Document Type : Research Article
Author
Associate Professor of Arabic Language and Literature, Faculty of Literature and Humanities, Yasouj University, Yasouj, Iran
Abstract
Keywords
1. المقدمة
وصل الإسلام والعرب بعد الفتوحات الإسلامية إلی خراسان واستوطن کثير منهم فيها، فسرعان ما امتزج الفرس بهم امتزاجا تاما في أخذ المعاني الدينية وأتقنوا لغتهم للوقوف علی التعاليم الدينية ومعرفة الآيات القرآنية. وبقيت اللغة العربية لغة الدواوين الرسمية ولغة العلم والأدب في المناطق التي کانت تحت سيطرة العباسيين. وبعد محاولات جادّة من قبل بعض الدويلات الإيرانية، مثل السامانية والغزنوية، استطاعت اللغة الفارسية أن تحتل الحيز الأول. ولکن الأدباء والشعراء کانوا يکتبون رسائلهم وينظمون قوافيهم متّبعين الأساليب الشعرية العربية في أشعارهم الفارسية والعربية. ومن جملة هؤلاء الأدباء هو رشيد الدين الوطواط، الشاعر الإيراني ذو اللسانين، في ماوراء النهر في ظلّ دولة السلاجقة والخوارزمشاهيين، والذي اتّبع کبار الشعراء العرب في أساليبهم ومعانيهم الشعرية.
بالنسبة إلی أهمية البحث، يمکن القول إن التعريف بالأدباء والکبار المثقفين دين يثقل علی کاهلنا. والعناية برشيد الدين الوطواط وشعره، کشاعر فارسي لاتزال أشعاره في خفايا المخطوطات، أمر جدير بالاهتمام؛ فلهذا قد يکون هذا البحث المتواضع أوّل خطوة في دراسة أشعار رشيد العربية راجيا أن يفتح البحث الباب علی مصراعيه للبحوث القادمة. تهدف هذه الخطوة الأولی إلى الکشف عن جماليات شعره، خاصة في تفاعله مع التراث العربي، ليبين مکانة الشاعر في الشعر العربي.
يسعی الباحث في هذا الحقل، أن يجد علاقة شعر الرشيد بغيره من النصوص الدينية والأدبية وتأثّره بها مستخدما نظرية الاتساعية النصية لجيرار جينيت[1]، وعلاقة هذه النظرية بالدراسات المقارنة. والبحث ينقسم إلی الإطار النظري وإلقاء الضوء علی نظرية جينيت، والإطار التطبيقي، وهو دراسة شعر رشيد وعلاقة هذا الشعر بالنصوص الدينية والشعر العربي القديم بعد تسليط الضوء علی حياة الشاعر وآثاره. والبحث يسعی إلی الإجابة عن هذه الأسئلة: ما علاقة الدراسات التناصية والاتساعية النصية بالأدب المقارن؟ کيف أسهم التراث العربي المتجسد في النصوص الدينية والشعر في تشکيل البنية الشعرية للوطواط؟ ما باعث خوض الشاعر في هذا التراث العريق؟ کيف تعامل الوطواط مع هذا التراث وکيف قام بتوظيفه في شعره؟
1ـ1. خلفية البحث
أمّا بالنسبة إلی الدراسات السابقة، فهناک دراسات عديدة تطرقت إلى موضوع التناص الأدبي والديني وغيرهما من أنواع التناص في الشعرين القديم والحديث، إلا أنه قلما توجد إشارة فيها إلی علاقة هذه النظرية بالأدب المقارن، ومنها هو قول دانيل هنري باجو (1994م)، الذي يؤکد في کتابه الأدب العامّ والمقارن، علی الاتجاهات الجديدة التي يواجهها الأدب المقارن، کالتناصية والسيميائية. وها هو يقول في إطار البعد التناصي: يعتبر التناص إمکانية أخرى ليست المقارنة، ولکن هو القراءة المقارنة مع التصرف، وفق مبدأ بنيان العلاقة والصلة والتبادل (1977م، ص 27).
قد درس موسی إبراهيم نمر (2008م) في مقالة نحوتحديدالمصطلحات:التناص،الأدبالمقارن،السرقاتالأدبية، عن علاقة التناص والأدب المقارن؛ وبعد أن فصّل القول في المجالين، أتى بنتائج عن مشترکات المصطلحين ومفترقاتهما. فيتّفق التناص مع الأدب المقارن علی حدّ قوله في ما يلي: أ. يتفقان في الإطار العام لتحديد مصطلحاتهما، مثل الاجترار، والامتصاص، والحوار، وغيرها في التناص، ومصطلحات التقليد، والاقتباس، والاحتذاء، والتمثيل في الأدب المقارن، وکذلک طريقة التأثير أو التناص؛ ب. يتفقان في أنّ غنی الأدب نشأ من تفاعله مع الآداب الأخری وعقد علاقة حوار متبادل معها وعدم انطوائه علی نفسه؛ ج. يتّفقان في الاحتراز من خلع صفة التأثير والنصوص الغائبة علی شاعرٍ ما أو أدب أمّةٍ ما، دون أدلّة تثبت ذلک؛ د. وأخيرا، يتّفقان في تقنية التوظيف للنصوص المتأثّرة والغائبة داخل النص الأدبي. فتحدّث النقاد في الأدب المقارن عن تأثير تأويل وتأثير عکسي، إلا أنهم تحدثوا في التناصّ عن تناص تآلف وتخالف، وهي مصطلحات متشابهة في المفهوم والدلالة (2008م، ص 85). ويختلفان ـ علی حدّ قوله ـ في الأدب القومي والعالمي؛ إذ يمکن دراسة التناص داخل الأدب القومي ضمن لغة واحدة، ولا يشترط في التناص اختلاف اللغات؛ وثاني الاختلاف بينهما هو أنّ التناص يدرس النص، باعتباره بنية لغوية مغلقة علی ذاتها تنفي المراجع الخارجية للنص؛ أما الأدب المقارن فيقصّر نفسه علی البحث عن مواطن التأثيرات ودراسة المصادر؛ وأخيرا، يهتم الأدب المقارن بالمنهج التاريخي ودراسة المؤثرات والعوامل التاريخية والمصادر؛ وهذه العوامل أهمّ و أولی في رؤية المقارنين، في حين يحتلّ النصّ بوصفه عملا فنيا، المرتبة الأولی من اهتمام الناقد بدراسة التناص (المصدر نفسه، ص 83 - 84).
أما في نقد آراء نمر خاصّة عندما يذکر مواطن الاختلاف، فيمکن القول إنّ الباحث قد رکز علی المدرسة الفرنسية للأدب المقارن في اختلاف اللغات والاهتمام بالمنهج التاريخي، بينما تمکن المقارنة بين الأدبين من لغة واحدة في المدرسة الأمريکية، مثل المقارنة بين أدب الإنجليز وأمريکا، بغضّ النظر عن الصلات التاريخية بينهما. بالنسبة إلی ثاني الاختلافات، يمکن القول إنّه التفت إلی التناصّ في رؤية جوليا کريستوا[2]، وسنری في الإطار النظري أنّ جيرار جينيت، وهو من کبار نظرية التناصّ، يؤکد علی وجود التأثير والتأثر.
