نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 استاديار گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه فردوسي ـ مشهد

2 دانشجوي دکتراي زبان و ادبيات عربي دانشگاه بوعلي سينا ـ همدان

المستخلص

يعدّ محمد مهدي الجواهري آخر الشعراء الکلاسيکيين الجدد الکبار في الأدب العربي، ويمکن اعتبار شعره حلقة اتصال بين الشعر الکلاسيکي والشعر الحديث. مع أن شعر الجواهري نظم في الشکل الکلاسيکي، إلا أنه هيأ الأرضية للتغييرات الجذرية في الشعر العربي، ونستطيع القول بأن موسيقى شعره خير دليل على هذا التحول التدريجي.
يمکن دراسة شعر الجواهري من الوجهة الموسيقية في ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى کان الشاعر تابعاً للطريقة الکلاسيکية تماماً، وجميع مقومات قصائده الفنية يجسّم لنا شعر العصر العباسي.
أما في المرحلة الثانية، فيحصل الشاعر على تجارب جديدة في استعمال الأوزان العروضية، ويسعى إلى تقريب موسيقى شعره إلى حاجات العصر ومقتضياته أکثر فأکثر.
وفي المرحلة الثالثة يمشي في طريق الابتکار والإبداع، ويحاول مجاراة أسلوب «الشعر الحر».
فالجواهري، وإن لم ينجح في تکسير القالب الکلاسيکي التقليدي للقصيدة العربية، إلا أنه استطاع أن يهيئ المجال للتحول والتغيير في موسيقى القصيدة ومضامينها.
ونحن في هذه المقالة نتناول مراحل التطور الموسيقي لشعر الجواهري بالدرس والتحقيق، ونذکر ميزات شعره في کل مرحلة؛ وأيضا نبين أهم العناصر الموسيقية في شعره.
 

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Music in Al Jawaheri Poetry

المؤلفون [English]

  • Marzieh Abad 1
  • Rohollah Mahdian Torghabeh 2

1 Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Mashhad.

2 PhD Candidate University of Bu-Ali Sina.

المستخلص [English]

Mohammad Mahdi Al-Jawaheri is considered the last big neoclassical poet in the Arabic literature and his poetry can be considered as a connection between classical and new poetry. Although it was composed in the classical frame, his poetry prepared a field for making substantial changes in Arabic poetry. Meanwhile, the music of Jawaheri's poetry can nicely be the reminder of this gradual development. His verse can be musically viewed through three stages. In the first stage, the poet is completely the follower of classical style and all the technical properties of his odes are the reminder of the poetry of Abbasi era. But in the second stage, he gets some new experiences on the application of prosodic rhythms and tries to approach the music of his verse to the time needs and requirements. Finally, in the third stage, he steps on the innovation and creativity and tries to go along with the "free verse" flow.
Although Jawaheri could not squash the classical and traditional frame of ode, he could prepare a field for change and conversion in the music and theme of Arabic verse. This paper has studied the stages of musical development of Jawaheri's poetry and the properties of each stage, as well as the most important musical elements in his poems.
 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Jawaheri
  • the music of verse
  • prosody
  • Imitation
  • innovation

المقدمة

فی أواخر الأربعینیات، بعد الحرب العالمیة الثانیة والتغییرات الواسعة التی ترکتها فی مختلف المجالات فی العالم العربی، حدثت ثورة فی الشعر أیضاً. فی هذه الفترة الحاسمة من تاریخ الشعر العربی ارتفعت أصوات التجدید من العراق ــ خاصة فی أعمال نازک الملائکة والسیاب والحیدری ــ لتصل الجهود السابقة فی سبیل الإبداع والتجدید فی القصیدة العربیة إلى نتیجة، ویتصل الشعر العربی فی فترة قصیرة إلى العالم المعاصر.

الشعر الحرّ أو شعر التفعیلة لم یکن تجدیداً فی الشکل الإیقاعی فحسب، بل کان ثورة واسعة النطاق؛ حیث کسر البنیة التقلیدیة ونظام الأبیات الجافّ لیضع القصیدة العربیة أمام تیّارات جدیدة، ویقرّبها من الأدب العالمیّ الحدیث.

هذه الثورة العارمة تتصل بها أسئلة هامة؛ منها: لماذا حدثت هذه الثورة فی العراق؟ وما الأسباب التی أدت إلى انتقال ریادة الشعر وزعامته ــ فی الخمسینیات والستینیات على الأقل ــ من مصر إلى العراق؟

للإجابة عن الأسئلة علینا أن نرجع إلى العوامل المولدة لهذه الثورة، وأیضاً نراجع حیاة الشعراء العراقیین المتجددین.

