Document Type : Research Article
Authors
1 Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Theology and Islamic Studies, Shahid Chamran University of Ahvaz, Ahvaz, Iran
2 Ph.D. student, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Theology and Islamic Studies, Shahid Chamran University of Ahvaz, Ahvaz, Iran
Abstract
Keywords
Main Subjects
. المقدمة
علم الدلالة هو «العلم الذي یدرس المعنی أو ذلك الفرع من علم اللغة الذي یتناول نظریة المعنی، ویرکز علی اللغة، باعتبارها ذات أهمیة خاصة بالنسبة للإنسان» (عمر، 1998م، ص 11). ومن موضوعاته التي ترتبط بهذه الدراسة «هي دراسة المصاحبة اللفظیة؛ لأنها تؤدي دوراً بارزاً في تکوین التراکیب» (میرزایي الحسیني، نظري ووليئي، 1394ه.ش، ص 92).
یری یونس علي أنَّ المصاحبة اللفظیة هي «الترابط المعتاد لکلمة ما في لغةٍ ما بکلمات أخری معینة في جمل تلك اللغة» (2004م، ص 279). في شأن أصل کلمة المصاحبة، یقول العلامة اللغوي، أحمد بن فارس: «الصاد والحاء والباء أصل واحد، یدل علی مقارنة شيء ومقاربته؛ من ذلك الصاحب، والجمع الصَّحْب. وکل شيء لائم شیئاً فقد استصحبه» (1979م، ج 3، ص 335). و«الصحب، والصحاب، والأصحاب والصحابة واحد. فإذا قالوا: صحابة، فهم الأصحاب؛ وإذا قالوا: صحابة، فهم القوم الذین یصحبونه. وربما کانت الصحابة مصدراً، یقولون: فلان حسنُ الصحابة، أي الصحبة» (ابن درید، 1987م، ص 280). کلمة collecation هي المصطلح الشائع في اللغة الإنجلیزیة، للتعبیر عن المصاحبة. واللغوي البریطاني، فیرث[1] هو أول من استخدم هذا المصطلح عام 1957م (الحسیني، 2007م، ص 66).
المصاحبة اللفظية هي نمط من العلاقات الأفقية بين المفردات اللغوية في النص، وغالباً ما تتّسم تلك المصاحبات بإمكانية التنبؤ بها. فهي ارتباط الكلمة مع كلمة أخرى أو كلمات محددة في الجملة. «مصطلح المتلازمات اللفظیة واحد من المصطلحات التي استخدمها الباحثون، للإشارة إلی فکرة التلازم اللفظي. ومنها أیضاً مصطلح التعابیر الاصطلاحیة، والتعابیر السیاقیة، والتضامّ والتوارد، والمسکوکات، والمتصاحبات، والمقترنات، والمترافقات، و...» (أبو الرب، 2016م، ص 83).
ولذا، فيمكن القول: إنَّ المصاحبات اللفظية تشمل الأسماء المركبة، والأمثال، والحكم، والمصطلح المكوّن من أكثر من كلمة، والعبارات التي ترتبط بعضها بالأخرى ارتباطاً دلالياً. فإذا سمعنا كلمة من التعبير، انبثقت كلمة أخرى في أذهاننا والمصاحبات، تختلف من حيث قوة الارتباط بين اللفظينِ المتصاحبين، نظراً لأسباب مختلفة، منها: طبيعة التعبير اللفظي كأنْ يكون حكمة أو مثلاً، أو بسبب شدة ارتباط الألفاظ المكوّنة، للتعبير في استعمال الواقع اللغوي أو الديني أو العلمي أو التأثر بها على نحو ما.
المصاحبة اللفظیة «تعتمد علی تلازم اقتراني بین المفردات، یقوم علی علاقة دلالیة منظمة. وهذه العلاقة الدلالیة ترجع في الأساس إلی میل بعض ألفاظ اللغة إلی اصطحاب ألفاظ بعینها دون الأخری، للتعببیر عن فکرة ما» (منصور، 2023م، ص 189). وهي «مقياس من مقاييس التراكيب والسیاق. ولم يكن القدماء ليغفلوا عن هذه الظاهرة، بل أحسوا أن الألفاظ تميل إلى الاقتران بألفاظ أخرى، فيلتمسونها في كلام العرب. وقد خصص العرب ألفاظاً لألفاظ، وقرنوا كلمات بأخرى، ولم يقرنوها بغيرها، ولو كان المعنى واحد» (الدوري، 2005م، ص 73).
معیار المصاحبات اللفظیة هو الإلف والعادة. يقول الدسوقي: «الإلف والعادة هما اللذان یتحکمان في استقرار استخدام لغوي ما. هما اللذان یحکمان التوقع لوجود کلمة في مصاحبة کلمة أخری، وهذا التوقع یعني أنَّ جزءاً من معنی الکلمة الثانیة أن تصاحب الکلمة الأولی» (1420ه، ص 280).
وقیل في تعریف المصاحبة أنها «تکرار معتاد لمجموعات من الکلمات المفردة، والتي یأتي تکرارها معاً من خلال شیوع الاستخدام، بحیث تمیل لتشکیل وحدة ممیزة» (یوسف، 1997م، ص 137). بعبارة أخری، «المصاحبة هي ثبات لفظتین أو أکثر ودوامها وصحبتها وتعلقها ببعضها بعضا، حین ورودها بشکل متکرر في الاستعمال اللغوي، بحیث لا یصح استعمال إحداها بلفظة أخری» (غزالة، 2004م، ص 1).
فكانت لها من العناية عند المحدثين أكثر مما هو عند القدماء. فقد عالج اللغوي البريطاني، فيرث، العلاقات البنيوية السياقية بين المفردات المعجمية، في ضمن ما أطلق عليه بالاقتران اللفظي أو «التصاحب اللفظي؛ إذ وجد أن المفردات تتّجه إلى الاقتران مع مفردات معيّنة في العبارات أكثر من غيرها» (الدوري، 2005م، ص 73). تعد المصاحبة اللفظية من إحدی الظواهر الأدبية البارزة في الأدب العربي الكلاسيكي، وتحظى بأهمية كبيرة في فهم النصوص الأدبية وتحليلها. ومن بين الأدباء البارزين الذين أثروا في هذا الجانب من الأدب العربي هو ابن شهيد.
فبناء علی ما ذکر، فهذا المقال دراسة وتحليل المصاحبة اللفظية في نثر ابن شهيد. وذلك باستخدام أمثلة من أعماله ونصوصه المختلفة. يهدف المقال إلى إلقاء الضوء على أهمية المصاحبة اللفظية في نثر ابن شهيد وتأثيرها على النصوص والأسلوب الأدبي العام، ويتضمن تحليلًا للمصاحبة اللفظية في رسالته التوابع والزوابع، بدءًا من استخدامه للتشبيهات والاستعارات اللفظية في وصف الشخصيات الأدبية والشعراء، وصولًا إلى استخدامه للتوكيد والتكرار والتوجيه اللفظي للقارئ. ثمَّ يتمّ تحليل هذه النصوص بمنهجية نقدية وتحليلية، تهدف إلى فهم آليات المصاحبة اللفظية ودورها في نثر ابن شهيد.
تهدف هذه الدراسة إلى بيان المصاحبات اللفظية في نثر ابن شهيد، وتحاول الإجابة عن السؤالين الجوهريين:
ـ ما ضروب المصاحبات اللفظية المستخدمة في نثر ابن شهيد؟
ـ أي نوع من المصاحبات في نثر ابن شهید هي الأکثر استخداماً؟
الدراسات التي يمكن ذكرها حول خلفية البحث، هي كما يلي:
كتاب درآمدی بر نشانهشناسی (= مقدمة في السيميائية)، لكورش صفوي (1401ه.ش). فهو في نهاية موضوع الحقول الدلالية، قد قام بالتعامل مع هذه المسألة.
