Document Type : Research Article
Authors
1 MA, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Theology and Islamic Studies, Shahid Chamran University of Ahvaz, Ahvaz, Iran
2 Professor of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Theology and Islamic Studies, Shahid Chamran University of Ahvaz, Ahvaz, Iran
Abstract
Keywords
Main Subjects
. المقدمة
الانزياح الدلالي مصطلحٌ، يُستخدم في النقد الأدبي للإشارة إلى تحويل معنى كلمة أو مفهوم إلى آخر، تكون له علاقة ذاتية مع المعنى الأصلي. يتم ذلك عن طريق استخدام اللغة بشكل مبتكر لتحقيق أغراض مختلفة، مثل التعبير عن الرؤية الفردية أو تناول قضية معينة أو الإشارة إلى تجارب حياتية معينة. يمكن للانزياح الدلالي أن يظهر من خلال تحویل معاني الكلمات والصور، مما يضفي جاذبية وفاعلية على النص لتحقيق تأثيرات معينة على القارئ.
یعتبر دعاء أبي حمزة الثمالي واحد من أهمّ الأدعية التي يدعو بها المؤمنون ربَّهم. تعود أصول هذا الدعاء إلى الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (3). وسبب شهرة هذا الدعاء بأبي حمزة الثمالي هو أنَّ هذا الدعاء رواه أبو حمزة عن الإمام. ورُوي أنَّ الإمام السجاد (8)، كان يُصلي أكثر الليل في شهر رمضان المبارك، فإذا فرغ من صلاته، دعا بهذا الدعاء.
هذا الدعاء يعرض العديد من المفاهيم والأفكار الدينية، والاجتماعية، والثقافية. يمكن أن نرى الانزياح الدلالي في دعاء أبي حمزة الثمالي من خلال مجموعة من العناصر والأساليب اللغوية. يتم استخدام الكلمات وتغيير معانيها بشكل غير تقليدي لتحقيق تأثيرات محددة على القارئ. يرتبط الانزياح الدلالي بشكل وثيق بنظرية الأسلوب في النقد الأدبي، حيث يصنف واحداً من العناصر الأساسية في تحليل وفهم النصوص الأدبية. يمكن أن يسهم الانزياح الدلالي في تعميق الفكرة الأساسية للنص، وإثارة الدهشة والاستغراب لدى القارئ، وتعزيز الأثر الجمالي للنص. ويمكن رؤية الانزياح الدلالي في أشكال مختلفة في الشعر والنثر، مثل الاستعارة، والتشبيهات، والتوابع الصوتية، وغيرها من الأساليب اللغوية المبتكرة.
1ـ1. أسئلة البحث
سنقوم في هذا البحث بدراسة الانزياح الدلالي المتواجد في دعاء أبي حمزة الثمالي، بهدف الإجابة على هذين السؤالين:
ـ ما السمات البارزة لظاهرة الانزياح الدلالي في دعاء أبي حمزة الثمالي؟
ـ ما آلیات توظیف ظاهرة الانزیاح الدلالي في هذا الدعاء؟
1ـ2. فرضية البحث
أما فرضيتا البحث، فهما ما يلي:
ـ الفرضية الأولى: يتمتع دعاء أبي حمزة الثمالي بغناه بالعبارات الدينية والانزياحات الدلالية التي تعكس عمق التواصل الروحي مع اللّٰه، كما يتسم بالإيضاح واللغة الدقيقة التي تسهّل التفاعل وتبرز جاذبيته من خلال تنوعه وعمقه اللغوي.
ـ الفرضية الثانية: يبرز في دعاء أبي حمزة الثمالي استغلال الانزياحات اللغوية، مثل المجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، مما يضفي عمقا وجمالية على النص، ويعكس معاني دينية وروحية تعبر عن العلاقة بين الإنسان وربه بأسلوب بلاغي ومؤثر.
1ـ3. خلفیة البحث
تعد الأدعية جزءا أساسيا من التراث الديني والأدبي العربي، وقد تناولتها العديد من الدراسات النقدية من جوانب لغوية، بلاغية، ودلالية. من أبرز الدراسات التي عالجت الأدعية ما يلي:
دراسة الأساليب البلاغية في دعاء كميل، لأحمد موسوي پناه ومسلمي ودزفولي (٢٠١٨م). ركزت هذه الدراسة على الأساليب البلاغية المستخدمة في دعاء كميل من مجاز، وكناية، وتشبيه واستعارة، مع إبراز صدق العاطفة التي تتضمنها هذه الأدوات البلاغية.
تجليات اللغة الإيحائية في دعاء الصباح للإمام عليّ بن أبي طالب (8)، لصفاء كاظم مكي، (٢٠١٩م). تناولت هذه الدراسة الانزياح في بنية الدعاء، مثل بنية الأمر والاستفهام، بالإضافة إلى البنية الإيقاعية التي تميزت بالسجع وأثره الروحي.
جمالية التكرار في الصحيفة السجادية مع التركيز على دعاء عرفة، لمرضية کلکلین نما ونصر اللّٰه شاملي وسمية حسنعليان، (١٤٤١ه). تناول البحث التكرار كأحد الأساليب الإيقاعية والدلالية البارزة في الصحيفة السجادية، مع إبراز علاقة المستويين الصوتي والدلالي في تعزيز المعنى والإيقاع، مما يسهم في إثارة المشاعر والأفكار لدى المتلقين.
وفيما يتعلق بدعاء أبي حمزة الثمالي، هناك عدة بحوث تناولت جوانب مختلفة منه، منها:
جماليات التكرار وآلياته في دعاء أبي حمزة الثمالي، لنصر اللّٰه شاملي وإلهام صالحي نجف آبادي وإيمان زكريايي كرماني (٢٠١٩م). ركز البحث على استخدام التكرار كأداة بلاغية في دعاء أبي حمزة الثمالي، حيث أسهم التكرار في تعزيز المعنى وتحقيق أغراض بلاغية متعددة، مما أدى إلى خلق تأثير عاطفي وإيقاعي قوي على المتلقي.
دراسة مواصفات الاستعارات الإدراكية وفوائدها في دعاء أبي حمزة الثمالي، لعبد اللّٰه فروزان فر ومريم إشراق پور (١٤٤٤ه). استعرض البحث استخدام الاستعارات الإدراكية في التعبير عن المفاهيم الروحية المجردة، مما جعل الدعاء أكثر تأثيرا وجاذبية لدى المتلقي.
استراتيجية التقابل والتساند في دعاء أبي حمزة الثمالي، لعهود عبد الواحد عبد الصاحب (٢٠٢٣م). تناول البحث بلاغة الإمام زين العابدين (8)، في دعاء أبي حمزة الثمالي، مع التركيز على استراتيجيتين: التقابل بين ثنائيات المعاني مثل صغر العبد وكمال الخالق، والتساند عبر استخدام الأدوات البلاغية لدعم التأويل وتوضيح المعاني.
وعلى الرغم من هذه الدراسات، لم تُكتب حتى الآن دراسة تتناول الانزياح الدلالي في دعاء أبي حمزة الثمالي. لذلك، يأتي هذا البحث لاستكشاف هذه الظاهرة في الدعاء، مسلطا الضوء على جوانب الإبداع والجمال التي يختزنها.
٢. الإطار النظري
2ـ1. مفهوم الانزياح لغة واصطلاحاً
الانزياح لغة مصدر للفعل «نزح نزح الشيء ینزح، نزحاً ونزوحاً، أي بَعُد، وشيء نزح ونزوح: نازح، ونَزَحت الدار. فهي تنزح نزوحاً إذا بَعُدت. وقوم منازیح، وبلد نازح، ووصل نازح بعید، وقد نزح بفلان، إذا بَعُد عن دیاره غیبة بعیدة» (ابن منظور، ١٩٨٨م، ج ١٤، ص ٢٣٢). والانزياح هو «البُعد. أمّا البلاغیون، فقد أطلقوا علیه لفظة العُدول» (مصطفى، ٢٠٢١م، ص ١٨٨٠). وإحداث الانزياح هو «وضع مسافة، فاصل، واختلاف. ومن الناحية الأدبية، يُمثّل مصطلح الانزياح هو فعل الكلام الذي یبتعد عن القاعدة» (فوغالي، ٢٠٠٣م، ص ٧).
الانزياح اصطلاحاً هو «الخروج عن المعیار لغرض یقصد الیه المتکلم» (أبو العدوس، ٢٠٠٧م، ص ٧). وقد يحدث ذلك بدون قصد، إلا أنَّه في كلتا الحالتين، يعمل النص على تحقيق تأثير أو توجيه بشكل غير مقصود، وذلك بدرجات متنوعة. ويجدر بالذكر أنَّ مُصطلح الانزياح يشير إلى مفهوم «استعمال المبدع للغة مفردات وتراکیب وصور استعمالاً یخرج بها عما هو معتاد ومألوف، بحیث يؤدي ما ینبغی له أن یتَّصف به من تفرُّد وإبداع وقوّة جذب وأسر» (ویس، ٢٠٠٥م، ص ٧)، وأنَّه لا يُمكن الابتعاد عن اللغة العادية إلا بوجود مرجع أو معيار يُعدِّله أو ينحرف عنه؛ إذ أنَّ «الانزياح یُعرف کمّیاً بالقیاس إلی معیار» (كوهن، ١٩٨٦م، ص ١٦)، وهو من المصطلحات الشائعة في الدراسات الأسلوبية المعاصرة. فهو «تقنية فنيّة، یستخدمها الشعراء للتعبیر عن تجربتهم الشعوریة، کما أنَّ له دور جمالي یُسهم في لفت انتباه القارئ، ومن ثمة التأثير فیه وإیصاله إلی الإمتاع وتوصیل الرسالة التي یریدها الخطاب» (نظري ووليي، ١٣٩٢ه.ش، ص ٨٦).
2ـ2. الانزياح الدلالي
تمتلئ لغة الشعر والنثر بالعبارات والمصطلحات في حالتها المعتادة؛ ولكن حين تبتعد هذه المصطلحات عن نمطها التقليدي، يحدث الانزياح. «فتخرج عن معناها الرئيسي، وتلبس معاني أخرى. هذا النوع من الانزياح یسمّی الانزياح الدلالي» (صالح، ٢٠١١م، ص ٦). فإنَّ حقيقة اللذة الحاصلة من جرّاء التعبیر بالصورة، تکمن فيما یتيحه الانزياح من إمکانيات الحواجز النمطية.
«ومن هنا، تحسن المقارنة التي تفصح عن أهمية الصورة في النص الأدبي عموماً، وما تتضمنه من قيم تحيل علی آلية الخيال الذي یغفل حواجز المألوف، ویسعف بذلك الأدیب، عندما یودّ أن یعبّر إلی ما وراء المسلمات اللغویة النمطية، ویتجاوز حدود العقلانية التي تزعم أنَّها تبرز من خلال تحليل ساذج ومبسط لمکونات الاستعارة، والتشبيه، والکنایة» (عيد، ١٩٧٩م، ص ١٥٩).
