؤلاء الشعراء الثلاثة من التشبیه والاستعارة فیما اخترناه من الأبیات. ومن المعروف أن التشبیه والاستعارة من أهم الطرق التی یستخدمها الشاعر فی أداء المعانی وللاستعارة قیمة خاصة فی الشعر بحیث لا یمکن أن یکون الشعرشعرا بدونها لذلک قد خصصناهما بالبحث والدراسة لأن لهما أثرا عظیما فی توضیح الفکرة .
إن الخیال عنصر أساسی فی الشعر فی جمیع تعاریفه قدیما وجدیدا (شفیعی کدکنی، 1388هـ.ش، ص 3 ـ 7). تحتوى الصور البیانیة مکانا خصبا فی الشعر لأنها تترعرع فیه المعانی الشعریة کما یقول سید قطب عن التصویر الفنی: «إنه یعبر بالصورة المحسّة المتخیلة عن المعنى الذهنی، والحالة النفسیة وعن النموذج الإنسانی والطبیعة البشریة،کما یعبرّ بها عن الحادث المحسوس والمشهد المنظور» (غنیم، 2007م، ص 42). إن الخیال وسیلة لتصویر العاطفة وهو یکسب الأسلوب قوة وروعة تحببه إلى القراء ویجعله مشوقا (عبدالغنی والبرازی، 2002م، ص 30)، وهو أکثر العناصر قدرة على التعبیر عن العاطفة، وتتعدد أنواع الخیال إلى ثلاثة أنواع وهی:
ـ الخیال الابتکاری: هو الذی یؤلف صورا حسیة جدیدة، عناصرها موجودة فی ذاکرة الأدیب، وهی لا تقدم الواقع الخارجی کما هو فی حدود المادیة، وإنما تقدمه على شکل جدید، ولکن فی حدود ما یمکن أن یوجد فی العالم الخارجی والحیاة المعقولة.
ـ الخیال التألیفی أو المؤلف: هو خیال یوجد بین الأشیاء المتشابهة إذا کان یضمها إطار عاطفی واحد، أو حالة نفسیة متماثلة، کأن تستدعی إحدى صور الطبیعة لنفس الأدیب صورة مشابهة.
ـ الخیال البیانی أو التفسیری: وهذا الخیال لا یعنی بوصف الأشیاء الخارجیة، إنـما یحاول تفسیرها، کأن یجسد الشاعر الطبیعة إنسانا، أو یتمثلها فتاة حسناء بغیة تفسیر جمالها (الشایب، 1994م، ص 215 ـ 216).
ولکن صور الخیال فی شعر الأطفال تکون قلیلة ومحدودة لمحدودیة فهم الأطفال لها وهی غالبا ما تکون محسوسة تعنی بحواس الطفل الخمسة التی من خلالها یکتشف العالم المحیط به. فیستعین الشاعر بالخیال لأن الحقیقة المجردة لا تکتفیه للتعبیر عن شعوره، کما أن الخیال یولّف الصور لتترجم العاطفة ویساعد على القارئ تصویر الحقائق المجردة تصویرا أقرب للفهم ویبعد الملل عن نفس القارئ. ویکون للتشخیص حضور بارز وملحوظ فی شعر هؤلاء الشعراء:
|
إن خَابَت الأصحابُ |
|
فَصاحِبی الکتاب |
(الهراوی،1926م، ص 38)
|
من یار مهربانم |
|
دانا و خوش زبانم |
(جمعى از مولفان، 1360هـ.ش، ص 18)
|
صُحبَةٌ لَم أَشکُ مِنها ریبَة |
|
وَوِدادٌ لَم یُکَلِّفنی عِتابا |
(شوقى،1422هـ، ص 17)
نرى أن یمینی لا یعتمد على المعانی الحسیة التی تتجسم فی المبصرات والمسموعات والملموسات ولا ترتکز على المحسوسات حتى تکون مفهومة ومحببة عند الأطفال بل یرکز على استخدام الجمل والألفاظ الدالة على المعانی المجردة، نحو: (مهربان ـ دانا ـ خوش بیان ـ پند ـ دوستى ـ سود ـ زیان ـ غافل). وقد استعمل یمینی والهراوی الصور البیانیة الأخرى غیر التشخیص فی شعرهما ومنها:
الاستعارة التمثیلیة التی استعملها الهراوی فهی ذو تأثیر قوی فی قلوب الأطفال وغرضها البلاغی عن إتیانها هو الحث على الحفظ والتعلّم: «فالعلم فی السطور... یسری إلى الصدور» . إن شوقی بالنسبة إلى الهراوی یعمد إلى الخیال بشکل کبیر، ویصنع منه صورا فنیة یعبر بها عن المعانی التی یرید للأطفال. وغلبة نوعین من الصور البلاغیة (الاستعارة والتشبیه) وتنوع التشبیهات بین البسیطة (مفرد بمفرد) والتشبیهات المرکبة (صورة بصورة) بارزة فی أبیاته وهذا ما جعل فهم بعض صوره صعبا للأطفال، إذ إنها لیس فی قاموسهم الإدراکی. ومن أمثلة الصور البیانیة فی شعر شوقی قوله:
|
کُلَّما أَخلَقتُهُ جَدَّدَنی |
|
وَکَسانی مِن حِلى الفَضلِ ثِیابا |
(شوقى، 1422هـ، ص 17)
حیث شبه الکتاب بمعلم یجدد المعلومات وهذا یدل على مدى نفع الکتاب. ویکون الاستعارة تبعیة فی کلمة (جددنی)؛ أی شبه ازدیاد المعلومات بالتجدید.
وفی قوله: «کسانی من حلى الفضل ثیابا» (المصدر السابق). شبه الکتاب بشخص یکسو قارئه بثیاب الفضل والصفات الحمیدة، وهذا یدل على أثر القراءة فی تهذیب النفوس، وفی قوله:
|
صُحبَةٌ لَم أَشکُ مِنها ریبَة |
|
وَوِدادٌ لَم یُکَلِّفنی عِتابا |
(المصدر السابق)
شبه الکتاب بشخص لا یشک فی صحبته؛ صدیق صافی الوداد لا یکدره عتاب، وکذلک فی قوله:
|
إن یَجِدنی یَتَحَدَّث أَو یَجِد |
|
مَلَلاً یَطوی الأَحادیثَ اقتِضابا |
(المصدر نفسه)
شبه الکتاب بشخص یتحدث أو یمتنع عن الکلام لمعرفته بمقتضى الأحوال، وفی قوله:
|
تَجِدُ الکُتبَ عَلى النَقدِ کَما |
|
تَجِدُ الإِخوانَ صِدقًا وَکِذابا |
(المصدر نفسه)
فالکتب فی میزان النقد کالأصدقاء تجد البعض صالحا والبعض فاسدا، کما تجد بعض الأصدقاء مخلصا وبعضهم کاذبا. وهذا تشبیه مرکب استخدمه الشاعر لشدة تأثیره وقوة معناه. وفی البیت التالی:
|
صالِحُ الإِخوانِ یَبغیکَ التقى |
|
وَرَشیدُ الکُتبِ یَبغیکَ الصَوابا |
(المصدر نفسه)
إن الصدیق الصالح یرید لک الصلاح والهدایة والکتاب القیم یهدیک إلى الحق والصواب ویبعدک عن الباطل والوقوع فی الخطأ (تشبیه المرکب). فی کل التشبیهات التی أوردها شوقی جعلت للجامد (الکتاب) الروح وصفات الإنسان وهذا یدل على خصوبة خیال الشاعر فی إنشاد الشعر للأطفال.
إن الخیال قلیل الاستعمال فی شعر یمینی ویکون من نوع الخیال التألیفی؛ أی یستفید من الصور الماضیة التی یرتبطها بحالته النفسیة التی ترتکز على التعلیم البحت وتغلب علیها الصبغة التربویة المباشرة کما نلاحظ فی هذا البیت:
|
پندت دهم فراوان |
|
من یار پند دانم |
ولکن خیال شوقی ابتکاری یؤلف بین العناصر المعروفة من قبل لیحدث فیها صورا جدیدة، مثل:
|
کُلَّما أَخلَقتُهُ جَدَّدَنی |
|
وَکَسانی مِن حِلى الفَضلِ ثِیابا |
(شوقى، 1422هـ، ص 17)
وأما خیال الهراوی فبیانی وهو الخیال البسیط المعتمد على البیان وهو قریب سهل الفهم، کقوله: «کم قَصَّ لى حکایةً ... لطیفَة للغایة».