کتاب بعنوان قاموس دار العلم للمتلازمات اللفظیة، لحسن غزالة (2007م).
مقال بعنوان المصاحبة اللفظية وتطور اللغة، لإبراهيم الدسوقي (1420ه.ش).
هناك دراسات عديدة حول المصاحبة اللفظية خاصة في القرآن الكريم. ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الدراسات كما يلي:
رسالة المصاحبة اللغویة وأثرها في تحدید الدلالة في القرآن الکریم، لمحمد حمادة عبد الفتاح الحسیني (2007م).
ورسالة العناصر النحویة المتلازمة في لغة القرآن الکریم، لسعد فاضل عباس الأسدي (2022م).
وأما عن الدراسات التي تمت حول ابن شهید، فعثرنا علی بحوث کثیرة، منها ما يأتي:
مقال بعنوان ابن شهید الأندلسي: سیرته ومکانته الأدبیة، لعطیة فاطمة الزهراء (2010م). فقد تناولت الباحثة حیاة ابن شهید وشعره ونثره.
وكذلك مقال ابن شهید الأندلسي: شاعراً وناثراً وناقداً، لمرضیة آباد (1425ه). فقد تطرقت الباحثة إلى حیاة ابن شهید کشاعر وناثر وناقد.
وبحث آخر بعنوان الصورة الدرامیة في رسالة التوابع والزوابع لابن شهید الأندلسي، لطاهر سیف غالب وعبد المجید الصباحي (2021م). فقد تناول البحث الصورة الدرامیة في هذه الرسالة کالأسطورة والرمز والقناع، واستنتج أن ابن شهید قد وظف هذه الصور الدرامیة في رسالته، لإبراز طابعها الجمالي وتجسید الأفکار والمعاني.
تنقسم المصاحبات اللفظیة إلی قسمين: المصاحبة علی مستوی النمط الاسمي؛ والمصاحبة علی مستوی النمط الفعلي. ولکلّ منهما أشکال متعددة. وفي هذه الدراسة، سندرس النمطین بأشکالهما المختلفة.
2ـ1. المصاحبة الفعلیة
هذا النوع من المصاحبة یتکوّن من فعل ومفردة أخری، يتصاحبان غالباً بسبب علاقة قویة، تؤدّي إلی تصاحبهما وتلازمهما معاً. وتأتي هذه المصاحبة بصور مختلفة.
2ـ1ـ1. المصاحبة بين الفعل والفاعل
أتی ابن شهید ببعض أفعال، يجيء كل منها في صحبة فاعل خاصّ به. نأتي ببعض منها:
ـ عبقت الرائحة: «فسرنا حتی انتهینا إلی دَیرٍ عظیم، تعبق روائحُه» (ابن شُهید، 1996م، ص 105).
«عبقت الرائحة بمعنی ذکت وانتشرت» (عمر، 2008م، ص 1452)، أو نقول: عبق المکان بالطیب، بمعنی انتشرت رائحة الطیب فیه. وکما رأینا أن فعل "یعبق" دائماً یأتي مع الفاعل "رائحة" أو "رائحة الطیب". ونقول: "عبقت الرائحة"، ولا نقول: "انتشرت الرائحة". وهذه العبارة تشکل مصاحبة لفظیة من نوع الفعل مع الفاعل.
ـ نبض عِرق الفهم: «کنتُ أیام کتّاب الهجاء، أحنّ إلی الأدباء، ... وجلستُ إلی الأساتیذ ونبض لي عرق الفهم» (ابن شُهید، 1996م، ص 88).
«نبض العرق، بمعنی تحرّك في مکانه وضرب» (عمر، 2008م، ص 2159). هذه العبارة کنایة عن أن الشخص بدأ یفهم الأمور ویحللها، أي وصل إلی الرشد والکمال من العقل، وتشکلت لدیه قدرة علی تمییز الحق من الباطل. فـ"نبض العرق" عبارة، تأتي دائماً معاً، وتشکل مصاحبة لفظیة من نوع الفعل مع الفاعل الخاص بها.
ـ تاقت النفس: «فقال لي زهیر: إلی من تتوق نفسك بعد من الجاهلیین. قلتُ: کفاني من رأیت» (ابن شُهید، 1996م، ص 96).
«تاقت النفس إلیه، بمعنی اشتاقت إلیه، ونزعت، وطمحت» (عمر، 2008م، ص 305). یأتي فعل "تتوق" مصاحباً لـ"نفس"، ویشکل معها مصاحبة فعلیة. فمعنی هذه العبارة یکون هکذا: زهیر ابن أبي سلمی، الشاعر الجاهلي المعروف، یسأل ابن شهید، ویقول له: إلی من، تشتاق نفسُك من الشعراء الجاهلیین غیري؟
ـ تفجّرت العین: «ثم انصرفنا، وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء، يتفجّر من أصلها عينٌ كمقلة حوراء» (ابن شُهید، 1996م، ص 98).
«تفجّر العین أو الماء، انبعث وسالَ وتدفق بسرعة وفاض» (عمر، 2008م، ص 1673). يمكن القول بجدية: إن بعض المصاحبات اللفظية مقتبسة من القرآن كتناص ديني، شأنها شأن انفجار العين التي مأخوذة من القرآن الكريم في قوله تعالی: «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًاª (القمر 54: 12).
ـ غشّی اللیل: «فکأنما غشّی وجه أبي الطبع قطعة من اللیل» (ابن شُهید، 1996م، ص 104).
«غشي اللیل ونحوه، أي أظلم» (عمر، 2008م، ص 1620). هذه العبارة أیضاً مأخوذة من القرآن الکریم، وجاءت في الآیة: «وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰª (اللیل 92: 1)، بمعنی "أظلم"، و"غطّی کلّ شيء تراه العین في النهار". ومعنی هذه العبارة أنّ وجه أبي الطبع اسودّ، وأصبح کقطعة من اللیل.
ـ سالَ اللعاب: «فیهم فقیهٌ ذو لقم (سریع الأکل)، رأی حلوی، فاستخفّه الشّره ...، وأسال من لعابه» (ابن شُهید، 1996م، ص 119).
«سال الماء ونحوه، بمعنی جری. سال لعابه علی شيء بمعنی تمنی الحصول علیه، ثارت شهیته» (عمر، 2008م، ص 1150). ففعل "سال" یأتي مع "اللعاب"، دون أي فعل آخر کجَری أو غیر ذلك. ویشکل مع فاعله الخاصّ مصاحبة لفظیة فعلیة، وهي کثیرة الاستعمال في کلام العرب.
ـ تلمظ اللسان: «ورأی الزلابیة، فقال: ویل لأمها الزانیة ... ومشی إلیها، فتلمّظ له لسان المیزان» (ابن شُهید، 1996م، ص 121).
«تلمظ اللسان بمعنی تذوق بقیة الطعام في الفم» (عمر، 2008م، ص 2036). فعل "تلمظ" یستخدم عادةً للإنسان والحیوان؛ لأنهم یملکون اللسان دون المخلوقات الأخری. واستخدام اللسان للمیزان جاء علی سبیل الاستعارة. فابن شهید في رسالة الحلواء، یصف الزلابیة وحلاوتها، ویقول: إن لسان المیزان أیضاً خرج لیتذوقها.
ـ بصّت العین: «وعیناه تبصّانِ کأنهما جمرتانِ، ... وأنا أقول له: علی رسلك، یا أبا فلان» (ابن شُهید، 1996م، ص 122).
«بصبص علیه بمعنی اختلس إلیه النظر، وأشار إلیه بطرف عینه» (عمر، 2008م، ص 210). إن الفعل الرباعي "بصبص" یُستخدم مع مفردات کثیرة، وحسب المفردة المصاحبة له، یشکل معنی جدیداً. فعلی سبیل المثال، إذا قلنا: "بصبصت العین"، یکون بمعنی اختلاس النظر والإشارة بطرفها. أما إذا قلنا: "بصبص الرجل للمرأة"، فتتغیر الدلالة، ویکون بمعنی "تملقها وغازلها". وإذا قلنا: "بصبص الکلب"، معناه یتغیر، ویصیر بمعنی "حرّك ذنبه طمعاً في شيء". لکن في هذه العبارة معنی فعل "بصبص" هو اختلاس النظر.
