Document Type : Research Article
Authors
1 Assistant Professor of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Razavi University of Islamic Sciences, Mashhad, Iran
2 College of Arts, University of Religions and Denominations, Iraq
Abstract
Keywords
Main Subjects
تعد التداولية منهجا جديدا من مناهج الدراسات اللسانية الحديثة. فظهرت وتطورت في السبعينيات من القرن العشرين، إبان الانقسام التاريخي الهام في مسار المعرفة المعاصرة على يد أوستين[1]، ثم طورها تلميذه، سيرل[2]. فإنه يختلف عن أوستن في أنّ الأول كان يؤكد على مقاصد المتكلم؛ بينما يؤكد الثاني على تفسير المستمع أو المخاطب (خليفة، 2007م، ص 107). وعليه اهتمت التداولية بالكلام والأداء أو ما يعرف بمقاصد المتكلمين من خلال دراسة اللغة وكيفية فهم المتكلمين بعضهم بعضا، فجمعت بهذا بين التركيب والدلالة والسياق، فكانت عبارة عن امتداد لجهود الاتجاه الوظيفي التواصلي؛ لأنه يعنى بدراسة اللغة في السياق.
ولقد ارتبطت التداولية بتحليل الخطاب، حيث تمكنت من تقديم تفسير ناجح لعملية التخاطب، بعد أن أخفق الاتجاه البنيوي في ذلك، متجاوزة دراسة اللغة إلى دراسة الخطاب والعناصر الخارجية المحيطة به من زمان ومكان التخاطب والمتكلم والمخاطب، لكي توضح مقاصد المتكلم والمعنى المراد إيصاله للمخاطب.
فالتداولية إذن درس لغوي ثري جدا، وذلك بما قدمه من أفكار ومفاهيم ورؤى جديدة، حيث ساعدها على ذلك ارتباطها واتصالها بالعديد من الدراسات الأخرى على غرار الدرس اللغوي الحديث، كالمنطق، والسيمياء، وعلم الاجتماع، وغيرها. وكان لهذا الفرع الحديث، أي التداولية، أهمية كبيرة في تطوير علوم اللغة، فأصبح علما قائما بذاته له مناهجه واتجاهاته، يعتمد على: الافتراض المسبق، والاستلزام الحواري، والإشاريات، وأفعال الكلام. وتعتبر هذه الأخيرة هي محور بحثنا باعتبارها من أهم النظريات الحديثة التي شغلت الباحثين، وتعتبر جوهر الاستعمال ولبّه، وهي من أهمّ مجالات التداولية.
وأما من ناحية بيان المسألة، فقد تعددت القراءات للأثر الأدبي بحسب الاتجاهات والمدارس اللسانية، وصولا إلى آخر ما توصلت إليه اللسانيات الحديثة، المتمثل في اللسانيات التداولية التي شقت طريقها من اللغة إلى الأدب، كقراءة جديدة للإنتاجية الأدبية، تراعى فيها كل عناصر الاتصال اللغوي ذات المستويات المتداخلة، كالبنية اللغوية، وقواعد التخاطب، وعلاقة البنية بظروف الاستعمال.
ومن هذا المنطلق، فجاءت دراسة الخطاب التراثي لشعر الطغرائي والتركيز على أفعاله الكلامية في ضوء تصنيف سيرل، لما لأشعاره من خصائص كلامية متميزة، يصعب على القارئ أحيانا استكناه ما ورد في طياتها. ففي غضونها المزيد من الأحداث التاريخية والاجتماعية التي تُعزى إلى إرهاصات الفترة التي عاشها الشاعر، وتحمل أيضا تصورا للوضع الاقتصادي والسياسي أيضا؛ لذلك يجدر بنا أن نستكشف تلك القيم التداولية التي تمكّن الشاعر من إيصالها لمتلقيها، وإنجاز أفعال كلامية، تتناسب ومقاصده، وعليه فلا بدَّ من معالجة ما يعتورها من ملابسات وإزاحة اللثام عنها.
وأما هدف البحث، فتنحو الدراسة إلى تبيان دور الأفعال الكلامية في شعر الطغرائي وعلاقاتها في الكلام ودورها في التأثير والتأثر، وتحليل الخطاب الشعري، لبيان مقاصده، ودراسة الوظيفة التبليغية للجمل في نصوصه، ضمن تصنيف سيرل للأفعال الكلامية وباستغلال إمكانياتها التحليلية، وصولا إلى البنية الكلية لقصائد الطغرائي، وكذلك إبراز ما يرمي إليه الشعر والتأثير في المتلقي وتبيين المقصود الحقيقي لقول المتكلم.
وأما أهمية البحث، فلكونه تطبيقًا على مدونة شعرية، تكشف عن اقتدار الشاعر على توظيف الجمل. والتداولية تعتمد على فهم كل جملة مكونة للنص وعلاقتها بباقي الجمل الأخرى، وصولاً إلى البنية الدلالية الكبرى في شعره؛ إذ إنّها تكشف عن السمات التركيبية. ومن جانب آخر، تعدّ الأفعال الكلامية من أكثر الظواهر اللغوية انتشارا في النصوص. ومن أهمّ معطيات النص التي تسهم في نصيته وانسجامه، فضلا عن جدّة البحث؛ إذ إن شعر الطغرائي لم تدرس أفعاله الكلامية دراسة تداولية.
وأما منهج البحث، فهو المنهج الوصفي ـ التحليلي المعتمد علی التداولية في ضوء تصنيف سيرل، مستعينا بالإحصاء في الكشف عن الوظائف التداولية للجملة في شعر الطغرائي، واستقراء أفعالها الكلامية، واستنطاقها، وصولا إلى ما نروم إليه في هدف البحث.
ويسعى البحث إلى الإجابة عن سؤالين رئيسين:
ـ ما تجليّات ظاهرة تداولية الأفعال الكلامية لشعر الطغرائي في ضوء تصنيف سيرل؟
ـ كيف استطاع الشاعر أن يوظّف الأفعال الكلامية في شعره؟
1ـ1. خلفية البحث
هناك دراسات غير قليلة تطرقت إلى موضوع النظرية التداولية واتجاهها المحدد الأفعال الكلامية؛ ولكن لم نعثر على دراسة مستقلة كعنوان بحثنا، تتناول الشعر الطغرائي من منظور سيرل. ولعل أقرب الدراسات إليه، هي ما يلي:
رسالة عنوانها الفعل الكلامي، دلالته ومقاصده في الأعمال الشعرية الكاملة المجلد الرابع لأديب كمال الدين، لقندوز بسمة، وقتال رميسة (2019 ـ 2020م). فقد اعتمد الباحثان على نظرية الأفعال الكلامية في ضوء تصنيف جون سيرل.
ورسالة عنوانها أفعال الكلام في لامية ابن الوردي، لمحمد أمين روماني (2019 ـ 2020م). فقام الباحث باستخراج الأفعال الكلامية في لامية ابن الوردي، للكشف عن بعد تداولي في شواهد شعره.
وأخيرا، مقالة بعنوان الأفعال الكلامية في سورة حجر، وفق نظرية سيرل: الإخباريات نموذجا دراسة تداولية، لرشا محسن عباس وبتول مشكين فام (2022م).
تختلف دراستنا عن الدراسات المذكورة أولا: بتناول شاعر لم يتطرق الباحثون إلى شعره من المنظور التداولي، وفقا لرؤية سيرل؛ ثانيا: طريقة عرض الشواهد المتنوعة على حسب التصانيف الخمسة، وتحليل أفعالها الكلامية تركيزا على مقاصد المتكلم، والكشف عن مراده اعتمادا على سياق الكلام وقرائن الأحوال؛ ثالثا: تحاول الدراسة أن تميط اللثام عما يعتور النص من غموض في إدراك نية الشاعر واعتقاده وإرادته أو رغبته في توظيفه لأفعال الكلام ضمن أنساقها اللغوية.
بالعودة إلى معاجم اللغة العربية في معالجتها للجذر "دول"، نجدها تكاد تتطابق في تعريفاتها، عدا بعض الزيادات في بعضها على بعض؛ إذ جاء في مقاييس اللغة: «أن الدال، والواو، واللام، أصلان: أحدهما يدل على تحوّل شيء من مكان إلى مكان؛ والآخر يدل على ضعف واسترخاء» (1999م، ج 2، ص 314).
وورد في أساس البلاغة: «دول: دالت له الدولة، ودالت الأيام بكذا، وأدال اللّٰه بني فلان من عدوهم، جعل الكثرة لهم عليه، وأديل المؤمنون على المشركين يوم بدر، وأديل المشركون على المسلمين يوم أحد..، واللّٰه يداول الأيام بين الناس مرة لهم ومرة عليهم ...» (1996م، ج 1، ص 288). ويبدو واضحا أن التحول من ملفوظ إلى دلالة منطوقه عبر الأنساق اللغوية يقربنا من المفهوم الاصطلاحي الذي سيأتي ذكره.
ويعرفها مسعود صحراوي بقوله اصطلاحا: «هي مذهب لساني يدرس علاقة النشاط اللغوي بمستعمليه، وطرق وكيفية استخدام العلامات اللغوية بنجاح، والسياقات والطبقات المقامية المختلفة التي ينجز ضمنها (الخطاب)، والبحث عن العوامل التي تجعل من الخطاب رسالة تواصلية واضحة وناجحة، والبحث عن أسباب الفشل في التواصل باللغات الطبيعية» (2005م، ص 15). وعليه فالذي ميّز المنهج التداولي، وجعله وسيلة مهمّة لتحليل الخطاب اللغوي هو كونُ اللغة جاء نتاج تفاعل وامتزاج بين مجموعة من العلوم المتنوعة، منها ما هو لغوي، ومنها غير لغوي، للوصول للغاية المنشودة، وهي إيصال الفكرة إلى المتلقي بأحسن صورة.
وكما عرف الباحثون العرب في دراساتهم المعاصرة الفعل الكلامي على ضوء ما تناقلوه من المؤلفات الغربية. فيقول مسعود صحراوي: بالرجوع إلى مكتبة كل من الفيلسوف أوستين مؤسس هذه النظرية، وتلميذه سيرل الذي طور هذه النظرية بعده، نجد أن الفعل الكلامي عندهما يعني: «التصرف أو العمل الاجتماعي أو المؤسساتي الذي ينجزه الإنسان بالكلام؛ ومن هنا فالفعل الكلامي يراد به الإنجاز الذي يؤديه المتكلم بمجرد تلفظه بملفوظات معنية» (المصدر نفسه، ص 83).
