Aesthetics of Stylistics in the Layers of Rhetoric and Semantics: A Case Study of “If the Fortuneteller Had Informed Me” by Lamia Abbas Amara

Document Type : Research Article

Authors

1 Associate Professor of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Humanities, University of Semnan, Iran

2 PhD in Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Humanities, University of Semnan, Iran

Abstract

Literary style reflects the distinctive approach of artists and writers, embodying their emotions and sensibilities across diverse texts. Stylistics, as a branch of linguistics, examines individualistic features in literary works, serving as a form of literary criticism that deciphers textual structure. Through the analysis of phonetic, morphological, syntactic, and semantic phenomena, the implicit meanings embedded within a text emerge, revealing profound themes aligned with the writer’s worldview.
Contemporary poets, influenced by evolving socio-political contexts, have cultivated unique stylistic values in their works. Among them, Lamia Abbas Amara stands out as a prominent Iraqi poet whose artistry intertwines with her social and political stances, particularly on gender equality and nationalism. This study explores the stylistic features of her poetry collection, If the Fortuneteller Had Informed Me, which exemplifies her mature stylistic and psychological depth. Rich in artistic structures, the Diwan reflects her cultural wisdom, prompting our focus on the letter “Lo” (if) as a conduit for expressing longing, joy, and sorrow.
Adopting a descriptive-analytical approach, this research examines stylistic aesthetics through theoretical and practical lenses: defining style and stylistics, and analyzing their rhetorical and semantic manifestations. This dual framework deciphers the complexities of Amara’s poetry, unveiling the conceptual underpinnings of her work.
Lamia Abbas Amara’s poetic style mirrors her intellectual depth and cultural richness, sculpting literary texts that mirror Arab society’s joys and sorrows. Her mastery of poetic language, creativity, and imagery invites a stylistic analysis to unravel her verses’ layered meanings. Our findings highlight her use of vivid metaphors, historical symbols, chromatic imagery, and monologues, which collectively paint themes of love, exile, despair, hope, and nationalism.
Amara’s introspective thought is conveyed through similes and metaphors, often imbued with dynamism and emotional resonance. For instance, she likens the wind’s sound to Quranic recitation or a wolf’s stealthy attack, while seasonal irregularities in Baghdad metaphorize Iraq’s socio-political injustices. Historical symbols (e.g., Khalil Mutran, Abu Firas al-Hamdani) and chromatic motifs further express her psyche: black denotes despair, red evokes anxiety, and green symbolizes hope. Monologues serve as a tool to voice inner turmoil, resistance, or existential quests, creating immersive, almost tangible imagery. Through these stylistic choices, Amara navigates identity, loss, and aspiration.

Keywords

Main Subjects


  1. المقدمة

يدلّ الأسلوب، كمنهج يختاره أصحاب الفن، على ما يدور في الأذهان، ويعكس العواطف والمشاعر في النصوص الأدبية. فنلاحظ الرسام والكاتب والشاعر بأسلوبهم المميّز يخلقون أثرا فنيا رائعا. والأسلوبية الأدبية تعدّ فرعا من اللسانيات التي تعالج الخصائص الفردية، وتتّجه كمعيار نقدي نحو نصّ‌ ما للكشف عن بنيته. وبات الشعراء في كلّ الأزمنة، ولاسيّما في العصر الحديث، يبدعون أثرا منفردا، يتميّز بالرموز والدلالات، حتى يبقى خالدا في ذهن متلقّي النصوص.

بتعبير أدقّ، أن البيئة الاجتماعية تلعب دورا أساسيا في تكوين أسلوب النص ومسحته الجمالية. كما نلاحظ في أعمال الشعراء المعاصرين، معطيات شعرية، تحتوي على قيمة أسلوبية إثر تطوّر الظروف الاجتماعية والسياسية. وتعدّ لميعة عبّاس عمّارة من أبرز الشعراء العراقيين المتسمين بجودة فنية. فإنها تبدي آراءها في مختلف المواضيع الاجتماعية والسياسية، مثل: حقوق المرأة والرجل، والوطن ...، وتواكب أحداث عصرها، وتعكس في شعرها ما يجول في خاطرها.

لهذا، ينهض هذا البحث إلى رصد السمات الأسلوبية في ديوانها الشعري لو أنبأني العرّاف؛ لأنّنا نلاحظ نضج شخصية الشاعرة فيه من الجانبين الأسلوبي والنفسي. فيعجّ هذا الديوان بالبنيات الفنية التي تتّسم بوعيها الثقافي. وذلك دفعنا لاختيار هذا الموضوع بواسطة أداة "لو" الموحية بالأحلام والأفراح والأتراح.

1ـ1. أسئلة البحث

ومن الأسئلة التي يكون هذا البحث بصدد الإجابة عنها:

 ـ ما الجوانب الأسلوبية المتميّزة في شعر لميعة عباس عمارة؟

ـ أي زاوية من زوايا شخصيتها المتميزة تنعكس في التقنيات الأسلوبية المستخدمة في شعرها؟

لقد اعتمدنا في هذا البحث، على المنهج الوصفي ـ التحليلي، وقمنا باختيار التحليل الأسلوبي في البعدين التنظيري التطبيقي، من خلال تعريف الأسلوب والأسلوبية ومستوياتها، ثمّ عالجنا البعد الوظيفي للجماليات الأسلوبية، لنفكّ عن بعض الغموض الشعري، ونشقّ الطريق إلى المفاهيم المختلجة في نفسية الشاعرة.

1ـ2. خلفية البحث

أما بالنسبة إلى الدراسات السابقة، فهناك بحوث حول شعر لميعة عبّاس وخصائصها اللغوية، منها ما يلي:

المقالة الموسومة بالوطن في شعر لميعة عباس، بقلم صدام الأسدي وأنعام مفتن (2016م). ومن المنجزات الفكرية لهذه المقالة هي دراسة موضوع الوطن ودلالاته للكشف عن إيحاء هذه الكلمة، والدوافع التي أثارتها الشاعرة للتكلّم عن هذه القضايا التي يلازمها تحليل بعض الجوانب الأسلوبية، كالمعجم اللغوي، والتشبيه، والاستعارة، ولاسيما التشبيه البليغ، والوزن، والإيقاع الشعري اللّذين يتفقان مع الألفاظ والمعاني.

ومقالة صورة الرجل في شعر لميعة عباس، لسفانة داود (2016م). فنری أنّ الكاتبة عن طريق معالجة اللغة الشعرية وإحصاء صورتين إيجابية وسلبية للرجل، تكشف عن مواصفات متنوعة لشخصية الرجل في شعر الشاعرة، فأطلقت عليها شاعرة الرجل.

 وفي مقالة أخرى معنونة بالوعي الثقافي النسوي في شعر لميعة عباس عمارة، لعبد العظيم رهيف وعياد حمزة (2017م)، نواجه دراسة الجوانب الثقافية والاجتماعية في شعر الشاعرة ومواقفها من المرأة مع توعيتها بالأوضاع الاجتماعية. فهذه الدراسات لم تختصّ بتحليل بنية نصّها مباشرة.

زد على ذلك، أنه هناك دراسة قريبة من بحثنا تحت عنوان شعر لميعة عباس عُمارة: دراسة دلالية، لولاء علي ناصر (2017م). والكاتبة في هذه الرسالة تدرس شعر لميعة من خلال الجوانب الصوتية، والصرفية، والنحوية؛ ولكن هذا البحث يحاول لأوّل مرّة دراسة نصّها الشعري واستكشاف مقوّماته الجمالية، في أحد دواوينها، لو أنبأني العرّاف، ويتناوله من خلال أسلوبية النص بالمستويين البلاغي والدلالي، لاستجلاء المعاني الجميلة المبتكرة المبدعة.

 

  1. الأسلوب والأسلوبية

الأسلوب يدلّ على الطريقة التي يختارها الأدباء للتعبير عما يختلج في أنفسهم أو يمكن القول إنه البصمة التي يتركونها للتأثير في المتلقّين وإرسال رسالة خاصة إليهم. ويعرّفه رولان بارت[1] بأنّه «دائما سرٌّ إلاّ أنّ المنحدر الصامت لمرجعه، لا يعود إلى الطبيعة المتحرّكة والتأجيلية باستمرار اللغة. إنّ سرّه هو ذكرى مغلقة داخل جسد الكاتب، وإن كان شفافا تجاهه، ولأنّه مسعى مغلق للشخص» (1985م، ص 35). والكاتب أو الشاعر يبوح بهذا السرّ المكتوم، عندما يوظّفه في النص الأدبي. بتعبير آخر، أن الأسلوب هو «الانسجام والتلاحم اللذان يلاحَظان في أيّ أثر، أي الروح أو الخصيصة أو الخصائص المشتركة والمتكرّرة في نصّ‌‌ما. فهذا الترابط النصي ينبعث من تكرار العوامل التي تثير انتباه القارئ الذكي» (شميسا، 1373ﻫ.ش، ص 14).