2ـ1ـ2. المصاحبة بین الفعل والمفعول به
استخدم ابن شهید في نثره أفعالاً، تصاحب مفعول خاص بها، بسبب علاقتهما ببعض، ومنها:
ـ طارَ الذکر: «فعسی أن ینفعك عندهم ویُطیرَ لك ذکراً فیهم» (ابن شُهید، 1996م، ص 117).
فعل "طار" یأتي مصاحبا للمفردات کثیرة، وتتغیر دلالته حسب الکلمة المصاحبة له. في هذا الصدد، نستعین بمعجم المعاني الجامع. فمثلاً "طار صوابه" یکون بمعنی "جُنَّ"؛ و"طار غرابه" بمعنی "شاب"؛ و"طار النوم من عینیه" بمعنی "زال نعاسه، وسهر وقلق"؛ و"طار قلبه" بمعنی "مالَ إلی جهة یهواها" (موقع المعاني: طار). ولکن معنی "طار ذکرك" في هذه العبارة یعني أن صیت الشخص انتشر وذاع بین الناس (عمر، 2008م، ص 1430).
ـ اشدد حیازیمك: «فقال: اشدد له حیازیمك، وعطّر له نسیمك» (ابن شُهید، 1996م، ص 111).
"حیازیم" هي جمع الحيزوم، وهو الصدر. وقيل: وسطه. وهذا الكلام كناية عن التشمر للأمر والاستعداد له. والحزيم: الصدر، والجمع حزم وأحزمة. عن كراع، قال ابن سيده: والحزيم والحيزوم وسط الصدر ما يضم عليه الحزام، حيث تلتقي رؤوس الجوانح فوق الرهابة بحيال الكاهل. قال الجوهري: والحزيم مثله. يقال: شددت لهذا الأمر حزيمي. واستحسن الأزهري التفريق بين الحزيم والحيزوم، وقال: لم أر لغير الليث هذا الفرق. قال ابن سيدة: والحيزوم أيضا الصدر. وقيل: الوسط. وقيل: الحيازيم ضلوع الفؤاد. وقيل: الحيزوم ما استدار بالظهر والبطن. وقيل: الحيزومان ما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر (ابن منظور، د.ت، ج 4، ص 109). "اشدد حيازیمك" هي عبارة مستعملة في الشعر القديم. وهناك قصيدة منسوبة للإمام علي (8)، يقول فيها:
|
أَشدُد حيازَيمكَ لِلمَوْ |
|
تِ فَإِنَّ المَوْتَ لاقيكا |
|
وَلا تَجْزع مِنَ المَوْتِ |
|
إِذا حَلَّ بِواديكا |
(المغربي، 1403ه، ج 2، ص 292).
أي استعد وتهیأ للموت. فإنه آت لا محالة له.
ـ أنشد شعراً / بیتاً: «أنشدنا من شعرك» (ابن شُهید، 1996م، ص 102). «متی شئتَ استحضاري، فأنشد هذه الأبیات ...» (المصدر نفسه، ص 90).
«أنشد الشعر أو البیت، بمعنی قرأه بصوت مرتفع» (عمر، 2008م، ص 2210). هناك فرق بین فعلي "إنشاد الشعر" و"قراءته". فإنشاد الشعر یجعل له تأثیراً في النفس؛ لأنه یکون بصوت مرتفع؛ لکن قراءة الشعر لیس لها هذا التأثیر.
ـ یجتاب الجوّ، ویقطع الدوّ: «وسارَ بنا کالطائر، یجتاب الجوَّ فالجوّ، ویقطع الدّوّ فالدّوّ» (ابن شُهید، 1996م، ص 91).
«جاب البلاد ونحوها بمعنی قطعها سیراً أو تجوّل فیها، طاف فیها وحالَ» (عمر، 2008م، ص 415). ویقطع أیضاً بمعنی اجتیاز الطریق وعبوره (المصدر نفسه، ص 1834)، کهذه الآیة القرآنیة: «لَا يَقْطَعُونَ وَادِيًاª (التوبة 9: 121). "الجوّ" بمعنی الهواء، وفعل "اجتاب" یستعمل للجوّ، کما یستعمل مع مفردات أخری. علی سبیل المثال، مع "البئر"، یکون بمعنی "حفرها"؛ ومع "القمیص"، بمعنی "لبسه"؛ ومع "الظلام"، بمعنی "دخل فیه". وفعل "قطع" أیضاً یستخدم للصحراء أو الطریق، کما یستعمل مع مفردات أخری. فمثلاً مع "الصلاة"، یکون بمعنی أبطلها. ومع "الطریق"، بمعنی منع المرور فیه. ومع "الأمل"، بمعنی یَأس و... .
ـ حلل الأرض: «حللتَ أرض الجنّ، أبا عامر» (ابن شُهید، 1996م، ص 91).
«حلل الأرض، بمعنی نزل وأقام بها وسکنها؛ ضد ارتحل» (عمر، 2008م، ص 548). ففعل "حلل"، إذا صاحب "الأرض"، یکون بمعنی السکن والإقامة فیها. "حَلَّ بالمكان يَحُلُّ حُلولاً"، بفك التضعيف: بمعنی نزول القوم بمحلّة، وهو نقيض الارتحال. أما إذا قلنا: "حلل الشخصُ شیئاً ما"، فیکون المعنی: جعله حلالاً. وإذا قلنا: "حلل المادة أو الدم"، یکون المعنی: حاول معرفة عناصرها وخصائصها. لکن في هذه العبارة معنی "حللتَ"، یکون بدلالة السکن والإقامة.
ـ قبض العنان: «قبض عنان الشقراء، وضربها بالسوط» (ابن شُهید، 1996م، ص 92).
«قبض العنان بمعنی أمسکه، وضمّ علیه أصابعه» (عمر، 2008م، ص 1766). والقبض: التناول للشيء بيدك ملامسة. و"قبض على الشيء"، و"به يقبض قبضاً": انحنى عليه بجميع كفه. وفي التنزيل: «فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِª (طه 20: 96). قال ابن جني: أراد من تراب أثر حافر فرس الرسول (ابن منظور، د.ت، ج 7، ص 214). و"العنان" هو اللجام. وللعرب في العنان أمثال سائرة: يقال: "ذلّ عنان فلان"، إذا انقاد؛ و"فلان أبيّ العنان"، إذا كان ممتنعاً؛ ويقال: "أرخِ من عنانه"، أي: رفّه عنه. و"هما يجريان في عنان"، إذا استويا في فضل أو غيره (المصدر نفسه، ج 10، ص 311). لذا، فإنّ معنی العبارة المذکورة یکون: أمسك لجام الفرس الشقراء.
ـ صرفَ وجه: «اصرف وجه قصدنا إلی صاحب أبي تمام» (ابن شُهید، 1996م، ص 96). «ثمّ انصرفنا وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء» (المصدر نفسه، ص 98).
«صرف وجهه بمعنی انصرف إلیه وتحوّل» (عمر، 2008م، ص 1290). وجاء في لسان العرب حول هذا الفعل:
الصرف: ردّ الشيء عن وجهه، صرفه یصرفه صرفاً، فانصرف. وقوله تعالی: « ثُمَّ انصَرَفُواª، أي رجعوا عن المکان الذي استمعوا فیه. وقیل: انصرفوا عن العمل بشيء مما سمعوا. صرف اللّٰه قلوبهم، أي أضلهم اللّٰه مجازاة علی فعلهم. وصرفتُ الرجل عني، فانصرف. وقوله عزوجلّ: «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَª، أي أجعل جزاءهم الإضلال عن هدایة آیاتي. وقوله عز وجلّ: « فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًاª، أي ما یستطیعون أن یصرفوا عن أنفسهم العذاب، ولا أن ینصروا أنفسهم (د.ت، ج 8، ص 229).