ويعد مفهوم الفعل الكلامي مفهوما نظريا حديث النشأة، وهو طابع اجتماعي يتحقق بمجرد التلفظ به من أجل إنجاح عملية التواصل. ولا بدّ للفعل الكلامي من شروط، يستوفيها ليكون ناجحا، وهي: «أولا: المحتوى القضوي: وظيفته وصف مضمون الفعل؛ ثانيا: شروط جوهرية ترصد الغرض التواصلي من فعل الكلام، والذي يلزم المتكلم بسلوك ينسجم مع ما يفرضه عليه ذلك الفعل؛ ثالثا: شروط الإخلاص أو (الصدق): تحدد الحالة النفسية للمتكلم أثناء إنجازه الفعل، ولا بدّ أن يكون جادا؛ رابعا: الشروط التمهيدية: تتصل هذه الشروط بقدرات واعتقادات المتكلم ومقاصد المستمع» (عباس ومشكين فام، 2022م، ص 409). وبتوفر هذه الشروط، تتمّ العملية التواصلية، وتصل إلى ذروتها في التأثير والتأثر استعانة بالخطاب بين المتخاطبَينِ.
اعتمد سيرل في تقسيمه للأفعال الكلامية على ثلاثة أسس منهجية، هي: 1ـ الغرض الإنجازي؛ 2ـ اتجاه المطابقة؛ 3ـ شرط الإخلاص. ومن ثم جعلها على خمسة أصناف، وهي: الإخباريات أو التوضيحيات[3]، والهدف منها وصف واقعة معينة من خلال قضية[4]، وتتميز باحتمالها الصدق والكذب، وباتجاه المطابقة فيها من القول إلى العالم، بحيث يكون القول مطابقا للوقائع الموجودة في العالم الخارجي، وهذا الصنف أيضا هناك أفعال الأحكام التي من خلالها يستطيع المتكلم إصدار أحكام وإيضاحات لتسهيل عملية الحكم عليها بالصدق أو الكذب، ودرجة الاعتقاد تختلف أو تتراوح بين "يقسم"، و"يقترح"، و"يفترض"، ويمكن للجوانب الانفعالية أن تدخل كما في "يفتخر بـ"، و"يشتكي" (بوجادي، 2009م، ص 76؛ خليفة، 2007م، ص 125).
الطلبيات أو التوجيهيات[5]، والغرض منها حمل المخاطب على أداء فعل أو عمل معين. ويكون اتجاه المطابقة فيها من العالم إلى القول، وشرط الإخلاص فيها يتمثّل في الإرادة والرغبة الصادقة، والمحتوى القضوي فيها هو دائما فعل السامع شيئا في المستقبل (بلانشيه، 2007م، ص 69 ـ 70). ومن جهة «يتمثل هدف هذه الأفعال في توجيه المرسل إليه إلى فعل شيء ما، ويحاول المرسل تحقيق هذا الهدف بدرجات مختلفة، تتراوح بين (اللين والإغراء والاقتراح أو النصح) وبين الأمر مستقبلا، وأن يكون المطلوب منه قادرا على الإنجاز» (أحمد، 2002م، ص 79 ـ 80)، بمعنى أن لأفعال التوجيهات أهدافا لا تتحقق إلا بتوفر شرطين هما: أن يكون الأمر (الطلب) في المستقبل، وأن يتناسب الأمر مع قدرة المأمور، وهذا لأجل تحقق إنجاز الفعل التوجيهي.
الالتزاميات أو الوعديات[6]، والغرض منها أن يلتزم المتكلم بالقيام بعمل ما في المستقبل، ويكون اتجاه المطابقة فيها من العالم إلى القول، وشرط الإخلاص فيها هو القصد، والمحتوى القضوي فيها دائما فعل المتكلم شيئا في المستقبل، أي المتكلم نفسه الذي يتعهد بالقيام بالعمل (خليفة، 2007م، ص 125).
الإفصاحات أو التعبيريات[7]، وغرضها الإنجازي هو التعبير عن الموقف النفسي تعبيرا يتوفر فيه شرط الإخلاص. وليس في هذا الصنف اتجاه مطابقة، وهي أقل وضوحا من الأصناف الأخرى؛ إذ لا يحاول المتكلم أن يجعل الكلمات تطابق العالم الخارجي، ولا العالم الخارجي يطابق الكلمات. وتدخل في هذا الصنف، أفعال الشكر، والتهنئة، والاعتذار، والتعزية، والترحيب. ويعبر هذا الصنف عن حالة سيكولوجية تعبيرا يتماشى وشرط الإخلاص. وعدم وجود اتجاه المطابقة راجع إلى أنها لا تقصد مطابقة العالم للكلمات أو مطابقة الكلمات للعالم، بل القصد هو صدق القضية (أحمد، 2002م، ص 79 ـ 80؛ خليفة، 2007م، ص 126).
التصريحيات أو الإعلانيات[8]، والغرض منها إحداث تغيير في العالم الخارجي. وأهم ما يميزها عن الأصناف الأخرى أنها تُحدث تغييرا في الوضع القائم، فضلا عن أنها تقتضي عرفا غير لغوي. واتجاه المطابقة فيها قد يكون من الكلمات إلى العالم، أو من العالم إلى الكلمات، ولا يحتاج إلى شرط الإخلاص، ويتضمن أغلب الأفعال الشعائرية، كما أوردها أوستن في البداية (بلانشيه، 2007م، ص 66؛ خليفة، 2007م، ص 126 ـ 130). وما يميز هذا الصنف من الأفعال كون أدائها ناجحا، حيث يطابق محتواها القضوي للواقع؛ مثلا إذا أعلن شخص ما الحرب وكان هذا الشخص مخوّلا لهذه المهمة كما أنه يوجد في المكان المناسب للقيام بهذا الفعل، فإن الحرب قد أعلنت فعلاً (أحمد، 2002م، ص 79). ويتميز هذا الصنف بما يحققه المُعلِن في الخارج من فعل إنجازي يتوافق والعرف السائد، لغويا كان أم غير لغوي.
3ـ1. الإخباريات (التقريريات) في شعر الطغرائي
الأفعال الكلامية الإخبارية تربط المتكلم بحقيقة ما يقال. الغرض من هذه الأفعال هو التحدث عن شيء ما قد يكون قضية أو مشكلة. تتضمن الوظيفة التصريح بشيء، والإبلاغ، والإخطار، والشرح، والدفاع، والرفض، وغيرها (بيرم، 2009م، ص 90؛ بلخير، 2003م، ص 54). فإنّ للمواقف والأحداث التي يمر بها الإنسان تأثيرا مباشرا في حياته، وينتظم التأثير في جوانب اجتماعية، وأخرى ذاتية، كالخوف والغضب، والسرور، والحزن، والحب، والكراهية، والصبر، والجزع، وما إلى ذلك من جوانب شخصية الفرد التي تدخل ضمن الجانب العاطفي والانفعالي.
وقد وردت الأفعال الكلامية الإخبارية في شعر الطغرائي في مواضع كثيرة. وربما يرجع هذا إلى طبيعة الشاعر الذي يبحث عن الذات والهوية والانتماء والحنين، وكلها أمور تتطلب من أفعال الكلام ـ غالبًا الإخباريات والتعبيريات والتوجيهيات ـ أكثر من غيرها.
وإنّ الطغرائي كان من أندر شعراء عصره على بثّ آلامه ومعاناته وأحاسيسه وخلجات نفسه في أشعاره التي جاءت تجسيدا وتصويرا لما ألمّ به من مصائب ونكبات قرحت فؤاده وأسبلت دموعه بالتصبر تارة، وبالتفجع تارة أخرى. فكان تصويره هو الآخر نادراً؛ إذ نلاحظ أنّ الشاعر قد وطّن نفسه على التحمل والتجمل، عند حلول المصائب ومساس المكاره. فجاءت أشعاره ناطقة بجميل الصبر، ونافع الحكم لكل جيل. ومن ذلك قوله:
|
إنْ يَحْلُ دَهرٌ أو يَمَرَّ فإننِّي |
|
في حالتَيْهِ مُجمِلٌ مُتَجمِّلُ |
|
أوْ حالَ ما بيَني وبَيْنَ مَطالبي |
|
خَطْبٌ فذَلكَ حائلٌ مُتَحوِّلُ |
|
لا تأمُلُنَّ بَني الزَّمانِ فطالَما |
|
أَكدَى وخابَ الآمِلُ المُتأمِّلُ |
(1986م، ص 310).
فلا شك أن دوام الحال من المحال؛ لذا فإن الشاعر يؤكد أن الدهر دائم التقلّب بين الحلو والمرّ، وهو في حالتيه صابر متصبر، لا يتيهه خطب أو تنال من عزيمته نائبة. ولعله دأب الشاعر أن يجعله منهج حياة، تتعاقبه الأجيال. وقد عمد الشاعر في مزج الثنائيات "يحلو الدهر ـ يمرّ"، و"فإني ... مجمل ـ متجمل"، و"حال ... فذلك حائل ـ متحول"، وهو تداخل ضدي يشير إلى مجاهدة النفس بسلاح الصبر، ويكشف عن صراع داخلي يعانيه الشاعر ويحاول تناسيه.
ومن الملاحظ أن أفعال الأقوال التي مرّ ذكرها لها دور كبير في توضيح المعاني العميقة والمقصودة في الأبيات؛ إذ إنها أنجزت أفعالا كلامية تنمّ على الصدق في عدم بقاء حال الدهر على ما هو عليه. فينبغي التصبر على تقلباته، كما أن أهمية إنجاز الفعل في النص الشعري تتمحور حول قضية تلامس الذات البشرية في التحول من حالة إلى أخرى، قد تكون من حالة اليسر إلى العسر أو من حالة الحياة إلى الفناء. وهي صورة تبين حقيقة الدنيا، وتعكس لنا مدى إيمانه بالقدر خيره وشره وحلوه ومرّه.