والأسلوبية هي دراسة نقدية حول مكوّنات النص والمنهج العلمي الذي يعالج طريقا، يختاره الكاتب للتعبير عن مفاهيمه الذهنية. وهذا العلم يدل على «علم لساني، يعنى بدراسة مجال التصرّف في حدود القواعد البنيوية لانتظام جهاز اللغة» (المسدي، 1977م، ص 52). ومن ثمّ، فـ«الدراسة الأسلوبية تنصبّ على النّص، بوصفه وحدة واحدة. وغايتها الأولى والأساسية غاية وصفية. وقد ينطلق العمل من الوحدات الصغرى إلى نظيراتها الكبرى، وصولا إلى دراسة بنية العمل الأدبي، اعتمادا على لغته» (سليمان، 2004م، ص 18). فهي تدلّ على أجزاء النّص ككلّ متلاحم. فنقطة انطلاقها هي البنية السطحية لإماطة اللثام عن الدلالة الكلية للنص الأدبي.

لهذا، إنّ الأسلوبية «مجموعة من الإجراءات الأدائية، تمارس بها مجموعة من العمليات التحليلية التي ترمي إلى دراسة البنى اللسانية في النص الشعري، وعلاقات بعضها بالبعض الآخر، بغية إدراك الطابع المتميّز للغة النص الشعري نفسه، ومعرفة القيمة الفنية والجمالية التي تستر وراء تلك البنى» (ناظم، 2002م، ص 30).

والهدف من الدراسات الأسلوبية يتغيّر حسب المقوّمات المختلفة في نصّ‌ ما. «فقد يكون الهدف منه تحديد مقومات الكلام العادي في جهة، ومقومات الخطاب الأدبي في جهة أخرى. إنّ تحديد مقومات الخطاب الأدبي دون سواه، انطلاقا من مظانّ الأسلوب، إنما هو في النصوص الأدبية والكتابات الإبداعية، كما قد يكون الهدف منه تحديد ردود فعل المتلقّي إزاء الرسالة اللغوية المتجسّمة في النص المدروس، ثمّ البحث عن دوافع تلك الردود في شكل النّص نفسه» (الكواز، 1426ﻫ، ص 118). فالدراسة الأسلوبية من خلال إلقاء الضوء على بنيات النص من البداية إلى نهايته، تسعى إلى سبر الأغوار التي تسفر عن تلذّذ قارئ النّص به، كمغامرة علمية. هذا كان موجزا لمفهوم الأسلوب والأسلوبية.

وسيرمي هذا البحث إلى دراسة نماذج من شعر لميعة عباس عمارة، من خلال أبرز مستويات الأسلوبية، وهما المستويان البلاغي والدلالي، وصولا إلى ملامح الجمالية في القصيدة، واستكشافا لعلاقة هذين المستويين مع المعاني المستنبطة ضمن الإشارة إلى وظيفة كلّ منهما في النص.

2ـ 1. المستوى البلاغي

يختلف المستوی البلاغي في بناء النص عن المستويات الأخری لأجل لغة الخطاب الموظّفة فيه. فإن لغة الخطاب في المستوى البلاغي يدلّ على «لغة ينتقل بها الأديب من مرحلة التعامل مع اللغة، ومحاولة التفاعل معها، إلی مرحلة السيطرة علی اللغة، وفق أحاسيسه ومشاعره المتنامية، وهو بذلك يوظف اللغة توظيفا فنيا من خلال وسائل خطاب غير عادية، يستطيع بوساطتها أن يدفع المتلقّي إلی تصور ما يريد» (عودة، 1999م، ص 426 ـ 427). ومن أهمّ وسائل الخطاب غير العادية في شعر لميعة عباس، هما التشبيه والاستعارة، واللذان يلعبان دوراً لافتاً في شعرها.

2ـ1ـ1. التشبيه

نلاحظ توظيفا كثيفا لهذه الظاهرة، وذلك لانتقال الوظيفة الفنية المميزة بها عبر المفاهيم الغريبة التصويرية. ففي التشبيه، تتحوّل الصورة الواضحة إلی الصورة الغامضة التي تفيد دلالة عميقة، تحتاج إلى الوعي الذهني والثقافي للكشف عنها. بتعبير أدقّ، أن «التشبيه ينغرس في أعماق الوجدان البشري. فهو أخطر من أن يكون الغرض منه التزيّن والإيضاح. فالتشبيه هو صورة تنبع من أرقی ملكات النفس البشرية، كما أن العلاقة بين طرفي التشبيه، وإن تبدّی فيها الحسّ، في حقيقتها علاقة معنوية، قد لبست لباساً حسياً ذي بعد دلالي وأسلوبي» (حرشاوي، 2016م، ص 229).

ويمكن القول إنّ «التشبيه ليس مجرّد وصف لواقعٍ معطی، كما استقر لدی بعض النقاد القدماء، بل هو وسيلة مفهومية للإدراك أو لخلق الواقع، ويعدّ أداةً مهمّة لبنية النسق التصويري والنشاطات التي نبذلها في حياتنا اليومية، والتّغيرات التي يدخلها إبداع جديد من هذه التصورات في النسق التصويري، تغيّر ما هو واقعي لدينا، وتؤثّر في الكيفية التي ندرك العالم بها» (جريكوس وسليمان، 2017م، ص 141).

لقد وظفّت الشاعرة، التشبيه في شعرها في صورها المختلفة، ومن نماذج هذه التقنية الأدبية، ما نراه في القصيدة المسمّاة بموسم الشجر الملوّن: «تَقَضَّی الصَّيفُ فالشّطّانُ خالي / وَعَزْفُ الريحِ تَرتيلُ / وَمِثْلُ مَواسِمِ الأزْياءِ في باريسَ لِلأشجار، بِالْألوانِ تبديلُ / رُويدا، مثلَ مشيِ الذئبِ / ثمّ يهبُّ منقضّا / هنا تَأتي الفُصُولُ مرتَّبات / مِثْلَما كُنا دَرَسْناها / عجيبٌ أيُّ فوضی نَحْنُ نَحياها / وَكَيفَ اسْتَوْطَنَتْ فينا، وَلِلْجَوِّ حَمَلْناها» (1985م، ص 13 ـ 14).

فالشاعرة تقارن العيش في مدينة باريس والتنعّم بالحريّات والهدوء والطمأنة فيها، بالعيش المعدوم في الوطن الذي أصابه اليأس، والحزن، والكآبة، والانهيار، والفوضى، والاعتداءات الهمجية، والمواقف العنصرية، وبالتالي عدم الأمن، والاستقرار فيه، حيثُ شبّهت تغير لون أوراق الأشجار في باريس بأزياء ملوّنة وجميلة، كما أنّ الفصول هناك تأتي مرتبة وفق الطبيعة المعتادة، وليس أيّ تناقض وتضاد في حدوثها. وهذا التغير والتبدّل في الفصول يدلّ على ابتعاد هذه المجتمعات عن الخوف، والإرعاب، والحرب، وإراقة الدماء لأبرياء الناس.

بتعبير آخر، «یکون لتوظیف باریس دلالة خاصة؛ إذ إنّ الشاعرة تحدثت عن الحبّ وحرية التعبير في هذه المدينة التي يملؤها العشق والحب، وهي إشارة غير خفية لما يمثله الواقع العربي من صورة معكوسة، تكون فيه المرأة مستلبة ومقيدة، والحرية مطوقة بحدود مختلفة ومتعددة» (حسن وشهري، 2021م، ص 347).