يرى محمد فيصل معامير في مقاله المعنون بـالنص الأدبي من نظرية الأدب المقارن نحو نظرية التناص، أنّ نظرية التناص تنفرد بشمولية أکثر من الأدب المقارن، ويعتقد أنّ الأدب المقارن في المدرسة الأمريکية أقرب إلی تمثل مفهوم التناص من المدرسة الفرنسية؛ لأنّ التناصّ يرکز علی الرؤية الداخلية للنص المقارن، دون إثبات علاقة التأثير والتأثّر واختلاف اللغات. (2009م، ص 114). وممّا يبدو من قوله أنّه حصر علاقة التأثير والتأثر في المدرسة الفرنسية فحسب، وتوقّف في الدراسات التناصية علی حدّ موقف کريستيوا التي تؤکد علی عدم الالتفات إلی التأثير والتأثر، ولم يلتفت في حقل الدراسات التناصية إلی آراء جيرار جينيت الذي يؤکد علی وجود التأثر والتأثر، کما نری عما قليل.
وأما عزّ الدين المناصرة (2006م) ففي کتابه علم التناص المقارن، «ينطلق من اقتراح مرکزي بضرورة نشوء علم التناص المقارن، بديلا من الأدب المقارن، ويعني المؤلف أنّ المقارنة منهج أساسي تسانده آليات التناص في تحليل فکرة عالمية النصوص وتحديد مفاهيمها وتفريعاتها بلا حدود (أبو الهیجاء، 2008م، https://www.addustour.com)
أمّا بالنسبة إلی الدراسات السابقة في مجال آثار رشيد العربية، فيمکن الإشارة إلی مقالة سبکشناسی نامههاى تازى رشیدالدين وطواط لمحمود حيدرى وعلى رضاييان (1392ﻫ.ش). لقد وصل البحث إلی أنّ الکاتب ألمّ بدقائق کلام العرب، والمستوی البلاغي للرسائل يظهر مقدرة الکاتب البلاغية في رعاية مقتضی الحال في الرسائل والمستوی الفکري، ويبين أنّ هذه الرسائل خير مأخذ عن علاقة السلاجقة والخوارزمشاهيين مع الخلافة العباسية في بغداد. هناک مقالة أخری في مؤتمر النسخ الخطية في بلغاريا (2017م)، وقام محمود حيدرى فيها بتعريف مخطوطة من مخطوطات رشيد، وهي عمدة البلغاء وعدّة الفصحاء التي تحتوي علی أکثر أشعار رشيد العربية.
2. نبذة عن الحياة الشخصية والأدبية لرشيد الدين الوطواط
هو رشيد الدين محمد بن محمد بن عبد الجليل المعروف بالوطواط «الأديب الکاتب الشاعر، کان من نوادر الزمان وعجائبه وأفراد الدهر وغرائبه، أفضل زمانه في النظم والنثر وأعلم الناس بدقائق کلام العرب وأسرار النحو والأدب» (ياقوت الحموي، 2009م، ج 9، ص 149؛ السيوطي، 1979م، ج 1، ص 226)، کما نسبه ووصفه الياقوت. ولد الوطواط في بلخ ونشأ وترعرع في يرابيعها وتلمّذ عند الإمام أبي سعيد الهروي (وطواط، 1362ﻫ.ش، ص د و هـ؛ الوطواط، 1383ﻫ.ش، ص 3؛ الوطواط، 1315ﻫ.ش، ج 2، ص 29 – 30)، ومات بخوارزم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة (ياقوت الحموي، 2009م، ج 9، ص 149)، ودفن في جرجانية بخوارزم، بعد أن عاش 97 سنة (دولتشاه سمرقندی، 1900م، ص 91). لقّب بالوطواط لجثته الصغيرة. والوطواط طائر صغير، وکذلک يطلق علی المهذار الکثير الکلام الثرثار، وکان الرشيد قد جمع کلا الوصفين في وجوده (أنيس وآخرون، 2004م، مادة وطوط).
کان الشاعر ذا منزلة رفيعة عند الخوارزمشاهيين. ومن النقاد من يری أنه صاحب ديوان الإنشاء (وطواط، 1362ﻫ.ش، ص هـ). ولکن يرفض بعضهم هذا الرأي ولا يحسبه إلا کاتبا ونديما وملک الشعراء في ديوان الخوارزم (وطواط، 1383ﻫ.ش، ص 4- 6). ومهما يکن من شيء، فتدلّ هذه المناصب علی إلمامه بالکتابة والأدب. ويؤيد هذه المقدرة ياقوت الحموي، قائلا: «وکان ينشیء في حالة واحدة بيتا بالعربية من بحر، وبيتا بالفارسية من بحر آخر، ويمليهما معا» (2009م، ج 9، ص 149)، وکما يفهم من هذا القول أنّه کان شاعرا فحلا وملمّا بالشعرين العربي والفارسي معا.
إن شعره ـ مع رصانته ورزانته واستحکام بنيانه ـ يخلو من الرطابة والطرافة، کما يقتضي مقامه في البلاط الخوارزمشاهي. فشعره خطاب سياسي يرتضيه ذوق الممدوح ويدور حول الموضوعات الأرستقراطية من مدح الملوک والعظماء وشعر المناسبات وحافل بالصناعات البديعية، وهو خير ممثّل للشعر العربي في عصر المماليک في شرق البلاد الإسلامي. وما يفهم من آثاره أنّه کان ناقدا فحلا في معرفة الشعر وتمييز سليمه عن زيفه (الوطواط، 1315ﻫ.، ج 2، ص 63 و 67 ـ 69). وما يستنتج من رسائله العربية أنّ معايير النقد عنده ترجع إلی البناء الشعري ورصانته، وإذا لم يکن اللفظ بليغا، يعدّ سقيما علی حدّ تعبيره، والوطواط من جملة الذين يرون في اللفظ شرافة وإصالة قبل المعاني والمفاهيم، وکذلک نری نفس الرؤية في شعره.
أبدع الرشيد في قول الشعر وکتابة النثر، ماعدا ما جمع وألّف من کلام الآخرين أو صنّف کتبا في العلوم الأدبية. أکثر هذه الآثار الأدبية منتخبات من شعره ونثره، کأنّه اقتطف من روضة أدبه بعض الأزهار، ما عدا ديوانه الفارسي الذي يبلغ خمسة عشر بيتا أکثره مصنوع ومرصّع وذو قافتين (دولتشاه سمرقندی، 1900م، ص 89). أما رسائله بالفارسية فقد حقّقها قاسم تويسرکانى. وطبعت رسائله العربية في مصر وترجمها محمود حيدرى إلی الفارسية. أما أشعاره العربية فقد کانت منتثرة في ثنايا منتخباته الأدبية التي لا تزال مخطوطة، فقد جمعناها في مجموعة لم تطبع بعد. فهذه المنتخبات هي: أبکار الأفکار في الرسائل والأشعار، وعمدة البلغاء وعدة الفصحاء وبعض الأشعار المبثوثة في رسائله العربية، وکتابه حدائق السحر.