لا شک أننا نستطیع البحث عن جذور هذا التحول الکبیر فی الشعر الکلاسیکی الجدید، خاصة فی شعر محمد مهدی الجواهری، آخر عمالقة الشعر الکلاسیکی؛لأنه کان یحظى بسهم أوفر فی تقریب القصیدة الکلاسیکیة من القیم والحساسیات المعاصرة.

ولد الجواهری عام 1899 م وتوفی سنة 1997 م. وکان لمدة سبعین سنة مشغولاً بقرض الشعر؛ حیث ترک الشاعر مجموعة ضخمة من القصائد، تلک التی نستطیع أن نعدها حلقة الاتصال بین الشعر الکلاسیکی والشعر المعاصر فی الأدب العربی.

تتناول هذه المقالة مسار تطور شعر هذا الشاعر الکبیر من الناحیة الموسیقیة بالدرس والتحقیق، کما یدرس فیها سمات کل مرحلة من مراحل هذه التطور، لتبیّن الدور الهامّ للشاعر فی تقریب الشعر الکلاسیکی من العالم المعاصر والشعر الحدیث.

بدأ الجواهری بنشر قصائده من أوائل العشرینیات، ولم یزل یشتغل بکتابة الشعر ونشره حتى أوائل التسعینیات. فی هذه الفترة الطویلة من تاریخ الشعر العربی المعاصر، حصل الشعر العراقی على إنجازات کثیرة، لکن «الجواهری یداوم فی طریقه مستقلاً أو شبه مستقل، ولا یتأثر بهذه الإنجازات على الظاهر، ولم یزل یُنتج نماذج من الأدب القدیم اللامع» (السامرائی، 1980م، ص 125).

من جانب آخر، لیس من المعقول والممکن أن تظل قصائد الشاعر بعیدة عن التأثر والتغییر والتجدید فی هذه الفترة الطویلة؛ لأن القصیدة فی هذه الحالة تفقد قیمتها الإنسانیة والفنیة، مع أن إیقاع قصائد الجواهری کان فی إطار البحور العروضیة القدیمة، وکان بمعزل عن الثورة الکبیرة التی حدثت فی بنیة الشعر العربی وشکله الموسیقی فی أواخر الأربعینیات، لکن السمات الفنیة لشعره ــ منها الموسیقى الشعری ــ خضع فی هذه الفترة للتغییر والتجدید إلى حدّ ما. إذاً علینا أن نقسم هذه الکمیة الهائلة من القصائد ــ التی نظمت فی فترة غیر قصیرة ــ على أساس الفن الشعری والسمات الموسیقیة، حتى نتمکن من تتبع سیر التطور والتجدید لفن الشاعر فی مراحل حیاته المختلفة.

على هذا الأساس راجعنا دیوان الشاعر، ودرسناه وطالعنا آراء النقاد والباحثین عن مراحل تطور شعر الجواهری؛ فاستطعنا أن نقسم شعره على أساس سماته الموسیقیة إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة النزعة الکلاسیکیة، التی تشمل أعمال الشاعر حتى عام 1927م؛

المرحلة الثانیة: مرحلة الاضطراب والازدواجیة فی استخدام البحور العروضیة والمقوFمات الفنیة الأخرى للقصیدة، وهذه المرحلة یستمر من 1927م  حتى 1940م؛

المرحلة الثالثة: مرحلة محاولة السیر فی طریق التجدید، وتشمل ما نظم الشاعر فی الأربعینیات والخمسینیات وما بعد ذلک. فی هذه المرحلة یسعى الجواهری أحیانا أن یتحرر من القالب الکلاسیکی، ویکتب «الشعر الحرّ» أو شیئاً یشبهه.

غلبة النزعة الکلاسیکیة

المرحلة الأولى من تطور شعر الجواهری یشتمل على فترة من أوائل العشرینیات حتى عام 1927 م. هذه المرحلة کانت بدایة شاعریة الجواهری. لا شک أنه کتب الشعر قبل هذه الفترة، ولکن لم تکن تتجاوز أشعاره حدود النجف والمناسبات المحلیة. فی هذه المرحلة بدأ الشاعر بانتشار قصائده فی الصحف العراقیة، وأحیاناً أثار بعض ما کتبه الجدال بین العلماء والأدباء (الجواهری، 1988م، ص 107).