فهم يتمتّعون بالحقوق الدينية، والسياسية، والاجتماعية. والحياة والأمل المنشودان يجريان في مثل هذه المدينة، ويتذوّق الناس طعم الحرية، ويحسّون فصولها الأربعة، بعيدين عن التوتر. ونلاحظ تشبيها بليغا جميلا في هذا المقطع الشعري، عندما تشبه الشاعرة صوت الريح بالترتيل، وذلك يعني تلاوة منغّمة للقرآن الكريم، مما يوفّر المتعة لكل من يسمعه، و لو كان غير مسلم[2]

وهناك تشبيه حسي آخر للريح، عندما تشبه الشاعرة هبوب الريح الهادئة بمشي الذئب المحتال، ثم تشبه سرعة هبوبها بهجوم هذا الذئب على الصيد. فهذا التشبيه يدل على أنه لا يمكن الوثوق بهبوب الريح الخريفية. ويمكن القول إنّ الشاعرة بمهارة ذهنية فائقة تصف صورة هبوب الريح في حركتها خافضة رافعة. والشاعرة بواسطة هذه التشبيهات الملموسة في تصوير الفصل الخريف وصوره الجميلة، تشارك المتلقّي، وتؤثّر في نفسه، ليكشف عن المعنى الحديث المختفي وراءه.

 بتعبير آخر، أنّ «التشبيه من الوسائل اللغویة الفنية التي تضاعف من يقظة المتلقّي نحو المعنى، وتكشف عن جوانب من المعنى» (عتيق، 2012م، ص72)، فیجعل المعنی المکنون قريبا من ذهن المتلقّي، ويوفّر له اللذة، ويهدئ نفسه المضطربة في البحث عن المفاهيم المستجدّة.

ونواجه تشبيهاً آخر في قصيدة بغداد أنت: «أُغازِلُ فيكَ شُموخَ الرِّجالِ / وَيَمنَعُني عَنكَ هذا الخَفَرُ / وَأعْلَمُ: حُبُّكَ حُلمٌ مُحال / وَأسْطُورةٌ مِنْ زمانٍ غَبَر / وَحُبُّكَ وهمٌ تَخَطَّی النُّجومَ / وَإضمامةٌ مِنْ ضِياءِ القَمَرِ» (1985م، ص 37).

لقد استخدمت الشاعرة في هذه الأبيات، التشبيه البليغ الذي يدلّ علی الاندماج التام بين طرفي التشبيه. فهي ترى حبَّها لبغداد حلما مستحيلا والوقوع فيه يكون مغامرة خطرة، وإن انتهت إلى الموت والضياع والتبديد، وتشبه هذا الحب الأثيري بأسطورة غريبة، ترسّخت في وجودها منذ أعوام، ولا يمكن نسيانها إلى الأبد، كأنها منحوتة في قلبها العاشق، وتعتبر حبَّها للعراق، الوهم الذي لا يبقى أثره في الأرض، بل يتقمّص دور كائن سماوي، لتكون له مكانة راقية في السماوات العلياء، يهيمن على مكانة النجوم، ويحوّل إلى أيقونة الضوء المنتشرة للقمر الذي يمنح من حوله السخاء، والضياء، والحنان، والابتهاج.

فهي بواسطة هذا التشبيه الجميل، تصوّر حبها للعراق تصويرا رائعا. ورغم أنّها تنتمي إلى ميسان، تعدّ البغداد مسقط رأسها، وتحبّها حبّا جمّا لا يفارقها ولو للحظة، بتعبير آخر «تعود أصول الشاعرة إلى ميسان في جنوب العراق، حيث أنشأ السومريون حضارتهم، لكنها فتحت عينها في بغداد، حتى صارت بغداد، جزءا من حياتها تمثّلها وتدافع عنها. فكان انتماؤها إلى بغداد قويا، بعد أن اغترب أبوها الرسام بعيدا عن العراق، وحين سعت إليه، أدركته؛ لكنه مات بعد الشهرين من ذلك اللقاء. فعاد انتماؤها إلى العراق أقوى. فصار هو الأب والأم والحبيب» (الأسدي ومفتن، 2016م، ص 82).

وفي نهاية المطاف، بواسطة هذه الصور الرائعة، تجذب انتباه المتلقي، وتنشّط ذهنه، وتخلق عالما واقعياً؛ ولكن غير مألوف وعجائبيا لديه، لتعبّر عن مكنونات نفسها حول بغداد وإحساسها الحقيقي غير المزيف له.

2ـ1ـ2. الاستعارة

لقد احتلّت الاستعارة مكانة مرقومة في ديوان الشاعرة، لما توجد الغموض والإبهام في النص، وتجلب الانتباه وإجالة الرويّة في استيعاب المدلولات المستکنّة في أعماق العبارات الشعرية، كما يری الفيلسوف الألماني، هيغل[3]:

أنّ الاستعارة[4]، تشتمل إذا ما أخذناها بحدّ ذاتها، علی جميع خصائصها المرموزة، بمعنی أنّها تعبّر عن مدلول واضح في ذاته، بواسطة ظاهرة مقتبسة من الواقع العيني تشابهه وتمتّ إليه بصلة قربی ‌ما. لكن بينما يقوم في المشابهة بما هي، كذلك انفصال بيّن بين المدلول بحصر المعنی وبين الصورة، لا يكون لهذا الانفصال من وجود في الاستعارة إلّا افتراضيا، ومن دون أنْ يطرح جهاراً .... فالتعبير الاستعاري ليس له سوی وجه واحد، هو الصورة (1979م، ص 151).

إذن، الصورة الخيالية هي آلية مهمة للتعبير الاستعاري في الشعر. بتعبير أدقّ، إنّ «للاستعارة في الشعر قيمة بالغة، بحيث يكاد يستحيل أن يكون الشعر شعراً بغيرها؛ وذلك لأن الشاعر يری بين الأشياء التي تبدو منفصلة لا علاقة لإحداها بالأخری، روابط وصلات، ما ربط بعضها ببعض كانت له استعارة أو تشبيه» (تشارلتن، 1945م، ص 61).

وهذا يعني أنّ الاستعارة والتشبيه روابط منفصلة في الظاهر، ومتصلة بواسطة الدلالة والملابسة. وهذا الذهن المتوقّد هو الذي يستدرك هذه العلاقات الباطنية والجميلة. والاستعارة يعدّ نوعاً من الانزياح الدلالي في الكلام. بتعبير أدقّ، أن «الاستعارة أو تغيير المعنى، هو تحويل "النظام" إلى "التصور". فالصورة هي صراع بين قواعد التركيب وبين التصور المجرد. و"المقال" هو "النظام". والمقال العادي يدخل في دائرة النظام الذي تمشي مع القاعدة، وهو ليس إلا تحقيقا للامكانية الكامنة فيها. أما المقال الشعري، فهو يسير في اتجاه مضادٍّ للنظام، ويبدأ صراع يستسلم خلاله "النظام"، ويقبل أن يتحول» (كوين، 1990م، ص 130).

والشاعرة أكثرت من توظيف الاستعارة المكنية والتشخيصية في شعرها؛ إذ «تمنح اللغة الشعرية خصوصية وميزة إيحائية وتكثيفا للمعنى، وذلك لما لهذه الظاهرة من تأثير جمالي وبعد إيحائي، جعلها بحقّ من أهمّ الانزياحات اللغوية وأخطرها في النص الأدبي، بأنسنتها للأشياء، وإسناد الفعل إليها، لينتج عن ذلك صياغة خاصة لأسلوب الشعر» (ياسين ومصطفى، 2019م، 70 ـ 71).

 ومن أنواع هذه الاستعارات المعقّدة التي تحتاج إلى التروّي، ما نلاحظه في قصيدة للحبّ أغنِّي، عندما تقول الشاعرة: «لَكَ أَنْتَ أُغَنِّي / صَوْتُكَ يَخْتَصِرُ التاريخ إلى أَغْوارِ الصَّمْتِ / تُشْبِهُكَ الدُّنيا ـ تَخْتَصِرُ الكَوْنَ ـ / وَأنْتَ ... خُلاصَتُها أَنْتْ / لِلْبَحْرِ شَبيهِكَ، اكْتُبُ شِعْري / أَتَنشَّقُ مِلءَ الرِئَتَيْنِ عَلَى الشّاطِئِ / سُفُناً لمْ يَدْهَمْها القُرصانُ / وَحورياتٍ وَلآليَ» (1985م، ص 10).

في هذه الأبيات الشعرية، تتكلم الشاعرة عن حبّ حقيقي غير متلوّث بالغدر والغيرة والوحشة وكل الصفات البشعة التي تقدّم وجها قبيحا لهذه التجربة الروحية الأثيرية، وتوظف استعارة تصريحية جميلة، عندما تشبه الإنسان السالك في طريق الحب إلى السفن التي لم يهجم عليها القرصان. والقرصان مدلول لكلّ الأحداث التي تسلب قداسة الحبّ، وتجعلها حبّاً مادّياً رخيصا، لا يُعتدّ به ولا قيمة له، كما أنّها توظّف استعارتين تصريحيتين، هما الحوريات و اللآلي اللتان تدلّان على الطّيب، والطهارة، والقدسية، والمنزلة الحقيقية للحبّ والعاشقين الحقيقيين.