3. الإطار النظري للبحث (الاتساعية النصية عند جيرار جينيت)
عرف مطلع القرن العشرين ثورة على المناهج التي ظهرت في الفترات السابقة، وکان من أهمّها تلک التي ألحّت على دراسة الأثر الأدبي من الداخل، ورکّزت على النصّ والصلات النصية. فکان من نتائج هذا النقد النصي الجديد، إثبات حضور التناصّ في النصوص ودراسة النص الأدبي في ضوء علاقته بنصوص سابقة؛ لأنّ «النص وفق المفهوم الجديد هو عدد من نصوص ممتدّة في مخزون ذاکرة مبدعه» (عيد، 1995م، ص22). وقد عرّفت کريستيوا النص بأنّه عبارة عن لوحة فسيفسائية من الاقتباسات؛ فالتناص تداخل نصّي وتفاعل نصي يحدث داخل نص واحد؛ والفکرة القائمة في التناصية أنّها تتقاطع مع ثانية مبدأ کلّ أدب مقارن حقيقي قائم علی حوار الثقافات؛ وفي رأي منظّري هذه النظرية فإنّ کلّ نصّ هو تناص مصنوع من نصوص أخری موجودة فيه بمستويات مختلفة، وهذه العلاقة من الوجود المشترک بين نصين أو نصوص عدّة، تسمح بقراءة نص واحد کنص لاحق، بالمقارنة مع نص سابق داخلي (باجو، 1977م، ص 28).
ولما جاء جيرار جينيت الناقد، توسّع في المفاهيم النصية وأبدع المتعاليات النصية أو التعالي النصي الذي هو سموّ النص عن نفسه ويشمل کل ما يجعل «النص في علاقة ظاهرة أو خفية مع نصوص أخری» (لحمداني، 2001م، ص 97)، وقدّم خمسة أشکال لمشروعه المتعاليات النصية، وهي: التناص، أي التداخل والتفاعل النصّي، والمناص[3]، أي النصوص الموازية للنصّ کالعنوان والملحقات والمقدمة والحواشي، والميتانص[4]، أي التعليقات خارج النص، فيکون بمثابة الکلام على الکلام أو النقد على الإبداع کالتفسير والشروح، والاتساعية النصية أو التعالق النصي، والتي سنعرفها بالتفصيل، ومعمارية النص، فهي التي تحدد انتماء نص ما إلى جنس من الأجناس الأدبية، کالشعر والرواية و... (جليلي، 2010م، ص 36 - 43).
أمّا القسم الأهمّ عند جينيت فهو الاتساعية النصّية أو التعالق النصي الذي يعنى بکلّ علاقة توحّد نص (ب) والذي سمّاه جنيت نصا متفرعا[5]، بنص سابق (الألف) سمّاه أصليا[6]. يقدّم سعيد يقطين مخططا للتعالق النصي ويحدّد من خلاله أنواع التفاعل النصي في ثلاث علاقات هي المحاکاة والتحويل والمعارضة (1992م، ص 99). وفي المحاکاة، يسير النص علی منوال النص السابق، فنکون هنا أمام حالات الاقتباس والتضمين والاستشهاد. وفي التحويل، يسعی النص الجديد إلی احتواء النص القديم وتذويبه في النص الجديد للاستفادة من مکوناته ومعطياته. وفي المعارضة، ينهدم النص الغائب وتغيب ملامحه في نسيج النص الحاضر (البقمي، 2013م، ص 772 - 769). والمعارضة هو أکثر تعقيدا من التحويل؛ لکونها تقتضي التمثل للنموذج السابق إلی حدّ الکفاية والتجاوز به إلی حدّ الإنجاز في الإتيان بمثله.
أمّا بالنسبة إلی علاقة هذا القسم بالأدب المقارن، فيجب القول إن جينيت يبحث بصراحة عن علاقات التأثير والتأثر في العلاقات النصية ويجعلهما أساسا في دراسة النصوص، خاصة في الاتساعية النصية؛ بينما تعيب کريستوا وغيرها من منظّري النصّ على مثل هذا الموقف (نامور مطلق، 1386ﻫ.ش، ص 85 - 86). فالاتساعية النصية تدرس العلاقة بين النصين، ولکن هذه العلاقة ليست فيها علاقة تزامنية مثل التناص، بل علاقة تأثير نصّ علی نصّ آخر (نامور مطلق، 1390ﻫ.ش، ص 56).
إن هذا المفهوم، أي أنّ وراء کلّ نص نصوص فرعية تؤثر في ذلک النص أو غيره، «يجعلنا نفهم الربط الوثيق بين الأدب المقارن في نظرية ما بعد الحداثة والتناص، بل إن التناص سيکون هو المفتاح الملکي لتحليل النصوص الإبداعية التي تحوي في داخلها عدّة نصوص أو ثقافات أو حضارات متنوعة وکلّ أسهم بقدر في إنتاج دلالة النص المسيطر» (التلاوي، 2005م، ص 23- 24). لا يقصد الناقد الأدبي في الاتساعية النصية حضور تامّ دون أدنی تغيير في النص الحالي، بل تأثير النص السابق علی النص الحاضر؛ بعبارة أخری، يبدو في التناص حضور نصّ في نصّ آخر، ولکن في الاتساعية النقدية، ننظر إلی القدرة الإيحائية وإلی کيف استلهم المؤلف النص السابق وکيف تأثّر به (آلن، 1380ﻫ.ش، ص 36). وأخيرا، الاتساعية النقدية ـ في رؤية جينيت ـ هي البعد العالمي للأدب، وليس ثمّة نصّ أدبي لا يوحي ولا يؤثّر (طغيانى، 1392ﻫ.ش، 101). يؤکد باجو أنه على المقارِن أن يتبنی مبادیء تحليل جنيت للنماذج العامّة للتناصية الجمعية (1977م، ص 28).
وقد رأينا فيما سبق، يلتقي التناص بالأدب المقارن من جهة کونه عملا نقديا ينطلق من المقابلة بين النصوص، غير أن هذه المقابلة في الأدب المقارن تنفتح علی جميع قطاعات الثقافة والمعرفة (هلال، د.ت، ص 89). لکن عنصر أدب أمة أو حضارة أمة هو أمر غائب في الدراسات التي تتناول التناص؛ لأنّ التناص انعکاس نص في نص آخر، والناقد في التناصّ يعنى بتبيان مفاصل تشابک النصوص ولا يهتم بحياة المؤلف أو انتماءاته الخارجية (جرجور، 2008م، ص 15). وفي التناص، يغيب المؤلف ويبقی القاريء في مواجهة خاصة تحتم کشف البنی المتحوّلة والمتغيرة في النص الواحد. وهنا تطرح إشکالية المتلقي وثقافته، لکي يکون قادرا علی إحضار المعنی الغائب. يمکن خلاصة القول في هذا المبحث أنّ الأدب المقارن والاتساعية النصية عند جينيت يتلاقيان في دراسة التأثير والتأثر وکشف الصلات التاريخية والتأثير والتأثّر بين النصوص.
4. الإطار التطبيقي للبحث
هنا، ندرس شعر رشيد الدين الوطواط علی أساس الاتساعية النصية عند جينيت المتمثلة في المحاکاة والتحويل والمعارضة. هذه الأشعار ـ کما أشرنا سابقا ـ استخرجت من ثلاثة مصادر مخطوطة ومطبوعة. فأمّا المخطوطتان فهما مجموعة عمدة البلغاء وعدة الفصحاء، ولها نسختان: نسخة مکتبة يوسف أفندي، ونسخة مکتبة أياصوفية بترکيا؛ ومجموعة أبکار الأفکار، وقد رمزنا بهذه النسخ الثلاث في الإحالات علی التوالي: (س، ص، ک). والمصدر المطبوع هو مجموعة رسائل الرشيد العربية، وفيها بعض القصائد، وخاصة في إخوانياته.