وقد نری من خلال ما أوردناه من المعاجم العربیة، أنّ فعل "صرف" مصاحباً لمفعوله "وجه"، یشکل مصاحبة لفظیة کثیرة الاستعمال في کلام العرب من النوع الفعل مع المفعول به.
ـ سفك الدماء: «البعوضة ملیکة ... تذلل صعبك، إن کنت ذا قوة وعزم، وتسفك دمك» (ابن شُهید، 1996م، ص 53).
«سفك الماء ونحوه، بمعنی أراقه وأساله وصبّه. سفك دم فلان، أي قتله» (عمر، 2008م، ص 1074). وجاء فعل "سفك" مصاحباً لـ"دم" أیضاً في القرآن في هذه الآیة: «قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَª (البقرة 2: 30) وقد ورد في لسان العرب حول "سفك" ما نأتي بالقلیل منه: «السفك: صبّ الدم ونثر الكلام. وسفك الدم والدمع والماء يسفكه سفكاً، صبّه وهراقه، وكأنه بالدم أخص. وفي الحديث :أن يسفكوا دماءهم، السفك: الإراقة والإجراء لكل مائع، والسفاك: السفاح، وهو القادر على الكلام. وسفك الكلام: نثره. ورجل مسفك: كثير الكلام» (د.ت، ج 7، ص 201). فکما نری أن "سفك" یأتي مع مفردات أخری؛ ولکنه في کلام العرب مع "الدم" کثیر الاستعمال.
ـ ذری الدمعَ: «فأثبت في صدره العصا، فجلس القرفصاء، یذري الدموع ...» (ابن شُهید، 1996م، ص 121).
«الذّري: ما انصب من الدمع، وقد أذرت العین الدمع تذریه إذراء وذري، أي صبّته» (ابن منظور، د.ت، ج 14، ص 284). "إذراء الدموع" هي عبارة کثیرة الاستعمال عند العرب. وقد جاءت هذه العبارة في شعر الشیخ علي نقي الإحسائي، أحد شعراء الإمام الحسین (8)، یقول فیه:
|
ومقلتي لم تزل تذري الدموع علی |
|
ربع الذین بأرض الطفّ قد قتلوا |
ـ امتطی الظهر: «فامتطی ظهر النّوی، وألقت به في سَرَقُسطة العصا» (ابن شُهید، 1996م، ص 123).
«امتطی ظهر الدابة أو غیرها، أي جعلها مطیته ورکبها، استقلها وعلاها» (عمر، 2008م، ص 2108). جاء فعل "امتطی" للنوی علی سبیل الاستعارة؛ لأن الفعل لا یستعمل إلا للدوابّ، کالبعیر والناقة، ولیس للأمور المنتزعة، کالبعد والهجران. فمعنی العبارة یکون: هاجر بعیداً عن بلاده، ولم یره أحد بعد.
ـ أراق الدماء: «کثیر الوقائع في المسلمین، مغری بإراقة دماء المؤمنین» (ابن شُهید، 1996م، ص127).
«أراق الدماء ونحوه أي صبَّه» (عمر، 2008م، ص 967). وهذه العبارة کنایة عن القتل، تشبه عبارة سفك الدماء التي تکلمنا عنها في السطور السابقة. نری مفردة "الدم أو الدماء" تأتي مصاحبة لفعلي "أراق وسفك" معاً، وفي کلتا الحالتین، یکون معناها القتل والإماتة.
ـ هتكَ الستر: «یتکفّرُ[2] بأرفع الثیاب، ویهتك ستر کل حجاب» (ابن شُهید، 1996م، ص 126).
«هتك الستر ونحوه بمعنی جذبه، فأزاله من موضعه أو شقّ منه جزءاً، فبدا ماوراءه، خرقه» (عمر، 2008م، ص 2323). یقول ابن شهید في هذه العبارة، وهو یصف البرغوث أنّه یتغطی ویتستر بالثیاب المرفوعة من الأرض؛ ولأنّ الناس یتطافرون، عندما یلصق بهم، فتزیل ثیابهم من موضعها، وتظهر أجسامهم؛ لذا، فإنّه یهتك ستر کلّ حجاب. وجاء في لسان العرب حول هذا الترکیب: «الهتك: أن تجذب ستراً فتقطعه من موضعه، أو تشقّ منه طائفة، يرى ما وراءه. ولذلك، يقال: هتك اللّٰه ستر الفاجر. ورجل مهتوك الستر: أي مفضوح» )ابن منظور، د.ت، ج 15، ص 19). فإذن، فعل "هتك" یستخدم مع مفردتین، وهما "الثوب والستر" في نفس الوقت.
ـ وَرَدَ المناهل: «یَرِدُ مناهل العیش العذبة، ویصل إلی الأحراج[3] الرطبة» (ابن شُهید، 1996م، ص 126).
«المنهل هو المورِد، أي المکان الذي تجد فیه الحیوانات ماءً للشرب. ورد ماء فلان، أي أقبل علیه» (عمر، 2008م، ص 2422). فإذن، فإن فعل "ورد" قد یصاحب الماء أو المکان الذي فیه الماء، وهو المنهل أو المورد. هذه العبارة کثیرة الاستعمال عند العرب. فعلی سبیل المثال، يمكن الإشارة إلى هذه الآیة الشریفة من سورة القصص: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَª (القصص 28: 23)، في قصة موسی (8) عند دخوله لمدینة مدین.
ـ تنفس الصعداء: «فتنفّست الصعداء، وقالت سقاهم اللّٰه سَبَل[4] العهد» (ابن شُهید، 1996م، ص 149).
«الصعداء هي المشقّة. تنفس المریض الصعداء، بمعنی تنفس نفساً طویلاً من همٍّ أو تعب، أحسّ بالراحة والاطمئئان» (عمر، 2008م، ص 1295). قد ورد في لسان العرب حول هذا المصطلح:
الصعود: المشقة على المثل. وفي التنزیل: «سَأُرْهِقُهُ صَعُودًاª؛ أي على مشقة من العذاب. ويقال: لأرهقنك صعودا، أي لأجشمنك مشقة من الأمر. وإنما اشتقوا ذلك؛ لأن الارتفاع في صعود أشق من الانحدار في هبوط. والصعداء: تنفس ممدود. وتصعد النفس: صعب مخرجه، وهو الصعداء، وقيل: الصعداء: هو النفس بتوجع، وهو يتنفس الصعداء. والصعداء: هي المشقة أيضاً (د.ت، ج 8، ص 238).
2ـ1ـ3. المصاحبة بين الفعل وحرف الجر
إنّ المصاحبة بین الفعل وحرف الجرّ المناسب هي من أهم أشکال المصاحبة اللغویة التي تحدد معنی الفعل. فنری أن بعض الأفعال یتغیر معناها بتغیر حرف الجرّ المصاحب لها. «إنّ الفعل یظلّ عام الدلالة، حتی تأتي الحروف. فتختص دلالته في معنی محدد. ومن هنا، تکتسب الحروف المرکبة مع الأفعال أهمیة قصوی في الدلالة. الفعل یختلف معناه باختلاف الحرف الداخل علیه» (داود، 1423ه، ج 1، ص 6).
ـ غاب عن: «وأوثب الأدهم جدار الحائط، ثمّ غابَ عنّي» (ابن شُهید، 1996م، ص 90).
قد یصاحب فعل "غاب" حرف "عن"، ویتغیر معناه، وفقاً لهذا الحرف. فعلی سبیل المثال، إذا قلنا: "غاب عن الوعي"، بمعنی "فقد إدراکه أو حسّه"؛ و"غاب عن بلاده"، بمعنی "سافر"، و"غاب عن العیون"، بمعنی "اختفی". وممکن أیضاً یأتي هذا الفعل من غیر حرف الجر. فـ"غابت الشمس": غربت واستترت عن العین؛ و"غاب التلمیذ": تخلف عن الحضور (موقع المعاني: غاب).