کان روح الشاعر قد امتزج مع قصائد الشعراء الکبار کالمتنبی والبحتری والشریف الرضی وأبی العلاء، والشعراء الکلاسیکیین الجدد کشوقی وحافظ والزهاوی والرصافی. إذن کان من الطبیعی أن یحاول فی الخطوة الأولى أن یجاری هؤلاء الشعراء الکبار ویعارضهم، حتى یجد بذلک مکانة بین الکبار. ولنفس السبب اتسمت الموضوعات وکذلک الموسیقى فی قصائده بالسمة الکلاسیکیة. فی کثیر من هذه القصائد لا یمکن تمییز شخصیة الشاعر؛ لأنه یقلد ألفاظ الشعر القدیم ومعانیه وموسیقاه، حتى فی الغزل الذی یتوقع القارئ أن یجد فیه أثراً عن روح الشاعر وعصره وبیئته لا یرى فیه شیئاً غیر أصداء الغزل القدیم وألفاظه وموسیقاه المعروفة.

فإن راجعنا سبعاً وتسعین قصیدة کتبت فی هذه المرحلة، نصل إلى الإحصائیة التالیة:

الطویل:26، الکامل:19ومجزوءه:7، المتقارب:8، الوافر:7، الرمل:7 ومجزوءه:3، الخفیف:5 ومجزوءه:1، البسیط: 4، السریع: 4 ومخلعه: 1 ، المجتث :2 ، الرجز: 2 ومجزوءه: 1.

نرى فی هذه الإحصائیة أن بحر الطویل أکثر البحور العروضیة استعمالاً فی هذه المرحلة، ویصل إلى 26 قصیدة تشمل 3/27% من کل قصائد المرحلة. ولا نجد هذه النسبة فی شعر الکلاسیکیین الجدد الذین درس شعرهم إبراهیم أنیس، إلا فی شعر البارودی (أنیس،1972م، ص 199ــ 208). کانت هذه الإحصائیة على أساس عدد القصائد طبعاً، ولو قامت على أساس عدد الأبیات ــ کما فعل أنیس ــ لکانت نسبة بحر الطویل أکثر من هذا بلا شک.

کان الطویل مع إیقاعه الرّصین الفخیم یستعمل فی الشعر الکلاسیکی کثیراً. فمعظم القصائد القدیمة الخالدة قد نظمت فی هذا البحر، وغلبة الطویل فی هذه المرحلة من شعر الجواهری تدل بوضوح على أنه ینزع إلى الکلاسیکیة أکثر من الشعراء الکلاسیکیین الجدد الآخرین. یقرب الشاعر فی قصائده من بحر الطویل فی هذه المرحلة إلى البارودی أکثر منه إلى شوقی أو غیره من الشعراء الکلاسیکیین الجدد: «یبدو فی هذه الأشعار سمات الشعر الکلاسیکی القدیم وصیاغته وموسیقاه بوضوح؛ حتى یوجد خلالها بعض الاقتباسات الحرفیة أیضاً» (جبران،2003، ص 78).

هنا نذکر نماذج من شعر الجواهری فی القوالب الکلاسیکیة من بحر الطویل:

أغالِبُ فیک الدَّهرَ لَوکانَ یسمَعُ ... (الجواهری، آ 1982م، ص 62)؛

وإنّی وإن کنتُ القَلیلَ حُماتُهُ ... (السابق)؛

أغَرَّک منّی فی الرَّزایا تَجَلُّدی ... (المصدر نفسه)؛

أ أن عَنَّ فی جُنحِ الدُّجى بارِقُ الحِمى ... (المصدر نفسه)؛

حَمامَةَ أیک الرَّوضِ ما لی وما لَکِ ... (السابق)؛

ولَیلٍ دَجوجیِّ[1] الحواشیّ سَعرتُهُ ...(المصدر نفسه، ص 67)؛

لَئِن شَکرَ الصُّبحَ المُحِبّونَ إنَّنی ... (المصدر نفسه، ص 75)؛

أقولُ وقَد شاقَتنیَ الرّیحُ سَحرَةً ... (السابق، ص 148).

ومما یجدر بالإشارة أن سمات التقلید الموجودة فی قصائد الطویل لا تشمل جمیع قصائد هذه المرحلة، کما لا تشتدّ شدّتها فی قصائد الطویل، بل نجد فی دیوانه قصائد استخدم فیها الشاعر الأوزان القصیرة، خصوصاً مجزوء البحور، ویخرج أحیاناً من الصیاغة الغالبة فی المرحلة، ویتحرّر من طغیان بحر الطویل:

یا إخوَتی کلُّ الذی أمَّلتُموهُ بَدَدُ

نَصیبُکم من کلِّ ما شَیدتُموهُ النَّکدُ

تَتَرَّکوا ، تَأرمَنوا، تَنَکلَزوا ، تَهَنَّدوا

أو لا فَإنَّ عِرضکم ومالَکم مُهَدَّدُ

(الجواهری، ب1982م، ص  206).