فالانزیاح الدلالي، هو یعني «إحلال معنی ما غالباً ما یکون معنی إیحائیاً مستوحی من سیاق النص جاء محل معنی آخر مباشر معجمي، أي إزاحة المعنی المعجمي وإحلال معاني إیحائية محله» (القاضي، ٢٠١٢م، ص ١٧١). إذن، يُقصد بالانزیاح الدلالي في هذا السياق، تحويل المعاني من مجال إلى آخر. و«یشمل هذا المستوی دراسة الرموز والتشبیهات والاستعارات وتحلیلها علی حسب العلاقة بین النفس والواقع» (بلاوي وغفوري فر، ١٤٣٦ه، ص ٥٣).
ففي دعاء أبي حمزة الثمالي، نجد أنَّ هذا الانزياح يظهر بوضوح من خلال استخدام تشكيلة من المفردات والأساليب. فقد تنوّعت وسائل التعبير الدلالي بشكل كبير. ومن بين هذه الوسائل العديدة، يظهر التنوع بوضوح في استخدام الاستعارة، والمجاز، والكناية. سنقوم في هذا البحث بالتركيز على هذه الفنون اللغويه، حيث تكمن فيها إحدى أهمّ آليات التعبير والإيصال في اللغة.
استناداً إلى هذا الإطار النظري، يسعى هذا المقال إلى استكشاف جوانب الانزياح الدلالي في دعاء أبي حمزة الثمالي؛ إذ يُعتبر هذا الانزياح واحداً من أهمّ وأبرز أنواع التحولات اللغوية التي ظهرت في هذا الدعاء، حيث يتجلّى التمييز الخاص به في التحول من المعنى الأصلي إلى معنى جديد، وذلك من خلال السياق الذي يظهر فيه.
٣. الإطار التحلیلي
عند الحديث عن الانزياح الدلالي في دعاء أبي حمزة الثمالي، ینبغي أن نستهل ببحث الحقل الدلالي أولاً. الحقل الدلالي هو «مجموعة الكلمات التي ترتبط دلالتها، وتوضع عادة تحت لفظ عام یجمعها» (عمر، ٢٠٠٩م، ص ٧٩). ويفرض التواصل الإنساني وجود «قائمة من الكلمات مشتركة بينهم يفهمون معانيها بكيفية متشابهة أو متقاربة. وأحسن طريقة لفهم الكلمة، هو وجودها في التركيب الذي يسهم في إبراز معناها ويجعلها متباينة عن تلك التي تقاربها أو تبدو مشابهة لها، بالإضافة إلى الوظائف الدلالية ذات الارتباط بالمحيط والثقافة اللذين يعبران عن دلالة اللفظ المستقلة عن كل كلمات اللغة من حيث ظهورها في بنية المعجم الشعري، وفق حقل دلالي معين» (بوحايك، ٢٠٢١م، ص ٢٤٩ ـ ٢٥٠).
والانزياح الدلالي هو «ما بين الصوت والمعنى، أو المحمول والوسيلة، أو الدال والمدلول، وجميعها مصطلحات ذات مفهوم واحد، يشير في جملة ما يشير إلى عدم التطابق بين الحدّين، فأحدهما ثابت هو (اللفظ/ الدال)؛ وثانيهما معوم طافٍ هو الدلالة، وغالباً ما يأتي سوء الفهم على صعيد التخاطب من هذا التباين بين الحدّين المتقابلين» (الیافي، ١٩٩٥م، ص ٢٩). و«النص تحکمه طاقة دلالیة جامعة لکل مکوناته اللغویة منها والأسالیب البلاغیة وغیرها من المکونات النصیة» (بلاوي وغفوري فر، ١٤٣٦ه، ص٦١)، کالاستعارة، والمجاز، والكناية، والتشبيه.
3ـ1. التشبیه والتصویر
يندرج التشبيه، بلا جدال، ضمن أجمل اللوحات البيانية في الفنون البلاغية العربية، ويُعَدُّ من بين الوسائل التعبيرية التي يمكن من خلالها تجسيد تطوّر التفكير، والانزیاح الدلالي لدى الفنان. فالتشبيه «محاولة التقریب بین عالمین مختلفین أصلاً وحُکماً؛ لکن متماثلین في وجه من الوجوه. فالمتکلم في التشبيه یسعی إلی إدراك الحقيقة من خلالها» (بناني، ١٩٨٦م، ص ٣٠٨). كلّما ابتعد التشبيه عن ما يسعى المتلقي لفهمه وتصوّره بشكل تقليدي ومألوف، ظهرت بوضوح ظاهرة الانزياح الدلالي.
ببساطة، تبرز العلاقة بين التشبيه وتحول المعنى، حيث يتم تشكيل فهم جديد أو تفسير مختلف للمفهوم المقصود. فهو «فنٌّ بياني كثير الدوران على ألسنة الشعراء والأدباء، فقد أدرك الشعراء ما للتشبيه من قيمة فنية، ما ينتج لهم من التصرف في القول، فعنوا به، واتخذوا منه أداة لتصوير الخلجات النفسية التي تعتمل في داخلهم، كما صوّروا به الأفكار، وأخرجوها به عن تجريدها، ولهذا نجده كثيراً في أشعارهم ومأثور كلامهم» (العسکري، ١٩٥٢م، ص ٢٣٩).
يتضح في هذا الدعاء الشریف، استخدام التشبيه والتصوير لتوصيل المشاعر والأفكار بشكل أكثر قوة وجاذبية. فمثلاً، يقول الإمام السجاد (8)، بدعائه: «الحَمدُ للّٰه الَّذي یَحلُمُ عَنِّي حَتَّی کَأنِّي لا ذَنبَ لي، فَرَبِّي أحمَدُ شَيءٍ عِندِي وأحَقُّ بِحَمدِي» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٦).
يسعى الإمام (8)، بهذا التصویر، إلى إبراز مدى عفو وكرم اللّٰه تعالى تجاه عبده، حيث يتحمل ذنبه بصبر، حتی يبلغ حدّ التحمّل الكامل؛ إذ يظهر وكأنَّه لم یرتكب ذنباً على الإطلاق. ولهذا السبب، أنَّ هذا الرّب عزيز جداً عليه، ویرى أنَّه يستحق المديح أكثر من أي كائن آخر.
في هذه الفقرة، التشبيه هو في العبارة "حتَّى كَأَنِّي لا ذَنبَ لي"، حيث يُقارن القائل، نفسه بوضع لا ذنب لها؛ وذلك باستخدام كلمة "كَأَنِّي" (كما لو أنني)، مما يُدل إلى التشابه أو التشابه الجزئي بين وضعه المذنب، ووضع لا ذنب له. من خلال هذه الفقرة الدعائية، نستکشف الانزياح الدلالي عبر مجموعة من التنقلات اللفظية التي تضيف إلى النص قوة وجمالاً.
أو قوله (8): «وأسقَطتَني مِن عَینِكَ فَما بالَیتُ فَبِحِلمِكَ أمهَلتَني، وبِسَترِكَ سَتَرتَني، حَتّیٰ کَأنَّكَ أغفَلتَني» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٥).
نلاحظ في هذه الفقرات استخدام التشبيه. ويتم التعبير عن العناية والرحمة الإلهية من خلال مفهوم التشبيه، بعبارات مثل: "كَأَنَّكَ أَغْفَلْتَنِي"، حيث يُقارن بين حالته وحالة الإهمال أو الإغفال من جانب الرب؛ لأن اللّٰه سبحانه وتعالى يُمهل عباده، ولا يُعاجلهم بالعقوبة في الدنيا، مما يعكس فهماً عميقاً للرعاية والرحمة، أو يتم مقارنة سقوط الشخص من عين اللّٰه بفعل الإهمال أو الغفلة، مما يضيف على الفقرة طابع التشبيه الذي يستخدم للتعبير عن مدى الإهمال أو الانفصال.
إضافة إلى ذلك، في هذه الفقرة، يظهر الانزياح في تغيير المعنى المباشر لكلمة "أسقطتَني"، حيث يُفهم أنَّه لم يكن هناك انزياح فعلي أو حركة جسدية للسقوط، بل يشير النص إلى فقدان الاهتمام أو الدعم من الشخص الآخر. وهذا يمثّل انزياحاً في المعنى الدلالي لفعل "أسقطتَني".
ویتابع الإمام السجاد (8)، بقوله: «ومن عُقُوباتِ المَعاصِي جَنَّبتَني، حَتّیٰ کأنَّكَ استَحییتَني» (المصدر نفسه، ص ٣١٥).
يتم التشبيه في عبارة "حَتّىٰ كأنَّكَ استَحييتَني"، من خلال مقارنة تجنب اللّٰه لعقوبات معاصي عباده بشكل مجازي، كما لو أنَّه يشعر بالحياء أو الخجل. والإمام يريد التعبير عن هذا المفهوم الرئيس. فينبغي على العباد أن تخجل من اللّٰه، وأن تتحلى بالحياء والخجل منه تماماً، كما يخجل منا الرب الكريم.
فرغم تكرار أخطائنا، يظهر وكأنَّه يستحيي منا، ولا يعاقبنا، حيث أخطأنا مراراً دون أن يلومنا، حتى بدا، وكأنَّه خجل من فرض العقوبة والعذاب علينا! في هذه الفقرة، يوجد انزياح دلالي في استخدام كلمة "استحييتني"، بمعنى كأنَّه خجل من عبده بعدم فرض عقوبته عليه. الاستخدام اللفظي لكلمة "استحيا" في هذا السياق يُلمح إلى عدم فعل شيء بسبب الحياء أو الاستحياء، وهو يعكس تجنب العقوبة، بطريقة حتى وصل الأمر إلى أن رحمته اتّسعت، لدرجة جعلته يتوقف عن عقابنا على ذنوبنا التي تقتضي العقاب؛ لكنه تركنا وشأننا. كل هذا التحول اللفظي الذي يتجلّى في استخدام التشبيه، يعكس فهماً جديداً، يشير إلى أنَّ اللّٰه هو إلهٌ عظيمٌ، لطيفٌ ورحيمٌ، ذو غفرانٍ ورحمةٍ واسعين.
ومن قوله (8): «وارحَمني صَریعًا عَلَی الفِراشِ تُقَلِّبُني أيدي أحِبَّتي، وتَفَضَّل عَلَيَّ مَمدودًا عَلَی المُغتَسَلِ، یُقَلِّبُني صالِحُ جیرَتي، وتَحَنَّن عَلَيَّ مَحمولًا، قَد تَناوَلَ الأقرِباءُ أطرافَ جِنازَتي» (المصدر نفسه، ص ٣٣٠).