العاطفة: العاطفة هی الانفعال النفسی لصاحب النص فهی تحرک نفسی بینما الفکرة شیء عقلی (عبدالغنی والبرازی، 2002م، ص 27). وبما أن اللغة هی الوسیلة المعتادة فی التعبیر عن العواطف والانفعالات النفسیة یمکن الوصول إلى مکنونات صاحب النص عن طریق أسلوبه لأن «الأسلوبیة تدرس وقائع التعبیر فی اللغة المنظمة من ناحیة محتواها العاطفی، أی التعبیر عن وقائع الإحساس عبر اللغة، وفعل اللغة فی الإحساس» (عبدالمطلب ، 1994م، ص 187). وتتمیز عواطف الشعراء بحدة عواطفهم وسرعة انفعالاتهم النفسیة.
إن الشعر یخاطب الوجدان البشری ویحرک کوامنه بفضل مضمونه الشعری. وعاطفة الشعراء الثلاثة عاطفة الفخر والحب والاستمتاع بمصاحبة الکتب وتعلُّم الفضائل والوصول إلى المثل العلیا والمعانی السامیة بقرائته؛ والکراهة والدهشة من قراءة الکتب التی لا تربط بهم ولیست فیها فائدة. والعاطفة عمیقة صادقة قویة عند الهراوی ویمینی لأن عاطفتهما تأثرت فی نفس قارئها وهزت وجدانه، حتى بعد مضی السنوات یتذکرها المتلقون ذکرا عذبا، کما أن ثباتها واستمرارها بارز لأنها تبدو قویة من البدایة حتى النهایة ولا یخمد وجودها فی کافة أبیاتها فی حین قلّما تظهر هذه الملامح فی شعر شوقی.
وتحظى کل هذه القصائد الثلاثة بصدق العاطفة إذ إنها تنبعث عن سبب غیر زائف ولامصطنع وتکون عمیقة تهب للأدب قیمة خالدة ولا سیما شعر الهراوی ویمینی شریف وقد قیل: «إن الکلام إذا خرج من القلب وصل إلى القلب وإذا خرج من اللسان لم یجاوز الآذان» (الشایب، 1994م، ص 191)، وتمثل هذه القصائد الثلاثة أدبا راقیا وذا صفة أخلاقیة أی بقطع النظر عما فیه من السرور واللذة تبعث فینا میلا إلى الأخلاق؛ أی إلى الکتب وملازمتها ونجد فی هذه القصائد نوعا من الإعجاب الذی نحسه لجمال الأسلوب من صفاء العبارة وجمال الوزن وروعة الخیال إذن نجد فیها سمو العاطفة. وقد انسجمت العاطفة مع أفکار النص وجوّه العام فی شعر یمینی شریف والهراوی وتناسق الخیال والعاطفة التی تخدم الهدف العام للنص وهو الهدف التعلیمی للأطفال.
الوحدة الفنیة: تمتلک هذه القصائد الثلاث وحدتها، وهی تدور حول موضوع واحد وهو الکتاب، وهو یثیر مشاعر واحدة قوامها الإعجاب وهو مصدر الخیر والنمو الاجتماعی والخلقی. جمعت هذه القصائد الثلاث بین عناصر التراث القدیم فی الحفاظ على الناحیة الشکلیة من وزن وقافیة وبین عناصر التجدید؛ لأنهم بدءوا قصائدهم بموضوعها الأصلی رغم ذلک لم تخرج فی إطارها العام عن عمود الشعر العربی أو الشکل التقلیدی للقصیدة. عندما نقرأ شعر یمینی نرى أن أجزاء القصیدة تترابط بعضها ببعض فالبیت الثانی یرتبط بالبیت الأول بتضمنه معناه وتکامل لبناتها فی تشکیل لوحة فنیة کاملة، کما نلاحظ دقة فی اختیار الکلمات المعبّرة عن إمتاع المتلقی الصغیر وتعلیمه وتهذیبه وعلى رغم هذا التناسق الذی نابع من الروابط النحویة واللغویة والمنطقیة، ما یربط أجزاء القصیدة بعضها ببعض هو وحدة الشعور والإحساس عند الشعراء الثلاثة وهذا ما تحقق لهذه القصائد الثلاث ولعل الذی ساعد على وحدة القصائد هو قصرها.