4ـ1. المحاکاة
تتجسد المحاکاة عندما لم يکن تغيير في النص الفرعي أو تکون التغييرات طفيفة. ويقصد المؤلف والأديب فيها حضور النص القديم وحفظه في السياق الجديد. ليست الغاية في المحاکاة تغييرا، بل الغاية هو الحفاظ علی النص الأصلي؛ بينما التحويل مبني علی التغيير. فعلی هذا، يظهر الاختلاف بين المحاکاة والتحويل علی أساس مدی التغييرات. والمحاکاة ـ کما سبق ـ تتجسّد في الاقتباس والتضمين والاستشهاد.
4ـ1ـ1. الاقتباس
يعتبر القرآن الکريم ينبوعا متدفقا يروي الشاعر الظمآن الذي يستسقي معانيه وألفاظه، فتسکن غلّته ببارد عذبه ویقتبس من نوره. والاقتباس عند علماء البلاغة القدماء مقصور على أخذ الشاعر من القرآن الکريم أو الحديث الشريف. فقال الخطيب القزويني: «يُضمّن الکلام شيئا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه، ويجوز أن يغيّر في الأثر المقتبس قليلاً» (1971م، ص 575). والوطواط اقتبس من القرآن الکريم، هذه الدوحة العظيمة، وکذلک الحديث الشريف لتزيين معانيه الشعرية وغنائها بهذا الکنز السماوي.
تحدّث الشاعر عن استعداد الممدوح ورکوبه الفرسَ لمحاربة الأعداء، فحينئذ تقع الواقعة وتزلزل الأرض زلزالا کبيرا کما يقع يوم الواقعة، فيستفيد المعنی من النص القرآني: «إذا زُلزِلَتِ الأَرْضُ زِلزالَهاª (الزلزلة 99: 1)، ويدخِل المعنی الأصلي واللفظ دون التغيير في سياق آخر، حيث جعل الزلزال الکبير الموصوف به يوم القيامة بإثارة العجاج والغبار في ساحة المعرکة:
|
عَلَوْتَ الجِيادَ لِحَرْبِ العُداة |
|
فَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلزالهَا |
(س، ص 43؛ ص، ص 95؛ ک، ص 25).
وقد جعل الشاعر الآيات القرآنية نصب عينه، عندما يصف هجوم الممدوح علی الأعداء، حيث يراهم جاريات دموعهم ومنتثرين کالجراد إثر انهزامهم، فاستلهم هذه المفاهيم من الآيات القرآنية؛ إذ جاء في القرآن الکريم: «خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجونَ مِنَ الْأَجْداثِ کَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُّنتَشِرٌª (القمر 54: 7)، و«وفَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُّنْهَمِرٍª (القمر 54: 11)، يقول الوطواط:
|
غَدا بِکَ مُنهَمِراً دَمْعُهُم |
|
ومُنْتَثِراً جَمْعُهُم کَالجَرادِ |
(س، ص 37؛ ص، ص 82؛ ک، ص 20).
وشبّه الشاعر تفرّق العدوّ وانتشاره بعد المعرکة التی دارت علیه بانتشار الجراد في الصحراء، فاستفاد لهذا البیان من السحر القرآنی الذی یصف خروج الناس من قبورهم بالجراد المنتثر.
إن نهج البلاغة نص ديني أدبي آخر أصبح کنزا لمعاني الشاعر. فتفاعل النص الشعري وهذا النص الديني واضح جدا، مثلما فعل بقول الإمام علي (A) لعثمان بن حنيف في رسالة يحذّره من شبعه والناس جياع، حيث يقول: «وَلَکِنْ هَيْهاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوايَ وَ يَقودَني جَشَعي إِلى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ وَلَعَلَّ بِالْحِجازِ أَو الْيَمامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ أَو أَبيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلي بُطونٌ غَرْثى وَأَکْبادٌ حَرَّى» (د.ت، ج 3، ص 72)، وقد أخذ المعنی وحوّله إلی بيت شعري:
|
أَأَرْضی وَأَلْقی عُصْبَةً مِنْ عَشيرتي |
|
يَبِيتونَ حَوْلي وَالبُطونُ جَوائِعُ |
(س، ص 40؛ ص، ص 88، ک، ص 22).
فالمعنی بين النص المرجعي الأصلي والنص الحاضر متوازٍ؛ إذ لا يرضی الشاعر والإمام علي (A) بشبعهم والناس جياع حولهم، فقد أخذ المعنی واللفظ دون أي تغيير. فالغرض من الاقتباس هو تجميل المعنى، فکأنّ الشاعر ينبّه المتلقي إلى ثقافة يعمد إليها، فزاد الشاعر بهاء نصّه معنی وجمالا وتعالق نصّه بالأصداء القرآنية.
4ـ1ـ2. التضمين
يدخل الشاعر أحيانا بعض المعاني والأبيات الشعرية المشهورة في شعره لأغراض مختلفة. والتضمين هو «أن يضمّن الشعر شيئا من شعر الغير مع التنبيه عليه، إن لم يکن مشهورا عند البلغاء» (الخطيب القزويني، 1971م، ص 580). ولقد ضمن الوطواط أبياتا من کبار الشعراء العرب وقصائدهم الشهيرة في شعره. ونحن نمضي في هذا المضمار تاريخيا مبتدئين بالعصر الجاهلي.
هناک قصّة تروی في الکتب الأدبية، وهي أنّ تأبط شرّا دخل في حمی العدوّ، وعندما حاصروه، أخذ ينزلق علی الصخور، حيث نجا من الموت، والموت تصفر أمامه قائلا:
|
فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وَما کِدْتُ آئِبا |
|
وکَمْ مِثْلها فارَقْتُها وَهْيَ تَصفِرُ |
(1984م، ص 91).
فعندما يريد الوطواط أن يصف دخول الممدوح في غمار الدواهي والمصائب ويصفه بالشجاعة والجرأة والإقدام، يستفيد من تعبير هذا الصعلوک، وقد يتناصّ النصان معا في هذا المفهوم:
|
فَکَمْ خاضَ مُفْتَرَّ الثُّغورِ لِنُصْرَةٍ |
|
غِمارَ الدَّواهي وَالمَنياتُ تَصْفِرُ |
(س، ص 28؛ ص، ص 57).
والقاریء الفطن الملمُّ بالشعر الجاهلي يدرک تداخل النصين وحضور النص الجاهلي في هذا السياق الجديد. والوطواط زاد علی المعنی السابق؛ لأنّ الصعلوک يحسّ بالهلاک و الخوف "وما کدت آئبا"، ولکن الممدوح ضاحک عندما يدخل في مثل هذا الموقف. وما فات شاعرَنا قولُ شاعر النقائض في العصر الأموي، عندما يخاطب الفرزدق في نقائضه جريرا مفتخرا بآبائه قائلا:
|
أُولئِکَ آبائِي فَجِئْنِي بِمثْلِهِم |
|
إذا جَمَعَتْنا يا جَريرُ المجامِعُ |
(1987م، ص 360 ).
وجاء الوطواط في المصرع الثاني بهذا التناص الشعري، وقد أخذ المعنی الأصلي مقارناً فضل الممدوح علی حسّاده يوم الفخار، قائلا:
|
سَيَظْهَرُ نَقْصُ الحاسِدينَ وَفَضْلُه |
|
إذا جَمَعَتْهُم لِلفَخارِ المجامِعُ |
(س، ص 40؛ ص، ص 88؛ ک، ص 22).