تحمل هذه الفقرات تصويراً فنيّاً أدبياً قوياً، يتناول مشهداً مؤثراً. يظهر التصوير الفني في استخدام اللغة لرسم صورة حيّة وعاطفية للمشهد الذي يصفه الإمام لحال الميت، عبر استخدام الصور البصرية لإيجاد تأثيرات تساعد على توجيه القارئ وخلق صور نابضة بالحياة في الخيال. تتوالى الأحداث العارضة على المحتضر خلال نزعه، «في جمل مرصّعة، فينعكس ما يعيشه من موقف صعب على وجهه؛ وكل عضو من أعضائه يساهم في رسم صورة جديدة، تمرّ بسرعة كما تحدث في الواقع، ولعلَّ البعض منها تحدث متزامنة مع بعضها الآخر؛ فالجمل قصيرة سريعة» (شکیب، عباسيان وقاسمي، ١٤٤٠ه، ص ٢٠٧).
فعبارة "صَريعًا على الفِراشِ" تلفت الانتباه إلى صورة حيّة للشخص الذي يعاني، حيث يُصوِّر بأنَّه يتقلب ويعاني على فراش الموت؛ إذ تعكس كلمة "صَريعًا" حالة الضعف والألم، مما يضيف عنصراً عاطفياً للوصف. يتم في "تُقَلِّبُني أيدي أحِبَّتي" رسم صورة للأحباء الذين يقومون بالعناية بالشخص المريض أو الميت. فالصورة البصرية تظهر أيديهم، وهم يعتنون ويراعون الشخص المريض. كل هذه الصور تنزاح عن مدلولها الظاهري، لتعبر عن الاستغاثة والتوسل تجاه اللّٰه، وتثير مشاعر الحاجة والضعف، والرغبة في الرحمة. ويستخدم الإمام «لتوضيح الصورة فيه، الوصف أيضاً، على طريقته في المشاهد السابقة، وفي جمل مسجّعة مطرّفة ثم متوازية؛ فيأتي بالأوصاف ليساعد السامع على تحريك خياله ليرى المشهد وكأنَّه واقع أمامه لا خيال» (المصدر نفسه، ص ٢٠٨).
كما نرى هذا المدلول في عبارة "تَفَضَّل عليَّ مَمدودًا على المُغتَسَلِ"، حيث يتم التصوير للشخص الذي يُمدَّد على الفراش، والرعاية التي يتلقاها أثناء الاستلقاء على المغتسل؛ إذ تظهر عبارة "تَفَضَّل عليَّ" الاستخدام اللطيف للغة العاطفة. وفي قوله (8): "يُقَلِّبُني صالِحُ جيرَتي وتَحَنَّن عليَّ مَحمولًا"، نلاحظ التناوب بين الأحداث عبر الاستخدام المتقن للكلمات، يعزز تصويراً متداخلاً لأحداث الرعاية والرحمة، حيث تتناوب اللحظات المختلفة، لكي تعبّر عن طلب العناية الإلهية، حيث يوحي الاستخدام الدقيق لكلمة "تَحَنَّن" بالرقة والرعاية. يعزز هذا اللفظ الفهم العاطفي للعلاقة بين الشخص الميت وبين ربّه، كما نلاحظ أن هذه التصاوير تشير إلى تناقض الأحداث، حيث تصف الرعاية والحنان في ظل الألم والمرض، مما يخلق تأثيراً درامياً.
باستخدام هذه الصور البصرية، يتم بنجاح تجسيد المشهد بشكل واقعي وإيجاد تأثير عميق على القارئ عن طريق تحفيز الخيال وخلق تفاصيل ملموسة، تعكس الأحداث والمشاعر بشكل فعّال. ومن خلال استخدام اللغة العاطفية في الدعاء، يشعر القارئ بالتأثر والتفاعل مع النص على مستوى أعمق. تُستخدم الكلمات لتوجيه انتباه القارئ إلى جوانب معينة من الحالة العاطفية أو الوضع الذي يصفه الإمام زين العابدين (8)، مما يصنع انزياحاً دلالياً، يضيف عمقاً وتفصيلاً إلى الوصف.
3ـ2. الاستعارة والمجاز
3ـ2ـ1. الاستعارة
إن تقييم الاستعارة كأحد أشكال الانزياح الدلالي في السياق اللساني المعاصر، يتعلق بتبادل أو تنافر الأفكار بين الجوانب المشاركة في عملية التشبيه. تظهر الاستعارة كوسيلة لنقل المعنى المقصود، دون الحاجة إلى التعبير بشكل صريح عبر الكلمات. هذا الارتباط يجسّد علاقة دقيقة بين الأطراف المشاركة في التشبيه، حيث تعكس «الاستعارة تبادل الأفكار والمشاعر، دون الحاجة للجوء إلى التعبير المباشر، وهي ضرب من التشبيه ونمط من التمثيل. والتشبيه قياساً والقياس يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستقي فيه الأفهام والأذهان، لا الأسماع والآذان» (الجرجانی، ١٩٩١م، ص ١٧). لقد اتّفق النقاد القدماء والحديثون كلهم على تميز الاستعارة بالترکيز، والإیحاء، وکثافة التعبیر». فإنها تنبني علی «جمال الصورة واختزال التعبیر» (عبد المطلب، ١٩٩٧م، ص ١٠٠).
وفي دعاء أبي حمزة الثمالي، يوجد العدید من الانزياحات الدلالية الاستعاریة، کقوله (8): «إلٰهي لا تُؤَدِّبني بعُقوبتِك، ولا تَمکُر بي في حیلَتك!» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٥).
یطلب الإمام (8)، من اللّٰه أن لا یعامله بحسب ما یستحقّه من عقوبات. والعقوبة والعقاب یرتبطان بالعذاب، والمكر الإلهي يشير إلى الطريقة التي يأخذ بها اللّٰه العبد بشكل غير ملحوظ، ويستدرجه بحكمة لا يدركها. يقول القرآن الکریم: «وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّٰه وَاللّٰه خَيرُ الماكِرِينَª (آل عمران ٣: ٥٤). يمكن اعتبار عبارة "لا تَمکُر بي في حیلَتك" استعارة مصرّحة، حيث يُستخدم لفظ "تمكُر" بشكل مجازي للتعبير عن الأفعال التي تُظهر تدبيراً أو حكمةً من اللّٰه، دون أن تكون بالضرورة عقوبة صارمة. يشبّه الإمام (8)، هذه الأمور بالمكر دون ذكر المشبه، مما يجعل الانزياح دلالته الأصلية إلى دلالة جديدة ومختلفة تماماً. يُظهر النص استخدام الانزياح الاستعاري لتوجيه الدعاء إلى اللّٰه، مع التأكيد على الأمان والرجاء في رحمته وتدبيره. ويقول الشريف الرضي: «لأنَّ حقیقة المکر عندهم إظهار خلاف الاضمار علی طریق الغیلة والاحتیال، وهذا لا یجوز علی اللّٰه تعالی. فإذا المراد به إرسال العقوبة علی المستحق من حیث لا یشعر أو من حیث يأمن ولا یحذر» (١٩٨٤م، ص ٧٥).
وقوله (8): «الْحمدُ لِلّٰه الَّذِي أسألُهُ فَیُعطِینِي، وإن کُنتُ بخِیلًا حِینَ یَستَقرِضُنِي» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٦).
نلاحظ في هذه الفقرة من الدعاء، أنَّ لفظة "یستقرضني" تتجاوز معناها الحرفي، لتدل على معنى آخر. فمصطلح "القرض" يعني في الأصل القطع، ويستخدم للإشارة إلى قطع جزء من مال الشخص للتصدق أو الإقراض على أن يُسدد لاحقاً. لكن هنا، ينزاح المعنى الأصلي إلى دلالة جديدة؛ إذ إنَّ اللّٰه لا يحتاج إلى قرض عباده، بل يُشجِّع العبد على التصدق والإنفاق في سبيله. لذا، يُعتبر القرض استعارة مصرّحة عن الإنفاق في سبيل اللّٰه، ويُقصد به الفعل، وليس القرض بمعناه الحرفي.
وكذلك، نقرأ في القرآن الکریم: «مَنْ ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ اللّٰه قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُ أَجْر كَرِيمª (الحدید ١١: ٥٧)، بما أنَّ اللّٰه سبحانه وتعالی، «أراد أن يقنع البشر بأنَّ الإنفاق في سبيل اللّٰه، يفيد المُنفق نفسه أكثر من غیره. فمن هذا المنطلق، استعار فعل "يقرض"، لمن ينفق في سبيل اللّٰه، في استعارة تصريحية تبعية، وبيّن أنَّه يضاعف أجره أضعافاً كثيرة، ويُعطي أجراً عظیماً عوضاً عمّا أنفق، إذا كان مخلصاً في إنفاقه، وذلك لقوله: "قرضاً حسناً". في الواقع، أنّ اللّٰه خاطب بهذه الاستعارة وبجامعها العقلي، عقل البشر، وأقنعه بأنَّ من ينفق، فكأنّه يقرض، فعليه أن يأمل صدی عمله، وما يؤول إليه من الخيرات علی قرضه الجميل إحساناً في سبيل اللّٰه» (سالمي وفیروزپور، ٢٠٢٣م، ص ٢٦٥).
ویقول (8): «اللّٰهمَ، إنّي أجِدُ سُبُلَ المَطالِبِ إلَیك مُشرَعَةً، ومَناهِلَ الرَّجَاءِ إلَیك مُترَعَةً، والاستِعانَةَ بِفَضلِك لِمَن أَمَّلَك مُباحَةً، وأبوابَ الدُّعَاءِ اِلَیك للِصّارِخینَ مَفتُوحَةً» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٦).
يؤكد الإمام (8)، على أنَّ طرق الطلب والدعاء إلى اللّٰه تظل مفتوحة دائماً. يبرز هذا النص في دعاء أبي حمزة الثمالي استعارات، تدلّ على انزياح دلالي، يُظهر أنَّ طريق السؤال من اللّٰه ليس ضيّقاً. نجد في النص استعارات مكنية متعددة، مثل "سُبُل المَطالب"، "مَناهِلَ الرَّجاء"، و"أبوابَ الدُّعاء". تشير كل منها إلى أنَّ للطلب والدعاء طُرُقاً متنوعة، تؤدي إلى تحقيق مطالبها. يُظهر في "سُبُل المَطالب"، وكأنَّ للمطالب سُبُلاً تُشَرَع للوصول إلى اللّٰه. وفي "مَناهِلَ الرَّجاء"، يشير إلى مصادر الرجاء والأماكن التي يمكن أن يستمد منها الإنسان الأمل. يُظهر الدعاء في عبارة "أبوابَ الدُّعاء" كغرفة مليئة بالآمال، تحتوي على أبواب تفتح الطريق نحو تحقيق تلك الآمال.
