Studying the Conceptual Metaphor in the Poem “Processions” by Gibran Khalil Gibran in Light of the Views of Lakoff and Johnson

Document Type : Research Article

Author

Assistant Professor of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Shahid Chamran University of Ahvaz, Ahvaz, Iran

Abstract

Language is considered the bridge that connects human beings to communicate and understand each other. It consists of different linguistic units that join together. Among the units and tools that produce the intended speech are metaphors. They can be divided into two categories. The first is the classical metaphor which is an analogy of a thing with another thing, so you pretend to express the simile and show it. For instance, you use the word “sea” in a wrong/divergent way, by stripping it of its true meaning and giving it the meaning of a generous man, meaning that I saw a man who resembled the sea in giving. Metaphor in this sense is a purely linguistic issue. The second type of metaphor (i.e. conceptual metaphors), was proposed by two European theorists, Lakoff and Johnson (2008) in the book Metaphors We Live By. It is a type of metaphor used abundantly in our daily life and culture. It reflects the way we perceive things in different fields. By employing this method, we express the external world and concepts. Here, inferences are no longer regarded as merely literary artifacts intended only to embellish and beautify speech, as they were in the past.
A large part of our perceptions and unconscious thinking about non-material phenomena is governed by conceptual metaphors, which we do not usually control. Conceptual metaphors are divided into three categories. The first is the structural metaphor, which is the one in which a concept is transferred from one aspect to another aspect. For example, we say “Life is a river”. We find that the speaker, in order to explain the passage of life and its permanent change, transfers it from one aspect to another aspect. The second category, physical (spatial) metaphor, is the metaphor through which we imagine concepts that have a direction and a space. For example, we say: “His morals are high,” so we made morals have a direction of height because we imagine that “high” represents sublimity and sophistication in our thought. The third category, ontological metaphor, is the metaphor by which we try to understand the moral matter by conceptualizing it in a material form.
This study, using the descriptive-analytical method and based on the opinions of Lakoff and Johnson (2008), aims to study the types of conceptual metaphors in the poem “Processions” by the Lebanese poet Gibran Khalil Gibran. After discussing the title through the questions raised at the beginning of the study, the research results showed that the poet employed all types of conceptual metaphors: spatial, structural, and ontological. Through analyzing these types, many mental hints are revealed. The structural metaphor shows that Gibran views life as fleeting, and as a result of this, he calls on people to benefit from the present moments. The poet also believes that simplicity in life is better than complexity and show off. Gibran believes that man is robbed of his will in his life and is oppressed by circumstances. Some of his structural metaphors show that, to him, life is so short that he sees it as a mere idleness that soon passes and ends. He explains that kindness in this life is a trick that some people use to achieve their own goals. As for the space metaphor, to Gibran, love has no place other than the soul, and what is attached to the body and which people call love is nothing but a whim and lust dictated to man by evil.

Keywords

Main Subjects


  1. المقدمة

تعتبر اللغة جسرا، یصل بین أبناء البشر، للتحاور وفهم بعضهم البعض. وهي تتكون من وحدات لغویة مختلفة، تنضّم بعضها إلی بعض. ویضاف إلی هذه الوحدات والأدوات التي تنتج الكلام المقصود، مجموعة أخری من الأسالیب، تضفي على الكلام جمالا فنیا.

إحدی هذه الآلیات المتاحة أمام المتكلم هي الاستعارة. ویمكن تقسیم هذا التعبیر إلی قسمین: القسم الأول هو الاستعارة الكلاسیكیة. وهي عبارة عن تشبیه «الشيءِ بالشيء، فتَدَعَ أن تُفصح بالتشبیه وتُظهرَه، وتجيء إلی اسم المشبه به، وتُجریَه علیه» (الجرجاني، 2015م، ص 114). فإذا قيل: "رأیتُ بحرا یمنح مَن یأتیه"، فاستخدمتَ لفظ "بحرا" في غیر معناه بأن جرَّدتَه عن معناه الحقیقي وأعطیتَه معنی الرجل الكریم، أي أنني رأیت رجلا، یشبه البحر في العطاء. والاستعارة بهذا المعنی قضیة لغویة بحتة.

وأما النوع الثاني من أنواع الاستعارة، فهو من طرح منظرینِ أروبیین، هما لایكوف وجونسون[1]، اللذان یریان في كتابهما الاستعارات التي نحیا بها، أن هناك نوع من الاستعارة، یكثر بوفرة في حیاتنا الیومیة وثقافتنا، یعكس طریقة تصورنا للأشیاء في الحقول المختلفة. ونحن عبر توظیف هذا الأسلوب، نعبر عن العالم الخارجي والمفاهیم والاستدلالات.

ولم تعد كما یُنظَر إلیها في السابق علی أنها مجرد صنعة أدبیة، غایتها تطریز الكلام وتجمیله، بل أصبحت قضیة فكریة وآلیة، تساهم في فهمنا لعالمنا؛ إذ إنها وعاء، نضع الأشیاء فیه، حتی نفهمها، فمثلاً عندما أقول: "أرتشفت من حنان أمي"، فقد نقلتُ معنی "الارتشاف" من مجاله ومیدانه، وأوصلته إلى میدان آخر، لا صلة له حسب المعجم والدلالة الظاهرة بـ"الحنان"؛ وذلك أن الارتشاف یتعلق بأمور من جنس المُرطِّبات والمشروبات. وهكذا تمكنت من فهم معنی عبر معنی أوضح بالنسبة لي، كما أنها تعطیني تصورنا واضحا عمن یستخدمها وعن نظرته للأشیاء في العالم الخارجي.

إذن، الاستعارة «لیست حكرا علی الأدب، وإنما هي من الأمور التي نحیا بها جمیعا. فجانب كبیر من تصوراتنا وتفكیرنا غیر الواعي حول الظواهر غیر المادیة تحكمه استعارات تصوریة، لا نحكمها عادة؛ لكنها تحكمنا دون أن ندري» (الحراصي، 2002م، ص 20).

تنقسم الاستعارة المفهومیة إلی ثلاثة أصناف: الاستعارة البنیویة، وهي التي یتم فیها نقل مفهوم من حقله إلی حقل آخر، كأن نقول: "الحیاة نهر"، فنجد أن المتكلم من أجل بیان مضي الحیاة وتغیرها الدائم، نقلها من حقلها إلی حقل آخر.

والاستعارة الفیزیائیة هي التي نتصور من خلالها أن للمفاهیم جهة وفضاء، مثلاً نقول: "أخلاقه عالیة"، فجعلنا للأخلاق جهة العلو؛ لأننا نتصور أن "العلو" یمثل السموّ والرقي في فكرنا.

والاستعارة الأنطولوجیةهي التي نحاول فیها أن نفهم الأمر المعنوي، عبر تصوره بشكل مادي، نحو: "الخوف جَرَّ زیدا للاستسلام أمام العدو"، فتصورنا "الخوف" بمثابة الإنسان الذي یسحب شیئا ثقیلا، لیدفعه إلی مکان یریده. فالخوف هنا لیس شیئا مادیا؛ لکننا تخیلناه مادیا، لنفهم مدی غلبة الخوف والهلع الذي أحاط بزید؛ إذ إننا نستوعب الأشیاء المادیة أکثر من الأمور المعنویة في مثل هذه الحالات.

تهدف هذه الدراسة من خلال المنهج الوصفي ـ التحلیلي، واعتمادا علی آراء لایكوف وجونسون، إلی دراسة أنواع الاستعارة المفهومیة في قصیدة المواكب للشاعر اللبناني، جبران خلیل جبران. یتطرق جبران في هذه القصیدة التي أنشدها، وفق المدرسة الرومانسیة، إلی الطبیعة وعناصرها، مبینا أن الطبیعة هي مصدر السعادة والعالم الأمثل للتخلص من الشقاء.

من هذا المنطق، یدعو جموع الناس فیها للهروب من العالم المادي المزیف، لیعودوا إلی الطبیعة التي تمثل عنده عالم الفطرة الإلهیة: «الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهاª (الروم 30: 30). كما أنه یتحدث في هذه القصیدة عن قضایا جوهریة وجودیة هامة، مثل: الخیر، والشر، والدین، والعدل، والعلم، والسعادة. علاوة علی ذلك، یصف فیها الغابة التي تمثل عنده عالم الفطرة السلیمة. ويستعين كثیرا في هذه القصیدة من الاستعارة المفهومیة لبیان أغراضه.

وتكمن ضرورة هذا البحث في أن قصیدة المواكب تضم كثیرا من الاستعارات التي من شأنها أن تحدد المخطط الذهني لدی جبران، وتبرز ما یجري في خفایا عقله وذهنه. إضافة إلی هذا، فالقصیدة من عیون الشعر العربي الحدیث.