وكذلك نلاحظ استعارة مكنية، عندما تشبه السفن والحوريات واللآلي إلى الأنفس التي تجعل عملية التنفس واستمرار الحياة ممكنة، وفي حالة انقطاعها، تموت الكائنات الحيّة. وهناك استعارة مكنية في عبارة أغوار الصمت، عندما تشبه الصمت إلى الأرض التي لها أغوار، ثم تحذف الأرض، وتضيف إلى الصمت أو المستعار لوازم المستعار له. ولعلّ الصوت المحبّب إليها، يبدي كل الحقائق التي دفنت في خزانات الأسرار.

وكذلك نری الاستعارة البديعة في قصيدتها نوروز في أربيل: «المزنَةُ ألقَت بَعْضَ حُمولَتِها وَمَضَت / فَامْتَلَأَ الوادي بِالماءِ الأَحْمَرِ / وادِي بَسْتُورَةَ يُصْبِحُ شَطّاً أَحْمَرَ / وَعَلَى جَنْبَيْهِ العُشْبُ / تُطرّزُهُ أَلْوانُ ثِيابِ الكُردِيّاتِ / رِئَتايَ العاشِقَتانِ هَواءَكِ يا كُردِستانُ/ كوخٌ في حِضْنِكِ مَمْلِكَتِي، أُمْنِيَتي / أو قَبْرٌ بَيْنَ النَّرْجِسِ أَغْفُو فيه عَلَى عِطْرٍ / فَأنا عاشِقَةٌ مُدْمِنَةٌ حَتَى بَعْدَ الموتِ» (1985م، ص 20 ـ 21).

قد وظّفت الشاعرة استعارة مكنية غامضة، عندما شبّهت عشب وادي بستورة وتنوّع الألوان في هذا الوادي بقماشٍ ملوّن، قام بتطريزه خياط حاذق، تشبه ألوانه ألوان الثياب التي ترتديها النساء الكرديّات. فهذه الاستعارة توحي بالبهجة، والسرور، والأمل، والتفاؤل. والشاعرة قد تمكّنت بإعانة هذه التصاوير الجميلة من تجسيم وحدة أقوام مختلفة في وطنها وصمودهم أمام مكاره الدهر وشدائده، كما وظّفت استعارة مكنية جميلة، عندما تشبه المزنة بالمرأة الحامل التي تلقي بعض حمولتها أو أطفالها في الوادي، ثم تمضي، ويملأ الوادي بالدم، وبالتالي اللون الأحمر الموحي بالفرح، والابتهاج، والنعمة، والحياة. ومثل هذه الصور الموحية والجميلة بمدلولاتها الديناميكية كثيرة جدّا في مختلف صفحات ديوان الشاعرة، إلا أنّنا قدّمنا بعض هذه الصور، للتركيز على الطريقة التي استخدمتها للفك عن شفرات النص.

2ـ2. المستوى الدلالي

المستوی الدلالي يدلّ على الكشف عن الطاقات الشعورية والانفعالات النفسية والإيحاءات الكامنة وراء الألفاظ. وعلم الدلالة يميّز بـ«فرع من فروع علم اللغة، يتناول نظرية المعنی، ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توفّرها في الرمز، حتی يكون قادراً علی حمل المعنی» (عمر، د.ت، ص 11). فالعلاقة بين الدال والمدلول تشبه بعلاقة الرمز وما يرمز إليه، كما يعرّفه جون لاينز[5] هكذا: «يمكن تعريف علم الدلالة مبدئيا، وفي الوقت الحالي علی الأقل بأنه دراسة المعنی. إنّ هذه اللفظة ذات أصل حديث نسبيا، حيث استحدثت في أواخر القرن التاسع العشر من فعل إغريقي» (1980م، ص 9).

بتعبير آخر، أنّ المعنی يؤدّي دوراً هاما في الألفاظ الدلالية، ويبيّن لنا لماذا يستخدم الأديب الألفاظ الغامضة في أثره الأدبي، ولماذا نقوم بالبحث عن كشف المغزى الكامن أو المعنى المختفي وراء هذه الألفاظ. ويمكن القول إنّ مفهوم الدلالة يدلّ علی «أداة اتصال مفيدة في موضوع واحد، وهو بهذا المعنی علامة عملية، ليس الغاية منها تبسيط المادة المدروسة؛ ولكن الغاية منه الإشارة إلی دلالة مخصوصة» (عياشي، 1996م، ص 35)، أو المفهوم المستتر في النص الأدبي. ومن أبرز الإيحات الدلالية في شعر لميعة عبّاس هي: الرمز، واللون، والمونولوج.

2ـ2ـ1. الرمز

الرمز وسيلة لإيصال رسالة خاصة إلی المتلقّي، فتثري هذه التقنية، نصوصهم الشعرية فكرياً وجماليا وتعكس عما يختلج في ذهن منشئ النص. «فإنّ الشاعر حين يتوسل إلی إيصال الأبعاد النفسية والشعورية لرؤيته الشعورية عبر جسور من معطيات التراث وإفرازات الرموز، فإنّه يتوسل إلی ذلك بأكثر الوسائل فعالية وقدرة علی التأثير والنفاذ. هذا، بالإضافة إلی أنّ استخدام الرموز ومعطياتها التراثية يضفي علی العمل الشعري عراقةً وأصالةً، ويمثّل نوعا من امتداد الماضي بالحاضر، وتغلغل جذور الحاضر في تربة الماضي الخصبة المعطاء، كما أنّه يمنح الرؤية الشعرية نوعاً من الشمول والكلية، بحيث يجعلها تتخطّی حدود الزمان والمكان، ويتعانق في إطارها الماضي مع الحاضر» (عشري زايد، 2002م، ص 121). ومن سماته هو الانسجام والتوليف بين الصورة الظاهرية والدلالة المستترة؛ لأنهما من «الثنائيات المضمرة والمعلنة التي تقدّم جمالاً أكثر عن ظاهرة أو موضوعٍ» (عبد الواحد، 1991م، ص 12). وهذا يعني توسيع المعنی الذي يستخدمه الشاعر في الظروف المختلفة.

ومن أنواع الرموز المستخدمة في ديوان الشاعرة، هو الرمز التاريخي أو الرمز التراثي الذي يدلّ علی شخصياتٍ تاريخيةٍ لها انعكاسات لافتة جذرية على المجتمع. بتعبير آخر، أن «الأحداث التاريخية والشخصيات التاريخية ليست مجرد ظواهر كونية عابرة، تنتهي بانتهاء وجودها الواقعي. فإن لها إلى جانب ذلك، دلالتها الشاملة الباقية والقابلة للتجدد ـ على امتداد التاريخ ـ في صيغ وأشكال أخرى. فدلالة البطولة في قائد معيّن أو دلالة النصر في كسب معركة معيّنة تظلّ ـ بعد انتهاء الوجود الواقعي لذلك القائد أو تلك المعركة ـ باقية وصالحة؛ لأنها تتكرّر من خلال مواقف جديدة وأحداث جديدة. وهي في نفس الوقت، قابلة لتحمل تأويلات وتفسيرات جديدة» (عشري زايد، 1997م، ص 120).

فالشاعر يختار من شخصيات التاريخ، ما يوافق طبيعة الأفكار والقضايا والهموم التي يريد أن ينقلها إلی المتلقّي؛ لأنّ «معطيات التراث واستلهاماته التاريخية صورةٌ رامزةٌ للواقع المفعم بهموم القضايا السياسية؛ حيث يخبّيء الشاعر في لوحة التراث لون فكره وخطوط رأيه، وتصبح اللوحة التأثّرية مزيجا لألوان يمتزج فيها الماضي بالحاضر» (عيد، 1985م، ص 223). والشاعرة استوحت شخصيتي أبي فراس وخليل مطران في شعرها، للتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية المختلفة.

ـ أولا، شخصية خليل مطران وملامحها

إنّ شاعر القطرين، خليل مطران، في القرن العشرين، يحظی بأفكارٍ ذات أبعاد اجتماعية وثقافية وسياسية، ويتحلّى بعقائد ثورية في مجال تحرير الوطن، وتكريم المرأة، والنضال، لأجل تحقيق منشوده الضالّ، ويساير واقع حياته وقضاياه، ويعدّ من أصحاب الثورة علی التقاليد والقيود الموضوعة علی الشعر، مثل الأوزان التقليدية ووحدة البيت، أي الجمود الذي اعترى الشعر العربي.