كل هذه الاستعارات تنزاح عن معناها الأصلي، لتبرز للمتلقي أنَّ من يرغب في الوصول إلى اللّٰه، ويرغب في لقائه، ويشتاق إليه، يجب عليه أن يعتمد على نعمة اللّٰه، وليس على أحد آخر. فنعمته تشمل حالته، وهو يسير في هذا الطريق، ويصل إلى هدفه من خلال فهم نعمة اللّٰه. الاستعارات في هذا النص تخلق صورة حيّة وديناميكية لعلاقة العبد باللّٰه، وتجعل المتلقي يشعر بقرب اللّٰه وسهولة الوصول إليه، عبر الدعاء والطلب، مع التركيز على فضل اللّٰه ونعمه التي تشمل الجميع.
ویقول (8): «وأنَّ الرَّاحِلَ إلیك قریبُ المسافة» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٧).
نجد تشبيهاً، يُمثّل البحث عن اللّٰه والاقتراب منه، حيث يُقارن الطريق إلى اللّٰه برحلة، يقوم بها الراحل على ظهر دابّته. الشخص الذي يسعى نحو اللّٰه، يُشبه براحلٍ يركب الناقة. والناقة هنا تمثّل وسيلة الوصول في هذا الطريق. بفضل هذه الاستعارة المصرّحة، حيث يتم حذف المشبه وذكر المشبه به، يحدث انزياح دلالي، يوجّه الانتباه من العنصر المستخدم للتشبيه إلى الهدف الذي يُراد التعبير عنه. هذا التحول يُظهر أنَّ السعي إلى اللّٰه قريب، وليس بحاجة إلى جهد كبير أو مغامرات شاقة. يمكن لأي شخص، يرغب في الوصول إلى اللّٰه، أن يدعوه، وسيجده قريباً جداً، دون الحاجة إلى تعب في قطع الطريق أو المشي في الأماكن الوعرة. يُبيّن هذا النص أنَّ الوصول إلى اللّٰه ليس معقداً أو بعيداً، بل هو قريب وسهل المنال، مما يعكس الرغبة في التشجيع على التقرب إلى اللّٰه بطمأنينة وسهولة. كما يوضح «تجاوز المعنى السطحي للألفاظ للوصول إلى المعنى التحتي لها، لإحداث التصوير الفني الذي تحقق عن طريق الاستعارة المصرّحة» (قاسم پيوندي، مسلمي ودزفولي، ١٤٣٥ه، ص ٤٥٩).
وقوله (8): «وَیُسرِعُني إلَی التَّوَثُّبِ عَلیٰ مَحارِمِك مَعرِفَتي بِسَعةِ رَحمَتِكَ وعَظیمِ عَفوِك» (قمي، ١٣٨٦ش، ص ٣٠٩).
نرى استعارة في عبارة "بِسَعةِ رَحمَتِكَ". إنَّ مفهوم السعة يُستخدم عادةً لوصف الأجسام أو الأشياء الفعلية التي يمكن أن تتسع لمحتويات معينة. في هذا السياق، تُستخدم السعة بشكل مجازي للتعبير عن الرحمة، وهي عرض من الأعراض العاطفية. هذا النص يقارن بين مفهوم السعة الذي يرتبط بالمساحة والقدرة على الاحتواء، وبين الرحمة التي تُستخدم لتوضيح المفاهيم العاطفية. فالغرض من هذه الاستعارة هو إبراز أن رحمة اللّٰه واسعة، تشمل جميع من يلجأ إليه بالتوبة والإنابة، مما يعزز الشعور بالأمل والرجاء في نفوس المذنبين. كما أوضح الشريف الرضي: «أنَّ رحمتي لا تضيق عمَّن استرحمني بإنابة بعد معصية، وتوبة بعد خطيئة، وإنَّما قال ذلك لئلا يقنط الجارم، أو ييأس المذنب فيحجم عن التوبة، ويذهل عن الاستقالة» (١٩٨٤م، ص ٧٨). بهذا، تنحرف دلالة السعة من معناها المادي إلى معنى مجازي، يعبر عن عمق ورحمة اللّٰه اللامتناهية، مشجعةً الناس على التوبة والعودة إلى اللّٰه، دون يأس أو قنوط.
في هذه الفقرة من دعاء الإمام (8): «فَمَن یَکونُ أسوَءَ حالًا مِنّي؟! إن أنا نُقِلتُ عَلیٰ مِثلِ حالي إلیٰ قَبري، لَم أُمَهِّدْهُ لِرَقْدَتي ولَم أفرُشْهُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ لِضَجعَتي!» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٧)، نجد استعارة مرشحة في قوله: "لَمْ أَفْرُشْهُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ لِضَجْعَتِي". في هذه العبارة، يُشبه الإمام العمل الصالح بالفِراش الذي يُعَدُّ في القبر، وهو تجهيز المكان للراحة الأبدية. يبرز في هذا التشبيه، أن الإنسان الذي يرغب في الراحة، يقوم بتحضير مكان نومه، مثل تنظيف الأرض من الشوك والحصى، والتأكد من خلوها من العقارب والثعابين، ثم يفرش السجادة، ويأخذ قسطاً من الراحة. بالمثل، يجب على الإنسان أن يعد قبره بالأعمال الصالحة، وليس بالسجاد والفرش المادي.
هذا الاستخدام الاستعاري ينقل اللغة من معناها الحرفي إلى معنى مجازي أكثر عمقاً وخصوبة. كما يوضح مصطفى ناصف: «الاستعارة تخرج اللغة من عالمها المألوف إلى عالم آخر أكثر خصوبة، أو بتعبير آخر تستخدم الكلمة فيها استخداماً مجازياً، يكسبها قوة لم تعهدها من قبل» (١٩٨١م، ص ١٢٥). الاستعارة هنا تُظهر بشكل جميل ضرورة الأعمال الصالحة كتحضير واستعداد للحياة الآخرة، مما يضيف للمعنى العاطفي والروحاني لهذه العبارات قوة وتأثيراً أكبر.
في قوله (8): «لا أدري إلیٰ ما یَکونُ مَصيري؟! وأریٰ نَفسي تُخادِعُني وأیّامي تُخاتِلُني؛ وقَد خَفَقَت عِندَ رَأسي أجنِحةُ المَوتِ» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٧).
نلاحظ استخداماً بارزاً للاستعارة المكنية في العبارة "خفقت عند رأسي أجنحة الموت". في هذه الاستعارة، يُشبّه الموت بطائر، يقترب، ويُسمع صوت أجنحته، دون التصريح بالمشبه به، بل بالإتيان بخصائصه فقط، حيث يُوحي بقرب الموت وحتميته. الموت هنا مجسَّد كطائر، يرفرف بأجنحته فوق رأس المتحدث، الأمر الذي يعكس بوضوح الشعور بأنَّ الموت قريب وحاضر بشكل ملموس.
فالهدف من هذا التصوير هو التعبير عن قرب الموت بطريقة محسوسة ومؤثرة، حيث يتوقع المتحدث أن يحلّ عليه في أي لحظة. هذه الاستعارة تضفي على النص عمقاً وجمالاً، فهي تُصور الموت ككائن حيٍ، يتحرك ويقترب، مما يجعل القارئ يشعر بواقعية الموقف وخطورته. و«حسن الاستعارة المكنية يكمن في جعل الشيء مصوراً بما يُعجب، فيصوّر الحياة في الجماد، ويجسّد المعاني، ويشخصها ...؛ وهذا هو سر جمال الاستعارة بالكناية» (موسوي پناه، مسلمي ودزفولي، ٢٠١٨م، ص ٣٣٥). بالتالي، تُعد هذه الاستعارة وسيلة فعّالة لنقل شعور القلق والترقب إزاء الموت، مما يعزز التأثير العاطفي للنص على المتلقي.
ومن قوله (8): «أبكي لِخُروجي مِن قَبري عُریانًا ذَلیلًا حامِلًا ثِقلي عَلیٰ ظَهري!» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٨).
توجد في عبارة "الثقل" استعارة مرشحة، تعبر عن الذنب الذي يحمله الإنسان على كاهله. تشبه هذه الاستعارة الذنوب بالأثقال التي تُثقل كاهل الإنسان، خاصة في يوم القيامة. هنا، حُذف المشبه "الذنب والوزر"، وذُكر المشبه به "الثقل"، ثم أُتي بخصوصيات المشبه به.
فيُظهر ذلك كيف يترتب على الإنسان، أن يحمل عبئاً ثقيلاً من الذنوب، مما يربط هذا التصوير بيوم القيامة. الهدف الرئيس من هذا الانزياح الدلالي هو التحذير من أنَّ كل إنسان سيكون مسؤولاً عن ذنوبه، حيث يحمل هذا الثقل على ظهره. يُبرز هذا التصوير كيف يسعى الجميع للتخلص من ثقل ذنوبهم في يوم القيامة؛ إذ يدركون صعوبة حمل تلك الذنوب في ذلك اليوم العظيم. فهذا هو حد الاستعارة. ولا نعدو الحقیقة، إذا قلنا: «إنَّ الاستعارة هي من أدق أسالیب البیان تعبیراً، وأرقّها تأثیراً، وأجملها تصویراً، وأكملها تأدیةً للمعنى» (عباس، ٢٠٠٠م، ص ١٥٨).
وقوله (8): «وبِمُناجاتِكَ بَرَّدتُ ألَمَ الخَوفِ عَنّي» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٩).
وفي هذه العبارة، استخدم الإمام (8)، الاستعارة المكنية، حيث أشار إلى المشبه الذي هو "الخوف"، ثم قدم لوازم وخصائص المشبه به، وهو "النار". بمعنى آخر، يعبر الإمام عن تأثير الدعاء والمناجاة في تهدئة شدة الخوف وحرارته. بواسطة هذا التصوير، يظهر أن "ألم الخوف" لم يعد مجرد شعور بالخوف، بل هو القلق وعدم الاستقرار، والخوف من الابتعاد عن ملك اللّٰه المقدس. تشبه المناجاة تأثير الماء البارد اللطيف الذي يطفئ نيران الخوف والقلق المحرقة في القلب. هذا التصوير يبرز الأثر القوي للمناجاة في تهدئة النفوس وتبريد القلوب، مما يجعلها أكثر قوة وفاعلية في الذهن. وتُعَدُّ الاستعارة «بديعة للتعبير عن هذا المضمون؛ لأنها تصوّر المعاني العقلية في صورة الأعيان الحسية، ليكون أظهر حضوراً وأكثر خطوراً في الذهن» (قاسم پيوندي، ابن الرسول وخاقاني، ١٤٣٥ه، ص ٤٥٩).
ویقول (8): «اللّٰهمَّ، إِنَّهُ لاَ يُجِيرُنِي مِنْكَ أَحَدٌ وَلاَ أَجِدُ مِنْ دُونِكَ مُلْتَحَداً» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٢٥).