ومن هذا الأساس، یثیر الباحث الأسئلة التالیة لدراسة الاستعارة المفهومیة في هذه القصیدة:

ـ كیف ظهرت الاستعارة المفهومیة في قصیدة المواكب لجبران خلیل جبران؟

ـ ما الصور التي تبرز من خلال الاستعارة المفهومیة في هذه القصیدة؟

1ـ1. خلفیة البحث

من القضایا التي یجب أخذها بعین الاعتبار، قبیل الشروع في أیة دراسة جدیدة، هي الالتفات إلی الدراسات السابقة؛ إذ إنها تشكل الجذر والنواة لِمَا یلیها من أبحاث متجددة، ولا یمكن إهمالها أبداً. وبناء علی هذا، یتطرق البحث إلی الدراسات المتقدمة مع تبیين وجوه الفروق والمغایرة عند الضرورة بین الأبحاث السالفة والدراسة الراهنة. ویمكن تقسیم الدراسات السابقة لما نحن بصدده، إلی الأقسام الآتیة:

القسم الأول هو الدراسات التي درست الاستعارة المفهومیة في النصوص المختلفة، ما عدا قصیدة المواكب. وأما أهمّها وأقربها صلة بالدراسة التي بین أیدینا هي:

دراسة تحمل عنوان دراسة الاستعارة المفهومیة ومخططات الصورة في مجموعة تأبط منفی الشعریة، وفقا لآراء لایكوف وجونسون، لإسماعیل نادري وآخرين (2020م). وأهم ما توصلت إلیه هذه الدراسة أن الحقول المبدئیة هي الإنسان، والشيء، والحیوان، والنبات، والطعام، والبناء. وینقسم حقل الإنسان إلى قسمین: الشؤون الملموسة والمجردة. والقاسم المشترك بینهما هو التعبیر عن أیدیولوجیة الشاعر ومشاعره. أما في حقل الشيء، فهناك مفاهیم، لها خصائص الأشیاء؛ في حین أنّها مفاهیم عقلیة. وجاء الطائر في حقل الحیوان أكثر استعمالا. استخدم الصائغ حقل النبات، واستعار النباتات للتعبیر عن المفاهیم الانتزاعیة. ترتبط الأذواق، مُرةً كانت أو حلوة، بالمفاهیم المجردة.

ودراسة تحمل عنوان الاستعارة المفاهیمیة للصور الحیوانیة في الأمثال الشعبیة الفلسطینیة، وفقا لآراء لایكوف وجونسون، لحسین تك تبار فیروزجاني، وعسگر بابازاده أقدم، وزینب رحیمي (2021م). وحصیلة هذه الدراسة هي العثور علی ۱۰۷ صورة في الأمثال التي تم فیها استخدام أسماء الحیوانات. وقد كان الحظ الأوفر للاستعارة المفاهیمیة للانحطاط، والتواضع والجحود، والضعف والحقارة والخوف. ولقد تم استخدام أسماء الحیوانات لتبشیر المخاطب تارة، ولإنذاره تارة أخری.

 

وبحث معنون بالاستعارة المفهومیة في دیوان لا ماء في النهر لناصر البدري علی ضوء نظریة جونسون ولایكوف، لإلهام أكبري وعلي خضري وسید حیدر فرع شیرازي (1402ه‍.ش). وتحصل البحث علی أن الشاعر لجأ فی هذا الدیوان إلی استخدام الاستعارات الاتجاهیة والأنطولوجیة والبنیویة، وباستخدامه لهذه الاستعارات أعطى الكلمات معاني جدیدة، وجعل لبیانه قوة، مما میزه عن سائر الكلام. وأخیرا، معظم الاستعارات جاءت لتسلیط الضوء على المفاهیم التي تحمل معاني الحزن والأسى وإثبات المعنى في ذهن المتلقي وإقناعه.

وبحث نشر تحت مسمی دراسة الاستعارة المفهومیة في لغة المكتوبات علی شواهد القبور، لعبد الباسط عرب یوسفآبادي، (1403ه‍.ش). وأظهرت النتائج في هذا البحث أن الاستعارة المفهومية في المكتوبات على شواهد القبور تفهم بانتقال التصورات الذهنية من حقل المصدر (التصورات الأكثر حسية وملموسة)، إلى حقل الهدف (الموت)، في انسجام استعاري، يصنعه الكاتب على شواهد القبور، حتى تكون التصورات الذهنية محسوسة للمتلقي، وأن المخطّط الحركي (32%)، والمخطّط الاتجاهي (28%)، من أبرز مخطّطات الصورة في المكتوبات علی شواهد القبور.

والقسم الثاني یتطرق إلی الدراسات التي عالجت قصیدة المواكب من زوایا مختلفة. نشیر أدناه إلی أهمها:

دراسة قراءة سوسیولوجیة للبنیة الحكمیة في قصیدة المواكب لجبران خلیل جبران، لخداداد بحري وعلي خضري وعلي عندلیب (2020م). واتضح في نهایة المطاف أن جبران استفاد من أدبه، لیبین أن الدین جاء، لكي یقلل من الظلم.

ودراسة جمالیات التضاد في قصیدة المواكب لجبران خلیل جبران، لآمال إبراهیم مصطفی (2018م). وأهم ما توصل إليه البحث أن التضاد لیس مجرد محسن بدیعي، وإنما هو طاقة تعبیریة دلالیة، لها دورها البارز في السیاقات النصیة وفي توثیق العری بین المتلقي والتجربة الشعوریة ذاتها.

ودراسة أسلوبیة الانزیاح في قصیدة المواكب لجبران خلیل جبران، لأصالة القوبي (2024م). وتحصل الدراسة علی أن كثرة الانزیاح ناتجة عن كثرة الرموز الطبیعیة التي یوظفها الشاعر في قصیدته، وكذلك بسبب الاستلهامات الأسطوریة، وأن الانزیاح يمنح هذه القصیدة دفعة جمالیة ونصیة. كما تبرهن كثرة هذه الدراسات علی القیمة الأدبیة الكبیرة التي تحملها هذه القصیدة.

أما القسم الثالث، فیتعلق بدراسة الاستعارة المفهومیة، تحدیدا في قصیدة المواكب، وفق آراء لایكوف وجونسون، إلّا أنه بعد مراجعة الكثیر من المصادر الموثوق بها ومواقع الإنترنت، اتضح أنه لم تقم دراسة لمثل هذه المقاربة، مما یتیح الفرصة لهذا البحث المتواضع.

 

  1. الإطار النظري

مرت الاستعارة في الأبحاث اللغویة بمراحل مختلفة. فهي، حسب الدراسات الكلاسیكیة والتقلیدیة، «موضوع لغوي، ولیست مسألة، تتعلق بالفكر، وأن التعبیر المجازي وعالم اللغة الیومیة فارغ من الاستعارة، وأنها تستعمل آلیات خارج نطاق اللغة الیومیة» (لیکاف، 1390ه‍.ش، ص 139). فهي، بهذا المفهوم عبارة عن عملیة، یتمّ فیها تسمیة الشيء باسم غیره مع قرینة، ترشد العقول إلی هذا التحویل.

ومن هذا المنطلق، عرفها ابن قتیبة بأنها طریقة بیان، یستعیر فیها المتكلم كلمة، «فیضعها مكان الكلمة {الأخری}، إذا كان المسمّی بها بسبب من الأخری أو مجاورا لها أو مشاكلا» (2007م، ص 88). علی سبیل المثال، أن المتكلم قد یجد بین الشيء والآخر مشابهة وتقاربا في بعض السمات والخصوصیات، كالمشابهة بین ما یوجد في "القمر" و"الوجه الحسن"، فیتخلی عندها عن مفردة الوجه، ویستخدم مكانه كلمة "القمر" للإنسان؛ لكن مع قرینة، تُزیل الالتباس، وتمیّز بین مثل هذا التعبیر المبنيّ علی النقل والاستبدال أو التأویل والآخر المبني علی الكذب، فیقول مثلا: "أبصرتُ قمرا في دار السلطان"، قاصدا بذلك فتاة وضاءة الوجه، تشبه القمر في البهاء والضیاء. فهو قد ترك قرینة، هي: "في دار السلطان"، حتی یُبعد اللبس عن الكلام.