ربما لا یعتبر الشاعر مثل هذه القصیدة شعراً جادّاً، وربما تبدو فی نظره رکیکة واهنة، لکن ما یهمنا هنا أن مثل هذه الأشعار مع إیقاعها القصیر والسهل تختلف تماماً عن الصیاغة السائدة فی هذه المرحلة.

وللشاعر قصیدة أخرى تعدّ استثناءً فی هذه المرحلة مع سیطرة النزعة الکلاسیکیة، وهی قصیدة «الشاعر». تختلف هذه القصیدة التی کتبت عام 1924م عن رؤیة الشاعر وأسلوبه الشعری فی هذه المرحلة، وموسیقاها وألفاظها تختلف عن سمات الجواهری الفنیة فی أوائل العشرینیات، حتى قال الدکتور مصطفى بدوی (1975م) فیها: «إنها تعبیر عن رؤیة للشعر أقرب إلى الرومانسیة» (ص 64):

لا أریدُ النّای إنّی حامِلٌ فی الصَّدرِ نایا

عازِفاً آناً فَآناً بالأمانی والشَّکایا

...تَرقُصُ الفِتیانُ إن غَنَّیتُ فیه والفَتایا

هو وِردی فی صَباحی وصَلاتی فی المسایا

یعتبر الجواهری فی المقطع الثانی من هذه القصیدة الشاعر إنساناً یرى بعینه أسرار الوجود، ویموت غریباً فی نهایة الأمر:

... شاعراً أدرکه الموتُ غَریباً فی الزّوایا

سَبَرَ الأفقَ بعین أدرَکت منه الخفایا

فانبرى[2] یوحی إلى النّاس من الأسرار آیا

ثم أغفاها وفی النفس مُیولٌ ونوایا

(الجواهری، آ1982م، ص 141ــ 142)

ولکن هذه القصائد المعدودة کانت إشارات عابرة، ولم تکن مؤثرة فی نزعة الشاعر الکلاسیکیة السائدة على صیاغة شعره وموسیقاه ومضمونه. هذه المرحلة تقلیدیة وکلاسیکیة تماماً، ولیس للقصائد المکتوبة فیها کبیر قیمة، إلا باعتبارها مرحلة البدایة لشاعریة الجواهری؛ أی مرحلة تدریب القریحة الشعریة حتى یتهیأ للمراحل القادمة.

الاضطراب والازدواجیة

تبدأ هذه المرحلة بانتقال الشاعر من النجف إلى بغداد عام 1927 م. فدخل الشاعر فی السنة نفسها بلاط ملک فیصل، وبدأ عمله کموظف فی دائرة التشریفات. ربما یتبادر إلى الذهن أن فترة عمل الجواهری فی البلاط یجب أن تکون تابعة للمرحلة الأولى، أی مرحلة التقلید؛ لأن الشاعر کان موظفاً فی البلاط، وکان علیه على أیة حال أن یماشی الفکر السائد فیه، وأن یمدح الملک بقصائده ویؤید حکمه. وهذا بمعنى تبعیة الشاعر للأسلوب الکلاسیکی فی الفکر والصیاغة والمضامین؛ کما فعل أحمد شوقی فی فترة حضوره فی البلاط، إلا أن النظر فی قصائد هذه الفترة القصیرة (1927 إلى 1930م) یُظهر بوضوح أنها تنتمی إلى مرحلة أخرى. فی قصائد هذه الفترة نرى نوعاً من الاضطراب والازدواجیة فی الرؤیة ، وملالاً وبَرَماً بالحیاة، وهذا یعدّ من سمات شعر الجواهری فی الثلاثینیات.

من الناحیة الموسیقیة نرى أن الشاعر کتب 92 قصیدة منذ وروده إلى البلاط حتى عام 1940م، واستخدام البحور العروضیة فیها کما یلی: الطویل:23، الکامل: 19 ومجزوءه: 3، الخفیف: 15 ومجزوءه: 1، البسیط:15 ومخلعه: 1، الوافر:6، المتقارب: 5، الرمل: 2، والسریع:2 .