فكان بمثابة الشاعر الذي يحارب الظلم والاستعمار العثماني من خلال شعره؛ لأنّه يعيش في عصرٍ، لم يكن «عصرا مستقرا، بل كان عصراً يجمع النقيضين. فهو عصر الظلمة والنور، وعصر الاستبداد والدستور، وعصر التسلط الاستعماري والكفاح ضدّ الاستعمار، وعصر القوّة والضعف ...» (عطاء، 1959م، ص 13). «فعاهد نفسه منذ حداثته، أن يحارب الظلم والاستبداد من خلال الشعر، فنظم قصائد ثورية، تندّد بالاستعمار العثماني قبل بلوغه سن الثامنة عشرة، وقد وزعت في بيروت، وكانت من دون توقيع، خوفاً من بطش السلطان» (الحاوي، 1978م، ص 72).

فمن الطبيعي، أن تستلهم شاعرتنا زوايا هذه الشخصية المناهضة لمصالح وطنه في شعرها، كما أنشدت وصوّرتها في قصيدتها تحية لخليل مطران: «إيه مطرانُ عَفْوَ يومِكَ / أنْ يُذهلَ فيه عَنْ صَمْتِه الوِجدانُ / إنّما بَعضُ أثرْتَ مِنْ النيرانِ بِالأمْسِ، هذه النيرانُ / وَقليلٌ إذا أريد إلی البركان سعيٌ أن يُسْتَقَلَّ الدخانُ / أنا بِنْتُ النِّضالِ، أرْضَعَني الجُوعُ وَأوهی مَفاصِلي الحِرمانُ / خُضْتُهُ غَضَّةً، ففي كلِّ فَجٍّ مِنْ حياتي، مجری دمٍ وسَنانُ» (1985م، ص 56).

فمطران في هذه القصيدة، رمزٌ لبطولة وتضحية وفداء المناضلين الذين يدافعون عن حقوق وطنهم ومواطنيه، ويضحّون بأرواحهم في سبيل رعاية ترابه. والشاعرة، باستدعاء هذه الشخصية التراثية، تحدو مشاعر العرب إلى النضال والمكافحة، تقول: إنّ شهداء الوطن، هم الذين أوقدوا لهب النيران الذي هو رمز للمكافحة والنضال. فلا بدّ أن تستمرّ هذه المكافحة وتدوم، لتحقيق النصر المنشود، وهي تحذّرهم عن الخمول والاستسلام والتواني أمام الأعداء الظالمين والمستثمرين، وتعتبر ارتفاع الدخان في البركان الذي هو رمز لانطلاق المقاومة، سعيا قليلاً. وبهذا التعبير، تشير إلی لزوم نضج المقاومة واستمرارها في بلادها، للوصول إلی ارتفاع النار في البركان، أي الثورة، وبالتالي الحرية الأبدية والانتصار علی الظالمين، ثمّ تتماهى مع شخصية مطران، وتعبّر عن نزعتها القومية، وتقول: أنا بنت النضال، أي إنّها كمطران تكافح من خلال شعرها، للوصول إلی السلام والحرية في كل البلدان العربية ولاسيما العراق.

ـ ثانيا، شخصية أبي فراس وملامحها

إنّ أبا فراس هو الشاعر المكبّل في قيود الروم، والذي يتريّث ويماطل ابن عمّه، سيف الدولة، الملك الحمداني في أمر الفداء وإطلاق سراحه؛ لكنّه لا يخيب من هذا التسويف والتأجيل، وما برح ينتظر حتى تتحقّق وعود أمير الحمدان، وهو يحسّ بالبؤس والتمرّد، فيعيش حالة القلق والانتظار والتوجّس النفسي. «والقلق من أصعب ما يقال الأسير، فهو لا يعلم متی يتمّ فداؤه، ويتخلّص من أسره، ويعود إلی أهله ووطنه. وهذا ما يمنع عنه الراحة في كل لحظة، ويجعله يحسّ بوطأة الزمن وطوله» (سلامي، 2012م، ص 142). ولكن توظّف الشاعرة توظيفا مناقضا لهذه الشخصية في التاريخ، فتصوّرها مثل شخصية سيف الدولة والواعد الذي يعد دائماً، والذي يتعلّل ويتوانى في الوعد والوصل وإنقاذ الناس وتخليصهم من الشدائد والصعوبات. وهذا التباطؤ في الوعد بالوصل، يذكّرنا بمواعيد كاذبة لسيف الدولة في التاريخ.

فتخلق الشاعرة، المفارقة التصويرية في توظيف الشخصية التراثية، أبي فراس، تقول: «يا واعدا أَفْديكَ واعدُ / مُتِمَهِلّاً وَالعُمْرُ واحدُ / أمُعَلِّلي بِالوَصْلِ، تَقْتَلُني، تُواصِلُ أو تُباعِدْ / تَوقي إليكَ نُبوءَةُ العَرّافِ / ما بَرِحَتْ تُراود / قَلِقي عَلَيكَ تَوَجّسُ اللَّيلاتِ من هِجر الفراقد / أَنْتَ البُطُولَة كُلّها / عَزماً وَأيامَ خَوالدَ / أنتَ الرُّجولةُ كُلُّها / رأيا وأفعالاً شواهدَ / جمّعتَ كلّ مُروءةٍ / وَتَوَحّدَتْ فيك الرَوافدُ» (1985م، ص 68 ـ 69).

والشاعرة مادامت متمنية أن يأتي فارسٌ ملحمي ـ كما تنبّأ به شوقها ـ كأبي فراس، ويحرّر المجتمع من ظلم الطغاة والظالمين؛ لأنّه رمز لكل مناضل أنوف، يضحّي بنفسه لتحرير الوطن. بتعبير آخر، أن حبّ الوطن، ينبض في قلبها، ويغلي في شرايينها. فإنّها لا تريد أن تكون محايدة بالنسبة إلى قضايا وطنها السياسية والاجتماعية، بل تريد أن تساهم في هذه القضايا، وتواکبها نشيطة مؤثّرة. فهي تشعر بآلام الناس والمصائب التي يعانون منها، ولاتزال تنتظر آملة أن يأتي بطل، ينفّس عن الناس کروبهم وأوجاعهم وتوتراتهم، فيمنحهم الحرية، والنجاح، والنشاط، والرجاء، والهدوء، والارتياح.

2ـ2ـ2. اللون

إنّ الألوان في الطبيعة بتنوّعها الغزيرة، قد صبّغت ديوان الشاعرة. فهي وظّفتها بدلالات نفسية. ومنذ الأزمنة القديمة، ترمز الألوان للإيحاءات المختلفة، منها: الخير، والشرّ، والحياة، والموت، والفرح، والحزن و.... فـ«الألوان لا تبدو لنا مجرّد ألوان، تراها العين، بل هي ترتبط بأحاسيس وذكريات سارّة أو مكدّرة. فالأحمر يرتبط بالدم، والأزرق يرتبط بالسماء، والأصفر بضوء الشمس أو الصّيف، والأسود بالحزن، والرمادي بالخريف والاكتئاب» (حيدر، 1984م، ص 211). فكلّ لون له وظيفة خاصة في إرسال رسالة الشاعر إلی المتلقّين، وهو يرسم به لوحات جميلة، وراءها المفاهيم العميقة الباطنية.

و«إنّ اللون، هو لغة اللوحة الخاصّة، بل ربّما اللغة الرمزية التي يستخدمها الشاعر في إبداعه بما يحمل من دلالات غنيّة، كما أن هناك علاقة مكمنها الشعور، تربط بين اللون، واللغة، والفكر، والزمان، والمكان، وهي علاقة إيحائية جمالية، تمنح العمل الفني قيمة جمالية مستقلة ...، لإخراج اللون من مجرّد كونه كلمة أو مفردة أو مجرّد صبغٍ علی الورق تراه العين، إلی أن يكون عالماً واسعا غنياً، يفتح الباب واسعا أمام المتلقّي» (الزهراوة، 2008م، ص 228).