وما يزال الشاعر يرمّم تصدّعات نفسه التي انهزمت، وآماله التي اندثرت، فيواسي من داهمته الخطوب مواساة حكيم خبير بتجارب الحياة، ويحذّر من غررته الدنيا بدوام نعيمها، فانجرّ وراءها غير مكترث، فيقول:
|
تَأبى صُروفُ اللَّيالي أنْ تُديمَ لنا |
|
حالا، فَصبرًا إذا جاءَتكَ بالعَجَبِ |
|
إنْ كانَ نَفسُكَ قد مَنَّتكَ كاذِبةً |
|
دَوامَ نُعْمىً فلا تَغترَّ بالكَذِبِ |
|
أوْ خَيَّبتكَ لَدَى البَأْساءِ مِنْ فَرَجٍ |
|
يُديلُ منها فَكَذِّبْها ولا تَخِبِ |
(المصدر نفسه، ص 86).
تفيض الأبيات بالحكمة، وكان لأقوال الأفعال الإسنادية الواردة فيها، وهي "تأبى صُروفُ ...، إنْ كانَ نَفسُكَ ... أوْ خَيَّبتكَ ..." أثر كبير في بيان محتواها القضوي ومقاصدها الحكمية الإخبارية وما يزعمه المخاطب في إنجاز الأفعال الكلامية المرجوّة في إبلاغ النصيحة صادقا في زعمه موافقا للواقع الملموس، وتتضمن ثلاث نصائح غالية، الأولى: الصبر وعدم الجزع عند حلول المصائب؛ لأن الجزع يجلب غضب اللّٰه، ولا يغير من الواقع شيئا؛ الثانية: عدم الاغترار بالدنيا بتصديق أمانيها الكاذبة؛ لأنها سرعان ما تتوالى على المرء بالمصائب؛ الثالثة: عدم اليأس من لطف اللّٰه ورحمته عند نزول الكربات؛ لأن اليأس سَمْتُ الكافرين. فرحمة اللّٰه واسعة يصيب بها من يشاء من عباده. وهذه الأمور تكشف عن عمق التصديق الإيماني في قلب الشاعر، وتغلّب الوازع الديني عليه.
ولتأكيد هذه المعاني وتقريرها في ذهن المتلقي، كرر الشاعر كلمة "الكذب" بصيغها المختلفة "كاذبة، بالكذِب، فكذِّبها"، وقد جاء مدلولها بمنزلة صفة لازمة للدنيا، ليؤكّد الطغرائي ثبوت صفة الكذب لها تدليلا على القوة الإنجازية. فقد جاء بقول الفعل عبر صيغة الأمر "كذّبها"، ليدل على التجدّد والاستمرارية في الحال والاستقبال، لينبّه إلى فعل كلامي توجيهي يدعو إلى ضرورة الصبر على تقلبات الدنيا، ودوام الحذر أثناء كلماته. ويقول في الحلم وتحمل الأذى أعدائه وحساده:
|
صَبَرْتَ عَلى المَكْروهِ مِنْ نَفَرٍ |
|
لوْ شِئتَ حَكَّمتَ فيهمْ كفَّ مُنتصِرِ |
|
تَعْدو عَليْكَ رجالٌ لوْ هَمَمْتَ بهِمْ |
|
صاروا فَرائِسَ بَيْنَ النَّابِ والظُّفُرِ |
|
تُغْضي إلى أنْ يُقالَ العَجزُ أَلزمَهُ |
|
ذُلَّاً وتَصْبرُ حتَّى لاتَ مُصْطبرِ |
|
حتَّامَ تحلِمُ مِنهُمْ غيرَ مُنْتَقمٍ |
|
والحِلْمُ يَنْزِعُ أحياناً إلَى الخَوَرِ |
|
وهَبْهُمُ الماءَ مَوَّاراً على حَجَرٍ |
|
والماءُ يَنقرُ في صَلْدٍ مِن الحَجَرِ |
(المصدر نفسه، ص 156 ـ 157).
أقوال الأفعال الواردة في الأبيات الشعرية على صيغة الخطاب، وهي "صبرتَ، شئتَ، حكّمتَ، هممتَ"، جاءت لإنجاز أفعال كلامية في بيان التقرير عما تعاني الذات، كما أن الأفعال الأخرى من الماضوية والمضارعة "تعدو، صاروا، تغضي، تصبر، تحلم، ينزع، ينقر"، ساهمت في إظهار حالة نفسية مرتبكة يعيشها الشاعر، وتتناسب والمحتوى القضوي، وهو الإخبار عن احتماله الأذى وتوخي الحلم في مداراة من يريد النيل منه على رغم قوته.
وواضح أن اللوم والإنكار هنا هما من النفس للنفس. فالشعور بخيبة الأمل يكون عظيم الخطر، قوي الأثر لدى من يتحسسون في أنفسهم تميزاً أو تفرداً لم يتفهمه المجتمع، كما هو شأن الطغرائي في قوله: "... وتَصبرُ حتَّى لاتَ مُصْطبرِ"؛ إذ يخلّف في النفس حيرة لا تنفك عنها، ويترك فيها ندوباً على الأيام لا يندمل أثرها. ومما يترجم هذا الذي يرمي إليه أن الشاعر هنا يوظّف أسلوباً شعرياً عبر الإسناد القضوي يصور اضطراباً نفسياً يجعلنا نقف على بعض هذا التململ من نفسه ومن غيره لعدم تفهم لمكانته وقوته للنيل منهم، إلا أنّ حلمه يحول دون ذلك. ويقول فيها أيضا:
|
فَقُلْتُ: أَنَّهمُ عِندي وكيدُهُمُ |
|
كالكَلبِ إذ باتَ يَعْوي صَفْحةَ القَمرِ |
|
إنِّي أَبَتْ ليَ أخلاقٌ مُهذَّبةٌ |
|
أنْ أسلمَ الحِلمَ بينَ الْحِقْدِ والضَّجَرِ |
|
بالرِّفْقِ أبْلُغُ ما أهواهُ من أَرَبٍ |
|
وصاحِبُ الخُرقِ مَحمولٌ على خَطَرِ |
|
والسُّمُّ يَبْلغُ في رِفقٍ مَكيدتَهُ |
|
ما ليسَ يَبلغُ كَيدا الصَّابِ والصَّبِرِ |
|
والحِقدُ كالنَّارِ في الزَّندينِ إنْ ترُكا |
|
تَكمُنْ وإنْ أُغريا بالقَدْحِ تَسْتَعرِ |
(المصدر نفسه، ص 157).
يلاحظ أنّ أقوال الأفعال الواردة هي "قلت ..، بات، أبت، أسلم، أبلغ، يبلغ، ترك، تكمن، أتلف"، بعد إسنادها القضوي أظهرت لنا أفعالا كلامية خلقت أجواء نفسية يعانيها الشاعر من كيد الزمان ورجاله. فهؤلاء الناس قد طبعت قلوبهم على الغدر والحسد. وليس هناك ما يشغلهم عن الغدر بالطغرائي. فهذا الشعور كان شعوراً ملازماً للشاعر، والذي زاد في حدة هذا الإحساس هو الغربة وبعده عن وطنه. فجعله ذلك يشعر بأنه كالغَرَض يُرمى مما أتاح لهم أن ينهشوا من لحمه. فرأى من الأفضل له الحلم والترفق بهم لنيل مقاصده ما يدل على صدقه في ما يزعمه إزاء أعدائه.
والذي تظهر فيه فلسفة الطغرائي وحكمته في توظيفه الحجج العقلية والبراهين، كوسيلة إنجازية وقوة تأثيرية لتوصيل الفكرة وإقناع المتلقي بحلمه واحتماله للأعداء والحساد. فهم كالكلب يعوي في وجه القمر ليلا ولا تأثير لعوائه عليه. فالحقد كالنار في الزند. فإن تركتها أصبحت خفية، وإن هيّجتها به اشتعلتْ. ويقول أيضا:
|
وأَكْثرُ النَّاسِ مَنْ يُشقَى بِصُحْبَتِهِ |
|
ومُصطَلي النَّارِ لا يَخلو مِنَ الشَّرَرِ |
|
تَشابهٌ في طِباعِ الشَّرِ بَيْنهُمُ |
|
علَى اخْتِلافٍ مِنَ الأهْواءِ والصُّوَرِ |
|
يَمضي السِّنانُ على مِقْدارِ مُنَّـتِهِ |
|
فِي الطَّعنِ والوَخْزِ أَقْصى منهُ بالإبرِ |
|
إنْ يَضْطهدنيَ مَن دوني فلا عجبٌ |
|
هوَ الزَّمانُ يَصيدُ الصَّقْرَ بالنَّغَرِ |
(المصدر نفسه، ص 157 ـ 158).
نلاحظ أنّ أقوال الأفعال في الأبيات الشعرية، وهي "أكثر ... يشقى، مصطلي ... لا يخلو، تشابه في طباع الشر ...، يمضي السنان، يضطهدني من ...، هو الزمان يصيد ..."، أنجزت لنا بعد إسنادها القضوي أفعالًا كلاميةً تصور أجواء نفسية يعانيها الشاعر، وقد حققت غرض الإبلاغ وإسداء الإرشاد وأخيرا الفخر بنفسه، وقد تحققت القوة الإنجازية في نقل الحقائق بأمانة، وكان الشاعر صادقا في تقريره؛ لأن الطغرائي يصف واقعا محددا عاشه ولمسه في مجتمعه آنذاك. فقد وظّف أفعال الأقوال المضارعة، لينقل لجمهور المتلقين مشاهد محددة تمثلت بانتهاء علاقته بصحبه وأصدقائه لظلمهم وحسدهم الذي لحقه منهم ومن الزمن. ويمكن للقارئ أن يتخيّل مدى ألم الشاعر ومعاناته؛ إذ يحكي عن الوضع الجديد الذي فرض عليه قسرا. ويستدرج قائلا:
|
ولا يَغُرَّنْكَ نَوْرٌ راقَ مَنظرُهُ |
|
إذا تَفَتَّقَ عنْ مُرٍّ مِنَ الثَّمَرِ |
|
قد يُدْركَ الغايةَ القُصوى عَلى مَهَلٍ |
|
أخو الهُوينا وقد يَنبتُّ ذو الخُضُرِ |
(المصدر نفسه، ص 158).