وهکذا يستمرّ الشاعر في خوضه في غمار الشعر العربي، حتی يصل إلی البحر الزاخر الموّاج في العصر العباسي، حيث يلتقي بکبار الشعراء وعمالقة الأدباء، مثل المتنبي، وأبي تمّام، وأبي العلاء، و...، ويستفيد من دررهم المتلألآة. ويبدو أنه کان ملمّا بأشعارهم إلی درجة کانت تتبادر إلی ذهنه بکلّ ألفاظها ومعانيها عند قرض الشعر. هناک قصيدة لأبي العلاء المعري في الفخر بنفسه، وهي قصيدة شهيرة، حيث يذکر الشاعر أفعاله في سبيل الوصول إلى المجد والعظمة قائلا:
|
أَلا في سَبيلِ المجْدِ ما أَنا فاعِلٌ |
|
عِفافٌ وَإقْدامٌ وحَزْمٌ وَنائِلُ |
(1957م، ص 193).
ثم يتحدّث الشاعر بانقلاب الدهر، والدهر هازل في عينه:
|
إذا وَصَفَ الطَّائي بِالبُخْلِ مادِرٌ |
|
وَعَيَّرَ قُسّاً بِالفَهاهَةِ، باقِلُ |
|
فَيا مَوتُ زُرْ إنَّ الحَياةَ ذَميمَةٌ |
|
وَيا نَفْسُ جِدِّي إنَّ دَهْرَکِ هازِلُ |
وقد أدخل الوطواط هذه المعاني في وصف الممدوح وسجاياه مماثلا بسجايا أبي العلاء في الشجاعة والإقدام والعطاء وجعل أکبر الخطباء والأجواد، مثل معن بن زائدة، وقسّ بن ساعدة الأيادي قياسا بالممدوح من البخلاء والعاجزين عن النطق:
|
هُوَ الملِکُ الميْمونُ رَأْياً وَرايَةً |
|
سَجاياهُ إقْدامٌ وَحَزْمٌ وَنائِلُ |
|
فمَعْنٌ لَدَيْهِم في السَّماحةِ مادِرٌ |
|
وقُسٌّ لَدَيهِم في الفَصاحةِ باقِلُ |
(س، ص44؛ ص، ص 97؛ ک، ص 26).
4ـ1ـ3. الاستشهاد
يأتي الاستشهاد لتوضيح المعنى أو التدليل على مـا ذهـب إليه. والاستشهاد في رأي أبي الهلال العسکري يجري مجری التذييل لتوليد المعنی، وهو أن تأتي بمعنی ثمّ تؤکده بمعنی آخر يجري مجری الاستشهاد علی الأوّل والحجة علی صحّته (عکاوي، 1996م، ص 86).
يشکو أبو فراس إلی أمّه في أبيات مما اعتراه من ألم الفراق، ويقول لولاها لأبت نفسُه طلب الفداء وما خافت من الموت قائلا:
|
لَوْلا العَجوزُ بِمَنْبَجٍ |
|
ما خِفْتُ أسْبابَ المنيَّه |
(1994م، ص 355).
والوطواط يستفيد من هذا المعنی، ليؤکد أن الممدوح إذا جرّ جيشه إلی العدوّ، لا يبالي بالهلاک، ثم يستشهد بقول الشاعر العباسي المأسور کالتذييل؛ لأنّ المعنی في المصرع الأوّل تامّ، والمصرع الثاني جاء للتوکيد علی الشجاعة المذکورة، ولکن يختلف الأمر في ممدوح الرشيد الذي لايبالي بالهلاک ولايأتي بالأعذار:
|
جَرَرْتَ جُيوشاً لا يُبالونَ بِالرَّدی |
|
فَما قَوْلُهُم لَوْلا العَجُوزُ بمَنْبَجِ |
(س، ص 33؛ ص، ص 71).
يقول کعب بن جعيل بعد استشهاد الإمام علي (A) في مدح الأمويين ويشير إلى اختلاف العقائد في الشام والعراق في اتجاههم نحو العلويين أو الأمويين، فيستفيد من مثل عربي: «ودون غليّان خرط القتاد» (الميداني، 1366ﻫ.ش، ج 1، ص 280)، والذي يعني وجود مانع في الأمر:
|
أَری الشَامَ تَکْرَهُ مُلْکَ العِراقِ |
|
وَأَهْلُ العِراقِ لَها کارِهُونا |
|
وَقالُوا: عَليٌّ إِمامٌ لَنا |
|
فَقُلْنا: رَضِينا ابْنَ هِنْدٍ رَضِينا |
|
وَقُلْنا: نَری أنْ تُدينُوا لَنا |
|
فَقالُوا لَنا لا نَری أنْ نُدِينا |
|
ومِنْ دُونِ ذلکَ خَرْطُ القَتادِ |
|
وَضَرْبٌ وَطَعْنٌ يُقِرُّ العُيونا |
(المنقري، 1418ﻫ، ص 56 – 57).
يستخدم الوطواط هذا المثل والمفهوم، ليعبّر عن وجود الموانع دون من يقصد الحصول علی عزّ الممدوح ومکان شرفه؛ وکأنّه يريد أن يتمّ حجّته علی الخصم:
|
تَمَنّى مَعالِيَهُ خَصْمُهُ |
|
وَدُونَ مَعالِيهِ خَرْطُ القَتادِ |
(س، ص 37؛ ص، ص 82؛ ک، ص 20).
4ـ1ـ4. التحويل
والتحويل هو تغيير في اللفظ والمعنی، ولکن يفهم القاريء بالرجوع إلی ذاخرته الثقافية، حضور النص السابق في النص الحالي. والتحويل مبني علی التغيير قليلا أو کثيرا. إن تأثر الشاعر الوطواط بالنصوص الدينية ليس على نمط واحد، کما مرّ فقط، بل أحدث الشاعر بعض تغييرات في النص الأصلي.
يستمدّ الشاعر في مدح الممدوح من آية تدلّ علی نفاد مياه البحر قبل نفاد کلمات الربّ: «قُلْ لَوْ کَانَ الْبَحْرُ مِدَادا لِکَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ کَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداª (الکهف 18: 109). والشاعر أدخل هذا المعنى في سياق فضل الممدوح؛ فکأنّ فضله متواصل غير ممنون وغير لفظ "کلمات ربّي" بفضل الممدوح:
|
لَوْ کانَ أَمْواهُ البِحارِ مِدادَهُ |
|
نَفَدَ البِحارُ وَفَضْلُهُ لا يَنْفَدُ |
(س، ص 35؛ ص، ص 76؛ ک، ص 17).
وفي بعض الأحيان، يأتي الشاعر بالتلميح إلى القصص القرآنية؛ فنراه مستلهما بما جاء في الآية الشريفة: «وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِب بِعَصاکَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناª (البقرة 2: 60). فيقول الوطواط في هذا المضمار مخاطبا الممدوح أنک شققت بالقنا قلوب الأعداء التي تشبه الصخر في القساوة وجرت دموعهم کما جرت المياه إثر ضرب موسی الصخرة بالعصا:
|
وَإنْ شَقَّ مُوسى صَخْرَةَ الرَأْدِ بِالعَصا |
|
شَقَقْتَ قُلوباً بِالقَنا دُونَها الصَّخْرُ |
(س، ص37؛ ص، ص 82).