علی سبيل المثال، أن كثرة اللون الأخضر في الأعشاب وأوراق الأشجار المستخدمة في الشعر، تدلّ علی الأمل والتفاؤل والسعادة والأيام السعيدة ونشوة الفرح والانتصار، كما هذا اللون وحده، له دور إيجابي في الدلالة المعنوية وتأثيرها علی المتلقّي. فاللون، بجانب الأدوات الأخری، يشكل لوحة أسلوبية جميلة من خلالها، تبرز ثقافتها العريقة والغنية؛ لأنّ «دفء اللون كدفء الإيقاع، كدفء المعنی، كلها تخلق في العمل الفني طاقة خاصة، وتؤسّس صورة جديدة وجميلة، وتكون لها طاقة مميِّزة، وتؤسس صورة جديدة، ذات مدلولات متغيرة، تصبّها في قالب جديد» (المقالح، 1985م، ص 284).

و«الشاعرات العراقيات المعاصرات وظّفن دلالة اللون الثابتة والمتغيرة في لوحاتهنّ الشعرية، ليعبّرن عن تجاربهن الخاصة وإحساسهنّ إزاء تلك التجارب، ومدی رقّتهن، وعواطفهن، ونوازعهن الوجدانية، وأحلامهن الرومانسية. فجسّد اللون دلالة الإحساس، لا دلالة البصر في نصوصهن الشعرية، فضلاً عن كونه لغةً تعبيريةً لها سحرها الأخاذ في عالم المرأة المتأزم، من قيود المجتمع الشرقي» (البيرماني، 2012م، ص 483).

ونلاحظ توظيفا لدلالة اللون في قصيدة شتاء باريس: «تَتقاصَرُ أشْباحُ الأبْنِيةِ الدَّكْناءِ مِنْ البَرْدِ / تَتَدَثَّرَ باريسُ بِمعطَفِ فَروٍ مِنْ غَيمٍ أشْقَرِ / وَقَلْبٌ أخْضَرُ، وَرَذاذُ المطَرِ الأنْعَمِ مِنْ كَفِّ حَبيبٍ / يلْمَسُ شَعري، خَدّي، شَفَتيَّ، وَأهْدابي / فَأعودُ كَجُنْديٍ منكسرٍ/ لِلْمَنْزِلِ القابِعِ في شارِعِ ريفولي / لِسَريرٍ بِغِطاءِ أحْمَرَ / يتَثاءَبُ مِنْ وَقْعِ خُطايَ / يَتَمَنَّی لَوْ ضَمَّ سِوايَ» (1985م، ص 23 ـ 26).

فـ"الدكناء" في هذه القصيدة تدلّ علی اللون الأسود. واللون الأسود يرمز إلی الظلام والحزن (همام، 1930م، ص 8)، والخوف من المجهول (عبو، 1982م، ص 137). وقد استخدمت لميعة عباس هذا اللون في أبنية باريس. فهذه الصورة دليلٌ علی الرّوع والفزع المسيطرين علی بلاد الغربة؛ إذ الشاعرة تقاسي من الغربة، وتحنّ إلی وطنها، وتزداد همومها تجاه مأساة هذه المسرحية المليئة بالظلام والسواد والعبث واللامبالاة، ثمّ توظف بالحذق والمهارة في السطور التالية، دثاراً من غيم أشقر لباريس. فالأشقر هو من الألوان الفرعية التي تضرب إلی الأحمر والأصفر اللذين يرمزان إلی الغضب والقسوة والخطر (طالو، 1961م، ص 72).

وقد صوّرت الشاعرة بهذا الوصف، إحساسها بالخوف، والضعف، والانهيار، والوحشة، والضياع في المتاهات، والتوجّس، والاضطرابات النفسية التي تعاني منها في مدينة باريس. بتعبير أدق، «تصف لميعة، مدينة باريس الجميلة، بمثابة مدينة الخوف والرعب؛ كما في هذه المدينة، كل الأشياء جامدة وساكنة؛ لأنّها لا تشاهد المشاعر والعواطف الحقيقية في الناس الذين يعيشون في هذا البلد» (زارعي، صديقي وشهري، 1400ﻫ.ش، ص 70)؛ ولكن فجأةً، تشعر أن النور والأمل يتخللان في وجودها، فتقول: قلبٌ أخضر يلمس شعرها، خدّيها ... فكلّ وجودها. وهذا اللون في قصيدتها، يعتبر «رمزاً، يعكس مدی إحساسها بالفرح والحرية» (البيرماني، 2012م، ص 485)؛ و مرة أخری، يغلب عليها الخوف، والوجل، وخيبة الأمل، فتقول: سريرٌ بغطاء أحمر. هذا اللون الذي يدلّ على احتدام الظروف واشتدادها. فهذه الصور تدلّ علی كثرة الاضطرابات النفسية لدی الشاعرة وعدم تحكّمها.

وفي قصيدة عيون المها، نری صورة رائعة لتوظيف اللون الأحمر الذي يختلف عن دلالته على الغضب، والخطر، والتوجّس الروحي؛ لأنّه، في بعض الأحايين، يمكن أن يدل علی الفرح، والبهجة، والسرور. بتعبير أدق، أن هذا اللون «مرتبط بالدم حيناً، وبألوان المسرة حينا آخر، بما فيه من توهّج وحرارة، تنبعث من صوتها الرئيس (الحاء)» (عبد القادر، 2003م، ص 48). «وهو من الألوان الساخنة المستمدّة من وهج الشمس واشتعال النّار والحرارة الشديدة، وهو من أطول الموجات الضوئية» (المصدر نفسه).

فاللون الأحمر، بسبب الطاقات الإيجابية المنبعثة منه، يُوحي بالنشاط الروحي، والبعث، والشوق، والحرارة في بعض قصائد الشاعرة، حيث تقول في قصيدة عيون المها: «لمها الرّصافة في الهوی سِفْرُ / لِعُيونِها يتَفَجَّرُ الشعْرُ / سَهَرَ الضِياءُ عَلَی شَواطِئِها / وَصَحَا عَلَی لَأْلَائِه النهْرُ / وَأثارَت النيرانَ رَعْشَتُهُ / فَتَعَلَّقَتْهُ طُيوفُها الحُمْرُ / تَكْبُو السَمُومُ فَمَا تُقارِبُها / وَتَزُورُها الأَنْسامُ وَالقَطَرُ / وَأبو نُواسٍ سامِرٌ جَذِلٌ / في كَأْسِه تَتَأَلَّقُ الخَمْرُ» (1985م، ص 43).

فتصف الشاعرة في هذه القصيدة، منطقة الرّصافة التي تعتبر إحدی المناطق الجميلة في العراق، كما تقوم بوصف المها التي رمزٌ لعاشق، يموج الهوی في عينيها فور رؤيتها الرّصافة. وربما يمكن أن ترمز المها إلى الشاعرة نفسها التي تتمثل كعاشق حقيقي لوطنها العراق ومناطقها الجميلة. فهي سرعان ما ترى المناظر الجميلة بالرصافة، فينبع الشعر من سويداء قلبها، وتبتهج بالوجد والاشتياق، ثم تقوم بوصف أطياف الضوء، وتمنحها اللون الأحمر الذي يشبه لون حرارة النار المتوهّجة، عند وجوب الشّمس وانعكاس طيفه المرتعش في ماء النهر. فيُوحي هذا اللون بالجذل، والشوق، والحرارة، والحنين. ومن دلالات الفرح والبهجة في اللون الأحمر هو ابتهاج أبي نواس الذي هو رمز لاعتزاز الشاعرة بوطنها العريق وثقافتها ومجدها؛ بأن أبا نواس وكل الأجيال التي تنتمي إلى العراق، يتباهون به ويمجدونه.

ومن دلالة اللون الأحمر على البهجة والسرور والارتياح، ما نلاحظه في قصيدة نوروز في أربيل، عندما تقول: «المُزنَةُ ألقَت بَعْضَ حُمولَتِها وَمَضَت / فَامْتَلَأَ الوادي بِالماءِ الأَحْمَرِ / وادِي بَسْتُورَةَ يُصْبِحُ شَطّاً أَحْمَرَ» (1985م، ص 20 ـ 21).

فكم هو جميل توظيف الماء الأحمر المسكوب في واد یوحي بحیاة ملؤها الفرح، والأمل، والتفاؤل، والأحلام الزاهية، واللهفة إلى المستقبل المضيء.

2ـ2ـ3. المونولوج[6]

المونولوج يدل علی تعبير الشاعر عن ذاته، وعما يدور في مشاعره وأفكاره وعواطفه. فهو ينقل عن هذا الطريق، طبيعة تجربته الإنسانية الصادقة إلی المتلقّين. ومن سماته، هو وجود الطرف الواحد في الحوار؛ لأنّه «أحادي الإرسال يعبّر فيه شخصية واحدة من حركة وعيها الداخلي، في حضور متلقٍّ واحد، متعدد، حقيقي، أو وهمي صامت غير مشارك في الإجابة» (عبد الوهاب، 1997م، ص 52).