تتجلى أفعال الأقول في السياق اللغوي، كـ"يغرنك ...، تفتق ...، يدرك ...، ينبت ..."، بعد إسنادها القضوي الخبري إلا في الأولى على سبيل الطلب بأسلوب النهي. وقد تحققت أفعالا كلامية تمثل المحتوى القضوي في إسداء النصيحة لنفسه ولغيره وتقرير ما يدفعه إلى الصبر والتحلّي بالتأني، حيث تظهر الحكمة مرة أخرى واضحة جلية في شعره بمنزلة قوة إنجازية مؤثرة؛ إذ تعد الحكمة مطية يتكئ عليها الطغرائي للتنفيس عن همّه وحزنه، فتظهر بأنها سلوة لذاته، يحثها على عدم الانخداع بالمظاهر، بل لا بدّ من توخي الدقة في معالجة الأمور المهمة. فالغرض الإنجازي يوافق حالته النفسية التي تدل على معاناته وتجشّمه تهم الحسّاد وكيدهم وأذاهم.
ومن ثمّ عبر الأبيات الآتية، راح يدفع نفسه إلى القناعة بما عنده، والتحكم بالرأي، والحذر مما فضله على الآخرين، وعدم الوقوف أمام تيار الدهر وحيداً. ومن ثم يحثّ نفسه قبل غيره على الرضا بما قسّمه الدهر له من خيره وشره، فيقول:
|
فَاقْتَنعْ بِمَيسورِ ما جادَ الزَّمانُ به |
|
وطالما رَضيَ المكفوفُ بالعَوَرِ |
|
وَربَّما كانَ فَضْلُ المَرْءِ مُتلفةً |
|
وإنَّما تَلفُ الأَصدافِ بالدُّررِ |
|
منهُ ويَنسِبُ ما يَجْني إلَى القَدَرِ |
|
منهُ ويَنْسِبُ ما يَجني إلى القَدَرِ |
(المصدر نفسه، ص 158 ـ 159).
هنا حقّقت أفعال الأقوال في سياقها "اقتنع ...، رضي ...، كان ...، تلف ...، والمرء يحسب ...، ينسب ..."، بعد إسنادها القضوي الخبري إلا في الأولى على سبيل الطلب بأسلوب الأمر، أفعالا كلاميةً إنجازيةً. فإنّ نفس الطغرائي توّاقة إلى بلوغ المعالي، ولم تكن لتهدأ؛ إذ كانت بحاجة إلى التميز بعقلية مندفعة ومسعى حثيث، وذلك بشعرية تمتاز بالحكمة التي تحكّمت بها التجارب الطويلة حتى جعلت منه خبيرا في أمور الحياة والصبر، ما جعلت أخباره موافقة للواقع صادقة.
فقد جاء المحتوى القضوي ذا دلالات كبيرة، وإشراقات متعددة، توحي بقوة روح قائلها وطموحها وإقناعها بما تملّكه في الدهر، وتوحي الأفعال الكلامية بقوتها الإنجازية في بيان رؤية الشاعر وإحساسه العميق بالقلق الذي يسيطر على نفسه نتيجة حقد الناس وحسدهم، إضافة إلى تطلّعات النفس واضطرابها، وذلك جليّ في قوله: "وطالما رَضيَ المكفوفُ بالعَوَر".
ومن ناحية أخرى، الحال تصور ظلّ العالم الذي كان يفتقده الشاعر في عالم الواقع الذي يعيشه بين الناس؛ إذ كان يبحث عن الولاء الحقيقي أو الصديق الحقيقي، فلا يجده. فهو وسط شريحة اجتماعية مستمرة بالخيانة والغدر والنيل منه. والبيت الثاني المعلل بالتشبيه الضمني ينمّ على القوة الإنجازية في بيان شعوره بالمحاصرة والاغتراب اجتماعيا بينهم، ولا خيار أمام مرهفي الحس إلا أن يلجأوا إلى عوالم الخيال والحلم، وفيهما قد يحققون ما ينقصهم في عالم الواقع.
3ـ2. الطلبيات (التوجيهيات) في شعر الطغرائي
يدخل في هذا الصنف الاستفهام، التشجيع، أي كلّ ما يقوم به المتكلم من محاولات لأجل التأثير في السامع، وتقوم وجهة الإنجازي في الأوامر على محاولة المتكلم التأثير على المخاطب بفعل شيء ما (باللين أو العنف)، وهي محاولة جعلت المستمع، يتصرف بطريقة تجعل تصرفه متلائما مع المحتوى التوجيهي. وفعل التوجيه هو تغيير عن رغبة أن يقوم المستمع بالفعل الموجه له، وتتجسد التوجيهات في الأوامر والنواهي والطلبات والتمني والنص (سيرل، 2006م، ص 123). بمعنى أن هذا النوع من الأفعال يقوم على تعبير المخاطب في قيام المتلقي ومحاولة جعله يقوم بما يوجهه له. وقد وردت هذه الأفعال في شعر الطغرائي متجلية بقوة إنجازية متنوعة.
لعل المعنى القضوي للأفعال التوجيهية عند الطغرائي يدور في فلك الإغراء، والالتماس، والرجاء، والاستعطاف، والدعوة من أجل إطلاق سراحه وردّ حريته عليه؛ إذ تأتي هذه الأفعال الكلامية في سياق مديحه لذوي السلطة الذين يملكون التصرف في أمره، وعليه فاتجاه الخطاب من الأدنى إلى الأعلى، من المسجون إلى سجّانه، أو من المأمور إلى أميره، كذلك تتفاوت الأفعال في درجة مباشرتها. فمرة تأتي بصورة طلب مباشر، وأخرى غير مباشرة معتمدة على السياق التداولي والعرف غير اللغوي لإيصال المعنى المتضمن في القول. ومن الأفعال التوجيهية، قوله يستهدي المداد:
|
يا مَنْ إذَا اجْتَمَعَ الكتَّابُ كانَ لهُ |
|
فضْلُ الإمارةِ مُقْتادًا كَتيبتَها |
|
شَكَتْ إليْكَ دَواتي شَيبَ لمِـَّتِها |
|
وأنْتَ أَخلقُ مَنْ طَرَّى شَبِيبتَها |
(1986م، ص 105).
ورد الفعل الكلامي التوجيهي غير مباشر، عن طريق قول الفعل الأدائي المحذوف "أدعو" في سياق النداء؛ إذ إنّ حرف "يا" أقيم مقامه لكثرة الاستعمال. ويلاحظ طريقة الطغرائي بإسباغ المعاني النبيلة على ممدوحيه. فنجده يصف ممدوحه بالفضل والقيادة، وهي وسيلة تأثيرية للوصول إلى غايته ورغبته التي يصرّح بها بقوله: "شكت إليك دواتي شيب لمتها"، فيحاول التأثير في المخاطب واستعطافه، لما يعانيه وما لحقه رجاء لطفه وعنايته. وجاء وصف الممدوح بالفضل والقوة والرأفة لقدرته على إنجاز الفعل الكلامي "... طَرَّى شَبِيبتَها"، مستقبلا، تماشيا مع سياق القول. وغاية الكلام الإنجازية والتأثيرية تتمثل بتغيير الواقع الذي يعيشه نحو الأفضل. ويقول في عينيته يرثي مؤيد الملك، وقد قتل في الوقعة الواقعة بين السلطانين محمد وبركيارق:
|
مَنْ ذا رأى البدرَ المُنيرَ وقد هَوى |
|
في التُّربِ، والطَّودَ الرَّفيعَ وقَد نُعِي |
|
مَن ذا رأى الأسَدَ المُدِلَّ ببأْسِهِ |
|
شِلْواً طَريحاً بالعَراءِ البَلْقَعِ |
|
مَن ذا رأى المَلِكَ المُحجَّبَ بارزاً |
|
مُلقًى بمنزِلةِ الذَّليلِ الأَضْرَعِ |
|
مَن ذا رأى الأَنِفَ الحَمِيَّ يَقودُهُ |
|
كَفُّ المَنيَّةِ بالخَشاشِ الأَطْوَعِ |
|
أَعْزِزْ عَليَّ بأنْ أُسَرِّحَ ناظِرِي |
|
في مجَمعٍ وسِواكَ صَدْرُ المَجمعِ |
|
أَعْزِزْ عَليَّ بأنْ يُحدِّثَ نَفْسَهُ |
|
بالأمنِ بَعدَك كلُّ نابي المَضجعِ |
(المصدر نفسه، ص 236).
لقد صاغ الشاعر في هذا النص سلسلة من الاستفهامات الموحدة بتوظيف اسم الاستفهام "من" مع قول الفعل الذي يليه "رأى"؛ إذ يشكّل ـ أول تساؤل فيه ـ فعلا كلاميا مباشرا. فواضح أنّنا لا ننتظر جوابا عن ذلك الاستفهام. ومن ثم خرج الاستفهام عن معناه الحقيقي لأداء أغراض بلاغية أخرى. ويتضح من هذه التساؤلات أن الشاعر ربما يحاول أن يستثير المخاطب للإجابة النفسية عنها دون النطق بها، أو أنّه راغبٌ في إقناعه بمضمون السؤال لكي يكون الجواب مؤثرا من خلال قيمة السؤال المطروح (بوقرة، 2008م، ص 48). وقد ولدت طريقة طرح الأسئلة إيقاعا بعمق الحيرة التي خلفتها الأسئلة "من ذا رأى البدرَ المنيرَ ..."، و"من ذا رأى الأسَدَ ..."، و"من ذا رأى الملِك ..."، و"من ذا رأى الأنِفَ ...".