کما نراه يستفيد من کلام الإمام في الخطبة المعروفة بالشقشقية، عندما يری محله في الحکومة الإسلامية "محل القطب من الرحا"، يقول: «إِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْها مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحى يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَلا يَرْقى إِلَيَّ الطَّيْرُ» (د.ت، ج 1، ص 31). والممدوح في رأي الشاعر قطب تدور رحی القطب علی فضائله:
|
غَدا لِقَبائِلِ الإِسْلامِ قُطْباً |
|
تَدُورُ علَى فَضائلِهِ رَحاها |
(س، ص 29؛ ص، ص 60).
رأينا فيما سبق، کيف تأثر الشاعر بالنصوص الدينية المخزونة في ذاکرته، وکيف أثّرت هذه النصوص علی لغته الشعرية وتصاويره وخياله، وهذا هو العلاقة بين النصين المرجعي واللاحق، والتي تندرج بين الدراسات التناصية من جهة والدراسات المقارنة من جهة أخری؛ کأن هذه الدراسات التناصية والمقارنة تتلاقی معا هنا، والصلة التاريخية وعلاقة التأثير والتأثر المدروسة في الأدب المقارن واضحة بين هذه النصوص وشعر الوطواط.
يتناصّ الشعر العربي مع شعر الوطواط بصورة التحويل أيضا؛ إذ يحوّل الشاعر النماذج المثالية من الشعراء ويردّد علی لسانه شعرا لا يقل استحکاما وبنيانا من شعر السابقين. وبما أنّ معظم شعره يکون في مجال المدح والوصف، فلهذا يکون الشعر القديم مرکبا ذلولا يمتطی الشاعر ويقوده کيفما شاء. يستفيد الشاعر من المعاني المدحية من الشعراء الجاهليين، وخاصة النابغة الذبياني، لما وصف تتبّع الطيور الجوارح جيشَ الممدوح؛ لأنّها واثقة بأن يقتل کثير في المعرکة وهنّ يشبعن من لحوم القتلي:
|
إذا ما غَزَوا بِالجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهُم |
|
عَصائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدِي بِعَصائبِ |
|
يُصاحِبنَّهُم حتَّی يُغِرنَ مُغارَهُم |
|
مِنَ الضَّارياتِ بِالدِّماءِ الدَّواربِ |
(1996م، ص 30).
ويقول الوطواط جاعلا هذه المعاني نصب عينه ولا تفوته قافية القصيدة. فالقاريء يدرک الصلة الوثيقة بين النصّين. وهذه الصلة ليست من قبيل المحاکاة وإدخال المعنی واللفظ فقط، بل تجاوزت إلی الإبداع الذي لا يقلّ استحکاما من النصّ السابق:
|
فَکَمْ مِنْ وُحُوشٍ تَلَتْک جِياعٌ |
|
وَکَمْ مِنْ طُيورٍ قَفَتْکَ صَوادِ |
|
فَأشْبَعْتَها بِلُحومِ النُّحور |
|
وَأرْوَيْتَها بِدِماءِ الهَوادِ |
(س، 37؛ ص، ص 82؛ ک، ص 20).
والنابغة الذبياني توأم آخر للوطواط؛ إذ کلاهما من شعراء البلاط. يقول النابغة مادحا عمرو بن الحارث الغساني بقصيدة عرض فيها بالمناذرة:
|
فَإنَّکَ شَمْسٌ وَالمُلوکُ کَواکِبٌ |
|
إذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنُّ کَوْکَبُ |
(1996م، ص 28).
يستلهم الوطواط من هذا المعنی ويصنع التشبيهين في فضل الممدوح علی الآخرين؛ فمرة شبّهه بالبحر وسائر العظماء بالنهيرات، ومرة أخرى شبهه بالبدر وغيره بالکواکب الصغيرة، يقول:
|
هُوَ البَحْرُ وَالأَجْوادُ طُرَّاً مَذانِبُ |
|
هُوَ البَدْرُ وَالأَمْجادُ طُرَّاً کَواکِبُ |
(1315ﻫ، ج 2، ص 35 – 36).
وشاعرنا قد استفاد أيضا من قول أبي ذؤيب الهذلي المخضرم، فهو في قصيدة شهيرة يرثي بنيه ويشبّه فيها الموت بوحش أدخل أظفاره في جسد فريسته ولا يعوقه مانع:
|
وَإذا المنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها |
|
أَلْفَيْتَ کُلَّ تَميمَةٍ لا تَنْفَعُ |
(الهذلي وآخرون، 1965م، ص3).
لقد حوّل الشاعر مفهوم البيت إلى المدح قائلا إن الممدوح يزيل کلّ المصائب بحضوره ويطردها من الناس؛ إذ لا مفرّ ولا منجى لهم:
|
جَمالُ ضياءِ الدِّينِ کَهْفُ بَني الهُدی |
|
إذا أَنْشَبَتْ فيهم يَدُ الخَطْبِ مِخْلَبا |
) 1315ﻫ، ج 2، ص 77).
ونمضي مع الشاعر حتی نصل إلی العصر العباسي وذروة الشعر المدحي، ونرى کيف يتأثّر الشاعر بشعر بشار بن برد وبيته الشهير الذي شغل النقّاد وأعجبوا به؟ هذا الشاعر الأعمی يصف ساحة الحرب بما فيها من غبار المعرکة والأسياف البيض المتلألأة، يشبّه نزول السيوف علی رؤوس الأعداء في الغبار بهوی الشهب في وسط الليل المظلم قائلا:
|
کأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤوسِنا |
|
وَأَسْيافَنا لَيْلٌ تَهاوی کَواکِبُه |
(1950م، ص 309).
يستشهد بهذا البيت البلاغيون في التشبيه المرکب. ولا غرو أن الوطواط تأثر ببيت شغل البلاغيين. والفرق بين الشاعرين في أن النجوم في بيت بشار تتساقط، ولکن في شعر الأخير تشرق ولا تطفأ؛ إذ تهاوي الکواکب يعادل زوالها، وعلى هذا لا تنکسر سيوف الممدوح وجيشه، بل تتلألأ وتشرق متواصلة:
|
کَأَنَّ مُثارَ النَقْعِ وَالبِيضُ وَسْطَهُ |
|
سَماءٌ عَلَيْها أَشْرَقَتْ زُهْرُ أَنْجُمِ |
(س، ص 45؛ ص، ص 101).
بما أنّ رشيد الوطواط من البلغاء الذين يرون البلاغة في اللفظ ويهتمّ بالصناعات البلاغية، يجد ضالّته في أبي تمّام ويجعله أسوة في أشعاره الحماسية المدحية فيرى بائيته خير مصدر للتأسّي. يقول أبو تمّام في مطلع قصيدة فتح العمورية: کيف أزرى المعتصم الخليفة العباسي بقول المنجمين الذين يرون الوقت غير مناسب للغزو، فرکب فرسه يقاتل الغاصبين:
|
السَّيْفُ أَصْدَقُ أنْباءً مِنَ الکُتُبِ |
|
في حَدِّهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِدِّ وَاللَّعِبِ |
|
بيضُ الصَّفائحِ لا سُودُ الصَّحائِفِ |
|
في مُتونِهنَّ جَلاءُ الشَّکِّ وَالرِّيبِ |
(1992م، ج 1، ص 14).