ـ أرتج علی: «متی أرتِجَ عليَّ أو انقطع بي مسلك أو خانني أسلوب، أنشد الأبیات، فیمثل لي صاحبي» (ابن شُهید، 1996م، ص 90).
"أرتج" بصیغة المجهول: بمعنی "أغلقَ"، "أرتج علیه" بمعنی استغلق الکلام علیه، کأنّه أطبق علیه، کما یُرتج الباب. فیُستخدم فعل "أرتج" مع الحرف "علی"، ویکتسب هذه الدلالة. لکن قد یأتي بدون هذا الحرف. فمثلاً، إذا قلنا: أرتج الحارس الباب، یکون المعنى: أغلقه إغلاقاً محکماً (موقع المعاني: أرتج).
ـ رغب في: «هویً فيكَ ورغبة في إصفائك» (ابن شُهید، 1996م، ص 89).
یختلف معنی "رغب" باختلاف حرف الجر المصاحب له. فإذا کان "رغب في، کما في عبارة ابن شهید، یکون بمعنی حرص علیه، وأراده، وطمع فیه، وأحبه (عمر، 2008م، ص 910). أما إذا کان "رغب عنه"، فهو بمعنی "أعرض عنه". "رغب في الأمر عن غیره" أي "فضّله علیه". وفي "رغب إلی" زیادة في الحرص، بل یعني انصراف الراغب إلی المرغوب إلیه بالکلیة. وعکس ذلك "رغب عن" بمعنی الانصراف عن الشيء. وأما "رغب بـ"، فإنه یفید الضنّ بالشيء والبخل به (موقع المعاني: رغب).
ـ الإلمام بـ: «حین رامَ الدنوّ منه والإلمام به ...» (ابن شُهید، 1996م، ص 60).
«ألمّ الشخص بالأمر، بمعنی أحاط به بدون تعمق، عرفه إجمالاً بدون تفصیل. ألمّ بصدیقه: أتاه فنزل به وزاره زیارة غیر طویلة» (عمر، 2008م، ص 2038). و"ألمّ بالطعام"، أي أکل من غیر إسراف. فکما واضح من هذه العبارات، أن فعل "ألمّ" یکون بمعنی المعرفة السطحیة أو الزیارة الغیر طویلة أو الأکل من غیر إسراف. وقد یأتي بدون هذا الحرف. فإذا قلنا: "ألمّ الشيء"، فمعناه یکون "قَرُبَ". "ألمّت النخلة" بمعنی "قاربت الإرطاب".
ـ حنَّ إلی: «أحِنُّ إلی الأدباء، وأصبو إلی تألیف الکلام» (ابن شُهید، 1996م، ص 88).
فعل "حنّ" أیضاً من الأفعال التي تتغیر دلالتها بتغیر حرف الجرّ الداخل علیها. إذا جاء هذا الفعل مع "إلی"، یکون بمعنی "اشتاق" و"تاقت نفسه إلیه" (عمر، 2008م، ص 574). لکن إذا جاء فعل "حنّ" مع حرف "علی"، تتغیر دلالته، وتکون بمعنی "عطف علیه". فإذن، معنی هذه العبارة هو الاشتیاق إلی الأدباء، ولیس العطف علیهم.
ـ جاء بـ: «ونزلنا وجاؤوا بنا إلی بیت قد اصطفّت دِنانه» (ابن شُهید، 1996م، ص 105).
"جاء" هو فعل لازم، لا یحتاج لمفعول یأتي بعده. لکن إذا صاحب حرف الجر "باء"، تتغیر دلالته وتکون بمعنی "أتی بـ". وعندئذ، یحتاج للمفعول.
ـ أعرب عن: «إن لم تُعربي عن ذاتك، وتظهري بعض أدواتك ...» (ابن شُهید، 1996م، ص 124).
«أعرب عن نفسه، بمعنی أبانَ ما فیها وأعلنه وأوضحه» (عمر، 2008م، ص 1476). ونقول: أعرب عن سروره أو عن سخطه، أي عبّر عنه وأفصحه. ففعل "أعرب"، إذا صاحب حرف الجر "عن"، قد یکون بمعنی: جَهَرَ، وأعْلَنَ، وأبانَ، وعَبَّرَ، وأوْضَحَ. أما إذا جاء بغیر هذا الحرف، فیتغیر معناه. فمثلاً، نقول: "أعربَ فلان"، أي کان فصیحاً في العربیة، وإن لم یکن من العرب، و"أعرب الکلمةَ" بمعنی بیّن وجهها من الإعراب.
2ـ2. المصاحبة الاسمية
2ـ2ـ1. المصاحبة الوصفية (الموصوف والصفة)
ـ لکنة أعجمیة: «إنما هي لکنة أعجمیة، یؤدون بها المعاني تأدیة المجوس والنبط» (ابن شُهید، 1996م، ص 117).
«لَکِنَ الأعجمي بمعنی عيَّ، وثقل لسانه، ولم یستطع الإفصاح بالعربیة» (عمر، 2008م، ص 2034). لقد ورد في لسان العرب حول اللکنة أنّها: «عجمة في اللسان وعيّ. ابن سیده: الألكن الذي لا يقيم العربية من عجمة في لسانه. المبرد: اللكنة أن تعترض على كلام المتكلم اللغة الأعجمية. يقال: فلان يرتضح لكنة رومية أو حبشية أو سندية أو ما كانت من لغات العجم» (د.ت، ج 13، ص 230).
ـ الوجه الوضاح: «أهلاً بك أیها الوجه الوضاح» (ابن شُهید، 1996م، ص 89).
الوضح: بياض الصبح، والقمر، والبرص، والغرة، والتحجيل في القوائم وغير ذلك من الألوان. نجد فائدة لغویة في هذه المفردة، وهي أنّ العرب تسمي النهار الوضاح، والليل الدهمان. وبكر الوضاح: صلاة الغداة، وثني دهمان: العشاء الآخرة (ابن منظور، د.ت، ج 15، ص 229). ورد في معجم اللغة العربیة المعاصرة حول "الوضاح": «وضحَ الوجه: حَسُنَ. الوجه الوضاح: الوجه الحسن الجمیل» (2008م، ص 2454). و"الوضاح" یقال للرجل فقط، دون المرأة، کما جاء في لسان العرب: رجل وضاح: حسن الوجه أبيض بسام. والوضاح: الرجل الأبيض اللون الحسنة (د.ت، ج 2، 634).
ـ رطباً جنیاً: «فاسّاقط علیه رطباً جنیاً» (ابن شُهید، 1996م، ص 88).
"الرَّطب": الناعم، وهو ضدّ الیابس. نجد أنّ ابن شهید في هذه العبارة تناصّ مع الآیه القرآنیة: «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّاª (مریم 19: 25)، تناصاً واضحاً. «الرُطَب: ما نضج من البلح قبل أن یصیر تمراً» (عمر، 2008م، ص 904). و"جنی الثمرة" بمعنی قطفها وتناولها من منبتها (المصدر نفسه، ص 408). تستعمل العرب هاتین المفردتین مصاحبة بعضها لبعض. فنجد أنّ الشاعر ذو الرمّة في مقطع له یقول:
|
حَتّى إِذا مَعمَعانُ الصَيفِ هَبَّ لَهُ |
|
بِأَجَّةٍ نَشَّ عَنها الماءُ وَالرُطُبُ |
أراد: هيّج كل عود رَطب، أي ذوى كل عود رَطب، فهاج.
ـ مقلة حوراء: «یتفجّر من أصلها عینٌ کمقلة حوراء» (ابن شُهید، 1996م، ص 98).