وهذا المستوى الإيقاعي الذي صنعته الأسئلة، سار بوتيرة أفضت إلى إنجاز فعل كلامي غير مباشر نبا بانقضاء الأسئلة. وقد شكّلت بنية النص الكلية مجموعةً من أفعال قولية أنتجت أفعالا كلامية إنجازية، تمثّلت في أنساق الاستفهام. والحال الداخلية تحكي التلاؤم لما أفرزه الشاعر في النص من حزنه وألمه على فقدان المرثيّ، وكأنه يتمنى وجوده من خلال إلحاحه في استعمال الاستفهام المكرر. وقال مجاريا قصيدة الشريف الرضي:
|
ضَمِنتُ لِصَحْبي أنْ أُفيقَ وقد أبتْ |
|
ضَمانةُ قلبي أنْ أَفي بِضَماني |
|
فمَنْ لامَني فَليُطْعمِ الحُبَّ قلبَهُ |
|
لِيَعلمَ هَلْ لي بالسُّلوِّ يَدانِ |
إلى قوله:
|
وكيفَ أُرجِّي أَنْ أُفَكَّ وهيِّنٌ |
|
على طُلَقاءِ الحيِّ أنَّيَ عاني |
|
ذَخرْتُكما يا صاحِبيَّ لِشِدَّةٍ |
|
فإنْ لمْ تُعِينا فاذْهبَا ودَعاني |
(1986م، ص 387).
يلاحظ هنا أنّ الشاعر أجرى حوارا ذاتيا خياليا بينه وبين صاحبيه، ليخلّصاه مما يعانيه من أسر الهوى الذي لم يذق بعده طعم الراحة. فجاء السياق واضحا في إبراز المحتوى القضوي كما في قوله: "فَليُطْعمِ الحُبَّ"، لإنجاز بيان التعجيز، وإرسال الرسالة إلى المخاطب بأن تجربة الحبّ ليست هيّنة، ولتأكيده أردفه بالاستفهام بأداة "هل" الخارجة من دلالتها الحقيقية إلى المجازية، وهي النفي أي لا راحة له.
ومن هذا المنطلق، أتى الشاعر مستفهما بقوله: "وكيفَ أُرجِّي ..."، لإنجاز مفهوم لطيف، وهو أنّ غير العاشق طليق؛ ولذلك لا يشعر بما يعانيه الأسير في فخّ الحبّ. وعليه فلا يرتجي الفكاك، ثم شفع هذا الحوار بأسلوبي النداء والأمر الدَّالين على التحضيض "يا صاحبي ... فاذهبا ودعاني"، ليعبر بدقة عن الحالة المأساوية التي يمر بها.
وعلى هذا، نلاحظ تحقيق المطابقة عن طريق توجيه رسالة من المرسل (الشاعر) إلى المرسل إليه (صاحباه) حاملة خطابا على نحو الالتماس يرجى تحقيقه. فالأفعال الكلامية في هذه الأبيات الشعرية جاءت لتحقق إنجاز طلبيّ مفاده مرارة الحبّ وتحمل الجزع وأسر الحبّ وصعوبة المواساة. وقوله أيضا في رثاء مؤيد الملك في وصف حاله بعد مقتله:
|
أَيْنَ الحُصونُ الشَّامخاتُ فِناؤها |
|
وَزَرُ الذَّليلِ وعُصْرةُ المُتَمَنِّعِ؟ |
|
أينَ الذَّخائرُ حُزْتَها لِمُلِمَّةٍ |
|
تُخْشَى بَوادرُها، وخَطْبٍ مُضْلِعِ؟ |
|
أيْنَ الأُغَيْلَمةُ الخِفافُ إلى الوَغى |
|
يَغْشَوْنَهُ مِنْ حاسِرٍ ومُقَنَّعِ؟ |
|
أَيْنَ السِّماطُ تَكرُّ في أطرافِهِ |
|
لحَظاتُ مَصحوبِ الفُؤادِ مُشَيَّعِ |
|
أيْنَ الحِجابُ إذا تَقَرَّى أَهْطَعَتْ |
|
زوَّارهُ مِن ساجِدينَ ورُكَّعِ؟ |
(المصدر نفسه، ص 243).
هنا، أنجزت سلسلة من الأفعال الكلامية عبر أسلوب الاستفهام؛ إذ إنها أظهرت لنا فكرة رئيسة، أراد الشاعر إيصالها إلى القارئ، مفادها أنّه بموت مؤيد الملك، فقدت وضاعت الخيرات والنعم، حيث يردّد الشاعر أداة الاستفهام "أين" التي توحي باضطراب الشاعر وحسرته، مما يضفي على النص موسيقى حزينة تناسب جوّ الافتقاد، وتعكس تلك الصدمة التي مُني بها الشاعر بفراق الملك. والاستفهام ما يغني المعنى، ويمنحه امتدادات من الظلال والألوان والإيحاءات الحزينة.
يأتي تكرار "أين" انعكاسا لحوادث الحياة، وتعد رغبة الشاعر في عودة الماضي المشرق بوجود المرثي، بمعنى أنّه يمثّل شدة وقع الفجيعة. ومن هنا، كان التكرار في غرض الرثاء أكثر من غيره لمناسبة الفجيعة التي يجدها المتفجع، ولذا فإننا نجد في الجزع لفقد الأحبة تكرارا للجملة أو العبارة فضلا عن تكرار اللفظة، لتوحي بثقل الفكرة وعظيم المعاناة والألم الذي يكابده الشاعر نتيجة لهذا الفراق. فالتكرار يضع في أيدينا مفتاحا للفكرة المتسلطة على الشاعر أو لنقل أن الشاعر بأسلوبه هذا يمثل جزءًا من الهندسة العاطفية للعبارة التي حاول فيها أن ينظم كلماته، بحيث يقيم أساسا عاطفيا. وهنا، يظهر الدور الكبير للغرض الإنجازي في إيصال الفكرة والمعنى المنشود، ويتوافق العالم مع المنطوق. وقال في انتهاز الفرص:
|
بادِرْ بِفُرْصَتِكَ الزَّمانَ ولا |
|
تَلْبَثْ فإنّ الفَوتَ في اللَّبثِ |
|
إنَّ الحَوادِثَ في أَجنحةِ الـْ |
|
أيَّامِ وهيَ سَريعةُ الَحثِّ |
(المصدر نفسه، ص 106).
تؤكد الأفعال الطلبية حقيقة واحدة، وهي استغلال الفرص التي أتيحت لك؛ لأنّ الشخص الذي يعرف استغلال الفرص هو الناجح في حياته. وإنّ الأفعال القولية تتجلى في استعمال صيغتي الأمر والنهي "بادرْ ...، لا تلبثْ ..."، فهما من مصاديق الطلبيّة. فمحتواها القضوي في السياق الشعري هو إسداء النصح والإرشاد لكل إنسان غير متردد في أمره يستغل الفرص التي يواجهها في حياته، ويستثمرها بصورة الصحيحة. فإنه يستطيع أن يواجه حوادث الأيام القادمة التي لا تمهل أحدا عند حلولها. فالشاعر شديد الرغبة في نقل الرسالة موجزة وإنجاز المخاطب لها في المستقبل؛ لأنها جاءت معللة في البيت الثاني. وقوله: "وهيَ سَريعةُ الحَثِّ"، خير دليل على ذلك.
3ـ3. الالتزاميات (الوعديات) في شعر الطغرائي
الالتزاميات أفعال كلامية يقصد بها المتكلم الالتزام طوعا بفعل شيء للمخاطب في المستقبل مرة أخرى بدرجات متفاوتة، بحيث يكون المتكلم مخلصا في كلامه عازما على الوفاء بما التزم به، كأفعال الوعد والوعيد، والمعاهدة، والضمان والإنذار ... وما إلى ذلك (أحمد، 2002م، ص 104). والالتزاميات في شعر الطغرائي غير قليلة، ومنه قوله في نفي الهمّ:
|
رُوَيْدَكَ فَالهُمومُ لَها رتِاجُ |
|
وعنْ كَثَبٍ يَكونُ لها انْفِراجُ |
|
أَلمْ تَرَ أنَّ طولَ اللَّيلِ لمَّا |
|
تَناهَى حانَ لِلصُّبحِ انْبِلاجُ |
(المصدر نفسه، ص 107).
يبدأ الشاعر هنا بفعل إنجازي بقوة الرؤية استعانة بالاستفهام وجزم الفعل القولي "ألم تر"، موضحا بعدها النتيجة أنّ الليل مهما طال، فسوف ينبلج الصبح. فإنّ التزامه بما تعهّد به من قبل "عن كثب يكون لها انفراج"، فجاء بالفعل "ترَ"، موضحا التزامه الكامل بما وعد به وتعهده معلَّلا ذلك بقوله: "أن للصبح انبلاج"، وبذلك الفعل الإنجازي في صدر البيت الأول "رويدك فالهموم ..." مشوِّقا.
هنا، القارئ يستشعر صدق الشاعر وإخلاصه وإيمانه والتزامه بما يعده لمخاطبيه؛ لأنّ الكل يعلم أنه مهما تكثرّت المصائب والمصاعب، فلا بدّ من فرج يعقبها، وهي سنة جارية في الكون، مما ينمّ على صدق التجربة الشعرية وبراعتها، وهو نوع من الالتزام الضمني الذي يستشفه المتلقي، ويتأثر به تأثرا يسري إلى عقله ووجدانه بلا تكلف؛ إذ جاء التزامه موافقا من العالم إلى الكلمات. وقال في قصيدته يشكو:
|
فما عَهْدُ أحْبابي عَلَى البُعْدِ ضائعٌ |
|
لَديَّ ولا ظِلُّ الوَفاءِ بقالصِ |
|
وَما أَنا عمَّا اسْتَوْدَعوني بِذاهلٍ |
|
وَلا أنا عمَّا كاتَموني بِفاحِصِ |
(المصدر نفسه، ص 207).
هذا وعد والتزام منه بعلو كعبه في الشعر وغيره. فنلاحظ أنّ مجموعة من الأفعال الكلامية الالتزامية الواردة في هذه المقطوعة "فما عهد أحبابي ... ضائع، ولا ظل ... قالص، وما ... استودعوني، ولا أنا ... كاتموني"، كل هذه الأفعال الكلامية جاءت للتأكيد على التزامه بأنّه متّسم بصفة الوفاء والأمانة وكتم الأسرار؛ إذ صاغ الشاعر جملة من المعاني تتخللها نبرة الالتزام والمفاضلة، كما في الأبيات التي تليها. وقد أنجز الطغرائي أفعالا كلامية التزامية هو الوفاء لما عاهد نفسه، أي أن الشاعر ملتزم بفعلها مستقبلا مصرّحا بذلك على أنه يسير متّبعا خطوات من سبقوه، لينتج أفعالا التزامية معتمدة على المعاني السابقة، حين ذكر قبل البيتين المذكورين قوله: "نزاهةَ نفسي طالباً وسماحتي ..."، لينص على شخصيته المتميزة. وقال واصفا حاله وكرم طبعه:
|
سَأحْجُبُ عَنِّي أُسْرتي عِنْدَ عُسْرَتي |
|
وأُبرزُ فيهمْ إِنْ أَصبتُ ثَراءَا |
|
ولي أُسْوةٌ بالبَدْرِ يُنْفِقُ نورَهُ |
|
فَيخْفَى إِلى أنْ يَستجِدَّ ضِياءَا |
(المصدر نفسه، ص 41).