والأمر الملفت للنظر فی هذه القصائد الثلاث أن شعر یمینى شریف حُکی عن لسان کتاب على نقیض شعر الهراوی وأحمد شوقی اللذان ألقیاهما خطابیا ووعظیا وتأثیر شعر یمینى شریف أکثر من شعر الهراوی وشوقی لأن الأطفال یشبهون أنفسهم به ویدخلون فی شعره.
3ـ 1ـ 4ـ المستوى الفکری
یتناول الشعر فی مضمونه الأحاسیس والعواطف والتجارب التی تقویه وتعمقه ولکنه عند الأطفال یبتعد عن المثیرات الحادة؛ الهوى والرثاء وشعر المرارة والهجاء أو الأسى الحزین والکراهیة المقیتة والقسوة المفرطة أو الحنین إلى الوطن البعید (العمری، 2008م، ص 35 ). والهدف التربوی هو الهدف الأول لثلاثة الشعراء ووسیلة هامة لغرس القیم والأخلاقیات والعلم والمجد فی الأطفال وفیها الآثار الإیجابیة فی تکوین الأطفال وبناء شخصیاتهم. وتکون فی هذه القصائد الأهداف المعرفیة والوجدانیة وتقویة روح التضامن بین الأطفال اعتمادا على العادات الطیبة والنفور من العادات السیئة، وتنمیة روح النقد عند الطفل وتنمیة قدرته على التمییز بین الجید والردیء، والشعور بالمتعة والراحة وتنمیة الأحاسیس والمشاعر والمهارات، والذوق الفنی وامتلاک مهارات القراءة والکتابة والتحدث وزیادة الثروة اللغویة وتقویم ألسنة الأطفال وکتاباتهم عن طریق التدریب على سلامة النطق، کما أنها تکشف عن مواهب الأطفال ومواطن الإبداع لدیهم مثل الصوت المعبر الجمیل وفن الإلقاء وموهبة تألیف الشعر وموهبة التلحین، وتسهل علیهم النمو الاجتماعی والخلقی وتکسبهم السلوک والمهارات التی تساعدهم على التعامل والتوافق مع أصدقائهم.
4ـ نتائج البحث
استخلصنا بنظرة الأسلوبیة المقارنة إلى أن قطعة الشعر "الکتاب" عند الشعراء الثلاثة کلاسیکی الشکل والتزموا بالوزن والقافیة. واستخدموا البحور التى تلائم مع تفاعل الأطفال، کالبحر الرجز والرمل. وتناولنا شعرهم فی إطار الأسلوبیة المقارنة التی تستعرض الأشعار فی المستویات الصوتیة (القافیة والبحور والإیقاع)، والدلالیة (التشبیه والاستعارة وصور الخیال والانزیاح والعاطفة)، والترکیبة (المسائل النحویة)، والفکریة (المضمون والموضوع).
ـ من حیث المفردات والتراکیب یتصف شعر الهراوی ویمینی بالوضوح والبساطة والإیجاز، ویضم شعرهما الألفاظ والتراکیب التی یستطیع الطفل أن یفهمها ویحفظها، واستخدما الألفاظ والتراکیب السهلة واجتنبا الغریبة غیر المألوفة ومالا إلى الإقلال من المفردات والتراکیب المجازیة إلا ما جاء عفوا ولجئا إلى التکرار،لکن شوقی بالنسبة إلیهم غزیر المفردات. ولم یبتعد یمینی وشوقی عن الانزیاح الشعری ویکون هذا العدول الشعری من النوع النحوی عندهما. ویمیل الشعراء الثلاثة إلى استخدام الألغاز والأحاجی لأنها تکوّن من کلمات ومعان متناقضة أو مرکبة بأسلوب یثیر الدهشة وهی تحتوی على معنى خفی. لم یبتعد شوقی والهراوی عن أسلوب الوعظ والإرشاد والنصح المباشر.