فالمونولوج حديث النفس وتقنية، يستخدمها الشاعر بالحذق. ونحن لا نتوقع أيّ الإجابة من المتلقين المرئيّين واللامرئيّين في هذا النوع من الحوار، ويعرّفه أسامة فرحات بأنه: «تكنيك قصصي، يعمل علی تقديم المحتوی النفسي للشخصيات والعمليات النفسية، في اللحظات التراجيدية التي يبلغ التوتر العاطفي، ويتجلّی المونولوج للكشف عن هذا التوتّر؛ إذ تصل تموّجات النفس إلی حالة الهذيان» (د.ت: ص 20). بتعبير آخر، أن المونولوج يتكوّن عادة إثر الآلام النفسية والأوجاع الباطنية.

 وفي شعر لميعة عباس، توجد أمثلة من هذه الظاهرة، فتقول في قصيدة إلی مقاتل في الجبهة: «تَلَمْلَمْتُ / راحَتْ ذِراعِي تَجُسُّ مَكانَكَ / عَادَتْ تُجَمِّعُ حَولي دِثارِي الخَفيف / مَكانُكَ لا هنا / قَدْ تَذَكرَّتُ أنْتَ رَحَلْتَ مَعَ الجَيشِ أمْس / أراكَ، وَمُتْرِبَةٌ جَبْهَةُ الفَارِسِ العَرَبيِّ / وَصَوْتُ القَذَائِفِ يشْحنُهُ بِالرُّجُولَةِ / غَدَا سَأعانِقُ فيكَ البُطولَةَ» (1985م، ص 16 ـ 17).

في هذه المقاطع الشعرية، تری الشاعرة، نفسها امرأةً في ساحة الحرب التي تتحاور مع حبيبها البطل الذي صوّرته بقوّة خيال ووهمها. فهي راحت تبحث عنه؛ ولكنّها لا تجده، وبدأت تخيم عليها الهزيمة والانكسار والحرمان؛ لأنّها أفقدته. فتتذكرّ أنّه مقاتل في المعركة ويغزو الأعداء، وتطلق عليه فارسا عربياً وبطلاً، وتشجّعه علی التجاسر واقتحام العدوّ اللدود، وتشيده بجبهته المتربة التي هي رمز للنضال المقدس والشجاعة أمام صوت القذائف وهجوم المعتدّين علی بلادها.

فهي من خلال هذا الحوار الداخلي، تتكلّم عن خوفها وتوترها النفسية أمام فقدان حبيبه، حين يقاتل، ويستشهد في الحرب. ويمكن القول إن الشاعرة تعاني من الاضطرابات النفسية، وتستخدم الحوار الداخلي، لتصوّر مكنونات نفسها، وبالتالي لتؤثّر على المتلقّي، وتخلق بواسطة هذا الحوار جوا مشحونا بالحزن والهمّ والقلق، وتساهم المتلقّي في شعورها بالخوف والوحدة أو في فخرها بالمقاتلين والمجاهدين في سبيل الوطن. وبهذه الهمسات الباطنية، تتقمّص النساء اللواتي أصبح أزواجهنّ مناضلين من أجل الأمن والهدوء والسلام في الوطن، فيعتبرون أيقونة الجرأة والرجولة والبطولة.

وفي قصيدة لعبة السفر، نلاحظ توظيفا آخر لهذه التقنية، عندما تقول الشاعرة: «سافرتُ / ثمَّ ماذا / أَقَمْتُ في الفَنادِقِ الكَبيرةِ / طُفْتُ مَعَ السُّياحِ في الأَسْواقِ وَالمتاحِفِ الكَثيرَةِ / جَلَسْتُ في المقْهَى عَلَى الرَّصيفِ ... / ثمَّ مَاذا؟ / رَقَمٌ أنا في الفُنْدُقِ الكَبيرِ / مُعَلَّقٌ في عُرْوَةِ المفْتاحِ / وَحيدَة في صَمْتي المريرِ / لا فَرقَ بَينَ العَصْرِ وَالصَّباحِ / وَلُعْبَةٌ خَطيرةٌ كُنْتُ أُحِبُّها، اسْمهُا السَّفَرُ / وَها أنا بِلا ظِلٍّ / كَنَجْمٍ تائِهٍ في رَحْبَةِ السَّماءِ» (1985م، ص 79 ـ 81).

وفي هذه المقاطع الشعرية، نلاحظ الحوار الداخلي للشاعرة، عندما تحس بالتشرّد والضياع والدوخة في المتاهات؛ كأنّها تبحث عن حالة ثابتة مستقرة في نفسها، رغم أنها لا تجدها، وإن سافرت من بلد إلى بلد آخر. فطالما هذا الفردوس المفقود تزعجها، وإن الشاعرة تفتقدها. وفي هذا الحوار الداخلي مع نفسها، نرى شيئا من الحزن العميق، والتفاهة، والعبثية، والكآبة في كيان الشاعرة، عندما تقول: "لا فرق بين العصر والصباح" أو عندما تكرر اللفظ الاستفهامي: "لماذا"، ويمكن القول، حتى هذه اللعبة الخطيرة التي تروقها الشاعرة، أي الرحلات، لا تسعفها في إيجاد ما تفتّش عنه منذ زمن طويل.

ولهذا، يصيبها اليأس، والفشل، والشكّ، والتساؤل عما لا فائدة منه. وهذه الحالات النفسية تنمّ عن النزعة التشاؤمية عند الشاعرة؛ لأنّها متشائمة من الحياة، ومنهكة في محاولاتها الفاشلة للبقاء في هذا العالم العابث. ولعبة الشعر في شعرها تدلّ على المخادعات الكثيرة، والقنوط، واليأس للشاعرة، كما أنّها تحس نفسها وحيدة تائهة. ويمكن استدراك هذا الشعور بالخيبة واليأس والعبثية من خلال المحاورات النفسية والأسئلة التي لا تحتاج إلى الجواب الحقيقي، بل نلاحظها للتأنيب وللتقريع. فهي اختارت السفر للبحث عن الذات وأعماق وجودها، ولا لتوفير اللذّة والمتعة، رغم أنها لا تجدها، وتشعر بالملل والسأم تجاه هذا السفر المحايل.

 

الخاتمة

تطرّقنا في هذا البحث، إلى موضوع الأسلوبية الأدبية في لمحات من شعر لميعة عبّاس في المستويين البلاغي والدلالي، ووصلنا إلی هذه النتائج:

ـ تعبّر الشاعرة باستخدام أسلوبي (التشبيه والاستعارة)، عن مكنونات نفسها. ونری الاستعارات الفذّة في هذا المجال. كما نواجه الصور المبهمة في الاستعارة، ولاسيما الاستعارة المكنية في شعرها، مثل: تشبيه صوت الريح في هبوبها إلى حركة الذئب المحتال، عندما تمشي بالتريث، ثم ينقضّ على الصيد. وهذه التعابير الغامضة في التشبيه والاستعارة، تعين الشاعرة علی إيصال رسالتها المختفية إلی المتلقين، مثل: عدم الحرية وانتهاك حقوق الناس في البلدان العربية، وذلك عندما تقارن بين الفصول في البغداد وفوضويتها والفصول المرتبة في باريس، وهي تعبّر عن حبّها العميقة لموطنها بغداد، الحبّ الأثيري الذي لا يمحو من قلبها، والحب الإنساني الذي لا تلوّث ساحته المقدسة قضايا مادية تافهة. فتشبه هذا الحب بالأسطورة العريقة والوهم الراقي وأيقونة القمر. كما يمكن القول إنّ التشبيهات والاستعارات الموظّفة في شعرها تدلّ على الحركة والحيوية والنشاط، وبالتالي البهجة والسرور والتفاؤل.