ويمدح الرشيد في قصيدة شجاعة الممدوح وعدم اهتمامه بعلم النجوم في حروبه، بل يقدم بجرأة هائلة. فبذلک استمتع بقول أبي تمام، إلا أنه حوّل المفاهيم والتشابيه وسکبها في بوتقة جديدة. فالممدوح يطلب العلی بسيوفه ويبلغ مناه بحضوره في المعارک وشبّه رکوب الممدوح علی سرج الفرس في المعرکة بجلوس الممدوح وتربّعه علی بروج الکواکب:
|
طِلابُ العُلی بِالسُّيوفِ الحِداد |
|
وَنَيْلُ المُنی فِي الحُروبِ الشِّداد |
|
بُروجُ کَواکبِهنَّ المَعا |
|
لي سُروجٌ علَی صَهَواتِ الجِيادِ |
(س، ص 37؛ ص، ص 82؛ ک، ص 20).
ولا يفوته شعر المتنبي الکبير، لما مدح سيف الدولة بجوده وشجاعته، وشبّهه بالبحر الذي يکون فيه الهلاک والموت للأعداء وفيه النفع والدرر للأصدقاء، وکيف يحصل علی الغنائم بسيفه الصقيل ويفرّق هذه الغنائم بين أتباعه وجيوشه مسرورا ضاحکا:
|
هُوَ البَحْرُ غُصْ فيهِ إذا کانَ ساکِناً |
|
عَلى الدُّرِّ وَاحذَرْهُ إذا کان مُزْبِدَا |
|
وتُحْيي لَهُ المالَ الصَّوارمُ وَالقَنا |
|
وَيَقْتُلُ ما يُحْيي التَّبَسُّمُ وَالجَدا |
(1983م، ص370).
وهکذا الوطواط يحذو حذو المتنبّي في هذا المضمار يتحدّث بصراحة عن نفع الممدوح وضرّه للعالمين فيشبّهه بالبحر:
|
أَرى مِنْکَ نَفْعَ العالَمَينَ وَضَرَّهُم |
|
کَذا البَحْرُ مِنْهُ لِلْوَرى النَّفعُ والضَّرُّ |
(س، ص37؛ ص، ص 82).
ويقول في موضع آخر:
|
جَمَعْتَ الکُنوزَ بِسَيْفٍ صَقيلٍ |
|
وَفَرَّقْتَهنَّ بِکَفٍّ جَوادِ |
(س، ص 37؛ ص، ص82؛ ک، ص 20).
وهکذا يحدث بعض تغييرات في شعره يترفّع نفسه عن التقليد الأعمی. يقول المتنبي في وصف قلعة الحدث التي بناها سيف الدولة في بلاد الروم وأحاطها بجيشه ليخلّصها من يد العدو اللدود، وهو ينسب لونها الأحمر بسقيها من دماء جماجم القتلى:
|
هَـلِ الحَـدَثُ الحَـمْراءُ تَعـْرِفُ لَوْنَها |
|
وَتَعْلَـــمُ أَيُّ الســـاقِيَينِ الغَمــائِمُ |
|
سَــقَتْها الغَمــامُ الغُـرُّ قَبـْلَ نُزولـهِ |
|
فَلمَّا دَنــا مِنْهـا سَـقَتْها الجَمـاجِمُ |
(1983م، ص 385).
شبه الوطواط دماء الأعداء بالخمر وکأسها بجمجمة العدوّ الذي يشبه أسد الوغی، ولکن يتغلّب الممدوح عليه شاربا من دمه:
|
کُؤوسُکَ وَالخَمْرُ الَّتي تَسْتَطيبُها |
|
جَماجِمُ آسادِ الوَغی ودِماؤُها |
(س، ص 31؛ ص، ص 65؛ ک، ص 27).
4ـ1ـ5. المعارضة
قد وصلنا ـ في نهاية المطاف ـ إلی القسم الثالث من التفاعلات النصية، وهو المعارضة. أما المعارضة فهي نقل أثر ما، يحاکي فيه المولف أسلوب أثر سابق يکون ذات شهرة واسعة غالبا (جرجور، 2008م، ص 9). کان الشعران الجاهلي والعباسي مصدرا جعله الشعراء نصب أعينهم حيث أصداء هذا الشعر واسعة في الشعرين الفارسي والعربي. فطالما أنشد عنصرى ومنوچهرى وغيرهما قصائدهم علی غرار الشعراء الجاهليين. فلم يکن الوطواط خارجا من دائرتهم في هذا المضمار.
ومن الأساليب المعروفة في الأدب العربي هو الوقوف على الأطلال ومخاطبة شخص ليشارک الشاعر في همومه، وکذلک المقدمة الغزلية قبل الدخول في الموضوع الرئيس للقصيدة؛ هذه کلها شاکلة القصيدة العربية منذ الجاهلية حتی العصور المتأخرة. فنری کيف عارض الرشيد هذا الأسلوب في أشعاره. هذه المعاني الغزلية الواردة في مقدّمة القصائد تُظهر لنا مدی معرفة الشاعر بالشعر العربي القديم؛ فالشاعر هائم في الصحارى يتطلّب لقيا حبيبته سلمی أو سليمی وليلی الساکنات بنجد:
|
لِسَلْمى مَنْزِلٌ نَفْسي فِداه |
|
بِنَجْدٍ لا يُفارِقُني هَواهُ |
(س، ص 46؛ ص، ص 103).
وکذلک يصف هجران الحبيبة العامرية، والدموع مهراقة والأحزان محرقة والأشواق ملتهبة، ونوح الحمامة تهيج أحاسيس الشاعر، وسنا برق من جانب ديار الحبيبة يؤجّج شوقه. لقد صارت هذه المفاهيم أسلوبا لدى الشعراء في العصور المتقدّمة:
|
أَلا هَلْ لِهَجْرِ العامِريةِ مَغْرِبُ |
|
ألَا هَلْ لِوَصْلِ العَامِريةِ مَشْرِقُ |
|
تَأجَّجُ أشْوَاقي إِذا شَامَ مُقْلَتي |
|
سَنا بَارقٍ مِن أرْضِها يَتَألَّقُ |
|
حِمَامي يُدْنِيهِ فُؤادٌ مُشَوَّقٌ |
|
وَشَوْقي يُذْکيهِ حَمَامٌ مُطَوَّقُ |
(س، ص42؛ ص، ص 93).
وقد عارض الشاعر أبا العتاهية في قصيدته الشهيرة في مدح المهدي الخليفة العباسي والتشبيب بجارية الخليفة، عُتبة. والقصة مشهورة في کتاب الأغاني وسائر الکتب. يقول أبو العتاهية:
|
أَلا مـــا لِسَيِّدَتي مــا لَها |
|
أَدَلّا فَأَحْمِـــــلَ إِذْلالَها |
|
وَإِلّا فَفيمَ تَجَنَّتْ وَمــا |
|
جَنيْتُ سَقى اللّٰه أَطْلالَها |
|
أَتَتْهُ الخِلافَــــــةُ مُنْقادَةً |
|
إلَيْهِ تُجَــــرِّرُ أَذْيــالَها |
|
وَلَوْ رامَها أَحَـــــدٌ غَيْرُهُ |
|
لَزُلْزِلَــتِ الأَرْضُ زِلْزالَها |
(1986م، ص 375).