«المقلة هي شحمة العین التي تجمع السواد والبیاض أو العین کلها» (عمر، 2008م، ص 2113). الحور أن تسودّ العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور. وإنما قيل للنساء: حور العين؛ لأنهن شُبّهن بالظباء والبقر. وقال كراع: الحور أن يكون البياض محدقاً بالسواد كلّه، وإنما يكون هذا في البقر والظباء، ثم يستعار للناس (ابن منظور، د.ت، ج 4، ص 264). وهذه الصفة تختصّ بالعین فقط، ولا تستعمل مع غیرها، وتدلّ علی جمال العیون.
ـ عیناً معینة: «فرأینا عیناً معینة تسیل» (ابن شُهید، 1996م، ص 93).
«ماء معین بمعنی ظاهر تراه العین، جاریاً علی وجه الأرض متدفقاً» (عمر، 2008م، ص 1587). وجاء هذا الترکیب الوصفي في القرآن وبنفس المعنی أیضاً: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَعِينٍª (الملك 67: 30). فالماء الغور بمعنی الماء العمیق الذي لا تناله الدلاء. والماء المعین هو الذي تراه العین وجارٍ علی الأرض. وهذه الصفات تختص بالماء أو عین الماء فقط، وتُستخدم نقيضتان لبعضهما.
ـ المکان المکین: «فإنّي أجد مکانها من نفسي مکیناً» (ابن شُهید، 1996م، ص 120). «أمّا أبوالقاسم الإفلیلي، فمکانه من نفسي مکین» (المصدر نفسه، ص 123).
«مکین بمعنی ذو منزلة ورفعة شأن» (عمر، 2008م، ص 2116). ونجد هذه المفردة في القرآن أیضاً: «قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌª (یوسف 12: 54). نری أنّ "مکین" في نثر ابن شُهید والآیة الشریفة يكون بمعنی عظیم الشأن والمنزلة.
ـ الحبل المتین: «وحبل هواها علی کبدي متین» (ابن شُهید، 1996م، ص 120).
«الحبل هو ما فُتل من لیف ونحوه لیُربَط أو یُقاد به. والمتین بمعنی القويّ والصلب» (موقع المعاني: متين). جاءت مفردة "الحبل" في هذه الآیة علی سبیل الاستعارة. وهنا بمعنی الدین القویم: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰه جَمِيعًاª (آل عمران 3: 103). وقد جاءت هذه المصاحبة الوصفیة أیضاً في کتاب نهج البلاغة في وصف القرآن: (وَعَلَيْكَ بِكِتَابِ اللّٰه، فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ) (الخطبة: 156)، أي الدین القوی الصلب الذي لا انفکاك له.
ـ العذاب الألیم: «أیقنّا لها بالعذاب الألیم» (ابن شُهید، 1996م، ص 122).
"العذاب" بمعنی العقاب والنکال، أي کلّ ما شقّ علی النفس. و"الألیم" بمعنی المؤلم الشدید. قد جاء هذا الترکیب الوصفي عدة مرات في القرآن الکریم. في مثل هذه الآیة الشریفة: «وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَª (الذاریات 51: 37). فـ"العذاب الألیم" بمعنی العقاب والنکال المؤلم الشدید. في کثیر من الأحیان، نجد أن العرب استخدموا "العذاب" مصاحباً وموصوفاً بمفردة "الألیم". وهذا ما استخدمه ابن شُهید أیضاً في نثره مشابهاً للترکیب القرآني.
2ـ2ـ2. المصاحبة الإضافیة (المضاف والمضاف إلیه)
ـ بائر السلعة / خاسر الصفقة: «تری الفَهِم فیها بائر السلعة وخاسر الصفقة یُلمَح بأعین الشنآن، ویُستثقل بکلّ مکان» (ابن شُهید، 1996م، ص 56).
"بائر السلعة" بمعنی الشخص الذي تکسدت بضاعته. فلفظة "بار" تستخدم للبضائع والسلع والسوق بصورة عامة. وقد تأتي لغیر هذه الأمور أیضاً. مثلاً، نقول: بارت البنت بمعنی لم تتزوج، أو بارت الأرض، أي لم تُزرع. أما "الخاسر"، فهو «الذي غبن وباع بضاعته بأقل من تکلفتها» (عمر، 2008م، ص 641). "الصفقة" هي البیعة. وعادتاً تستخدم مفردتا "الخاسر" و"الصفقة" مصاحبة بعضها لبعض؛ لأنّ في البیعة یمکن أن یربح التاجر أو یخسر.
ـ مطلع الشمس: «فرکضنا حیناً طاعنین في مطلع الشمس» (ابن شُهید، 1996م، ص 115).
"مطلع الشمس" اسم مکان من طلع. قد ورد هذا الترکیب الإضافي في القرآن الکریم في سورة الکهف کاسم للمکان: «حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِª (الکهف 18: 90)، أي المکان الذي تشرق وتظهر فیه الشمس، وأیضاً في سورة القدر کاسم للزمان: « سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِª (القدر 97: 5)، أي الوقت الذي تشرق فیه الشمس. ولا يمكن أن نفصل بين المفردتین "مطلع والشمس" لکثرة استعمالهما؛ بينما يمكن القول: "ظهور الشمس" أو "بزوغ الشمس"؛ لكن مفردة "الطلوع" باتت موافقة ومصاحبة لـ"الشمس" أکثر من غیرها. وقد تستعمل "مطلع" مع مفردات أخری. علی سبیل المثال: مطلع الشهر، أي أوله أو مطلع القصیدة بمعنی أول بیت فیها.
ـ قرع النواقیس: «فسِرنا حتی انتهینا إلی أصل جبل دَیر حَنّة، فشقَّ سمعي قرعُ النواقیس» (ابن شُهید، 1996م، ص 104).
«قَرعَ الناقوس بمعنی دقّه وجعله یحدث طنیناً» (عمر، 2008م، ص 1801)، وقد یأتي هذا الفعل مصاحباً لمفردات أخری، ویکّون معنی جدیداً، مثل: قَرع الشيء، أي اختاره بالقرعة؛ وقَرع الباب: طرقه؛ وقَرع الجرس: دقّه وجعله یحدث طنیناً. و"قرع" أکثر تصاحباً وتلازماً لـ"الناقوس" لکثرة استخدامه عند العرب، وهو یشبه قرع الجرس أیضاً؛ لأنه یحدث طنیناً مع الضرب.
ـ بحبوحة الدار: «البعوضة ملیکة ... تمشي إلی الملك بندبها وتضرب في بحبوحة داره بطبلها» (ابن شُهید، 1996م، ص 53).
"بحبوحة" بمعنی وسط الشيء وخیاره. وقد تأتي هذه المفردة مصاحبة لمفردات أخری، مثل: "العیش"، وتکون بمعنی سعة العیش ولینه ونعمة وافرة: نشأ في بحبوحة من العیش وهناءة. وقد جاء في الحدیث النبوي: «فَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ لِيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ». والقصد من "بحبوحة الجنة" هي وسط الجنة والمکانة المرموقة منها.
ـ فرسان الکلام: «ولکني عدمتُ ببلدي فرسان الکلام، ودهیتُ بأهل الزمان» (ابن شُهید، 1996م، ص 116).
«فرس الشخص بالأمر بمعنی أدرك باطنه بالظنّ الصائب وعلمَ به» (عمر، 2008م، ص 1690). والقصد من "فرسان الکلام" هم الأشخاص الذین لدیهم فصاحة وبلاغة في الکلام، ویجیدون التحدث أفضل من العامة. ممکن أن نعدّ كلمة "فرسان" كمفردة محورية. لذا، فيمكن تطبيقها على أفراد مختلفة في مجالات متعددة، تشترك في مهارة أو صفة مشتركة. على سبيل المثال، "فرسان القراءة" يمكن أن يشمل الأشخاص الماهرين في القراءة والتفكير النقدي؛ و"فرسان المباراة" يمكن أن يشمل اللاعبين الماهرين في مختلف الرياضات والألعاب؛ و"فرسان الشعر" يمكن أن يشمل الشعراء المبدعين والمتميزين في الشعر. فنستطیع القول: إن في "فرسان الکلام" مصاحبة لفظیة؛ لأننا لا نستطیع الفکاك بینها وجعل مفردة أخری مکانها.