نبصر في "إِنَّهُ لاَ يُجِيرُنِي مِنْكَ أَحَدٌ"، استعارة، ويتم استخدام كلمة "يُجِيرُنِي" (يُجير)، بمعنى الحماية أو النجاة، وتعبيراً عن الاعتماد على اللّٰه كمصدر وحيد للنجاة والحماية. ونقرأ في القرآن الکریم: «فَمَن يُجِيرُ ٱلكافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمª (الملك ٦٧: ٢٨). وجاء في المعجم الاشتقاقي المؤصّل حول معنى "أجار / يجیر": «لمّا كان عند العرب من حقوق الجیرة، استعملت المجاورة والإجارة في معنى الحماية ...؛ كأنّ "أجاره" أصلها قَبِلَ جواره أو عدّه جاراً له» (جبل، 2010م، ص 295)، وما جاء في كتاب التحقيق في كلمات القرآن قريب من هذا جداً: «وأمّا "أجار"، فهو بمعنى الإمالة، أي الجذب إلى نفسه والسّوق إليه لحفظه وحراسته وجعله تحت لوائه» (المصطفوي، 1393ه.ش، ج 2، ص 165). هذا يظهر الاستعارة الميّتة في هذه الكلمة؛ لأنَّ العرب كانت تحفظ الجیرة وتحرسهم؛ فلذلك، استعملوا فعل "أجار" بمعنى حما ومنعه أنْ يُظلم. وهذا المعنى كان في البداية مختصّاً بالجیرة؛ ولكنّه استعمل فيما بعد بمعنى الحراسة أو الإغاثة. وفي هذا تشبيه بحراسة الجیرة. ثم نالت هذه الاستعارة الاستخدام المتكرّر؛ لذلك ذكر المعاجم المعنى الجديد من بین المعاني الخاصّة بهذه الكلمة، كأنّه معنى حقيقي» (رضوان ونادري، ٢٠٢٣م، ص ٢٤٨).
3ـ2ـ2. المجاز
يشكل المجاز أحد الركائز الأساسية في اللغة العربية، ولا يُعتبر مجرد طابع فني فيها، بل هو جزء لا يتجزأ من هيكل اللغة العربية، حيث يتناول الكلام جانبين رئيسين، هما: الحقيقة والمجاز. والمجاز «هو استعمال کلمة في غیر معناها الأصلي لعلاقة غیر المشابهة مع قرینة لفظیة أو حالية مانعة من إرادة المعنی الأصلي» (قاسم ودیب، ٢٠٠٣م، ص ٢١٥).
وينقسم المجاز في المرحلة الأولى إلى قسمين؛ «لأنَّ المعتبر في معرفة خروج اللفظ عن مجراه الأصلي، وعدم استقراره في موطنه الطبيعي إما الوضع والاصطلاح، فيسمى لغوياً، أو العقل فيسمى عقلياً. والمعتبر في تقسيم المجاز اللغوي إلى الاستعاري كيفية العلاقة بين المعنى الأصلي والمجازي. فإذا كانت تلك العلاقة عبارة عن المشابهة في شيء أو صفة، سُمّي المجاز استعارياً. والعلاقة في المجاز المرسل مفرداً أو مركباً متنوعة. والمعروف منها: الكلية، والجزئية، والسببية، والمسببية، والحالية، والمحلية، واعتبار ما كان، وما يكون، والآلية، والمجاورة» (فاضلي، ١٣٦٥ه.ش، ص ٢٥٥).
يتّضح في هذا الدعاء، استخدام المفردات المجازية بشكل واسع، حيث يتم استبدال المعاني الحقيقية بمعانٍ مجازية، تعكس عمق المشاعر، وتوسّع المدلول. فعلى سبيل المثال، يقول الإمام زين العابدين (8)، في دعائه: «بِكَ عَرَفتُكَ، وأنتَ دَلَلتَني عَلیك ودَعَوتَني إلَیك، ولَولا أنتَ لَم أدرِ ما أنتَ؟» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٦).
يتسم هذا الجزء من الدعاء بعمق دلالي، يعكس تجربة روحية، تتجاوز حدود المعنى الحرفي إلى أبعاد تجريدية غنية بالمجاز. ينطلق النص من مبدأ أن المعرفة الحقيقية باللّٰه لا تُكتسب بالطريقة الحسية أو العقلية المعتادة، بل هي ثمرة مباشرة للهداية الإلهية. يُعبّر الإمام (8)، عن هذا المفهوم من خلال لغة مجازية، تعيد تشكيل العلاقة بين الخالق والمخلوق بأسلوب، يجمع بين البساطة والعمق.
يظهر في عبارة "بِكَ عَرَفتُكَ"، انزياح عن المعنى التقليدي للمعرفة، حيث ينتقل الإمام (8)، من الإدراك الحسي إلى معرفة روحية فطرية، يُنعم بها اللّٰه على عباده. هذا التحول في الدلالة يُبرز أن اللّٰه هو المصدر الأوحد للمعرفة عن ذاته، مما يؤكد عجز الإنسان عن إدراك اللّٰه بمعزل عن توفيقه وعنايته. أما قوله: "أنت دَلَلتَني عَلىٰك"، فهو يستدعي مفهوم الهداية بأسلوب مجازي، حيث لا تُفهم "الدلالة" كإرشاد مادي مباشر، بل كتجليات إلهية، تُظهر عظمة اللّٰه من خلال آيات الكون والنفس، فتحفّز الإنسان على الإيمان والخضوع. و«بأي كائنٍ تلمسه، قبل أن تصل يدك إليه، فإن ذات اللّٰه المقدسة حاضرة ومشاهدة هناك. فسعة وجوده شملت كل كائن. واللّٰه ليس منفصلاً عن مخلوقاته ولا بعيداً عنها! دَاخِلٌ فِي الْأَشْيَاءِ لَا بِالْمَمَازَجَةِ وَخَارِجٌ عَنْهَا لَا بِالْمُزَايَلَةِ» (حسيني طهراني، ١٤٣٩ﻫ، ج ١، ص ٧٥).
يحتوي النص على نوعين رئيسين من المجاز: أولاً، المجاز اللغوي الذي يتجلى في كلمات، مثل: "عَرَفتُكَ" و"دَلَلتَني"، حيث تتجاوز معانيها الحسية إلى أبعاد روحية، تشير إلى الفهم والهداية؛ ثانيًا، المجاز الاستعاري، كما يظهر في عبارة "دعوتَني إلَيك"، التي تصور العلاقة بين اللّٰه والعبد، كحوار ينبع من لطف اللّٰه ودعوته المستمرة لعباده للتقرب إليه والارتقاء روحيا.
أما العبارة: "لَولا أنتَ لَم أدرِ ما أنتَ"، فهي استعارة، تعكس الاعتماد المطلق للإنسان على اللّٰه؛ إذ لا سبيل لمعرفة اللّٰه إلا من خلال ما يمنحه من هداية وتجليات. و«تنبّة البلاغيون إلى الإمكانات التعبيرية في إشراب الحرف معنى حرف آخر، أو العدول عن حرف إلى آخر في باب تضمين الحروف، أي استعمال بعضها مكان بعض» (قاسم پيوندي، ابن الرسول وخاقاني، ١٤٣٥ه، ص ٤٦٠). يعكس النص تصورا عميقا لطبيعة المعرفة الإلهية، حيث يتجلى اللّٰه كمحور ومصدر لها. ويشير إلى أن الإنسان، بحدود حواسه وقدراته، لا يمكنه إدراك ذات اللّٰه أو صفاته إلا عبر لطف إلهي خاص. يعزز هذا الفهم وعي المخلوق بفقره الوجودي أمام عظمة الخالق، مما يرسّخ فكرة الهداية الإلهية كعملية داخلية، تمنح الإنسان قدرة على إدراك الحقيقة المطلقة.
يمتزج المجاز في النص مع التكرار البلاغي، خاصة باستخدام الضمير "أنت" بشكل متكرر، ما يخلق إيقاعا روحيا عميقا، يعزّز مركزية اللّٰه في حياة العبد. ولا يقتصر التكرار على الإيقاع فقط، بل يعمّق الدلالة، مؤكدا على عجز الإنسان أمام اللّٰه، ليصبح الدعاء وسيلة فعالة لتحقيق التواصل الروحي وترسيخ معاني التوحيد والخضوع. وإن «تكرار الكلمة لا يكون اعتباطيا لملء الفراغ، وإنما يكون لغاية دلالية مهمة. فالمتكلم، بتكرار بعض الكلمات، يعيد صياغة بعض الصور من جهة، ويكشف عن الدلالة الإيحائية للنص من جهة أخرى. بالأحرى، إن كل كلمة تحمل دلالة خاصة بها حين تأتي داخل النص، وعندما تتكرر، فإنها تجذب انتباه المتلقي لفهم النص بشكل أعمق» (كلكلين نما، شاملي وحسنعليان، ١٤٤١ﻫ، ص ٩).
ویقول (8): «وَالحَمدُ للّٰه الَّذي وَکَلَنِي إلَیهِ فَأکرَمَنِي، ولَم یَکِلنِي إلَی النّاسِ فَیُهِینُونِي!» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٦).
يُوظَّف المجاز المرسل في النص كأداة أسلوبية، توسِّع آفاق المعاني، مما ينقل المتلقي من الصورة الظاهرة إلى مستويات دلالية وروحية أعمق. يظهر ذلك جليا في عبارة: "وَكَلَنِي إلَيهِ". هذه العبارة تشير إلى أن اللّٰه أوكل أمر العبد إليه؛ لكنها تتجاوز الدلالة المباشرة، لتعبر عن معانٍ أعمق. كلمة "الإيكال" هنا مجاز مرسل قائم على العلاقة السببية. فالإيكال إلى اللّٰه يُعد سببا لتكريم الإنسان، كما أنه يُلمح إلى لطف اللّٰه ورعايته التي تغني العبد عن الاعتماد على الآخرين. من خلال هذا التعبير، يبرز النص شعور العبد بالطمأنينة والكرامة في ظل عناية اللّٰه.
في المقابل، تعكس عبارة: "ولَم يَكِلْنِي إلى النّاسِ"، عدم ترك الإنسان، ليكون معتمدا على الآخرين. ويظهر المجاز المرسل في هذه العبارة من خلال دلالته على النتيجة؛ إذ إن الاعتماد على الناس يؤدي إلى الإهانة. يوضح النص هنا انزياحا دلاليا، يُبرز أن التعويل على البشر يجرّد الإنسان من كرامته، مما يؤكد أن الاعتماد الكامل على اللّٰه هو مصدر الكرامة الحقيقية.