 ـ ونواجه الآليات الدلالية، كالرمز، واللون، والمونولوج في شعر الشاعرة. وتستخدم الشخصيتين: مطران وأبا فراس كالرمزين التاريخيين في شعرها. فمطران رمزٌ لبطولة المناضلين وتضحية المجاهدين الذين يدافعون عن حقوق وطنهم ومواطنيه. وأبو فراس رمزٌ بديلٌ عن شخصية واقعية لأبي فراس. فإنّه يدلّ في التاريخ على أسير في المجتمع، ينتظر مواعيد سيف الدولة لإطلاق سراحه؛ ولكنّ لميعة عبّاس بواسطة تقنية المفارقة التصويرية، استخدمته كالمنجي والمنقذ الذي يأتي ويخلّص مجتمعها من قيد الطغاة والأجانب، رغم التباطؤ والتمهّل في هذا الوعد. ويمكن القول إنّ توظيف الرمز في شعرها قليل بالنسبة للتقنيات الأسلوبية الأخرى.

ـ والألوان تدلّ علی التناوب والاضطراب النفسي لدی الشاعرة. فتارة تدلّ على الكآبة، والحزن، واليأس، مثل: اللون الأسود في الأبنية الدكناء، وتارة أخرى تدلّ على الاضطرابات النفسية والخوف والتوتّر، مثل: اللون الأحمر في الغطاء الأحمر أو الغيم الأشقر، وثالثة تدلّ على البهجة، والتفاؤل، والارتياح النفسي، مثل: اللون الأخضر في القلب الأخضر، واللون الأحمر في الطيوف الحمر، والماء الأحمر.

ـ ومن خلال تقنية المونولوج، تتكلّم الشاعرة عن أعماق نفسها، وتخاطب المتلقّين. فتصوّر جوا مشحونا بالتوتّر والقلق والاضطرابات النفسية، وبالتالي تخلق التصاوير الحيّة والديناميكية، كأنّنا أمام منظر حيٍّ، نشاهد هذه الصور عن قريبٍ، ونلامسها، ونشمّ روائحها في الفضاء. كما هذه التقنية الأدبية تارة تدلّ على الدعوة إلى النضال والمكافحة من أجل تحرير الوطن، وتارة ترمز إلى اليأس، والفشل، والحنين، والعبثية، والنزعة التشاؤمية للحياة. فهي بواسطتها تبحث عن الهوية المفقودة، وتحاول أن تجدها.

ـ يتجاوب أسلوب لميعة عباس مع رؤيتها الشعرية، ولاسيما الوطن وقضاياه السياسية والاجتماعية. وهذه الدراسة تكون قسما من الدراسات اللسانية، ولاسيما الأسلوبية في ديوان لميعة عبّاس. فالنص يفسح المجال أمام المتلقّي، ليقرأه من زوايا متعدّدة، ويمكن دراسة شعرها من الجوانب الأسلوبية أو اللسانية المتنوعة في البحوث الأخرى.

 

[1]. Roland Barthes

[2]. رغم أنّ لميعة عباس تنتمي إلى الطائفة المندائية الصابئية، وتخضع لهذا الدين، إلا أنها قد استخدمت هذا التعبير المختصّ بقراءة القرآن الكريم في شعرها.

[3]. Hegel

 

[5]. John Lyons

[6]. Monologue

Abbas, L. (1985). If the fortune teller had informed me (2nd ed). Beirut: Arab Institute for Research and Publication [In Arabic].
Abdul Vahed, L. (1991). Inculcation and modernization in the Arabic poetry. Journal of Arabic Language and Literature, 82, 350-362 [In Arabic].
Abdol ghader, A. (2002). Color and its dimensions in the pre-Islamic period poetry [Master Thesis, An-Najah National University] [In Arabic].
Abv, F. (1982). The Knowledge of art composition. Milano: Dar-al-fann [In Arabic]
Ahmad, F. (2004). Stylistic-Theoretical entry and applied research. Cairo: El- Adab Publishing House [In Arabic].
Al-Asadi, S., & Moften, A. (2016). The homeland in Lamia Abbas’s poetry. Journal of Linguistic and Literary Studies, 9, 81-142 [In Arabic].
Al-Birmani, F. (2004). The Semantic of the color in the Feminist Iraqi Modern Poetry. Al-Ustath Journal, 4, 481-498 [In Arabic].
Al-Covaz, M. (2005). The knowledge of concepts and Adaptations (1st ed). Benghazi: University of the Seventh of April in Libya [In Arabic].
Al-Hawi, I. (1978). Khalil Mutran: The pioneer of contemporary poets. Beirut: Dar-Al-Kitab-Al-Lubnani [In Arabic].
Al-Maghaleh, A. (1985). The rhythm of the blue and red color in the music of modern poetry. Al-Marefah Journal, 2, 284-299 [In Arabic].
Al-Masdi, A. (1977). Stylistics and style. Tunisia: El-Dar El Arabeya for Book [In Arabic].
Al-Sultani, A. (2017). The female cultural sense in Lame`ea Abbas Imara`s poetry. Journal of Education for Human Sciences, 34, 247-295 [In Arabic].
Al-Zahrawe, M. (2008). Color and its semantic in Jordan poetry (1st ed). Amman: Dar-Al-Hamed Publishing [In Arabic].
Ata, M. (1959). Khalil Motran. Cairo: Dar al-ma’arif [In Arabic].
Ateeq, O. (2012). Rhetoric between authenticity and modernity (1st ed). Amman: Dar-Osama for Publishing & Distribution [In Arabic].
Ayashi, M. (1996). Linguistics and semantics (1st ed). Halab: Center for the Growth of Civilization [In Arabic].
Ayashi, M. (2002). Stylistics and discourse (1st ed). Halab: Center for the Growth of Civilization [In Arabic].
Barthes, R. B. (1985). Writing degree zero (M. Barada, Trans.) (3d ed). Rabat: Library of the Dominican Institute for Oriental Studies. https://doi.org/10.2307/1772438
Charlton, H. B. (1945). The art of literary study (Z. Mahmud, Trans). Cairo: Publishing and Compilation Commission.
Cohen, J. (1990). Structure Du Language poetique (A. Darwish, Trans). Cairo: The General Organization of Culture Places.
Eshri Zaied, A. (1997). Calling old characters in the contemporary Arabic poetry. Cairo: Dar al-fekr [In Arabic].
Eshri Zaied, A. (2002). About the structure of the contemporary Arabic ode (4th ed). Cairo: Ibn Sina Book Shop Printing, Publishing, and Distribution [In Arabic].
Farahat, O. (n.d.). The monologue between drama and poetry. Cairo: General Egyptian Organization [In Arabic].
Harshavi, J. (2016). Stylistic properties in the Tramps poetry: A case study in Shanfara poetry [Doctoral Dissertation, Oran Univrsity] [In Arabic].
Hasan, M., & Shahri, A. (2021). The formation of the image of a woman by the regional and global heritage use in the poetry of Lamia Abbas Amara and Forugh Farrokhzad: A comparative research. Journal of Basra Researches for Human Sciences, 1, 336-359 [In Arabic].
Hegel, G. W. F. (1979). L'art symbolique, l'art classique et l'art romantique (G. Trabeshi, Trans.) (1st ed). Beirut: Dar al-taliaa.
Heidar, K. (1984). Engraving and colors. Baghdad University Press [In Arabic].
Homam, M. (1930). The color (1st ed). Al E’timad Printing Press [In Arabic].
Jericus, T., & Mohammad, S. (2017). Defamiliarization and the form of simile in Amal Abul-Qassem Donqol’s poetry. Albaath University Journal, 32, 132-155 [In Arabic].
Lyons, J. (1980). Semantics (M. Masheta, H. Faleh & K. Bagher, Trans). Basrah: University of Basrah Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781139165693 [In Arabic].
Nasser, V. (2017). Lamia Abbas’s poetry: Semantic research [Master Thesis, University of Kufa] [In Arabic].
Nazem, H. (2002). Structure of stylistics (1st ed). Dar El Beida Unite [In Arabic].
Odat, Kh. (1999). The levels of rhetorical discourse in the poetic text. Journal of Al-najah University, 2, 425-449 [In Arabic].
Omar, M. (n.d.). Element of semantic. Kuwait: Dar-al-orouba [In Arabic].
Salloum, S. (2016). The image of man in Lamia Abbas’s poetry. The Fourth Scientific Conference, pp. 313-341 [In Arabic].
Shamisa, S. (1994). Generalities of stylistics (1st ed). Tehran: Ferdos Book Publication [In Persian].
Talu, M. (1961). Engraving and colors. Damascus: Atlas library [In Arabic].
Zareei, F., Seddighi, B., & Shahri, A. R. (2021). Comparative research on ancient water pattern in the poems of Lamia Abbas Amara and Forough Farrokhzad. Razi University Journal, 11(41), 61-84. https://doi.org/10.22126/JCCL.2020.3622.1911 [In Persian].