ـ لمح البصر: «وقلت: هل حيلة في لقاء من اتفق منهم؟ قال: حتى استأذنَ شيخنا. وطار عني، ثم انصرف كلمحٍ بالبصر» (ابن شُهید، 1996م، ص 91).
«لمح البصر بمعنی سرعة خاطفة، ومضة، طرفة عین» (عمر، 2008م، ص 2034). لا شك أنّ هذه العبارة أمست من المصاحبات اللفظية التي لا يمكن افتكاكها بسهولة؛ لأنها جاءت في القرآن الكريم في قوله تعالى: «وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِª (القمر 54: 50). فعبارة "لمح البصر" تشير إلى نظرة سريعة ومارّة، غالباً ما تكون غير مركزة أو غير مستمرة.
ـ جذع النخلة: «هزَّ بجذع نخلة الکلام» (ابن شُهید، 1996م، ص 88).
«جذع النخلة، أي ساق النخلة ونحوها، والجمع أجذاع وجذوع» (عمر، 2008م، ص 355). عندما یتصاحب "جذع" مع "النخلة"، یکون بمعنی "ساقها". وقد یستعمل مع مفردات أخری، کـ"الإنسان" مثلاً. فیکون بمعنی جسمه ما عدا الرأس والرجلین والیدین. نجد في هذه العبارة تناصاً قرآنیاً بیّناً مع الآیة: «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّاª (مریم 19: 25).
ـ سجع الکهّان: «ارمهم یا هذا بسجع الکهّان. فعسی أن ینفعك عندهم ویُطیرَ لك ذکراً فیهم» (ابن شُهید، 1996م، ص 117).
«سَجعَ فلانٌ الکلامَ، بمعنی أتی به منثوراً له فواصل کفواصل الشعر، مقفی غیر موزون» (عمر، 2008م، ص 1035). وقد ورد في لسان العرب حول "السجع": «سَجَعَ: تکلم بکلام له فواصل کفواصل الشعر من غیر وزن. قال ابن جنّي: إنما سُمّي سجعاً، لاشتباه أواخره، وتناسب فواصله، وكسره على سجوع» (د.ت، ج 7، ص 129). والغرض من "سجع الکهان" ما أورده أحمد مختار عمر في معجم اللغة العربیة المعاصرة، أنّ: «سجعُ الکهان بمعنی کلامهم غیر المفهوم المزوّق لاستمالة السامعین» (2008م، ص 1035).
ـ أبناء جنسك: «وقد بَلَغَنا أنّك لا تُجازی في أبناء جنسك» (ابن شُهید، 1996م، ص 122).
"أبناء الجنس" بمعنی بني البشر. وقد نری أنّ مفردة "أبناء" تلازم مفردات أخری، وفي کلّ ترکیب تشکل معنی جدیداً. فمثلاً إذا صاحبت "شعب"، تکون بمعنی المواطنین؛ ومع مفردة "الضاد"، تکون بمعنی العرب؛ وإذا جاءت مصاحبة لـ"الشوارع"، تکون بمعنی الأولاد اللقطاء والمشردين؛ ومع "الدهالیز"، تکون بمعنی الأطفال اللقطاء أو اللصوص (موقع المعاني: أبناء). ومعنی عبارة "لا تُجازی في أبناء جنسك" علی سبیل الکنایة: أنه لا مثیل لك بین الناس من حیث العلم والفضل. لذا، فلا یوجد جزاء تُجزی به.
2ـ2ـ3. المصاحبة الاسمیة العطفیة (بالعلاقة التقابلیة)
ـ نظم ونثر: «فکلامك نظم لا نثر» (ابن شُهید، 1996م، ص 116).
«نظم الکلام بمعنی ألّفه موزوناً ومقفیً» (عمر، 2008م، ص2235). و"النثر" یکون مقابلاً له، أي الکلام الذي بلا وزن ولا قافیة (المصدر نفسه، ص 2167). جاء في لسان العرب حول النظم: «النظم هو التأليف. ونظمت اللؤلؤ، أي جمعته في السلك. والتنظيم مثله. ومنه نظمت الشعر ونظمته. ونظم الأمر على المثل. وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض، فقد نظمته» (د.ت، ج 14، ص 295). و"النثر" هو: «الکلام الجید النثر یرسل بلا وزن ولا قافیة» (موقع المعاني: نثر). فدائماً ما تأتي هاتان المفردتان معاً بالمعنی التقابلي. فممکن أن یکون الأدیبُ شاعراً، فهو ینظم الکلام أو یکون کاتباً، فهو ینثر الکلام.
ـ حرب وسلم / یقظة وحلم: «وودِدنا أنّا برازخ، لا حربٌ ولا سِلم، ولا یقظة ولا حلم، کفی بذلك إنحاء علی الزمن» (ابن شُهید، 1996م، ص 56).
«الحرب هي نقيض السلم، أنثی وابن منظور حَمَلها على معنى القَتْل، أَو الهَرْج» (ابن منظور، د.ت، ج 4، ص 70). "الحرب" و"السّلم" دائماً ما تأتیان معاً متضادتین. وهنا استخدم ابن شهید الحرب، حسب القرائن الموجودة في العبارة، بمعنی العدوّ؛ و"السّلم" بمعنی الصدیق، ویقصد أنّه لیس صدیقاً ولا عدوّاً؛ ولکنّه حاجز بینهما ومحادٍ. و"الیقظة" في لسان العرب هي نقيض النوم، والفعل "استيقظ"، وهو الانتباه من النوم. جاء ابن شُهید هنا بـ"الحُلم" مصاحباً للیقظة بدل النوم، لیشکّل مصاحبة لفظیة بین هاتين المفردتین. ومعنی العبارة یکون هکذا: نحن نحبّ أن نکون محایدین، ولا نکون أعداء، ولا أصدقاء، ولا مستیقظین حذرین، ولا نوّم، بل نتّخذ بین ذلك سبیلاً.
ـ الغالي والرخیص: «ورأی الخبیص[5]، فقال هذا الغالي الرخیص» (ابن شُهید، 1996م، ص 120).
"الغَلاء" هو نَقيض "الرخص". "غَلا السعْر وغيرُه": ارتفع وازداد عن الحدّ المقبول؛ و"غَلا فلان في الأَمر والدين": تشدَّد فيه وجاوز الحد وأَفرط. وفي التنزيل العزيز سورة المائدة: « لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْª (المائدة 5: 77)، أي لا تتشدوا ولا تفرطوا في أمر الدین. و"الرخیص" هو نقیض "الغالي". "رخص السعر": "هبط". "رخّص له في الأمر": سهّله ویسّره له (موقع المعاني: رخص). نری أنّ المفردتین متقابلتان ومتضادتان بمعنی الکلمة. ونجد هذه العبارة في کلام العرب، تُستخدم کمصاحبة ومتلازمة لفظیة.
ـ الأنام والأنعام: «الحمد للّٰه خالق الأنام في بطون الأنعام» (ابن شُهید، 1996م، ص 118).
"الأنام": جميع ما على الأرض من الخلق. وقد يشمل الجنّ. وغلبت في الدلالة على البشر. وجاء في القرآن: « وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِª (الرحمن 55: 10). و"الأنعام" هي البهائم، کالغنم، والماعز، والحمیر، والبقر (عمر، 2008م، ص 2242). فهنا تقابل واضح بین کلمتي أنام وأنعام، من حیث إن "الأنام" ذات عقول، و"الأنعام" عدیمة العقول. فدائماً، نری أن هاتین المفردتین تأتيان مصاحبتين في کثیر من النصوص الأدبیة، لتعطي القارئ معنی تقابلیاً.