نلاحظ أنّ الشاعر أيضا في معرض كلامه عن الوعديات، حيث إنّه افتتح الأبيات الشعرية بالفعل القولي "سأحجب"، للدلالة المستقبلية القريبة. وإذا كان اتجاه المطابقة في الالتزاميات مرجعه المتكلم، وأنه لا يحاول التأثير في السامع، فهي أفعال كلامية يقصد بها المتكلم الالتزام طوعًا بفعل "الحجب" للمخاطب في المستقبل، وقد بدا مخلصا في كلامه عازما على الوفاء بما أدلى به (أحمد، 2002م، ص 104). وهو الاختفاء عند الضيق من أعين أهله وظهوره عند غنائه وإشراكهم في يسره وغناه. إذن غرضها الإنجازي هو التزام الشاعر بما تعهدّه في المستقبل. وظهر اتجاه المطابقة في هذه الأفعال من العالم إلى الكلمات، كما تحقق شرط الإخلاص هو القصد؛ لأنه أهل لذلك وحاله تنص على ذلك. والفعل القضوي فعل الشاعر مستقبلا. وعليه فالوعد هنا تمسّكه بفضائل الأخلاق ومكارمها. وأنشد مستعطفا، وهو على شرف الموت قائلا:
|
وَلَقدْ أَقــــولُ لـمَنْ يُسـَــدِّدُ سـَهْمــَـهُ |
|
نَحْوي، وأَطرافُ المَنيَّةِ شُرَّعُ |
|
والموتُ في لحظاتِ أَخزرَ طـَرفُهُ |
|
دونـِي وقَلْبي دونَــهُ يَتَقَطَّعُ |
|
بِاللّٰه فَتِّشْ عــَنْ فُؤادي أوَّلا |
|
هل فيهِ للسَّهمِ المسَدَّدِ مَوضِعُ |
|
أَهـْـوِنْ بــهِ لـوْ لـمْ يـَـكنْ فــي طَيِّهِ |
|
عَهْدُ الحَبيبِ وسِرُّهُ المُستودَعُ |
(المصدر نفسه، ص 249 ـ 250).
روي أنه عندما عزم السلطان محمود على قتل الطغرائي، أمر أن يربط إلى الشجرة، ليكتب ما يقوله الطغرائي في حالته هذه، وأمر السلطان الرجال أن لا يرموا حتى يشير إليهم. وبعد ذلك بقليل، أنشد تلك الأبيات، فرقّ له السلطان، وأمر بإطلاقه في ذلك الوقت (الصفدي، 2000م، ج 12، ص 268).
وعلى هذا المنوال، نجد أنّ الشاعر الطغرائي حين يخاطب السلطان "ولقد أَقــــولُ لمن ..."، وهو على وشك الموت، يدور في الحلقة نفسها من إلزام نفسه بالشكر والمودة وسيرورة المدح والاستعطاف ثابتا في وفائه عند الممات، وكأنّ الشاعر في إسناده القضوي كما في قوله: " باللّٰه فَتِّشْ ..."، أو قوله: "أَهــوِنْ بــهِ ... عهد الحبيب"، يسعى لبيان إخلاصه لحبيبه الملك، وأخيرا الحصول على حريته؛ لذا فإنّه هنا يرى نفسه ملزما بالثبات على عهده وولائه للمخاطب الذي بيده إنقاذه، وهو يريد من ذلك تقديم وعد ضمني، بأنه باق على ما كان عليه حتى بعد الممات مستقبلا بمنزلة المحتوى القضوي. وهذا ما يدلّ على أنّه صادق في دعواه. ومن شعر الطغرائي في الفخر:
|
أبَى اللّٰه أنْ أَسْمو بِغَيْرِ فَضائِلي |
|
إذا ما سَما بالمالِ كُلَّ مُسَوَّدِ |
|
وإنْ كرُمَتْ قبلي أَوائلُ أُسْرتي |
|
فإنِّي بِحَمْدِ اللّٰه مُبدأُ سُؤدُدي |
(1986م، ص 131).
هنا نلاحظ أن الأفعال الكلامية الالتزامية تدل على ترغيب نفسه وحثّها على المكارم من قبيل الأفعال "أن أسمو، كرمت". فالملاحظ أنهما فعلان كلاميان دالّان في طيّاتهما على الترغيب في نيل ما يقصده الشاعر من مجد وعزة نفس؛ ونتيجة هذا إلزام نفسه على القيام بأفعال سامية مستقبلا، كما هو عليه في الحال التجددي، بحيث يكون الطغرائي مخلصا في كلامه عازما على الوفاء بما التزم. ومن ناحية أخرى، تتوافق الحال والمحتوى القضوي، وهو إنجاز مكارم الأخلاق وجميل الشمائل والطبائع التي تتمتع بها نفسية الشاعر فعلا. وقال من قصيدة يمدح بها نظام الملك:
|
لِقاءُ الأمانِي في ضَمانِ القَواضِبِ |
|
ونَيْلُ المَعالي فِي ادِّراعِ السَّبَاسِبِ |
|
إِذا ما ارْتمَى بِالمَرْءِ مَنْسِمُ ذِلَّةٍ |
|
فَلَيْسَ لهُ إِلّا اقْتِعادُ الغَواربِ |
|
وما قَذَفاتُ المجدِ إِلّا لِفاتكٍ |
|
إِذا همَّ لمْ يَسْتَقْرِ سُبْلَ العَواقبِ |
|
إِذا اسْتافَ ضَيْماً عادَهُ خُنْزُوانةٌ |
|
وشَمَّمَ عِرْنِينَ الألَدِّ المحاربِ |
(المصدر نفسه، ص 45).
إنّ الأفعال الكلامية هاهنا ينوي فيها المتكلم الالتزام طوعاً بالقيام بشيء ما للمخاطب في المستقبل. واستعمال "إذا" الزمانية المتضمنة معنى الشرط في السياق الشعري، يدل بوضوح على أن المتكلم عازم على الوفاء بما التزم به عبر تحقق فعل الشرط. وما مراده من استعمال "المرء" في البيت الثاني، و"الفاتك" في البيت الثالث، إلا نفسيته الأبية وذاته السامية، وإن كان مدلولهما تشمله وتشمل غيره.
ويظهر أنه يكون صادقاً في كلامه لإلحاحه على الابتعاد عن الذل ونيل المعالي وتحمّل المشاقّ، مهما كلّفته الصعوبات في اجتياز الطريق الوعر نيلا للمقاصد العالية. وعليه فنلاحظ أنّ الأفعال القولية "لقاء ... ضمان القواضب، نيل الأماني ... في ادراع، إذا ما ارتمى ...، إذا همَّ ...، إذا استاف ..."، تدل في سياقها على أفعال كلامية التزامية لإنجاز المحتوى القضوي، وهو الوعد والضمان على حصول العزة والحرية والكرامة.
3ـ4. الإفصاحات (التعبيريات) في شعر الطغرائي
فقد تبيّن سابقاً أنّ ما يشعر به المتكلم يعبر عن حالات نفسية بشكل جمل تعبر عن سرور أو ألم أو حزن أو عما هو محبوب أو ممقوت. ويمكن أن يسببها شيء يقوم به المتكلم أو المستمع، غير أنها تخص خبرة المتكلم وتجربته. فوجهة الإنجاز فيها هو التعبير عن موقف نفسي تعبيرا يتوفر فيه شرط الإخلاص (يول، 2010م، ص 90). وهي تتمثل باختصار على ما يلي:
التعبيريات النفسية: البوحيات المعبرة عن حالات نفسية هي انفعالات لا غير، ولا يمثل الفعل المتضمن في القول إلا الكشف عنها، وهي لا تكون موجهة إلى مخاطب بالضرورة. والأفعال التعبيرية هي معيار للانفعالات النفسية الشعورية التي يستطيع الفرد بفضلها أن يعبر عن كل حالة نفسية بلفظ معين يدل عليها، ويستهدف المتكلم من إنجاز الأفعال التعبيرية بعامة النزاهة بالنسبة إلى حالة الأشياء (بلانشيه، 2007م، ص 66).
التعبيريات الاجتماعية: البوحيات الممثلة لأفعال اجتماعية تلازمها انفعالات نفسية. ويكون الفعل المتضمن في القول هو الموجد لها، ولا تكون موجهة إلى مخاطب بالضرورة. والمتكلم يريد أن ينفّس بهذه القدرة التعبيرية عن ضغوطاته الداخلية، فيحس بالراحة النفسية بإبانته استجاباته الداخلية للمؤثر الدافع به إلى هذا التعبير (أوستين، 1991م، ص 165؛ موشـــلر وريبــول، 2010م، ص 76).
ويحفل شعر الطغرائي بالمواقف التي يعبر فيها عن حالات نفسية واجتماعية صيغت بهيئات وتراكيب سطحية، حملت قوى دلالية تعبيرية، تمثل حالات وانفعالات معينة، نذكر منها: قوله أيضا يمدح مجد الملك ويهنئه بالنيروز:
|
أُهَنِّئُ مَوْلانا بِأَيْمنِ قادِمٍ |
|
تَقَيَّلَ فِي الإحسانِ أفعالَهُ الزُّهرا |
|
بِيَوْمٍ أَجدَّ الدَّهرُ فيه لباسَهُ |
|
وأَبرزَ مِنْ مَكْنونِ زِينَتِهِ الذُّخرا |
(1986م، ص 148).