إذن، الاستعارة بهذه المواصفات عملیة نقل، عندما یوجد سبب أو أسباب مشتركة بین كلمتینِ، فنستبدل إحداهما مكان الأخری، دون أن تكون هناك علاقة بین هذه العملیة وطریقة التفكیر الیومیة التي من خلالها نتصور الأشیاء. وفي قبال هذا، توجد مرحلة أخری متأخرة عن النوع السابق، تعود إلی القرن الثامن عشر، متزامنة مع ظهور الرومانسیة، تختلف جذریا عن الاستعارة التقلیدیة، تعني أننا «نفكر ونتصرف بشكل لاشعوري، وفقا لخطوط معینة في العدید من الأمور الیومیة الصغیرة» (هاشمي، 1389ه‍.ش، ص 123 ـ 124).

وقد نَظَّر لهذا الضرب من التعبیر لایكوف وجونسون، ثم أطلقا علیه مصطلح الاستعارة المفهومیة؛ ویرجع السبب وراء تسمیتها بالمفهومیة، إلی أنها مرتبطة بالمفاهیم المنتظمة الناجمة عن الفكر الشعوري واللاشعوري. بمعنی آخر، أننا قد یصعب علینا فهم بعض المعاني خاصة، إذا لم تكن حسیةً، فنستنجد بقضایا ومفاهیم أخری أقرب إلی الفهم، نستطیع من خلالها فهم الأمور الغامضة. علما أنها «لا ترتبط بالفكر وحسب، بل إنها تتضمن كل الأبعاد الطبیعیة في تجربتنا، بما في ذلك المظاهر الحسیة في تجاربنا، مثل: اللون، والهیئة، والجوهر، والصوت» (لایكوف وجونسون، 1996م، ص 219).

فمثلا تجد المتكلم یصف الحرب باللون الأحمر، دون غیره من الألوان، متأثرا بما یحصل في الحرب عادة؛ إذ فیها یكثر الدم. والدم، كما هو معلوم، لونه أحمر. إذن، المتكلم استخدم تجربته للتعامل مع المفاهیم. فالتجربة تثبت كثرة الدم في الحروب، فنقل هذا اللون لوصف الحرب.

والأمر الآخر المهم، أنه یغلب في هذه الاستعارة فهم الأشیاء المجردة، وذلك من خلال تصورها بواسطة الأشیاء المحسوسة، عبر «استخدام بعض عناصر حقل المبدأ لفهم حقل المقصد» (هوشنگی وسیفی پرگو، 1388ه‍.ش، ص 10 ـ 11). وعلی هذا، فإن غایتها «فهم المجردات بالاعتماد علی خصائص الأشیاء المادیة، لتقود تفكیرنا إلی استخلاص مفهوم محدد حول مسألة معینة عن طریق تعابیر استعاریة؛ إذ إن العاصفة، والنار، والظلمة مثلا كلها تجارب حیاتیة، یعیشها الإنسان، ویتفاعل معها یومیا، مما یجعله یسقطها علی تعابیره الیومیة، ویتم فیها إسقاط مجال حیاتي معین علی مجال آخر» (الزناد، 2011م، ص 142).

فالاستعارة ترید من الأمور التي یجربها الإنسان یومیا في حیاته، أن تساعده في استیعاب الأمور المجردة غیر المدرَكة بالحواس عادة، كالفكرة غیر المحسوسة التي ینقلها الإنسان إلی ما هو أكثر وضوحا، فیصبها في وعاء المحسوسات، حتی تظهر وكأنها ماثلة أمام العین. وتنقسم هذه الاستعارة، وفقا لآراء لایكوف وجونسون، إلی ثلاثة أقسام:

2ـ1. الاستعارة البنیویة

في هذا الضرب من الاستعارة، نقوم بنقل مفهوم مختص في مجال ما إلی میدان ومجال آخر، كأن ننقل المفهوم المتعلق بالنار مثل الإحراق والحرارة، ونصبّه في مجال آخر، مثلاً تقول: اشتدت حرارة حبي لك. ومعلوم أن الحرارة متعلقة بالطاقة والحركة والنار وما یقرب من ذلك، إلا أننا نزعنا هذا المفهوم من میدانه، ونقلناه إلی میدان العشق والحب والرغبة.

وتعتمد هذه الاستعارة علی طرفین أساسیین جوهريين، هما: «المصدر، وهو الأكثر إفهاما والأكثر وضوحا؛ والهدف، وهو الأقل وضوحا. ومثال ذلك الجدال، في قولنا: الجدال حرب» (لایكوف وجونسون، 1996م، ص 123). فهذه الاستعارة لها طرفان: الطرف الأول هو المصدر الذي غالبا ما یكون بالنسبة للمتلقي واضح التصور، كالحرب هنا؛ والطرف الثاني غامض، كالجدال الذي تصورنا أن له مفهومین: أحدهما محسوس؛ والآخر معنوي. فنتصور المعنوي في وعاء المحسوس، حتی نتمكن من فهمه أكثر فأكثر.

2ـ2. الاستعارة الاتجاهیة (الفضائیة)

هذا النوع من الاستعارة «یركز علی التجارب الفیزیائیة والثقافیة، وتعطي للتصورات اتجاها فضائیا» (المصدر نفسه)؛ والسبب وراء تسمیتها بالاتجاهیة، ذلك أنها في الغالب «ترتبط في الاتجاه الفضائي: عال ـ مستفل، وداخل وخارج، وأمام ووراء، وفوق وتحت، وعمیق وسطحي، ومركزي وهامشي» (المصدر نفسه، ص 33). وعلی سبیل المثال، حینما نقول: "التعلم في الاجتهاد، ففي هذا المثال، قد جعلنا للتعلم جهة، وهي الظرفیة التي یبرزها حرف "في"، وهذا ناجم عن أننا نتصور بوعي أو لا وعي أن التعلم بحاجة إلی وعاء؛ لأننا نتصوره بمثابة الشيء المادي الذي یستقر في فضاء مكاني. ومن أجل هذا، أخرجناه من معناه المعنوي إلی معنیً جسماني، تحدده الظرفیة. ونظرا إلی أنّ التصور الاستعاري هنا مرتبط بأداة ولفظ محدد بجهة من الجهات، فتسمّی الاستعارة من هذا القبیل بالاستعارة الاتجاهیة.

2ـ3. الاستعارة الأنطولوجیة (الوجودیة)

هذا النوع من الاستعارة مبني علی التعامل مع الأشیاء غیر المحسوسة والتصورات الخارجة عن حدود المادة، علی أنها أشیاء مدركة بالحواس، لها كیان وجودي. «فنعتبر التصورات الذهنیة فیها أوعیة» (كوچش، 1399ه‍.ش، ص 45). وبناء علی هذا، یتعامل الذهن مع المفاهیم، كما یتعامل مع الأغراض المادیة التي تشغل في عالم الوجود حیزا. ومن هذا المنطق، «نتصوّر الأحداث والأعمال أشیاء، والأشیاء مواد، والحالات أوعیة» (لایكوف وجونسون، 1996م، ص 47).

وكان یسمّی هذا الضرب من الاستعارة بالتشخیص، حیث یقوم الكاتب أو الشاعر بإلقاء صفة أو مجموعة من صفات الإنسان على الأشیاء، كأن نقول: "ضحكت الورود حین حل الربیع". فمعلوم، أن الضحك من صفات الأنسان؛ لكن منحناها للورود علی سبیل التشخیص. و«هذه الاستعارات تسمح لنا بفهم عدد كبیر ومتنوع من التجارب المتعلقة بكیانات غیر بشریة عن طریق الحوافز والخصائص البشریة» (كرتوس، 2011م، ص 89).

والعملیة الذهنیة التي یجریها العقل، هي أنه یقوم «باستعارة شيء عام مطلق ومفهوم لدینا من خلال تجاربنا معه، لفهم شيء لم نره من قبل؛ ولكنه موجود بالفعل. فهذه الرؤیة نوع من المیتافیزیقا. وهي عملیة عقلیة، یتم فیها فهم غیر المنظور بالشيء المنظور. فنحن نستعیر الشيء المنظور (كل ما نراه في الطبیعة) لفهم ما لم نره من قبل من أحداث وأنشطة وأحاسیس وأفكار. ولكننا نری هذه الأشیاء من خلال آثارها علینا وتجاربنا معها. ولهذا، تتحول هذه الأشیاء غیر المنظورة لذوات لها كیانات ووجود، یتمّ التعامل معها علی أنها مواد فیزیائیة» (أحمد، 2018م، ص 44). إذن، فهذا النوع من الاستعارة یساعدنا أن نلمس تلك الأشیاء التي لا نستطيع دركها بالحواس، كما أنها تقرب الغریب الذي یصعب الإلمام به، لدرجة یكاد یكون ماثلا أمامنا، فنتمكن بعد ذلك من معرفته أكثر وأكبر.