ـ الفروع والأصول: «أیها الغارّ المغرور، کیف تَحکم في الفروع، وأنتَ لا تُحکم الأصول؟» (ابن شُهید، 1996م، ص 151).
«فروع: مفرده فرع، غصن، شعبة ویقابله أصل» (عمر، 2008م، ص 1695). والأصل أساس يُقام عليه. أول الشيء ومادته التي يتكوّن منها: أصل الموضوع. دائماً ما، نجد کلمة "فرع" مصاحبة لـ"أصل" بالعلاقة التضادیة. وجاءت هذه المصاحبة في القرآن الکریم أیضاً: «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِª (إبراهیم 14: 24). لکن ما قصده ابن شهید من "الأصول" هي أصول الشرع والقانون، ومن "الفروع" هي القوانین التابعة للأصول.
2ـ2ـ4. المصاحبة الاسمیة العطفیة (بالعلاقة الترادفیة)
ـ شیطان وشیصبان: «أمّا إن به شیطاناً یهدیه، وشیصباناً یأتیه» (ابن شُهید، 1996م، ص 88).
«الشیطان: إبلیس، وهو روح شریر مغوٍ بالفساد. شیطان الشاعر: جنّيّ یلهم الشعر» (عمر، 2008م، ص 1256). "الشيطان" كل عاتٍ متمرد من الإنس والجن والدوابّ هو شيطان (موقع المعاني: شطن). و"الشیصبان" هو أحد أسماء الشیطان، وهو الشیطان نفسه. «قالوا هو الشيطان الرجيم. والشيصبان: والبلأز والجلأز والجان والقاز والخيتعور: كلها من أسماء الشيطان. والشيصبان: أبو حي من الجنّ» (ابن منظور، د.ت، ج 8، ص 75). والمقصود من "الشیطان" في هذه العبارة، هو الجنّي الذي یلهم الشعراء في اعتقاد الجاهلیین، ویؤلف القصائد، ویلقیها في آذانهم.
ـ روائح ونوافح / تعبق وتصوك: «حتی انتهینا إلی دیر عظیم، تعبق روائحه، وتصوك[6] نوافحه» (ابن شُهید، 1996م، ص 105).
لفظة "روائح" مفردها "رائحة"، ما یُشمّ، سواء کان طیباً أو نتناً (عمر، 2008م، ص 955). و"النوافح" مفردها "نفحة"، وهي دفعة الريح طيبة كانت أو خبيثة. لقد نری أنّ مفردتي "روائح ونوافح" معناهما واحد، وهو الریح سواء أکان طیباً أم نتناً. أما بالنسبة لـ"تعبق وتصوك"، فقد ورد حول "عبق" في لسان العرب: «عَبِقَت الرائحةُ في الشيءِ عَبَقاً وعَباقِيةً: بَقيت. ورجل عَبِقٌ وامرأَة عَبِقةٌ إِذا تطيّب وتعلق به الطِّيب، فلا يذهب عنه ريحه أَيّاماً» (د.ت، ج 10، ص 17). وفي معجم المعاني حول فعل "تصوك": «صاك الطیب ونحوه: عَبِقَ؛ تصوّك بالمسك ونحوه بمعنی تطیب به» (موقع المعاني: صوك). وهذان الفعلان أتیا بنفس المعنی. وهذا الترادف الذي جاء به ابن شُهید، یفید التأکید في الکلام، أي أنّ رائحة المکان کانت منتشرة في کل الأرجاء، حیث إنها ملأت الفضاء.
ـ الفرح والمرح: «وهذا الفعل معروف من الإوزّ عند الفرح والمرح» (ابن شُهید، 1996م، ص 151).
«الفرح بمعنی الابتهاج وانشراح الصدر» (عمر، 2008م، ص 1685). و«المرح: شدة الفرح والنشاط حتى يجاوز قدره. وقيل: المرح التبختر والاختيال. وفي التنزيل: «وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًاª، أي متبخترا مختالاً. وقيل: المرح الأشر والبطر» )ابن منظور، د.ت، ج 14، ص 48). وهذه المصاحبة أیضاً وردت في قوله تعالى بصورة فعلَي "تفرحون وتمرحون": «ذلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَª (الغافر 40: 75). فنری أنّ العرب في کلامهم یستخدمون "الفرح" مصاحباً لـ"المرح"، وأن هاتين المفردتين متصاحبتان في کلّ الأحوال.
ـ شذر ومذر / شغر وبغر: «فَنَثرتنا شذَرَ مَذَر وفرّقتنا شَغَر بغَر» (ابن شُهید، 1996م، ص 122).
«شذر ومذر ترکیب، یفید به التفرق والتشتت. فلا یقال في الإقبال. ولفظة مذر جاءت للاتباع[7]: ذهب القوم شذر مذر: ذهبوا مذاهب شتّی» (عمر، 2008م، ص 1180). وقد ورد في لسان العرب حول هذا الترکیب: «المذر في اللغة: الفساد، وذهب القوم شذر مذر، أي متفرقين. ويقال: تفرقت إبلُه شذر مذر. وشذر مذر إذا تفرقت في كل وجه، ومذر اتباع. ورجل هذر مذر: اتباع» (د.ت، ج 14، ص 42).
و"الشغر": "البعد". «ويقال: تفرقت الإبل وذهب القوم شغر بغر. وذهب القوم شغر مغر وشغر بغر، أي متفرقين في كل وجه» (المصدر نفسه، ج 2، ص 118). نری أنّ کلا الترکیبین في کلام العرب مترادفان. وهذا التتابع والترادف جاء لتأکید المعنی. وابن شهید کسائر الأدباء والشعراء لم یکن غافلاً عن تلك التراکیب والمصطلحات، بل استخدمها في نثره، عند الحاجة إليها.
الخاتمة
أهم النتائج التي توصّل إليها البحث هي كالآتي:
ـ يشير المقال إلى أن ابن شهيد استخدم مجموعة متنوعة من المصاحبات اللفظية في كتاباته. وتشير النتائج إلى أنه يميل إلى استخدام المصاحبة اللفظیة من النوع الفعل والمفعول، ثم المصاحبة الاسمیة من النوع الوصفیة، ثمّ الإضافیة بنسبة أكبر من غيرها من المصاحبات.
ـ يشير المقال إلى أن استخدام ابن شهيد للمصاحبات اللفظية يرتبط بالبلاغة القديمة. يستنتج من الدراسة أنه يعود في استخداماته إلى اللغة الدينية کالقرآن الکریم، حیث نجد إنّه عند توظيف المصاحبات، یتناصّ مع نص القرآن تناصاً واضحاً، مثل استخدام "جذع النخلة"، و"العذاب الألیم"، و"الریح العقیم"، و"مطلع الشمس" وغيرها. بعبارة أخرى، يعتمد ابن شهيد على عبارات وتعابير قديمة وتقليدية مشتقة من النصوص الدينية والأدبية القديمة.
ـ يشير المقال إلى أن استخدامات ابن شهيد للمصاحبات اللفظية تظهر توافقا مع النصوص الفصيحة القديمة، مثل الكتب الدينية والأدبية. هذا يعني أنه يلتزم بالأساليب والتعابير القديمة، ويتفق معها في كتاباته، دون تجديد أو تحديث.
[1]. Firth
[2]. یتستر.
[3]. جمع الحَرَج، وهو المکان الضیق الکثیر الشجر.
[4]. السَبَل: المطر، العهد: أول مطر الوسمي.
[5]. الحلوی التي تُصنع من الدقیق والعسل.
[6]. تعبق.
[7]. الاتباع: توالي لفظین، یتفقان في الوزن والروي بقصد تقویة المعنی. والثاني بمعنی الأول أو غیر ذي معنی ولا یستعمل منفرداً.