يقول الوطواط علی القافية والبحر أنفسهما يتناحی مع نظرائه العرب الغربيين في روضة شعره کما يتجاوب الطيور المغرّدة في البساتين:
|
سَقی بِالخُليْصاءِ أطْلالَهَا |
|
سَحائبُ يَسْحَبنَ أذْيالهَا |
|
خَليلَيَّ لَيلی طَوَتْ صُحْبَتي |
|
فَقُولا فَدْيتُکُما ما لَها |
|
أَيا مَلِکاً لا تُری غايَةٌ |
|
مِنَ المَجْدِ إلاّ وقَدْ نالهَا |
|
عَلَوْتَ الجيادَ لحَرْبِ العُداة |
|
فَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلزالهَا |
(س، ص 43؛ ص، ص 95؛ ک، ص 25).
ونختم المقال بمعارضة شعرية أخری عارض قصيدة أبي نواس الرائعة في مدح الخصيب، عندما قصده في مصر مخاطبا حبيبته ويشکو من جيرانه متمنّيا البلوغَ إلی بلاط الخصيب في مصر حتّی يزيل ما عنته عنه:
|
أَجارةَ بَيْتَيْنا أبوکِ غَيورُ |
|
وَميْسُورُ ما يُرْجَى لَديْکِ عسيرُ |
|
وَجــاوَرْتُ قــَوْمـاً لا تــزاوُرَ بَيْنـَهُمْ |
|
ولا وَصْلَ إلاّ أنْ يَکونَ نُشُورُ |
|
تَقـولُ الَّتي عَنْ بَيْتِها خَفَّ مـَرْکبي |
|
عَزيزٌ عَلَيْنا أنْ نَرَاکَ تَسيرُ |
|
أَما دونَ مِصْرٍ لِلْغِنَى مُتَطَلّبٌ؟ |
|
بَلى إنَّ أسْـبـابَ الغِـنَى لَـکَـثــيــرُ |
|
ذَريني أُکَثِّرْ حاسِديکِ بِرِحْلَة |
|
إلى بـَلَـدٍ فيـهِ الخَصيـبُ أَميــرُ |
(1984م، ص480).
والوطواط يخاطب حبيبته ویخبرها بعزمه علی السفر وابتغائه المعالي ويشکو ـ علی غرار أبي نواس ـ من حضوره بين بخلاء لا يليقون بالمجالسة ويطلب المعروف من الممدوح. والخطوط العامة للقصيدتين تنم عن التناصّ بينهما ووجود شعور مشترک بين الشاعرين، إلا أنه من يقرأ هذا الشعر لا يحسّ بالتقليد البارد وضعف البنيان، وکأنّ الوطواط يناطح بقصائده القمم الشامخات في الأدب العربي لا في أشعارهم المألوفة، بل في روائعهم الشعرية:
|
بَدا سَفَرٌ لي يا أُمَيْمَةُ شاسِعٌ |
|
وَدَوٌّ لأَخْماسِ المَراسيلِ واسِعُ[7] |
|
تَرَحَّلْتُ أجْنابَ الفَلا أَبْتَغِي العُلی |
|
فَما سَعْيُ مَنْ یَبْغي المَعاليَ ضائِعُ |
|
إلامَ مُقامِي بَيْنَ أظْهُرِ مَعْشَرٍ |
|
لَدَيْهِم رِباعُ المَکْرُماتِ بَلاقِعُ |
|
أُخَيِّمُ في أَکْنافِ دارٍ عِراصُها |
|
لأَنْجُمِ أرْزاقِ العُفاةِ مَطالِعُ |
(س، ص 40؛ ص، ص 88؛ ک، ص 22).
الخاتمة
بناء علی الأسئلة المطروحة الأربعة في المقدمة، نشير إلی أبرز ما وصلت إليه المقالة، وهي ما يلي:
ـ دراسة النصوص في ضوء الأدب المقارن تساعدنا في الکشف عن الثقافات المؤثّرة علی نص آخر وعقد المقارنة بين النص الشعري الراهن والنصوص الشعرية القديمة المؤثّرة عليه. رأينا الدراسات التناصية خاصّة الاتساعية النصية عند جيرار جينيت خير منهج للوقوف علی نماذج هذه التأثيرات التي تلتقي فيه الدراسات المقارنة والدراسات التناصية في کشف الصلات التاريخية ودراسة التأثير والتأثر. وعندما نوحّد النزعة المقارنية والتناصية، فلنبدأ بتبيين النقاط المشترکة بين النص أو النصوص السابقة والنص الحاضر، ثمّ نؤکد علی أصالة النص الثاني وقدرة الأديب والمؤلف في المزج بين فکرته وآراء من سبقه واستلهامه منها.
ـ لاحظنا أن الشاعر تأثر بالنصوص الدينية والأشعار الجاهلية والعباسية عامة، وأشهر القصائد وعمالق الشعراء خاصّة، واستخدم معانی النصوص وألفاظها وأخيلتها، کلما تتاح له فرصة ويتطلب نصّه الشعري. أظهرت هذه الدراسة صلة الشاعر الشعرية بشعراء الصعاليک، وأصحاب المعلقات والنقائض، والمولّدين في العصر العباسی، کبشار بن برد، وأبی نواس، مروراً بأبی العتاهية، وأبي تمّام، والمتنبي، وأبي العلاء، و...، فلکلّ من هؤلاء الشعراء وقصائدهم الرائعة أصداء في شعره.
ـ أمّا الباعث لخوض الشاعر في هذا الغمار، فيمکن أن نفسّره بطلب التقاط درر المعاني وتدبيج شعره بها وإظهار اطلاعه ومدی وقوفه علی هذا التراث الضخم وتبيين مقدرته الشعرية في المعارضات الشعرية. فيمکن أن نستنتج من هذا الشعر المحکمِ البنيان، أنّ هذا الشاعر الإيراني، شاعر فحل يستحقّ أن ننظر إلی شعره بنظرة الإعجاب والتقدير.
ـ وأما بالنسبة إلی کيفية تعامل الوطواط مع هذا التراث وتوظيفه في شعره، فقد رأينا حضور الأقسام الثلاثة من أنواع التفاعلات النصية في الاتساعية النصية في شعره، فلم يکتف الشاعر بالمحاکاة وإدخال اللفظ في شعره، بل امتصّ المعاني الشعرية، وحوّلها إلی عقود شعرية. وفي القسم الثالث، أي المعارضات الشعرية، يتراءی الشاعر ممتلکا ناصية الشعر وقد أبدع القصائد الغُرّ التي تنافس روائع الشعر العربي. وقد لاحظنا ـ أخيرا ـ أنّ شعر المديح والمقدّمات الغزلية والحماسة مصدر عذب للتروّي منه، وفقا لما يتطلّب شعره الأرستقراطي في البلاط الخوارزمشاهيين من المدح والحماسة.
[1]. Gérard Genette
[2]. Julia Kristeva
[3]. Paratextuality
[4]. Meta Textuality
[5]. Hhypertext
[6]. Hypotext
[7]. شرح الکلمات
دوّ: الفلاة الواسعة؛ أخماس: من الفلوات ما بعُدَ ماؤها حتى يکون ورود الإبل في اليوم الخامس وأن ترد الإبل الماء في اليوم الخامس من ورودها السابق فيکون بين الوردين ثلاثة أيام جمعه أخماس، مراسیل: جمع المرسال، الناقة السهلة السير والسریعة.