 

  1. الإطار التطبیقي

3ـ1. الاستعارة البنیویة

في هذا النمط من الاستعارة، یتم «القبض علی مظهر من مظاهر تصور ما عن طریق تصّور آخر» (لایكوف وجونسون، 1996م، ص 33). وغالبا یوظفها المتكلم، عندما یكون ثمة مفهومان: أحدهما معنوي، یصعب دركه؛ والآخر مادي وملموس. فمن أجل إیضاح الصورة، یجعل من المادي وعاء، یتضمن الأمر المعنوي، لیسهل علیه فهمه واستیعابه.

بالإضافة إلی هذا، فإنها، «تساعدنا في التفكیر بالطرق والمناهل الحدیثة وإبداع الموضوعات الجدیدة بألاعیب لسانیة» (أصغري، 1394ﻫ.ش، ص 11)؛ ومرجع ذلك أننا بهذه الطریقة نجمع بین شیئین مختلفین، فننتج تعبیرا ومفهوما جدیدا، یضاف إلى رصید اللغة.

وقد وظف جبران هذا الضرب من الاستعارة في قصیدة المواكب لأغراض شتی، هي:

ـ السعادة شبح

قال جبران:

وَما السَّعادَةُ في الدُّنيا سِوى شَبَحٍ

 

يُرجى فَإِن صارَ جِسماً ملّهُ البَشَرُ

 (2010م، ص 83).

من خلال تصور السعادة عبر الشبح، نستطیع أن نعي ما یجول في ذهن جبران الذي یری السعادة مجرد وهم، یركض الإنسان وراءه. فإذا حققه وصار بیده، مَلّه، ونفرت منه روحه، فسعی بعد ذلك إلی شيء غیره. فجبران من خلال هذه الاستعارة، یعكس لنا أن السعادة في هذه الدنیا أمر محال؛ لأن الإنسان یرید من الأشیاء أن تصبح مادیة. فإذا تحولت إلی ما یطمح له، وصارت مادیة، مثلما تمنی، فسرعان ما ینفر منها، ویشعر بالملل حیالها.

ـ الغناء نار ونور

قال جبران:

أَعطِني النّايَ وَغَنِّ

 

فَالغِنا نارٌ وَنُور

وَأَنِينُ النّايِ شَوقٌ

 

لا يُدانيهِ الفُتُور

(المصدر نفسه، ص 84).

في هذه الاستعارة، نقل "الغناء" إلی میدان آخر من جنس مدلول حسي، هو "النار والنور"، لیبرز معناه أقوی. فالغناء قد یغیب علی الكثیر أثره. فتصّوره الشاعر عبر "النار ـ النور"، حتی یعكس قوته؛ لأن هذین المفهومین یشتملان علی الكثیر من الطاقة والدينامیكة والتوهج الروحي والحرارة والوضوح. فلما ربط الشاعر بین مفهوم الغناء والنور والنار، بَیَّن لنا قداسة هذا الغناء الذي یدعو إلیه في القصیدة بأسرها. فكما أن هذا النور مقدس، فكذلك هذا الغناء مقدس؛ وكما أن النار فیها حركة، فكذلك هذا الغناء مفعم بالحیویة والنشاط. فمن استمع إلیه، طربت نفسه، ومالت إلی الطهارة والبراءة أكثر.

ـ الناس سطور

قال جبران:

أَعطِني النّايَ وَغَنِّ

 

وَاِنسَ داءً وَدَواء

إِنَّما النّاسُ سُطُورٌ

 

كُتِبَت لَكِن بِماء

(المصدر نفسه، ص 92).

الاستعارة البنیویة في قوله "الناس سطور"، تعكس لنا نظرة جبران حیال مَن یتمسك بهذه الحیاة، وأنها نظرة خاطئة؛ لأن الناس عند جبران لیسوا إلا سطورا مكتوبة بماء. وإن ما كتب علی الماء لسرعان ما ینتهي. فالحیاة عند جبران دوامها قصیر دوام الكتابة علی الماء. فهي رحلة عابرة، وما فیها زائل وعابر. ولعل هذا دعوة من الشاعر للانتفاع باللحظة الراهنة في حیاة كل إنسان. بناء علی هذا، فالاستعارة تعبر عن نظرة فلسفیة عند جبران بالنسبة للحیاة.

ـ العشب یفترش، والفضاء یلتحف

قال جبران:      

هَل فَرَشتَ العُشبَ لَيلاً

 

وَتَلَحّفتَ الفَضا

 (المصدر نفسه، ص 91).

في هذا التعبیر الواضح والمعبِّر، یستخدم الشاعر استعارتین مفهومتین: الأولی تتمثل في "افتراش العشب"؛ والثاني "التحاف الفضاء". فهذه الاستعارة تكشف عن فكر الشاعر وخطه الذهني الذي ینتقي تعابیر الاستعارات في قصیدته، لتنكشف لنا بهذا التعبیر البساطةُ التي یبحث عنها جبران؛ إذ إنه قد تجرد وعزف عن كل الزخرفة والبذخ، وجنح إلی الحیاة البسیطة البعیدة عن التعقید، لدرجة أنه راضٍ أن تكون الأرض فراشه والسماء لحافه الذي یلتحفه، كما یبین ذروة الارتباط بالطبیعة والعودة إلیها ودعوة الشاعر إلی التبسط والزهد عن التكلف والبهرجة.

ـ الناس قطعان

قال جبران:      

فَأَفضَلُ الناسِ قطعانٌ يَسيرُ بِ

 

صَوتُ الرُّعاةِ وَمَن لَم يَمشِ يَندَثِرُ

 (المصدر نفسه، ص 57).

في هذا البیت، لدینا تصور استعاري من نوع الاستعارة البنیویة، وهو: "الناس قطعان"، ویتكون من طرفین أساسیین، هما: الطرف المصدر "قطعان"، وهذا المفهوم بالنسبة للمستمع واضح، نتصور من خلاله الطرف الهدف "الناس". ففي هذه الاستعارة، قد نقل الشاعر مفاهیم، مثل: قطعان وما یتعلق بها من صوت ورعاة، من میدانها إلی میدان آخر. والمیدان المنقول إلیه هو "الإنسان"، لیتسنی له من خلال هذا التركیب الجدید إیصالُ فكرة إلی المستمع، أن الناس بمن فیهم ذلك أفاضلهم لا إرادة لهم من عند أنفسهم، بل أنهم منقادون للظروف والزمان، وهم تبع. فلم یجد أدل علی هذا المعنی من أن ینقل مفهوم "القطعان" من میدانه، ویستعمله في میدان "الإنسان"؛ لأن الجمیع یعلمون أن القطعان لا تمتلك إرادة من نفسها، وأنها تسیر وفق إرادة الراعي وصوته. فخلق عبر هذا النقل تصورا، یدل بوضوح علی الفكرة المنشودة، ویحقق الأثر المبتغی بجلاء.

ـ الحیاة نوم

قال جبران:      

وَما الحَياة سِوى نَومٍ تُراوِدُهُ

 

أَحلامُ مَن بِمرادِ النَّفسِ يَأتَمر

 (المصدر نفسه، ص 59).

الاستعارة المفهومیة في هذا الشق من القصیدة، تتكون من "الحیاة" و"النوم". والنوم هنا الطرف المصدر، أي المفهوم الواضح الذي من خلاله نرید أن نتصور المصدر: "الحیاة". أما الترابط بین الطرفین، فهو قصر المدة. فالشاعر نقل مفهوم "الحیاة" الذي یتعلق بمفاهیم، من مثل: تنمو، وتتغیر باستمرار، ولها بدایة ونهایة، إلی شيء عار من كل هذه اللوازم، وهو النوم، لیحقق الاقتضاء الذي یبحث عنه؛ إذ إن غایته من هذا النقل في المفاهیم أن یكشف عن قلة دوام الأیام التي نعیشها في هذا الدنیا.

فهو لم یكتف بهذا الرسم علی لوحته الذهنیة، بل أضاف إلی هذا النوم أحلاما، تراود النائم، ویرمي بتلك الأحلام، الأماني التي یكدح البشر من أجلها كثیرا، حتی تكاد تفوِّت علیه الحیاة الحقیقیة. وعبر هذا النقل في التصورات والمفاهیم، استطاع أن یبین الصورة التي تجسد كلامه علی أبدع شكل وهيئة.

ـ الزمن یفنی

قال جبران:      

وَأَنينُ النّايِ يَبقى

 

بَعدَ أَن يَفنى الزَّمَن

 (المصدر نفسه، ص 60).

المفهوم الاستعاري ههنا هو "فناء الزمن". والزمن مفهوم في الذهن، یتعسّر دركُه خارجَه أو بالحواسّ، لبعده عن المحسوسات، ولدخوله في عِداد المفاهیم الأساسیة، «كالكمّ، والحالة، والتحول، والعمل، والعلة، والأهداف، والمفاهیم الموجودة في سیاق واحد» (كریمي وعلائي، 1392ﻫ.ش، ص 143).