إن شوقی بالنسبة إلى الهراوی یعتمد على الخیال بشکل کبیر، وکذلک الهراوی بالنسبة إلى یمینی. إن الخیال فی شعر یمینی یکون من نوع الخیال التألیفی فی حین أن خیال شوقی ابتکاری وخیال الهراوی بیانی وهو الخیال البسیط المعتمد على البیان فیکون دوراً هاماً للتشخیص فی شعرهم. أما من حیث المعنى فیمکن الإشارة إلى أهدافهم التربویة ومنها الأهداف الاجتماعیة القیمة إضافة إلى الأهداف المعرفیة الوجدانیة وإمتاع اللطفل وتنمیة ذوقهم الأدبی وحسه الفنی الجمالی.
على صعید الجملة استخدم الهراوی ویمینی شریف الجمل القصیرة أو المتوسطة الطول وتجنبا الجمل الطویلة المعقدة وأفادا الجمل والألفاظ الدالة على المعانی الحسیة وتجنبا المجرد المعنوی. وعلى صعید الأسالیب تحرى الهراوی ویمنی شریف الوضوح والجمال والدقة وتجنبا الإسراف فی الزرکشة والزخرفة وإثراء اللغوی المتکلف وتجنبا أسلوب التلمیح والمجازات الغامضة الصعبة. ویکون شعرهما (الهراوی ویمینی شریف) سهلا بسیطا للحفظ فیستسیغه الأطفال ویجدونه مادة أدبیة مشوقة ومحببة لهم. کان الاختصار والترکیز والوصول إلى المعنى بأقل عدد ممکن من المفردات، من المیزات التی اتسم بها شعر یمینی شریف. ویمکن القول إن هذه الأشعار کلها تثری ثروة الطفل اللغویة وتوسع أفق تفکیره ولا ترهق الطفل بکثرة المصطلحات وکثرة الإطناب ولاسیما تبرهن هذه الأمور فی شعر یمینی شریف والهراوی.
ـ کان شعر یمینی شریف منقولا عن لسان الکتاب والکتاب یتحدث مع الطفل على نقیض شعر شوقی والهراوی اللذین یتحدثان بأسلوب خطابی ووعظی مع الطفل. نستنتج من الشواهد المذکورة کلها أن شعر الهراوی أقرب إلى أدب الأطفال وشعر شوقی أبعد عنه ویکون شعر یمینی فی مستوى بینهما.
BBB
الهوامش
1ـ نصوص الدراسة:
|
یمینی وقصیدة (کتاب خوب) |
الهراوی وقصیدة (الکتاب) |
شوقی وقصیدة (تحلیة کتاب) |
||||||
|
|
من یار مهربانم |
|
أنا فتى ذو أدب |
|
أنا مَنْ بَدَّل بالکتبِ الصِّحابا |
|||
|
دانا و خوش بیانم |
|
أقرأُ خیرَ الکتبِ |
|
لَمْ أجِدْ لی وافیاً إلا الکتابا |
|
|||
|
|
گویم سخن فراوان |
|
إنْ غابتْ الأصحابُ |
|
صاحِبٌ ـ إنْ عِبتَهُ أوْ لَمْ تَعِب ـ |
|||
|
با آنکه بیزبانم |
|
فَصَاحِبی الکتابُ |
|
لَیسَ بالواجِدِ للصّاحِبِ عابا |
|
|||
|
|
پَنَدت دهم فراوان |
|
فیه حدیثُ السَمَرِ |
|
کلَّما أخلقتُهُ جَدَّدَنی |
|||
[1]. إن الأسلوبیة المقارنة تعتمد المقارنة أساسا لها ووجدنا هذا المصطلح فی دراسة لسید الهادی الطرابلسی فی معرض الحدیث عن هذا المصطلح وإلقاء الضوء علیها غیر أن تصورنا یختلف عن تصوره لهذا العلم حیث أنه یشترط ألاّ تتجاوز الأسلوبیة المقارنة حدود لغة واحدة ویقول: لا یجوز الأسلوبیة المقارنة بین مستویات مختلفة من اللغة الواحدة (أی مستویی الفصحى والعامیة)، ولکننا نجد أنه فی هذا المجال لا یصیب لأسباب، منها: مفردة المقارنة نفسها التی یتکون منها هذا المصطلح وهی تنبثق من مقارنة الأدبیین فی لغتین مختلفتین، کما کان هذا أساس الأدب المقارن ویقرُّ سید الطرابلسی نفسه فی مقالته التی بصدد تحدید إطار هذا المصطلح بأن الأسلوبیة المقارنة هی علم على غرار ما قام علیه الأدب المقارن. وبقناعتنا المرجع الرئیس هو اللغتان المختلفان على الأقل لأن الاهتمام بالدخیل من الأسالیب التی فیها فوائد جمة فهی تثری اللغة وتخصبها.