إلى قوله:
|
وأُهْدِي إليْهِ رَسْمَ خِدْمَتي الَّتي |
|
تُقيمُ عُلاهُ في خَفارَتِهِ العُذْرا |
|
فَلا غَرْوَ أنْ أَهديتُ مِن فَيْضِ بِرِّهِ |
|
إليْهِ قَليلًا لَيْسَ يَعْتَدُّهُ نَزْرا |
(المصدر نفسه، ص 149).
نلاحظ أن التهنئة واضحة ضمن معاني أفعال الأقوال التعبيرية، وهي أحد مصاديق شرط المحتوى القضوي للتعبيريات؛ إذ يتعلق بالشروط المعدة التي تجعل مجرد التعبير عن الحالة النفسية تجاه الواقع. ومن الشروط المعدة للتعبيريات هاهنا تهنئة للحاكم بمناسبة عيد النيروز، وهذا تعبير عن الواقع. وهو لا يريد أن يجعل العالم مطابقا للكلمات، ولا الكلمات مطابقة للعالم، وذلك ما يجعل المطابقة في التعبيريات اتجاها فارغا. فأقصى ما يروم منه الشاعر تعبيره عن التهنئة فقط.
ويتحقق شرط الإخلاص من خلال التعبير بصدق عن التهنئة بإنجازه الأفعال الكلامية، وهي "أهنئ مولانا ...، أُهدي إليه ...، تقيم علاه ..."؛ إذ يبدأ الشاعر قصيدته بصيغة التهنئة، طَرفاها الشاعر والحاكم، وقد اجتمعا معا. والمهم في النص حضورها في السياق الشعري واستغلال استدعائها فيه ما يفضي إلى إنجاز فعل التهنئة. والقوة الإنجازية لها هي التهنئة المحفوفة بالحرارة والحفاوة؛ إذ تدلّ على تعبير نفسي ناتج عن مناسبة محددة. وقال أيضا في تعبيره عن الاعتزاز بالنفس وتحقيق الذات، وهو ببغداد:
|
أَصالَةُ الرَّأْيِ صانَتْنِي عَنِ الخَطَلِ |
|
وحِلْيَةُ الفَضلِ زانَتني لَدَى العَطَلِ |
|
مَجْدي أَخيراً ومَجْدِي أوَّلاً شَرَعٌ |
|
والشَّمْسُ رأْدَ الضُّحَى كالشَّمسِ في الطَّفَلِ |
|
فِيمَ الإِقامَةُ بالزَّوراءِ لا سَكَني |
|
بها ولا ناقَتي فِيها ولا جَمَلي |
|
نَاءٍ عن الأَهلِ صِفْرُ الكَفِّ مُنفَردٌ |
|
كالسَّيفِ عُرِّيَ مَتْناهُ مِن الخَلَلِ |
(المصدر نفسه، ص 301 ـ 302).
ما كان الطغرائي ليجهل قدر نفسه. فهو يعتبر رأيه الثابت والمحكم منعه من الخطاء والزلل، وهو لا يقبل الضيم، ولا ينام على الهوان. فما تحلى به الشاعر من مكارم الأخلاق وشمائل الفضل المحمودة، زانته ومنعته من الوقوع في الأخطاء الشائنة، ويردفها مرة أخرى بتشبيه ضمني لطيف على أن مجده ثابت لا يختلف طوال عمره، كما أن محلّ الشمس وقدرها في أول النهار نفسه في آخرها.
نلاحظ أن أفعال الأقوال التعبيرية النفسية "أصالة الرأي صانتني ...، وحلية الفضل زانتني ..."، قدمت لنا تعبيرا نفسيا حول اعتداده بالنفس وإعلاء قدرها. ومن ثمّ أشار إلى بوحياته المتمثلة في التعبيريات الاجتماعية "فيم الإِقامةُ بالزَّوراء ...، وناء عن الأهل ..."، منجزا أفعالا كلامية بها يشكو آلامه الشخصية، ويؤنّب ذاته على بقائها ببغداد؛ إذ لم تقض حاجاته من سكن أو مال، فضلا عن بعده عن الأهل واعوزازه ووحشته. وما ذلك إلا تعبير تداولي ممزوج بالتعبير النفسي والاجتماعي تركه الشاعر في نصه الشعري. وينتهي إلى قوله، يبيّن تعبيرا اجتماعيا واضحا:
|
ما كُنْتُ أُوثِرُ أنْ يَمتدَّ بي زمني |
|
حتَّى أرى دولةَ الأوغادِ والسّفَلِ |
|
تَقدَّمتْني أُناسٌ كانَ شَوطُهُمُ |
|
وراءَ خَطويَ إذْ أَمشي على مَهَلِ |
(المصدر نفسه، ص 307).
حققت أقوال الأفعال التعبيرية عبر ألفاظ "أوثر، يمتدّ، أرى، تقدمتني"، لتبيّن محتوى قضويا نفسيا اجتماعيا، كان الشاعر يلمسه بملء وجوده. فأبرزت الأفعال الكلامية التعبيرية هذا المفهوم الاجتماعي في سياق شعري واضح الدلالة؛ إذ إنّ الشاعر متقدم على كثير من أقرانه، وهم دونه بمراتب إلا أن المجتمع جعلته دونهم. وذلك ما أثار في خلد الشاعر إحساسا خائبا لما يشاهده من تضييع حقوقه ظلما. فانتقد هذه الظاهرة الفاسدة المقيتة التي تنال من الرجال الأكفاء، وتقدم عليهم من لا يستحق ذلك بلغة ساخطة ساخرة. وكان الشاعر رهيف الحس، تستشف إنسانيته من بين انثلامات وجدانه الصادقة كل الصدق في التعبير عن اهتزازات شعوره، وكانت أصداؤها قوية في نفوس من واساهم وسلاهم عند نزول الكوارث بهم. ومن ذلك قوله في نكبة معين الملك:
|
فَصَبْراً مُعينَ الملكِ إنْ عنَّ حادِثٌ |
|
فَعاقِبَةُ الصَّبْرِ الجَميلِ جَميلُ |
|
وَلا تَيْأسَنْ مِنْ صُنْعِ ربِّك إنَّهُ |
|
ضَمينٌ بأنَّ اللّٰه سَوْفَ يُديلُ |
|
فَإنَّ اللَّيالي إذْ يَزولُ نَعيمُها |
|
تُبَشِّرُ أنَّ النَّائباتِ تَزولُ |
(المصدر نفسه، ص 297).
يلاحظ أنّ الأبيات حققت غرضا إنجازيا ينطق بالتعزية الخالصة، ويستلهم منها أسمى آيات الصبر واليقين النابعة من قلب مكلوم مملوء بالحزن والأسى؛ ومن جانب آخر، تبشر بانبلاج صباح يتدفق منه الخير. فعاقبة الصبر الجميل جميل؛ إذ هي المواساة الحقيقية التي تنفرج بها الكروب، وتزول الهموم، وتكون بردا وسلاما على القلوب، فتزداد قوة بعد ضعف، ويقينا بعد ارتياب، وثباتا بعد تزلزل، خاصة إذا كان الشاعر أعقبها بمثالج تطفئ لهيب الجزع. هنا أفعال الأقوال التعبيرية "صبرا معين الملك ...، ولا تيأسن ...، إنه ضمين ... يديل، فإن الليالي ... تبشر ..."، قد أحسن الشاعر اختيارها بعد إسنادها القضوي في مواضعها، حيث جاءت للمؤاساة والتعزية، فأحدثت أفعالا إنجازية قوية مؤثرة على إثرها. وقوله في أرض ضمَّت جسده، ويدل على تفاؤله وابتهاجه:
|
هذَا الزَّمانُ يَزُفُّ أَبكارَ العُلى |
|
ويَغُضُّ طرْفًا بالرَّجاءِ مُوكَّلا |
|
يَرْنو إلَيْكَ بِطَرفِ جانٍ آمِلٍ |
|
نِسْيانَ ذنبٍ مِن جَرائمِهِ خَلا |
|
ولئِنْ أساءَ صَنيعَةً فيما مَضَى |
|
فَلْيُحسِنَنَّ صَنيعَهُ مُسْتَقْبلا |
(المصدر نفسه، ص 288).
الملاحظ أن أقوال الأفعال، وهي "هذا الزمان يزفّ ...، يغضّ طرفا ...، يرنو إليك ...، ولئن أساء ...، فليحسنن ..."، في هذه الأبيات الشعرية بعد إسنادها القضوي، أنجزت أفعالا كلامية تعبيرية، وقدمت غرضا إنجازيًّا نفسيّا، مفاده الرجاء وطلب العفو عما سلف. فالمحتوى القضوي للأبيات التفاؤل بالعفو والرجاء بالمغفرة. ويبدو أن عاطفة قوية تسيطر على نفسية الشاعر، ما تنمّ على صدق مدعاه، وتشير إلى أن الزمان يسعد قلبه ويثلج صدره.
3ـ5. التصريحيات (الإعلانيات) في شعر الطغرائي
السمة البارزة لهذا الصنف من الأفعال أن أداءها الناجح يتمثل في مطابقة محتواها القضوي للعالم الخارجي (أحمد، 2002م، ص 50).. وينبغي أن تتسع لتشمل أفعال البيع والشراء، والهبة، والوصية، والوقف، والإجارة، والإبراء من الدين، والتنازل عن الحق، والزواج، والطلاق، والإقرار، والدعوى، والإنكار، والقذف، والوكالة ... إلخ. وهذه كلها يقع الفعل بمجرد النطق بلفظها، بل إن منها ما يقع، وإن كان المتكلم هازلا وكسائر الأفعال الكلامية يشترط القصد إلى تحقق المعلن عنه، سواء أكان صريحا أم ضمنيّا. ومنه قول الطغرائي في الحِكم:
|
أَمَّا الزَّمانُ فَفي تَنْبيهِهِ عِظَةٌ |
|
لولا الغِشاوةُ في أجفانِ مَسبوتِ |
|
عصراهُ قد حَذَّرا تأكيدَ سِحرِهما |
|
كَما سَمِعْتَ بهاروتٍ وماروتِ |
|
أهونْ بِصَرفيهِ مِنْ بُؤْسٍ وَمِنْ نُعُمٍ |
|
ولا تُبَالِ بما يأتِي وما يُؤْتي |
|
ولا تَخصَّ بمَقتٍ بَعضَ سيرتِهِ |
|
فَليْسَ في الدَّهرِ شَيْءٌ غَيْرُ مَمْقوتِ |
(1986م، ص 103).