فیظهر أن إجراء وصف الفناء علی مفهوم الزمن، لم یأتِ علی الطریقة المعتادة في اللغة؛ لأن الغالب في هذا المفهوم أنه ظرف لما یجري فیه من أشیاء وأحداث. فالفناء موجَّه لأولئك البشر الذین یجرون داخل الزمن، ویسیرون، إلا أنه أبدع حیث أعرض عن ذكر "أهل"، بل تصور الفناء للزمن نفسه، حتی لا یحصل تقیید لفناء الزمن؛ لأنه لو قال "یفنی" أهل الزمن فحسب، لتصورنا أن الزمن یبقی دون أهله؛ لكن هذا الأسلوب یحقق مبالغة أعظم مبینا أن أنین الناي لا یبقی بعد فناء أهل الزمن، بل یبقی حتی مع فناء الزمن نفسه.

وهذا من بدیع المبالغة؛ لأن الشيء لا یبقی إلا ببقاء الزمن؛ لكن الشاعر یخبر عن أنین الناي بأنه شيء مختلف، بحیث لا ینفی حتی بعد أن تفنی مقوماته، وهي الزمن. وكل هذا حصل بفضل الاستعارة المفهومیة التي نقلت بعض المفاهیم من میدانها واستعمالاتها السائدة إلی میدان آخر، لا ارتباط بینهما من دون تصور ذهني.

ـ الأرض خمّارة

قال جبران:

فَالأَرضُ خَمّارَةٌ وَالدَّهرُ صاحبها

 

وَلَيسَ يَرضى بِها غَير الأُلى سكرُوا

(2010م، ص 61).

قوله: "الأرض خمارة" ـ حسب البلاغة الكلاسیكیة ـ تشبیه من نوع البلیغ؛ لأن الشاعر حذف وجه الشبه والأداة، وأبقی المشبه والمشبه به. فلا یعد مثل هذا عند القدماء استعارة؛ لأن الطرفین لم یصلا إلی مرحلة الاتحاد بأن یكون المشبه فردا من أفراد المشبه به؛ لأن شروط الاستعارة «أن تتناسی التشبیه، وتدّعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به وداخل في جنسه ...، كما في رأیت أسدا یمتطي صهوة جواده، ترید رجلا شجاعا، فلفظ "أسد" هو لفظ المشبه به المستعار للمشبه. وطریقة إجرائها، أن تقول: شبهنا الرجل الشجاع بالأسد في الجرأة، ثم تناسینا التشبیه، وادعینا أن المشبه فرد من أفراد المشبه به داخل في جنسه، ثم استعرنا لفظ الأسد للرجل الشجاع علی سبیل الاستعارة التصریحیة» (عبد الرزاق، 2006م، ص 44 ـ 45)؛ ولكن عند المنظرینِ، لایكوف وجونسون، معدود في خانة الاستعارة التي یسمیانها بالمفهومیة؛ إذ تم نقل لفظ "خمارة" من میدان استعماله كالحانة والسكر والنشوة، إلی ما غیر ذلك، لیستعمل فیما لا صلة له قبل هذا الاستعمال بالمیدان السابق.

وأراد الشاعر بهذا أن یعكس أن الناس مجبولون علی التخدیر، فغنیهم یعلل نفسه بالغناء، والفقیر بفقره، وأنهم لا یستطیعون أن یرضوا رضی كاملا في الحیاة إلا عبر نسیان بعض جوانبها؛ لأنها، وإن منحت شیئا، قد سلبت أشیاء. فلا حل أمام البشر إلا هذا التخدیر الذي یتخذه وسیلة لیقلل من نفسه وطأة الحیاة وثقلها.

ومن أجل هذه الدلالة والصورة، راح الشاعر یركب بین معینین مختلفین في المیدان. فركب "خمارة" مع "الأرض"، لیصور لنا أن الأرض خمارة، تمنح السكر، وأن أي أحد لن يصل فیها إلی درجة الرضی، إلا من رآها بهذه النظرة، فشرب من شرابها، لیسكر تلك السكرة التي تذهب عنه عقله. ولأجل هذا، صرح الشاعر بعد أن وصف الأرض بهذا الوصف قائلا:

فَالأَرضُ خَمّارَةٌ وَالدَّهرُ صاحبها

 

وَلَيسَ يَرضى بِها غَير الأُلى سكرُوا

فَإِن رَأَيتَ أخا صَحوٍ فَقُل عَجَباً

 

هَلِ اِستَظَلَّ بِغَيمٍ مُمطِرٍ قَمَرُ

(المصدر نفسه).

ـ نهر الحیاة / أكواب وهم

قال جبران:

لِذاكَ قَد حَوّلوا نَهرَ الحَياةِ إِلى

 

أَكواب وَهم إِذا طافوا بِها خَدرُوا

(المصدر نفسه، ص 61).

يتضمن هذا الكلام استعارتین مفهومیتینِ: الأولی في قوله "نهر الحیاة"، حیث ربط بین كلمتین من حقلین مختلفین، فنقل الحیاة التي تحمل دلالة معنویة إلی معنی حسي، یجسدها أكثر، وهو "النهر". والترابط بینهما أن الحیاة دقائق ولحظات، تمر باستمرار، وكذلك النهر ماؤه یجري دون وقفة. فلما أراد أن ینوه بسرعة مرور الحیاة، لم یجد دلالة أوضح علی هذا المعنی من أن یوظف النهر الذي قد شاهده الجمیع بأنه لا یتوقف عن المضي والحركة الدؤوبة، وأنه إذا توقف یوما، فمعناه أنه قد نضب ووَشل ماؤه، كذلك حال الحیاة توقفها یعلن عن الانتهاء والنهایة.

والاستعارة المفهومیة الثانیة تتجلی في قوله "أكواب وهم". أراد من الوهم هنا نسیان القضایا التي تقض المضجع. ونظرا إلی أن هذا النسیان یعطي الإنسان دقائق ولحظات من النشوة والراحة تفعل به، كما تفعل الخمرة بشاربها، فتنسیه الهموم ومتاعب الحیاة وصعابها، فنقل الوهم من میدانه، واستخدمه إلی میدان آخر علی طریقة الاستعارة المفهومیة التي تحصل عبر التصور والنقل لمعنی من حقل دلالي إلی حقل دلالي آخر.

وقد صورت هذه الاستعارة أهمیة النسیان في استمراریة الحیاة. والأكواب تعكس تلك اللحظات التي یعجز الإنسان فیها عن تفسیر الحیاة وفهمها. فلا حل له غیر الأكواب المترعة بسكر النسیان. وأبدع الشاعر في هذا المقطع من القصیدة، حیث جمع بین "نهر الحیاة"، و"الأكواب وهم"، و"الحیاة خمارة"؛ لأن كل هذه الاستعارات قد وظفت لدلالات متقاربة علی طریقة واحدة، هي الاستعارة المفهومیة.

ـ الدین حقل یُزرع

قال جبران:

وَالدِّينُ في النّاسِ حَقلٌ لَيسَ يَزرَعه

 

غَيرُ الأُلى لَهُم في زَرعِهِ وَطَرُ

(المصدر نفسه، ص 63).

الاستعارة المفهومیة في هذا الشطر من القصیدة هي قوله: "الدین في الناس حقل"، حیث ربط الشاعر بین مجالین من اللغة مختلفین. فمجال المصدر "الدین" مختلف عن مجال الهدف "حقل"؛ لكنه عبر تصور ذهني ركب بین هذین المیدانین، لیتمكن السامع أن یتصور الأمر المعنوي "الدین"، عبر مفهوم مادي محسوس واضح "حقل". وهذا التصور ساعد المتلقي، لیفهم الأمر المعنوي بشكل أكبر. والترابط بین مجال المصدر والهدف هو المنفعة.

بعبارة أخری أن الناس لا یرغبون في الزراعة، إلا من أجل منفعة متوخاة، وغالبا ما تكون مادیة، كذلك أهل الدین لا یرغبون في الدین إلا خلاصا من النار التي یحذر منها الدین أو أملا في نیل النعیم. ولیست الغایة التي تدعوهم إلی التدین هي عبادة الخالق وشكر فضله ونعمه الجمة، كما يقول جبران:

فَالقَومُ لَولاً عِقابُ البَعثِ ما عَبَدوا

 

رَبّاً وَلَولا الثَّواب المُرتَجى كَفَرُوا

(المصدر نفسه، ص 63).