عبر الجمع بين الإيكال إلى اللّٰه وعدم الإيكال إلى الناس، يتجاوز النص حدود الوصف المباشر ليعبر عن معانٍ أعمق، تتعلق بجوهر العلاقة بين الخالق والمخلوق. فهو يسلط الضوء على التباين الواضح بين رعاية اللّٰه وكرمه، وما قد يسببه اعتماد الإنسان على البشر من مهانة وضعف. هذا التباين يعزز قيمة التوكل على اللّٰه، بوصفه وسيلة لحفظ الكرامة الإنسانية وحماية الإنسان من التبعية المهينة. فلو «كان الأمر أن اللّٰه لم يدعنا إليه، ولم يصل حبله بقلوبنا، ولم يمسك بزمام أمورنا، بل تركنا في أيدي الناس وقال: اذهب إلى الناس، وخذ حاجتك منهم! فما حجم الذل الذي كنا سنواجهه؟! أي شقاء كنا سنعانيه؟! أي بؤس؟! عن أي أناس نتحدث؟! أي أناس هؤلاء؟! لكن لدينا إله يقول: إذا كان جميع البشر أعداءً لك، فأنا وحدي كافٍ لك» (حسيني طهراني، ١٤٣٩ه، ص ١٠٥).
وقوله (8): «وأنّكَ لا تَحتجِبُ عن خَلقِك إلّا أن تَحْجُبَهُمُ الأعمالُ دونَك» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٧).
نلاحظ في قوله (8)، في "لا تَحتجِبُ عن خَلقِك"، أن الجملة تفترض أن الاحتجاب صفة يمكن أن تُنسب إلى اللّٰه؛ لكن الاحتجاب هنا لا يُفهم بمعناه الحسي الذي يعني الاختفاء أو الغياب؛ لأن اللّٰه سبحانه وتعالى منزَّه عن الأبعاد الحسية. يتجلّى الانزياح في نقل مفهوم الاحتجاب من المعنى المادي (الحسي)، إلى المعنى الروحي (المعنوي)، حيث المقصود هو انعدام إدراك البشر لحضور اللّٰه بسبب أفعالهم، لا غياب اللّٰه ذاته. المجاز المستخدم في هذه الفقرة هو مجاز عقلي؛ إذ نُسب الاحتجاب إلى اللّٰه؛ في حين أن السبب الحقيقي للاحتجاب هو أفعال البشر وأخطاؤهم.
هذا الانزياح يعكس فكرة القرب الإلهي الدائم واستمرار حضور اللّٰه في حياة الخلق، مما يعمّق الإيمان بصفة اللّٰه "القريب المجيب". يتقاطع النص مع النصوص القرآنية، مثل قوله تعالى: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِª (ق ٥٠: ١٦)، كما يبرز بُعدا تأمليا وفلسفيا عن العلاقة بين الإنسان والخالق، حيث تتحمل أفعال الإنسان مسؤولية انقطاعه عن الشعور بقرب اللّٰه.
وفي قوله (8): "تَحْجُبَهُمُ الأعمالُ دونَك"، أُخرج الحجب من معناه الحسي (الستر المادي)، إلى معنى مجازي، يتصل بالأثر الروحي للأعمال السيئة. والمجاز المستخدم هو مجاز مرسل بالعلاقة السببية؛ إذ تعني عبارة "تحجبهم الأعمال"، أن الأعمال السيئة تؤدي إلى حجب القلوب والعقول عن إدراك القرب الإلهي. القرينة المانعة للمعنى الحقيقي هي أن الأعمال لا تحجب بشكل مادي، بل تمنع القرب الروحي والمعنوي. هذا الانزياح يبرز أثر السلوك الإنساني على بناء العلاقة الروحية مع اللّٰه، ويوضح أن الحجب ليس من اللّٰه، وإنما من الإنسان نفسه، ما يعزز المسؤولية الفردية. ويتبادر إلى الذهن قوله تعالى: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم ما كَانُوا يَكْسِبُونَª (المطففين ٨٣: ١٤)، في بيان أثر الأعمال السيئة في حجب القرب الإلهي.
ومن قوله (8): «إلهي ربّیتَني في نِعَمِك وإحسانِك صغیراً، ونوَّهتَ باسمي کبیراً» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣٠٧).
نلاحظ أن المجاز يُوظّف لتجسيد الرعاية الإلهية منذ الطفولة وحتى الكبر، متجاوزا المعاني الحسية إلى معانٍ روحية ومعنوية، تعكس لطف اللّٰه وعنايته بعباده. في قوله (8): «ربّیتَني في نِعَمِك وإحسانِك صغیرًا»، يُفهم المعنى الظاهر لعبارة "ربيتني"، بأنها تُستخدم بمعناها الحقيقي في العناية الجسدية أو التربوية التي تتم عادةً بواسطة شخص مباشر، مثل الوالدين، غير أن الفعل "ربيتني" خرج من معناه الحسي إلى معنى مجازي، حيث يشير إلى العناية الإلهية الشاملة التي تشمل النعم والإحسان منذ الصغر. المجاز المستخدم هو مجاز عقلي؛ إذ نُسبت التربية إلى اللّٰه، وهي تشير إلى تأثير النعم الإلهية والرعاية المباشرة وغير المباشرة في حياة الإنسان. تُبرز هذه العبارة عناية اللّٰه الشاملة بالعبد، وتحوّل فعل "التربية" من معنى مادي إلى معنى روحي ومعنوي، مما يُشعر القارئ بعمق اللطف الإلهي.
وفي قوله (8): "ونوّهت باسمي كبيرا"، يُفهم المعنى الظاهر لعبارة "نوّهت باسمي"، بأنها تشير ظاهريا إلى الإعلان أو الإشارة إلى اسم الإنسان؛ لكن الفعل "نوّهت" خرج من دلالته المادية إلى معنى مجازي، يشير إلى رفع المكانة وتعظيم القدر. المجاز المستخدم هو مجاز مرسل، وعلاقته اعتبار ما يكون، حيث أُطلق الفعل "نوّهت"، وأُريد به أثر التعظيم والتشريف الذي منحه اللّٰه لعبده. الجمع بين مجازي "ربيتني" و"نوّهت"، ينسج صورة متكاملة عن مراحل الرعاية الإلهية، من الطفولة (رعاية حقيقية ونعم حسية)، إلى الكبر (رفع المكانة والشأن الروحي والمعنوي). وهو من ضروب «الكلام المفاد به، خلاف ما عند المتكلم من الحكم فیه لضرب من التأویل، إفادة للخلاف لا بوساطة وضع، كقولك: أنبت الربیع البقل، وشفى الطبیب المریض، وكسا الخلیفة الكعبة، وهزم الأمیر الجند، وبنى الوزیر القصر» (السکاکي، ١٩٨٧م، ص ٣٩٣).
يتقاطع النص مع الآية: «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَª (الشرح ٩٤: ٤)، التي تعبّر عن رفع المكانة والتشريف، كما يقترب من قوله تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْª (إبراهيم ١٤: ٧)، حيث يشير إلى أثر الشكر في استمرار النعم. يخلق الانزياح الدلالي في النص تدفقا في المشاعر، من الشكر للّٰه على النعم الماضية إلى التأمل في الأثر المعنوي لهذه النعم في تشكيل مكانة الإنسان.
وقوله (8): «یا حَبیبَ مَن تَحبَّبَ إلَیك، ویا قُرّةَ عینِ مَن لاذَ بك وانقَطعَ إلَیك، یا باسِطَ الیَدَینِ بالرَّحمَةِ!» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٠).
و"بسط اليد"، هو مجاز عن السخاء الذي يحمل في طيّاته أعماق الجود الإنساني. يُظهر هذا التعبير المجازي عمق العطاء والمسؤولية تجاه الآخرين، حيث يُعبّر بوضوح عن طابع الكرم والفضل. عندما نتحدث عن "بسط اليد" في الخطاب، نجد أنه يعكس الإرادة الصافية للعطاء؛ إذ يشير إلى القدرة على التفضيل والمساهمة مع الآخرين. المدلول الحقيقي الذي هو "باسط اليدين"، يظهر وكأنّه مشهد حي في الخطاب؛ لكن تتعاظم قيمته، عندما يستدعي المدلول المجازي، ألا وهو الجود والكرم.
تنتقل هذه الكلمات من تفسيرها الأصلي إلى رحابات جديدة، حيث ينزاح المعنى عن بساطة اليد الظاهرة إلى معنى جديد، يتجلى في فرحة العطاء وسخاء القلب. يعكس "بسط اليد" في هذا السياق تحولاً في الفهم، حيث يصبح رمزاً للخير والعطاء الذي يتجاوز حدود التعبير اللفظي، وينغمس في المدلول المجازي، وهو الجود والکرم. و«هذه الصورة المجازية تشبّه المعقول بالمحسوس، وتحوّل المعنی الذهني إلی مشهد حي مؤثّر في النفس البشرية، وتساعد علی خلق صورة مشمئزة للبخل تأثيراً علی المخاطب، وتجعله يتقاسم مع المتكلّم اعتقاده، ويقوم بالفعل الذي أريد منه، فتُقنع المخاطب بترك البخل تناسباً مع ما يقتضيه السياق، وهو الإرشاد وردعه عن المنكر» (سالمي وفیروزپور، ٢٠٢٣م، ص ٢٦١).
ویقول (8): «بِحَبلِ مَن أتَّصِلُ، إن أنتَ قَطَعتَ حَبلَكَ عَنِّي؟!» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٦).
في كلامه (8)، لاحظنا استخدامه لمصطلح "حبل"، بشكل مجاز، استخدمه ليُعبّر عن الولاية والإرشاد. ركّز عليه كمفتاح رمزي، يعبّر عن القوة والتماسك، مشدداً على قوّتها وثباتها من خلال ربطها بالأعمال الراسخة. كما وجّه الانتباه إلى أبعاد أخرى للمصطلح، ثم رمز إلیه ببعض صفاته، مثل: "الاتصال والانقطاع". فاستخدمها كرمز للتفاعل والتلاحم في العلاقة بين المؤمن ومولاه. فهذا الاستخدام الذكي للكلمة يظهر كيف يتم التحول من المعنى الحرفي إلى المجاز، وكيف يمكن للكلمة أن تحمل في طيّاتها مفاهيم أعمق، تتعلق بالعلاقة الروحية والتوجيه الإلهي، حتی ساغ هذا الانزياح عن المدلول الأصلي إلی المدلول المجازي، وأشار إلی قوله تعالی: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰه جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواª (آل عمران ٣: ١٠٣).
ویقول (8) في موضع آخر: «وبِحبلِ طاعَتِكَ مَدَدتُ رَهبَتي» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٩).