[2]. أحمد شوقی (1868 ـ 1932م) فی مصر کان أول من ألف أدبا للأطفال باللغة العربیة واستفاد فیما کتبه للأطفال من قراءته فی الفرنسیة ولاسیما حکایات لافونتین الشهیرة (برغیش، 1996م، ص 80 ـ 81). ویکون شعر شوقی للأطفال فی الجوانب التالیة: قصائده عن الطفولة ـ أناشید وأغانی للأطفال ـ الحکایات الشعریة على لسان الحیوان (زلط، 1994م، ص 111). على الرغم من أن أحمد شوقی هو صاحب أول صیحة عربیة واعیة فی نهایة القرن التاسع عشر لإیجاد أدب للطفل العربی إلاّ أن نتاجه الشعرى للطفل لم یکن نموذجا کافیا لسد حاجة الطفل العربی. لذلک جاء بعده محمد الهراوی، وأول ما کتبه للأطفال منظومات قصصیة بعنوان «سمیر الأطفال للبنین» ثم «سمیر الأطفال للبنات» فی ثلاثة أجزاء ثم أغانی الأطفال فی أربعة أجزاء وکتب قصصا نثریة کثیرة. محمد الهراوی (1885 ـ 1939م). هو رائد مرحلة التألیف المستقل والتنوع الفنی فی شعر الأطفال عن الفترة الزمنیة التی شهدت التخصص الفنی والتوسع فی نظم هذا الجنس الأدبی المستحدث حیث توفر على نظم شعر متنوع وسهل للأطفال الشاعر محمد الهراوی، فأصدر دیوانه المرسوم "سمیر للأطفال" عام 1922م (زلط،1995م، ص 45).
ولد عباس یمینی شریف (1298 ـ 1368هـ.ش) فی طهران بحی البامنار. وهو أول من قام بکتابة أدب الأطفال فی حین أنه کان شاعرا متبحرا قادرا على الوصول إلى الأطفال وأکثر قدرة على رعایة المعاییر التربویة. یغلب فی إنشائه روح المعلم وتفاد من آثاره الأدبیة فی الکتب الابتدائیة (خلیلی جهانتیغ، 1390هـ.ش، ص 6 ـ 4)، وکان «فرخی الیزدی» یعرّفه بشاعر الحریة (1267 ـ 1318هـ.ش)، وله دور هام فی تکوین شخصیته (حسن لی، 1389هـ.ش،ص 1). قام یمینی شریف فی البدایة بالمحاکاة عن الأشعار المطبوعة فی الکتب الأخرى ثم تأثرّ بـ«باغچهبان» (1264 ـ 1345هـ.ش) أب الشعر الطفل فی إیران، فنظم أشعارا کثیرة للأطفال الإیرانیین ووقف لهم قسما کبیرا من عمره (شعبانی، 1386هـ.ش، ص 113).
[3]. إن الانزیاح مصطلح نقدی استعمل على نطاق واسع فی الدراسات الأسلوبیة والنقدیة واللسانیة العربیة. وهو «استعمال المبدع للغة المفردات والتراکیب والصور، استعمالا یخرج بها عما هو معتاد ومألوف بحیث یؤدی ما ینبغى له أن یتصف به من تفرّد وإبداع وقوة جذب وأسر» (مرادى وقاسمى، 1391هـ، ص 107)، أو بعبارة أخرى إعطاء المفردات مدلولات أخرى غیر ما هو لها تؤدى إلى جمال اللغة.
BBB
أ) العربیة
ب) الفارسیة