وهذه الاستعارة في كلام جبران النصراني، تذكرنا بكلام الإمام أمیر المؤمنین (8)، حیث قال: «مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلاَ طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبَادَةِ» (المجلسي، 1998م، ج 3، ص 353)، مبینا أن العبادة التي علی المؤمن أن یحققها، ینبغي أن تكون من مبعث الحب في اللّٰه تعالی، لا خوفا أو طمعا. فجبران من خلال الجمع بین لفظین من حقلین متباعدین "الدین والحقل"، یرید الكشف عن أن أكثر الناس بعیدون عن غایة الدین الحقیقیة كل البعد، وأن عبادتهم تضاهي تجارة أهل الأرض الذین یبحثون عن النفع وطرد الضرر والخسارة.

ـ اللطف درع

قال جبران:

وَاللُّطفُ لِلنّذلِ دِرعٌ يَستَجيرُ بِهِ

 

إِن راعَهُ وَجَلٌ أَو هالَهُ الخَطَرُ

(2010م، ص 73).

في هذه الاستعارة، نقل "اللطف" من میدانه الدلالي واللغوي إلی میدان آخر، هو "درع". فینكشف لنا بهذا موقفُ الشاعر تجاه هذه الصفة التي یراها مجرد خدعة، یتوسل بها الشخص الذي یتقمص رداء الأخلاق، حتی یتخلص من خطب محدق أو خوف یُهیلُه ويقضّ مضجعه، ولیس هناك لطف حقیقي منبعث من مطلق الصدق والحب، ثم یبین أن هذه الصفة لا تقتصر علی من یتسم بالنذالة، بل حتی القوي إذا لانَ، فهي خدعة منه، انطلت علی من فقدوا البصر والبصیرة. «فإن لقیت قویا لینا فبه لأعین فقدت أبصارَها البصرُ» (المصدر نفسه).

وقد سبق المتنبيُّ جبرانَ خلیل جبران إلی هذه الدلالة التي تُوضِّح نظرة كلا الشاعرین إلی صفة اللین واللطف في الحیاة، حیث قال المتنبي:    

الظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن تَجِد

 

ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ

(1938م، ص166).

يبين أنه لا یوجد لینٌ حقیقةً في الحیاة، وإنما هو الضعف. فالضعیف لضعفه لا یَبطش، والقويُّ إن لَانَ فلأسبابٍ دَعَتهُ إلی الرّفق، بحيث حین تتأتی فرصة، سینبذ اللین جانبا، ویستخدم العَسفَ والقوة. فالمتلقي من وراء هذه الاستعارة، یستشف الطریقة التي یفكر بها الشاعر حیال المجتمع.

3ـ2. الاستعارة الاتجاهیة (الفضائیة ـ الفیزیائیة)

هذه الاستعارة، بخلاف الاستعارة السابقة، لا یتم فیها فهم أمر غیر واضح عبر تصور ملموس قابل للإدراك بالحواس، بل إن هذه الاستعارة التي تسمی أحیانا بالفضائیة أیضا، تعتمد علی الاتجاهات الفضائیة التي تشغل حیزا وحجما. كأن تقول: "سقطت في متاهات الحیاة"، فأنت ههنا لم تنقل تصورا من میدانه، لتدخله في میدان آخر، وإنما بینت الاتجاه عبر الاستعارة، حیث جعلتَ لمتاهات الحیاة جهة هي الظرفیة، وبیَّنتها من خلال حرف "في".

كذلك من خلال هذه الاستعارة، نستطیع فهم المفهوم المجرد للأحجام؛ لذا، «یمكن للإنسان أن یفكر في نفسه، كمظروف لظرف السریر والغرفة والبیت والأماكن ذات الحجم التي یمكن اعتبارها ظرفا وتمدید هذه التجربة الجسدیة إلی المفاهیم الأخری لم یكن لها حجم جوهري أو مفهومي، وبالتالي یخلق مخططات مجردة من الأحجام الفیزیائیة في ذهنه» (محمدي، 1391ه‍.ش، ص 141).

وقد وظف جبران هذا الضرب من الاستعارة الفیزیائیة في قصیدة المواكب لإبراز بعض الدلالات والمكامن التي یدرسها البحث فیما یلي:

                                                                               

ـ الخیر في الناس

قال جبران:      

الخَيرُ في الناسِ مَصنوعٌ إِذا جُبرُوا

 

وَالشرُّ في الناسِ لا يَفنى وَإِن قُبرُوا

 (2010م، ص 62).

ورغم أن "الخیر" و"الشر" من أمور، لا تملك حیزا وفضاءً حقیقةً، إلا أن الشاعر حدد لهما جهة الظرفیة، وذلك عبر حرف "في". وتنبع «هذه الاتجاهات من كون أجسامنا لها هذا الشكل الذي هي علیه» (حفصي وشقروش، 2021م، ص 96). فنتصور في ذهننا دون أن نشعر، أن الأشیاء التي لا تحتمل الشكل والجهة ذات جهة.

وأراد جبران من وراء حدیثه عن تحدید جهة للخیر والشر، إخبارنا أن هذین الأمرین لا قیمة لهما دون تمثلهما في جهة. ولا جهة أهم من الإنسان، كما أن الخیر والشر أمور نسبیة. فالخیر باعتبار ما شر، والشر باعتبار آخر خیر. وهذا الإنسان هو مَن یعین الاعتبار الذي به یتجلیان. ولو لا هذه الجهة التي قُید بها "الشر ـ الخیر"، لم يكن أي معنی حقیقي لها.

ـ بلوغ الناس سنّ الفطام

قال جبران:

إِنَّما التَّخديرُ ثَديٌ

 

وَحَليبٌ لِلأَنام

فَإِذا شاخُوا وَماتُوا

 

بَلَغوا سنَّ الفِطام

(2010م، ص 76).

في: "بلغوا سن الفطام"، تصور الشاعر للفطام سنا، وجعل هذه السن في جهة محددة، یجري الإنسان نحوها، حتی یصلها ویبلغها. وأراد من خلال هذا الكلام، أن یبین أن عمر الناس له نقطة نهایة محددة، یبدأ الإنسان من یومه الأول بالحركة والتوجه نحوها. وقد أبدع الشاعر في بیان عمر الإنسان، حیث إنه لإظهار النقطة واللحظة الأخیرة من الحیاة استخدم فعل "بلغ" الذي یدل علی الصعوبة؛ إذ الإنسان عادة من أجل أن یبلغ نقطة، علیه أن یواجه تحدیات في طریقه، فكأنه قال: من أراد الوصول للنهایة، فأمامه عقبات كؤود یجب تخطیها؛ لأن فعل "بلغ"، كما یتضح من استعمالاته، یشیر إلی مراحل وصعوبات كبلغ الجبل. و"بلغ" أي وصل لسن الرشد وغیر ذلك.

ووظف "الفطام" الذي هو فصل الطفل عن ثدي أمه، لیدل علی أن الإنسان رغم كل الصعوبات التي یعانیها في الحیاة، لایزال غیر راغب عن مغادرتها، وأن تركه لها كترك الطفل لثدي أمه الذي یغذیه، ویأنس به، وقد اعتاد علیه أیاما طولا. فالشاعر من خلال الاستعارة الفضائیة هنا یبین مشقة الطریق الذي یوصل الإنسان لساعة الصفر، وكذلك يكشف لنا أن الإنسان یحب الحیاة، وإن كانت مثقلة بالأوجاع والهموم.

ـ الروح موضع الحبّ

قال جبران:

وَالحُبّ في الرُّوحِ لا في الجسم نَعرفُهُ

 

كَالخَمرِ لِلوَحي لا لِلسّكر يَنعَصرُ

         (المصدر نفسه، ص 63).

في هذا الشطر، أراد الشاعر التأكید علی أن الموطن الحقیقي للحب هو الروح، ولیس الجسم، كما یتوهم ذلك بعض الناس، وقرر هذا المعنی بتمثیل هو أننا حین نعصر العنب، نرید بذلك رقي الروح، لا سكر الجسم. وكما أن الخمر تنتشي به الروح، وإن كان للجسم بحسب الظاهر نصیب من اللذة، كذلك فإن المرآة الحقیقیة التي تعكس حقیقة الحب هي الروح لا الجسم، لیبین عبرها أن الحب یختلف عن النزوات والرغبات التي تدعو إلیها النفس. وقد حقق هذا المعنی الرفیع عن طریق تحدید جهة ظهور الحب، أي "الروح"، حیث قال إننا نعرف الحب من جهة الروح، لا الجسم.

ـ الروح تستعلي

قال جبران:

وَالجسمُ لِلرّوحِ رحمٌ تستَكنُّ بِهِ

 

حَتّى البُلوغ فَتَستَعلي وَيَنغَمِرُ

       (المصدر نفسه).