نلاحظ في هذه الفقرة، يتم استخدام تعبير مجازي بعلاقة سببية؛ لأنَّه في اللغة العربية، يُعتبر لفظ "حبل" عادةً مصطلحاً، يشير إلى شيء، يربط أو يرتبط بشكل قوي. وهنا يُستخدم بشكل مجاز للإشارة إلى الربط بين الطاعة والرهبة. لکن هذا المدّ لم یتم عبر الید، بل بالرهبة التي تعني الخوف، وتلك التوجيهات التي يلتزم بها الإنسان، ويتوقف بها عن الإثم ومعصية اللّٰه. العلاقة التي سوّغت هذا الانزياح عن المدلول الأصلي إلی المدلول المجازي، هي العلاقة السببية، حیث عندما یخاف العبد ربّه ویخشاه، یلتزم بعبادته وطاعته، ليتوقف عن الخطايا، ويترك الإثم وعصيان اللّٰه بفضلها. ويری الجرجاني أنَّ الاستعارة «تبرز المعنی في صورة متجسدّة، تزيد قدره نبلاً وفضلاً، حيث هناك لفظة واحدة، تعطي الكثير من المعاني، حتی تخرج من الصدفة الواحدة عدّة من الدرر» (١٩٩١م، ص ٤٣).
ومن قوله (8) مناجیاً اللّٰه سبحانه: «إلهي لَو قَرَنتَني بِالأصَفادِ، ومَنَعتَني سَیبَك مِن بَینِ الأشهادِ، ودَلَلتَ عَلیٰ فَضائحي عُیونَ العِبادِ، وأمَرتَ بي إلَی النّارِ، وحُلتَ بَیني وبَینَ الأبرارِ، ما قَطَعتُ رَجائي مِنك وما صَرَفتُ تَأمیلي لِلعَفوِ عَنك ولا خَرَجَ حُبُّك مِن قَلبي» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٧).
يشير تعبير "لو قرنتني بالأصفاد" إلى القيود المادية؛ لكنه يحمل معنى مجازيا، يعبر عن العقاب الروحي والمعنوي. تنتقل الدلالة من الأغلال الحسية التي تقيد الجسد إلى قيود معنوية تعيق الروح، مما يعكس حالة من الحصار الروحي الذي يعانيه العبد. هذا الاستخدام يعبر عن مجاز مرسل بعلاقة الجزئية، حيث تُعد الأصفاد جزءا من العقاب الكلي. وبهذا التصعيد الشعوري، يتحول القيد إلى رمز للعقبات الروحية التي تبعد الإنسان عن اللّٰه.
أما قوله (8): ومَنَعتَني سَيبَك مِن بَينِ الأشهاد"، فإن كلمة "سَيبك" ترمز إلى النعمة الإلهية والعطاء المتدفق. يظهر المنع كمعنى مجازي، يعبر عن انقطاع النعمة نتيجة أفعال العبد، وليس منعا حقيقيا صادرا من اللّٰه. يتجلى هذا المجاز المرسل بعلاقة السببية، حيث ترتبط النتيجة الظاهرة (المنع)، بسبب داخلي، يعود إلى الإنسان نفسه. تنزاح الدلالة من العطاء المادي إلى فقدان القرب الروحي، مما يبرز تأثير أفعال العبد على العلاقة الإلهية.
وفي قوله (8): "ودَلَلتَ عَلیٰ فَضائحي عُیونَ العِبادِ"، يُستخدم الفعل "دللت" مجازيا، ليعبر عن الكشف عن العيوب أو الذنوب أمام الآخرين. يقوم المجاز هنا، على علاقة اعتبار ما يكون، حيث أُطلق فعل "الدلالة" وأُريد أثره، وهو الخزي أو الشعور بالفضيحة. هذه الصورة المجازية تُثير حالة من الرهبة والخوف، وتعبر عن التوتر بين ستر اللّٰه ورهبة افتضاح العبد، مما يجعل الكشف لا يقتصر على المعنى الحسي، بل يمتد إلى الإدانة الروحية.
وعندما يقول الإمام (8): "ما قَطَعتُ رَجائي مِنك، وما صَرَفتُ تَأمیلي لِلعَفوِ عَنك"، يُستخدم الرجاء والتأمل كرمزين مجازيين، يعكسان الثقة العميقة برحمة اللّٰه. تتجاوز هذه المشاعر حدود المفاهيم الداخلية، لتصبح صورا حية، تُجسد التعلق والأمل المستمر في عفو اللّٰه ولطفه، مما يبرز انزياحا دلاليا، يعبر عن حضور الرحمة الإلهية، حتى في أشد لحظات المحنة.
وفي قوله (8): "ولا خَرَجَ حُبُّك مِن قَلبي"، يتجلى الخروج كصورة مجازية، تعبر عن فقدان الإيمان أو انقطاع العلاقة الروحية مع اللّٰه. يتحول هذا التعبير من دلالته المادية الملموسة إلى معناه المعنوي المجرد، ليُبرز استمرارية الحب الإلهي في قلب العبد، رغم كل الظروف. فالمجاز هنا مرسل بعلاقة المجاورة؛ إذ يُظهر عمق الإيمان وثباته، كجزء لا يتجزأ من تكوين الإنسان، ليُشكل رؤية روحانية، تجمع بين الرجاء واليقين في رحمة اللّٰه. وبهذا، ينحرف عن المدلول الحقيقي، ليصبح تفسيراً مجازياً باعتبار المجاز «الأداة الكبرى من أدوات التعبیر الشعري؛ لأنَّه تشبیهات، وأخیلة، وصور مستعارة، وإشارات، ترمز إلى الحقیقة المجردة بالأشكال المحسوسة، وهذه هي العبارة الشعریة في جوهرها الأصیل» (العقاد، ١٩٩٥م، ص ٣٣).
وقوله (8): «سیّدي إلَیك رَغبَتي، إلَیك رَهبَتي، وإلَیك تَأمیلي، وقَد ساقَني إلَیك أمَلي» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٨).
في عبارة "وَقَدْ سَاقَنِي إِلَيْكَ أَمَلِي"، نلاحظ استخدام المجاز المرسل يرتبط بعلاقة سببية، حيث يتم تحرير السبب، ويُقدَّم المسبب كمفهوم رئيس للتعبير. يتمثل السبب في هذا السياق في اللّٰه تعالى، ويُظهر الأمل كسبب؛ لكنه ينزاح عن دلالته الأصلية إلى دلالة جديدة. المقصود هو توجيه السبب نحو المنافع التي تنشأ من هذا الأمل والتقدير. في هذه الجملة، يُشير السياق إلى أنَّ سبب الاتجاه نحو اللّٰه تعالى هو الأمل؛ ولكن يُراد من ذلك الانتقال إلى معنى جديد، يُظهر المنافع العميقة التي يحملها هذا الأمل والتقدير. "ساقني إليك أملي" يتحول إلى مفهوم، يعبّر عن القوة المفزة للأمل، وكيف يمكن أن يؤدي إلى الفوائد والتحسينات في الحياة. وبذلك، تصبح «الصورة المجازیة وسیلة حتمیة لإدراك نوع متمیز من الحقائق، تعجز اللغة العادیة عن إدراکه أو توصیله» (عصفور، ١٩٩٢ م، ص ٣٨٣).
وقوله (8) في دعائه: «عَلَيْكَ يَا وَاحِدِ عَکَفتْ هِمَّتِي، وَفِيمَا عِنْدَكَ انْبَسَطَتْ رَغْبَتِي، وَلَكَ خَالِصُ رَجَائِي وَخَوْفِي» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٨).
نلاحظ في عبارة "عكفتْ همتي"، توظيفاً مجازياً عقلياً، يرتبط بعلاقة المفعولیة، حيث يكون الفاعل الحقيقي في عملية عکوف الهمة، هو صاحب الهمة، أو المتكلم الذي يدعو. ومع ذلك، انزاح عن المدلول الأصلي إلی المدلول المجازي، وأسند العکوف إلی الهمة للتركيز على الاهتمام نحو الهمة.
وفي جملة "انبسطتْ رغبتي"، يظهر استخدام مجاز عقلي أيضاً بعلاقة المفعولیة، حيث يكون الفاعل الحقيقي هو الشخص الذي يمتلك الرغبة؛ ولكن أسند الانبساط والبهجة والسرور إلى الرغبة. وهذا يعبّر عن علاقة عقلية مجازية بين المفعول به والفاعل؛ إذ تكون الرغبة تحت إرادة وفعل صاحبها، تنبسط فیما عند اللّٰه. وفي هذا، «لا یکون المجاز تجاوزاً للحقیقة، وإنما یکون هو الطریق للوقوف علی صورة الفکر والشعور اللذین یراد التعبیر عنهما» (هلال، ١٩٩٧م، ص ٤٣٣).
3ـ3. الكناية
الكناية لغة «ما يتكلم به الإنسان، ويريد به غيره، وهي مصدر كنيت أو كنوت بكذا عن كذا، إذا تركت التصريح به. واصطلاحاً لفظ أريد به غير معناه الذي وُضع له جواز إرادة المعنى الأصلي» (الهاشمي، ١٣٩٦ه.ش، ص ٢٠١). والتعبیر بالکنایة «یعطي مجالاً أرحب في التعبیر والتخليص مما لا یراد التصریح لأمر یقتضيه السياق» (مورو، ١٩٩٥م، ص ١٤٢).
استناداً إلى ذلك، تعتبر الکنایة وسيلة فعّالة لتطوير وتعزيز قوة التعبير والابتعاد عن التعابير التقليدية، حيث تتجاوز عملية النقل اللفظي. فإن جاكسون يعتبر من بين النقاد الغربيين الذين وصلوا إلى رؤية أنَّ الکنایة تشكل نوعاً من أنواع الانزياح الدلالي، حيث يعتقد «أنَّ الكاتب یمارس انزیاحاً کنائياً عن الحبکة إلی المناخ المحيط، ومن الشخصيات إلی الإطار المکاني والزماني» (الحمداني، ١٩٨٩م، ص ٥٦).
عندما نقرأ دعاء أبي حمزة الثمالي، ندرك أن الإبداع الأدبي فیه يستند إلى استكشاف المعنى، وإعطاء المخاطب مفاجأة، وإلى إيجاد تناقض بين القول والفهم من خلال التعبير، مما أدّى إلى تحقيق تأثير الانزياح.
يقول (8)، في الدعاء: «اللهُمّ، بِذِمّةِ الإسلامِ أتَوَسَّلُ إلَیكَ، وبِحُرمةِ القُرآنِ أعتَمِدُ إلَیكَ، وبِحُبِّي النّبيّ الأُمّيّ القُرَشيّ الهاشِميِّ العَرَبيّ التّهاميّ المکّيِّ المَدَنيّ أرجُو الزُّلفةَ لَدَیكَ» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٦).