هنا، جاء الشاعر بمجموعة من الأفعال الكلامية الإعلانية، كـ"أما الزمان ... عظة، عصراه قد حذّرا ...، فليس في الدهر شيء ..."، التي تطابق الواقع الخارجي، ومحتواها القضوي مطابق أيضا له، إذا ما علمنا أنّ هذه الدنيا فيها الكثير من المواعظ والعبر؛ لكن الناس غافلون عنها.
ففي هذه الأفعال الكلامية الإعلانية، نلاحظ أن هناك اتجاهين، إما الاستجابة لهذه العبر والمواعظ، وإما الرفض؛ إذ يقترح عبر أفعال الأقوال الآتية لمخاطبيه "أهون، لا تبال، لا تخصّ"، أن ينتبه البشر لأحداث الزمن المتقلّب. فالشاعر تجسدت في قرارة نفسه الاستجابة العقلية لهذه المواضيع. فقوة إنجاز الفعل الكلامي الواقع هنا حدّد مبدأ الاستجابة لمثل تلك الأمور. وقد كتب على ظهر تقويم:
|
تَفَرَّدَ اللّٰه بالتَّقْديرِ ما اشْتَرَكَتْ |
|
فيهِ نُجومٌ وَلا شَمْسٌ وَلا قَمَرُ |
(المصدر نفسه، ص 164).
لا شكّ أنّ الشاعر توشّح شعره باللفظ الإعلاني الذي جاء بصيغة الماضي "تفرد"، بمنزلة الفعل القولي. ومن ثم بعد إسناده القضوي، أنجز فعلا كلاميا إعلانيا إيقاعيا له دلالة المطابقة للعالم الخارجي مثل ما له محتوى قضويٌّ مطابق للواقع. فإنّ له دلالة الاعتقاد بالوحدانية للّٰه سبحانه وتعالى دون غيره من كائنات الوجود، وهو حقّ مصدّق. وقوله في التصريح بمعاناة الحبّ:
|
لَعَمْرُك ما يُرْجَى شِفائيَ والهَوى |
|
لهُ بَيْنَ جِسْمي والعِظامِ دَبيبُ |
|
أُجِلُّكَ أنْ أشْكو إلَيْكَ وأنْطَوي |
|
على كَمَدي إنَّ الهوَى لَعجيبُ |
|
وآمُلُ بُرءاً مِن جوًى خامَرَ الحَشا |
|
وكَيْفَ بِداءٍ لا يَراهُ طَبيبُ؟ |
(المصدر نفسه، ص 79).
فنجد الأفعال الكلامية الإعلانية بعد إسنادها القضوي، مثل "لعمرك ما يرجى شفائي ...، أجلّك أن أشكو ...، آمل برءا ..."، تصرّح بعذاب النفس وآلامها معنويًا في طريق الهوى عبر أسلوب القسم، كما تتضافر وتتناغم مع ألفاظ أخرى حسية، مثل: "... جسمي والعظام دبيب، الحشا، طبيب"، لتصنع إطار لوحة لهيكل إنسان متعب مريض ميؤوس من شفائه، لما ألمّ به من أسقام الهوى ودواعيه، فأنحلت جسمه وأضعفت قواه. ومن خلال تلك اللوحة، استطاع الشاعر أن ينقل لنا مشاعره الحزينة التي ناسبت تنازع إحساسه بين مرارة الهوى وأمل الشفاء من سقمه. وقال في قصيدة يمدح عبيد اللّٰه بن نظام الملك:
|
فقَدْ راعَني أنَّ المَشيبَ مُسَلِّمٌ |
|
كَما رابَني أنَّ الشَّبابَ مُودِّعُ |
|
فجَلَّى شَبابًا كنْتُ أخبُطُ ليلَهُ |
|
سَنا قَمَرٍ مِنْ جانِبِ الغَوْرِ يَطْلَعُ |
|
وَأَفْنَى جَميمَ الشَّعْرِ بَعْدَ التفافِهِ |
|
قَطيعانِ عاثا فيه جُونٌ ونُصَّعُ |
(المصدر نفسه، ص 218).
حققت الأفعال الكلامية بعد إسنادها القضوي كـ"راعَني أن المشيب مسلم، كما رابَني ...، فجَلَّى شبابا ...، أفنَى جميم الشعر..."، الإنجاز الدلالي الإعلاني، حيث أعلن الشاعر هنا عن بدء مرحلة الشيب والكبر والشيخوخة ووداع الشبيبة، ومثّلت الشيخوخة جرحا داخليا في نفس الشاعر؛ لأنها خطام المنية؛ لذا سيطر عليه إحساس اليأس وغلبة النبرة التشاؤمية على تعبيره في حديثه عن هذه المرحلة، ولاسيما وهو يقارن بين الشباب والشيخوخة، ويرسم صورا متناقضة بين المرحلتين يجسد فيها الشيب مطرقا إليه بغتة ما يفضي إلى رحيل الشباب عنده. وبهذا، يظل الشيب مقرونا بالشيخوخة وهاجسا لنهاية مؤلمة. وقال مذعنا باستعلاء من دونه عليه:
|
وإنْ عَلانيَ مَنْ دُوني فلا عَجَبٌ |
|
لي أُسْوَةٌ بِانْحِطاطِ الشَّمسِ عنْ زُحَلِ |
|
فَاصْبِرْ لَها غَيْرَ محتالٍ ولا ضَجِرٍ |
|
في حادِثِ الدَّهرِ ما يُغني عنِ الحِيَلِ |
(المصدر نفسه، ص 307).
حقّق الفعل القولي "إن علاني من دوني فلا عجب"، هنا فعلا كلاميا بعد الإسناد إنجازا تمثّل بالإقرار والإنكار، الإقرار بأنّ الواشين والحسّاد سلبوا منه منصبه، ومن ثم أنكر عليهم ذلك معللا لهم عبر التشبيه الضمني في المصراع الثاني من البيت الأول، على أنه عالي المكانة حتى وإن أُخذ منه منصبه. وأمَّا تمثيله، فهو مطابق لمن يكون كحالته التي ذكرها، وشرحها من ارتفاع السفل، وانحطاط الكرام؛ لأن الشمس في الفلك الرابع، وزحل في السابع، وذلك أمر يلمسه الحسّ، ويحكم به العقل. ولما رأى الشاعر تحقق ما لا يمكن تغييره، فهدّأ نفسه، وأطفأ جمرتها عبر إسداء النصيحة لها عبر الفعل الطلبي "فاصبر لها" الذي يريد به إنجاز فعل كلامي، يرشد المتلقي، ويطيّب خاطره باتخاذ الصبر وسيلة في مواجهة تقلبات الدهر.
الخاتمة
تعبّر الأفعال الكلامية عن قصد معين للمتكلم، خلال سياقها بعد إسنادها القضوي لأفعال الأقوال على وفق رؤية سيرل. وشعر الطغرائي يتجاوب مع أفعال الكلام بصورة واسعة، يتميز بقوة إنجازها وتأثيرها في ثنايا شواهده. وقد اختلفت الأفعال الكلامية في نماذجها وأغراضها وقواها الإنجازية؛ إذ تبيّن أنّ أفعال الأقوال بعد إسنادها القضوي لها سمة بارزة في توضيح المعاني العميقة والمقصودة في الأبيات، ولها الأثر الكبير في بيان محتواها القضوي وما يزعمه المتكلم على الصعيد الإخباري، والطلبي، والالتزامي، والإفصاحي، والتصريحي في إنجاز أفعالها الكلامية المرجوّة وإبلاغها الرسائلَ المختلفة، كما في الإخبار من الإرشاد، وإسداء النصيحة، والحكمة، والتقرير لما تعانيه ذات الشاعر من القلق، والاضطراب، والأجواء النفسية التي تنتابه من الألم، وأسر الهوى، وحثّها على الحلم، والصبر، وبيان رؤاه ومشاعره المكبوتة، وما يتطلع إليه من الطموح المفقود في الدنيا، وشعوره بالمحاصرة، وبالاغتراب الاجتماعي بين أهل زمانه؛ وفي التوجيه والطلب كالتعجيز، والتحضيض، واستغلال الفرص، والالتماس؛ وفي الالتزام مستقبلا بالانفراج عن الهموم والكروب، وبالوفاء والأمانة، وبمواساته وإشراكه الآخرين في غناه، وبنيل العزة والحرية؛ وفي الإفصاح عن تهنئته وتعزيته للشخصيات، وعن تفاؤله بالعفو ورجائه بالمغفرة، وعن القضايا الاجتماعية النفسية؛ وفي التصريح بالاستجابة للعبر والمواعظ، وبوحدانية اللّٰه دون غيره، وبعذاب الهوى وآلام النفس، وبحلول الشيخوخة ووداع الشبيبة، وبالإقرار والإنكار. ووصل البحث إلى أن الشاعر استعان في إنجاز أفعاله الكلامية بوسائل مختلفة، كالحجج، والبراهين، وتنوع صيغ أفعال الأقوال من الجمل الخبرية والإنشائية بأساليبهما المتنوعة، والمستوى الإيقاعي استعانة بالتكرار، والهندسة العاطفية، بمنزلة قوة تأثيرية لتوصيل الفكرة وإقناع المتلقي القارئ، حتى يستشعر القارئ صدق الشاعر وإخلاصه في تجربته الشعرية. وأخيرا، اتضح أن الأفعال الكلامية من الإخبارية والطلبية والتعبيرية أكثر شيوعًا وتناولا لما تفصح عن أفكار الشاعر ورؤاه ونوازعه النفسية وتليها الالتزامية والإعلانية.
[1]. Austin
[2]. جون روجرز سيرل (J. R. Searle)، فيلسوف لغوي أمريكي، وأحد أبرز فلاسفة اللغة المحدثين، ولد سنة 1932م، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا. ومن أهم مؤلفاته: أفعال الكلام، والتعبير والمعنى القصدية العقل واللغة والمجتمع.
[3]. Assertives
[4]. Proposition
[5]. Directives
[6]. Commissives
[7]. Expressives
[8]. Declaratives