في هذه الأبیات من قصیدة المواكب، یوظف الشاعر الاستعارة الفضائیة؛ ذلك أنه بعد أن جعل الجسم بمثابة الرَّحم، والروح بمثابة الجنین، ذكر أن هذه الروح تستقر في الرحم، أي "الجسم" مدةً، ثم "تستعلي"، أي تعرج إلی الأعلی، لتعود إلی الموطن الأوّل. أما الجسم الذي قد خلق من تراب، فینغمر، لیعود إلی الأسفل.

فالشاعر من خلال ذكر الجهات في هذه الاستعارة، یوضح أنّ مكانَ الروح هو العلو؛ لأنها قد نزلت إلی الأرض من العالم العلوي، وأنها بعد اكتمال أیامها تعود لذلك العالم الرفیع. أما الجسم، فبما أنه قد خلق من عالم سفلي، فبمجرد انتهاء صلاحیته، ینغمر كالماء الذي یجفّ، لیعود إلی الموطن الأول، وهو العالم السفليّ.

3ـ3. الاستعارة الأنطولوجیة (الوجودیة)

في هذا النوع من الاستعارة، نتصور الأشیاء المعنویة عبر التصورات المادیة، لتكسب بذلك وجودا ملموسا. وما یمیزها عن الاستعارة البنیویة، هي أنه في الاستعارة البنیویة، یتم نقل دلالة من مجالها ومیدانها، لتستعمل في میدان آخر، كأن أقول: "أشم الصدق". فالمتكلم نقل "الشم" من میدانه الذي یتعلق بالأطعمة والروائح و...، إلى میدان "الصدق".

أما الاستعارة الأنطولوجیة، فهي «تقوم باستعارة شيء عام مطلق لدینا من خلال تجاربنا معه لفهم شيء، لم نره من قبل؛ لكنّه موجود بالفعل. فهذه الرؤیة نوع من میتافیزیقا، وهي عملیة عقلیة، یتمّ فیها فهم غیر المنظور بالشيء المنظور. ولهذا، تتحوّل هذه الأشیاء غیر المنظورة لذوات لها كیانات ووجود ماديّ، نتعامل معها علی أنها موادّ فیزیائیة» (أحمد، 2018م، ص 44).

فالاستعارة البنیویة تتحقق عبر نقل المجال المصدر إلی الهدف. أما هذه، فتحصل عن طریق تصور الأحداث والأعمال، «باعتبارها أشیاء، والأنشطة باعتبارها موادّ، والحالات باعتبارها أوعیة» (لایكوف وجونسون، 1996م، ص 47).

وقد استخدم جبران هذه الاستعارة بكثرة في قصیدته المواكب. یشیر البحث أدناه إلی تمظهرات هذه الاستعارة فيها.

ـ الناس آلات تحركها أصابع الدهر

قال جبران:

وَأَكثَرُ الناسِ آلاتٌ تُحرّكُها

 

أَصابِعُ الدَّهرِ يَوماً ثُمَّ تَنكَسِرُ

 (2010م، ص 57).

في هذا الشطر من كلامه، تصور الشاعر الدهر، وهو أمر غیر وجودي، علی هيئة إنسان، فأثبت له الأصابع، ولم یكتف بهذا، بل تأكیدا لادعائه بأن الدهر له أصابع، أثبت صفة "تحركها" التي هي خاصة بالإنسان، ولیس من سمات الأمور المعنویة، لیبرز لنا عبر هذه الاستعارة صورة جمیلة، تكمن في عقله، بأن الناس مسیرون ومنقادون لا اختیار لهم في هذه الحیاة، وأن الدهر هو الذي یفعل بهم ما یحّب ویرغب، وأنهم في هذا الضعف الظاهر لیسوا سوی آلات مسلوبة الإرادة مستسلمة للدهر.

ـ الحب ینتحر

قال جبران:

وَالحُبُّ إِن قادَتِ الأَجسامُ مَوكِبَهُ

 

إلى فِراش مِنَ الأَغراضِ يَنتَحِرُ

 (المصدر نفسه، ص 76).

یرید الشاعر من خلال هذه الاستعارة، بیان زیف الحب، إذا ارتبط بالجسم، موضحا أن هذا الذي یسمونه حبا، تقوده الأجسام إلی عالم الشهوة والنزغ؛حتی یوطأ له فراش. فإذا وصل إلی هذه المرحلة، انتحر، وصار رغبة ونزعة، تطلبها النفس، ونافذة للذة بعیدة عن الروحانیة.

وتكشف لنا هذه الاستعارة عن توجه الشاعر الفكري حیال هذه القضیة؛ إذ یری الحب حین یتعلق بالجسد، یقوده هذا الأمر إلی الانتحار. بمعنی آخر، یتحول من شيء مقدس إلی نزوة شیطانیة. وهذه الاستعارة التي جعلت من الحب شیئا، یصدق فیه معنی الانتحار، أضفت جمالا للبیت، من خلال رسم صورة الصراع القائم بین الجسد ورغباته، وبین الحب الحقیقي وقداسته، وأن الحب یجب أن یقتصر علی الروح. فإذا شابته نزعات النفس، تلوث، وانتحر، ولم یكن بعد ذلك حبا حقیقیا.

ـ الهوی فضاح

قال جبران:

فَالهَوى الفَضّاحُ يُدعى

 

عِندَنا الفَتح المُبين

       (المصدر نفسه، ص 77).

من خلال هذه الاستعارة، یرید جبران تقسیم الحب إلی ضربین: الأول ذلك الحب العذري الذي یتصل بالنبع الصافي، ویأخذ طهره وقداسته بالاتصال بالمصدر العلوي؛ وفي قبال هذا، ثمة حب آخر فضاح، یدنس الروح، ویلوث العقل، وینتسب زورا وجهلا إلی دائرة الحب الحقیقي، وأنه لیس شیئا سوی مطیة، یركبها أرباب الشهوات، ممن یبحثون عن المتع واللذائذ الحیوانیة، لتصل بهم إلی مآربهم الخسیسة وأهدافهم الحقیرة. فهم في مثل هذه الحال لیسوا إلا كالأنعام التي تجري خلف ما یشبع غریزتها.

وغرض الشاعر من هذه الاستعارة أن یفصل بین الشهوة التي تسمّی حبا ومن علاماتها أن المرء یتستر منها، حتی لا ینفضح في المجتمع، وبین ذلك الحب المقدّس الذي یطهّر الأرواح، وتنتزع منها الأنانیة، لتحلق في سماء الأنوار والروحانیة. فهذه الاستعارة كشفت الخط الفكري عند جبران الذي یری حب الناس خارج الغابة {الفطرة} من نوع الشهوة.

ـ الغناء راعي العقول

قال جبران:

أَعطِني النّايَ وَغَنِّ

 

فَالغِنا يَرعى العُقول

(المصدر نفسه، ص 60).

في هذا البیت، وبالتحدید في قوله: "الغناء یرعی العقول"، استخدم الشاعر تعبیرا استعاریا، حیث تصور الغناء راعیا، یرعی العقول، ویصنع صنیع الراعي مع الماشیة. ولما أراد جبران أن یبین أن العقل نفسه أیضا بحاجة إلی راعٍ، یتعهده، شبهه بالماشیه التي بحاجة ماسة إلی من یتعهدها.

 وقد أبدع أیما إبداع؛ إذ لم یقل إن العقل راع، بل جعله مرعیا، لیبین أن الإنسان، كما لا تستقیم أموره من دون عقل، ویصبح كالماشیة التي لیس لها راعٍ، كذلك لا یستقر العقل حاله دون الغناء، ولن یستقیم أمره. وقد خلق هذا التصور الذهني الذي كوّنت منه الاستعارة جمالا رهیبا في أجواء النصّ وأرجائه.

ـ حزن النفس ظل من وهم

قال جبران:

لَيسَ حزنُ النَّفسِ إِلّا

 

ظلّ وَهمٍ لا يَدوم

وَغُيومُ النَّفسِ تَبدو

 

من ثَناياها النُّجوم

(المصدر نفسه).

في هذا الشطر، تخیل الشاعر أن النفس تمتلك سماء رحبة، تتكاثف فیها الغیوم، وتتثاقل. ویقصد بالغیوم هنا الأحزان التي تتراكم بعضها فوق بعض في النفس. والشاعر یرید من هذا، أن یوضح بأن النفس، وإن كانت رحبة بقدر السماء، إلا أن الغیوم، أي الهموم والأحزان، قد ملئتها. ورغم هذا، فلا ینبغي الاستسلام؛ لأن الأحزان دون شك ستزول بالعزیمة والإرادة، ویتحول الیأس إلی الأمل، ستبصره علی شكل نجوم، تظهر في سماء الروح. وتعكس هذه الاستعارة نظرة الشاعر بالنسبة لمفهومي الیأس والأمل في الحیاة.