نلاحظ أنَّ كلمة "الأمّي" فيها كناية، حيث تعني النسبة إلى الأم أو الأمومة، أو علاقة النبي (|)، بأمه. إنّها تنزاح عن مدلولها الأصلي، لتدل على التعاليم التي يخبرنا بها النبي الأكرم (|)، والتي لم يتعلمها من مدرسة بشرية، بل جاءت مباشرة من اللّٰه. وعندما يقول (8): "أرجُو الزُّلفةَ لَدَیكَ"، فهو يعبر عن القرب الروحاني، بدلاً من الجسدي. وعلی هذا القُرب، نبَّه (8)، فیما ذکر عن اللّٰه تعالی: «مَن تَقَرّبَ إليَّ شبراً، تقربتُ إليه، وقوله ما تَقَرّب إليَّ عبدٌ بمثل أداءِ ما أفترضتُ علیه، وأنَّه لیتقرب إليَّ بعد ذلك بالنوافل، حتّی أحبه» (الراغب الأصفهاني، ١٤٢٨ه، ص ٤٠١). كل هذه الكنايات عن الموصوف تشكل نمطاً من الانزياح الدلالي.
وقوله (8): «وأنا یا سَیِّدي، عائِذٌ بِفَضلِكَ، هارِبٌ مِنكَ إلَیك» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٤).
تظهر في هذه الفقرة فكرة التجريد، حيث يبدو وكأنه (8)، جرد من فضل اللّٰه، واستعاذ به، وهرب إليه. وهذه كناية بغاية الروعة والجمال؛ إذ يريد القول: إنني لا أرى إلهاً في عالم الوجود أفر منه، وأتجه نحوه غيرك. فأينما كنت، أنت هناك والحكم لك. لذلك، أنا الذي أهرب من الخطايا والمعاصي والجهل والغفلة، وأهرب منك! عندما أكون في تلك النقطة، حيث الجهل والغفلة والنفس الأمارة بالسوء، وأجلب معصيتك هناك، لم تكن تلك النقطة خارج حكمتك، ووجودك هناك، وعلمك هناك، وقوتك هناك، كل شيء منك هناك، وكل العالم في مرآك ومنظرك. وتلك اللحظة التي ارتكبت فيها الخطيئة كانت في حضرتك، والآن إذ أهرب من تبعات الذنب، أهرب منك، وأتوجه إليك، وهربت منك إليك.
وحدث الانزياح بدلالة تعبير أنَّ كل العالم محاط باللّٰه ومراقبته، وأن التوبة والهروب من الخطيئة يعني التوجه نحو اللّٰه بكل جوانب الحياة. و«حققت الكناية انزياحاً عن المألوف، والتجاوز عن معناه المعجمي إلى دلالات أُخر، مع الاحتفاظ بدلالتها الأصلية، ويظهر هذا الانزياح ضمن العلاقات الأفقية، فينقل الكلام من حيّز نفعي محدود في رحاب غير محدود من التأثير والجمال» (قاسم پيوندي وابن الرسول وخاقاني، ١٤٣٥ه، ص ٤٥٩).
قوله (8): «فَما لي لا أبکي؟! أبکي لِخُروجِ نَفسي! أبکي لِظُلمةِ قَبري، أبکي لِضِیقِ لَحْدي أبکي لِسُؤالِ مُنکَرٍ ونَکیرٍ إیّاي» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٨).
"أبكي لِخُروجِ نَفسي"، أي أبكي لفراق روحي عن جسدي، وهي كناية عن الموت مع ما فيه من الشدائد والسكرات، وخروج النفس بواسطة ملك الموت وأعوانه. "أبكي لِظُلمةِ قَبري" معنى الظلمة داخل القبر غير ظلمة قبر هذا الجسد؛ إذ سيذهب الجميع إلى القبر المظلم. والأنبياء، والأوصياء أيضاً يدخلون القبر المظلم. ومعنى هذا القبر ليس قبر الجسد؛ إذ لا يُضاء المصباح هناك، ولا يدخل هذا القبر منكر ونكير، ولا يتحدثون مع هذا الجسد الميت. لكن الإمام (8)، يريد القول: أنني أبكي على الظلمة التي أمامي في عالم المثال؛ إذ عليَّ أن أعبر تلك الطرق، وكلها مظلمة، كيف أعبر؟ وذلك لأنَّ الروح معلقة بعالم المثال، والقبر الحقيقي للإنسان، هو القبر المثالي. "أبكي لِضِيقِ لَحْدي" وهذا اللحد أيضاً كناية عن عالم البرزخ، وليس هذا اللحد المادي، بحيث إذا قاموا بتضييق هذا اللحد أو توسيعه، لا يُجدي نفعاً بحال الميت، وضيق اللحد، وثقله كناية عن ضيق عالم البرزخ.
من خلال الصور الكنائية التي تمّ تقديمها، يظهر لنا بوضوح أنَّه لم يكتف بالالتفات إلى الألفاظ، دون الغوص في المعاني؛ يعود ذلك إلى أنَّ الدلالات الكنائية قد تمّ تشكيلها بواسطة لغة الرموز. فتنتج هذه العملية تشكيل الانزياح الدلالي. وفي السياق الأدبي، يبرز استخدام الكنايات كوسيلة فعّالة لتوليد مضامين مختلفة؛ إذ تعكس الكنايات لحظات تأمل عميقة ورؤى فلسفية، وهو ما أشار إليه الجرجاني: «لا یکنّی باللفظ عن اللفظ، وإنما یکنّی بالمعنی عن اللفظ» (١٩٦٩م، ص ٣٤٠).
وقوله (8): «أَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَمِينِي وَأُخْرَى عَنْ شِمَالِي إِذِ الْخَلاَئِقُ فِي شَأْنٍ غَيْرِ شَأْنِي لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ وَذِلَّةٌ» (قمي، ١٣٨٦ه.ش، ص ٣١٨).
تُحسب عبارة "اليمين"، كناية للسعادة والبركة، حيث ينبع مصطلح "اليمين" من كلمة "يُمن" التي تعني البركة. يُطلق على اليد الواقعة في الجهة اليمنى للإنسان اسم اليد اليُمنى، نظراً لأنّها تقوم بمعظم الأعمال والأنشطة، مما يجعلها رمزاً للبركة. وبالمقابل، تُعتبر اليد اليُسرى أقلّ فاعلية؛ ولذلك يُشار إليها بـ"اليد الشمالية".
في هذا السياق، يُشير أصحاب اليمين إلى الأفراد الذين يتمتعون بالسعادة والنجاح؛ بينما يُشير أصحاب الشمال إلى الأشخاص الذين يعيشون في الشقاوة. يُظهر هذا التباين الثنائي والانزياح الدلالي بين المفردات، تفسيرات متناقضة بين اليمين والشمال، حيث يُرتبط اليمين بأهل الجنة والسعادة؛ بينما يُرتبط الشمال بأهل النار والشقاوة. يظهر انزياح المعنى من المدلول الحقيقي إلى المدلول المجازي.
تتجلى آيات القرآن كرسيمة فنية تصويرية، تعبّر عن تلك اللحظات الفارقة في يوم القيامة، حيث يقدم لنا رؤية بين الفرح الباهر لأهل السعادة، والكآبة المظلمة لأهل الشقاء. التوازن بين المدلول الحقيقي والمدلول المجازي، يُبرز قدرة القرآن على توجيه الفهم البشري نحو فهم أعماق المعاني والحقائق الروحية.
الخاتمة
تجدر الإشارة إلى أبرز النتائج التي توصل إليها البحث:
ـ إنَّ دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام زين العابدين (8)، يُعَدُّ من أبرز الأدعية التي تكشف فيها ظاهرة الانزياح الدلالي. بفضل استخدام المفردات المجازية، والاستعارة، والکنایة، والتشبيه، والتصوير من خلال هذه الآلیات. يستطيع هذا الدعاء أن يصل إلى قلوب المؤمنين، ويرسّخ فيها مشاعر التواصل مع اللّٰه تعالى. تبرز هذه الظاهرة جمالية اللغة العربية، وقدرتها على التعبير عن المشاعر والأفكار بأبهى صورها.
ـ يتجلى في دعاء أبي حمزة الثمالي، اقتفاء رائع لأسلوب القرآن الكريم وتأثيره. فيبدو للقارئ أنَّ الإمام (8)، استوحى العديد من عباراته وتعابيره من نافورة الوحي، حيث قام بتنسيقها وإعطائها لمسة رفيعة من فنون البلاغة والإيقاع اللغوي الذي يعكس روعة القرآن الكريم.
ـ من خلال استكشاف مفهوم المجازات في دعاء أبي حمزة الثمالي، يظهر بوضوح أن هذه الأساليب اللغوية تترك تأثيراً عميقاً على القارئ. فهي تثير في المتلقي مشاعر التشوق والتطلع إلى فهم الدلالة المجازية. عندما يصل المتلقي إلى الفهم الكامل للمعنى الذي يتم التعبير عنه من خلال الانزياح الدلالي، يشعر بلذة فائقة ومتعة عاطفية، ما يضفي عليه شعوراً بالسعادة والارتياح. كلمات هذا الدعاء تتسم بقوة تأثيرها، فهي لا تقتصر على حجمها الكبير فقط، بل تبرز بوضوح دلالتها على المعنى المقصود، وتتميز بالجزالة وسهولة الفهم، وتتناغم بشكل جميل مع السياق، وتُظهر القدرة على توجيه الانتباه نحو الجو العاطفي الملائم لمضمونها.
ـ تظهر الاستعارة في دعاء أبي حمزة الثمالي، كأداة فريدة للانزياح الدلالي، لا تقتصر على كونها أسلوبا بلاغيا، بل تتجاوز ذلك، لتكون وسيلة فنية وروحية، تعكس القرب من اللّٰه. فهي تفتح أبواب التوبة والرجاء، وتحقق توازنا دقيقا بين الخشوع والأمل في النفوس. ومن خلال انزياح الألفاظ عن معانيها الحرفية، تقدم الاستعارة مفاهيم أعمق وأكثر روحانية؛ إذ تحول المعاني المادية إلى صور معنوية، تُعمق الإيمان برحمة اللّٰه الواسعة، وتعزز الصلة به.
ـ يقدم الدعاء صورا بلاغية قائمة على التشبيه لإيصال المعاني الروحية بوضوح وجمال، مثل تصوير الخطايا كأثقال، تثقل الروح، مما يجعل المتلقي أكثر استشعارا لضرورة التوبة والتطهير. يأخذ التصوير دوراً بارزاً في خلق انزياحات دلالية في أوجه الدعاء، مما يضفي عليه بُعداً إضافياً، ويثري تجربة القارئ. في النهاية، يجب على المؤمن، أن يستشعر عظمة هذا الدعاء، وأن يستفيد من روحانيته في تقوية علاقته مع خالقه. إنَّ دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام علي بن الحسين (3)، يظلّ رمزاً للتواصل مع اللّٰه تعالى، وروحانية التلاقي بين المؤمن وربّه.