ـ الروح تقتل

قال جبران:

وَقاتلُ الجِسْمِ مَقتولٌ بِفعلَتِهِ

 

وَقاتلُ الرُّوحِ لا تَدري بِهِ البَشَرُ

(المصدر نفسه، ص 65).

یستخدم الشاعر في هذا الشطر من القصیدة، كلمة "قاتل" في معنیین اثنین، ولكن مختلفین: الأول مع لفظ "الجسم"، ویرید به معنی مفارقة الروح حقیقة؛ لأن «الحیاة تعني اتصال الروح بالجسد. ومتی فارقت الروح جسد صاحبها، فقد مات، وانتهی» (الجیلي، 1997م، ص 166). أما كلمة "قاتل" مع "الروح"، فلیس استعمالها استعمالا حقیقیا؛ إذ الروح لا یصدق فیها فعل القتل إلا عبر التصور الذهني البحت.

وبناء علی هذا، فإن الشاعر ههنا یتصور قضیة إهمال الروح ونسیان تزكیتها بالعلم والأخلاق، حتی تغرق باللذات واللهو، من خلال اشتقاق وصف من مادة القتل؛ لأن من یهمل تزكیتها، حاله وحال من قتلها سواء. فالشاعر بهذا التصور المُدَرك بالحواس أبرز معنی معنويا، یصعب فهمه. كما أن هذه الاستعارة تبرز لنا الخط الذهني الذي یتبناه جبران، حیث إنه یری إهمال الروح جریمة أشنع وأفظع ممن قتل جسما، وأن إهمالها هو القتل بنفسه.

 

الخاتمة

بعد مناقشة العنوان عبر الأسئلة المثارة في بدایة الدراسة، حصل البحث علی النتائج التالیة:

أن الشاعر وظف جمیع ضروب الاستعارة المفهومیة: الفضائیة، والبنیویة، والأنطولوجیة. وعبر تحلیل هذه الأنواع، ینكشف الكثیر من الخیوط الذهنیة في عقلیة الشاعر.

فالاستعارة البنیویة برهنت أن شاعرنا ینظر إلی الحیاة علی أنها زائلة وعابرة، وعلی إثر هذا، یدعو الناس إلی الانتفاع باللحظات الراهنة. كما أن هذا الشاعر یؤمن بأن البساطة في الحیاة ألیق من التعقید والبهرجة. وتوضح هذه الطریقة أن جبران یعتقد بأن الإنسان مسلوب الإرادة في حیاته، تقهره الظروف. وتُظهر لنا بعض استعاراته البنیویة أن الحیاة قصیرة، بحیث یراها مجرد هجعة سرعان ما تنقضي وتنتهي. وفي موضع آخر، یبین أن اللطف والظَّرَف في هذه الحیاة خدعة، یتوسل بها بعض الناس من أجل مآربهم.

وأما الاستعارة الفضائیة، فتظهر أن الحب، حسب توجه شاعرنا، لیس له موضع غیر الروح، وما یتعلق بالجسد ویسمونه حبا، ليس إلا نزوة وشهوة، یملیها الشر والشیطان الرجيم علی الإنسان. وأما بالنسبة إلى العزم، فیراه ظلا ووهما، لا یتجسد علی أرض الواقع.

في الاستعارة الأنطولوجیة، یكشف اللثام عن أن الحب إذا ارتبط بالجسم، فقد صدقه وحقیقته. كما أنه من خلال إمعان النظر في هذا القسم من الاستعارة، یتضح أن الشاعر یؤمن بأن الأشیاء الهادئة التي تعطي الخیر، لیست معدومة العزم والإرادة، وأنها في الوقت المناسب، تبرز هذا الجانب الذي یدل علی الصلابة والقوة.

[1]. Lakoff and Johnson

Abdul Razzaq, H. (2006). Pure eloquence in meanings, statement, and creativity. Egypt: Al-Azhari Heritage Library [In Arabic].Ahmed, A. (2014). Quranic metaphor in light of the mystical theory. Cairo: Modern Academy for University Books [In Arabic].
Akbari, A. (1938). Explanation of the collection of Abu al-Tayyib al-Mutanabbi. Egypt: Mustafa Al-Halabi Press [In Arabic].
Akbari, E., Khezri, A., & Shirazi, S. H. (2023). Conceptual metaphor in the collection No Water in the River by Nasser Al-Badri in light of Johnson’s theory. Journal of Research in Arabic Language and Literature, 29, 69-86. Doi: 10.22108/rall.2022.135077.1434 [In Arabic].
Al-Harrasi, A. (2002). Studies in conceptual metaphor. Amman: Wadi Al-Kabir [In Arabic].
Al-Jili, Abdul K (1997). A person is perfect in knowing the last and the first. Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah [In Arabic].Al-Jurjani, A Q. (2015). Evidence of miracles in the science of meanings. Beirut: Modern Library [In Arabic].Al-Majlisi, M. (1998). Bihar Al-Anwar. Qom: Zilqabi Publications [In Arabic].
Al-Qubi, A. (2024). The stylistics of displacement in the poem of processions by Gibran Khalil Gibran. Language of Kalam Journal, 57-74 [In Arabic].
Arab Yousefabadi, A. B. (2024). The study of conceptual metaphors in the language of writings on tombstones. Journal of Research in Arabic Language and Literature, 30, 141-158. 10.22108/RALL.2024.140355.1498 [In Arabic].
Asghari, M. (2015). The concept of metaphor in the philosophy of Richard Rorty. Tabriz University Journal, 9-21 [In Persian].
Bahri, K., Khudari, A., & Andaleeb, A. (2020). A sociological reading of the governmental structure in the poem “The Processions” by Gibran Khalil Gibran. Journal of Human Sciences of Oum El Bouaghi University, 3, 1407-1424 [In Arabic].
Gibran, K. (2010). The complete collection compiled and presented by Antoine Al-Qawwal. Beirut: Dar Al-Jalil for Publishing, Printing and Distribution [In Arabic].
Hafsi, M., & Abdul, S. (2023). Imaginary metaphor and understanding the world: A vision in functional concepts and mind system. Journal of Problems in Language and Literature, 4, 89-102 [In Arabic].
Hashemi, Z. (2011). Conceptual metaphor theory from the perspective of Lakoff and Johnson. Journal of Research Literature, 12, 119-140 [In Persian].
Houshangi, H., & Mahmoud, S. P. (2009). Conceptual metaphors in the Qur'an from the perspective of cognitive linguistics. The Sciences and Knowledge of the Holy Quran, 1(3), 9-34 [In Persian].Ibn Qutaybah, A. (2007). Interpretation of the problem of the Qur’an. Beirut: Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah [In Arabic].
Ibrahim Mustafa, A. (2018). Aesthetics of contradiction in the poem of processions by Gibran Khalil Gibran. Ain Shams Journal, 11, 729-781 [In Arabic].
Karimi, T., & Zulfiqar, A. (2013). This metaphor is my concept in Diwan Shams Barmbnai Kansh Hasi Khorden. Faslnama Literary Criticism, 4,143-168 [In Persian].Karkos, B. (2011). Metaphor in the shadow of interactionist theory [Master’s Thesis, Mouloud Mammeri University of Tizi Ouzou] [In Arabic].
Kuchesh, Z. (2011). A Practical Introduction to Metaphor (E. Shirinbour, Trans.). Tehran: SAMT [In Persian].
Lakoff, G., & Johnson, M. (2008). Metaphors we live by. University of Chicago Press.
Mohammadi, A. (2012). Tarwara hay Hajmi and Karbard an der Bayan of mystical experiences. Journal of The Meaning of Mystical Literature, 141-162 [In Persian].
Naderi, I. (2020). A study of conceptual metaphor and image schemas in a collection of poetic exiles in accordance with the views of Lakoff and Johnson. Journal of Critical Illuminations in Arabic and Persian Literature, 40, 77-98 [In Arabic].
Takbar Firouzjani, H., Askarzadeh, T., & Rahimi, Z. (2021). The study of the conceptual metaphor of animal images in Palestinian popular proverbs according to Lakoff and Johnson’s theory. Journal of Arabic Language and Literature, 17, 341-366 [In Arabic].
The Holy Quran
Trigger, A. (2011). Text and discourse: customary linguistic topics. Tunisia: University Publishing Center [In Arabic].
Lekoff, G. (2012). The contemporary theory of metaphor (F. Sojodi, Trans.). Tehran: Surah Mehr [In Persian].