فنرى أن بحر الطویل حافظ إلى حد بعید على النسبة التی کان لها فی المرحلة السابقة؛ لأنه فی المرحلة السابقة یشمل 27% وفی هذه المرحلة 23% من کل القصائد، مع أن «بحر الطویل لا یناسب مضامین شعر العصر الحدیث، ولذلک هبطت نسبة شیوعه هبوطاً ملحوظاً فی الشعر المعاصر» (أنیس، 1972م، ص 208)، لکن الشاعر استخدم هذا البحر استخداماً کثیراً فی هذه المرحلة أیضاً. وفی ذلک دلیل على أن الجواهری ظل تقلیدیاً فی غالبیة قصائده فی موسیقاها وبیانها الخطابی. ونظرة أخرى إلى قصائد الطویل فی المرحلة تبیّن أن أکثرها سیاسیة وإصلاحیة، وبعضها فی المدح والرثاء، بینما توجد ستّ قصائد ذاتیة وعاطفیة تدل على تکبّر الشاعر وأنَفته واعتداده بنفسه.

ثم هناک میزة أخرى لهذه المرحلة من الناحیة الموسیقیة، وهی ارتفاع نسبة البسیط والخفیف. کان البسیط فی المرحلة الأولى أربع قصائد من 95 قصیدة، ولکن فی هذه المرحلة ارتفع إلى 16 قصیدة من 92. وکان الخفیف ست قصائد من 95، فارتفع إلى 16 قصیدة من 92 أیضاً. والکامل حافظ على النسبة التی کانت له فی المرحلة السابقة، إلا أن هذا البحر لم یبلغ بعدُ حدَّ الغلبة على موسیقى شعر الجواهری فی هاتین المرحلتین، کما هی الحال فی المرحلة الثالثة والشعر الکلاسیکی الجدید عامة (أنیس، 1972م، ص 199 ــ200).

یبدو أن البسیط وقع بمثابة بدیل من الطویل، وارتفاع نسبتها دلیل على بدایة التغییر فی موسیقى شعر الجواهری؛ ذلک التغییر الذی بلغ ذروته فی المرحلة الثالثة، حین ینمحی البحر الطویل تقریباً، ویتبسط البسیط بشکل واضح، وإلى جانبه یظهر الکامل والوافر والمتقارب کورثة لبحر الطویل التی له رصانة ورزانة قریبة من الطویل، لکنها من الناحیة الموسیقیة أسرع وأخف حرکة.

ارتفاع نسبة الخفیف إلى 16% فی هذه المرحلة من شعر الجواهری مما یلفت الانتباه، ویعدّ من سمات التجدید فی شعره؛ لأن هذا البحر مع إیقاعه اللّیّن والخافت أکثر تناسباً مع الأغراض المعاصرة. وإذا نظرنا فی هذه القصائد، نجد أن ألفاظها سهلة حلوة بعیدة عن الخشونة والتعقید غالباً، «حتى یمکن أن یعدّ کثیر من مقاطعها من الأشعار المتجددة، ولا تکاد تختلف عن الشعر الرومانسی عند محمود حسن إسماعیل، أبوالقاسم الشابی، وعلى محمود طه مثلاً» (أنیس، 1972م، ص 200ـ201).

رأینا أن قصائد الطویل تهیّء الأرضیة للتقلید، وارتباط الشاعر مع الشعر القدیم فی الموسیقى والمفردات والصیاغة. ومن جانب آخر، القصائد الکثیرة التی أُنشدت فی الکامل والبسیط والوافر والخفیف خاصةً، نماذج واضحة من محاولة الشاعر للتجدید فی جمیع المقومات الفنیة للقصیدة. هذین القطبین فی الفن الشعری عند الجواهری فی هذه المرحلة دلیل آخر على ازدواجیة الرؤیة واضطراب القیم الفنیة والموسیقیة لدیه.

 

المحاولة فی مسیر التجدید

من أوائل الأربعینیات تبدأ المرحلة الثالثة؛ أی مرحلة النضج فی شعر الجواهری. فی هذه الفترة نظم الشاعر أجود قصائده السیاسیة والوطنیة وأشهرها، التی بها بلغ قمّة فنّه الشعری، فذاع صیته فی العراق والعالم العربی.

فی أواخر الأربعینیات استجاب الشعر العربی فی العراق ثم فی العالم العربی کلِّه للمتغیرات الأساسیة فی الموضوع والأسلوب. انکسر الإیقاع التقلیدی للشعر الکلاسیکی، وحدثت ثورة شاملة فی جمیع مقومات القصیدة الفنیة. هذه الثورة الشاملة التی سمّتها نازک الملائکة «الشعر الحرّ» بدأت فی العراق، وقام بتوسیعها وتنمیتها شعراء کالسیاب والملائکة والبیاتی والحیدری.

أما الجواهری، فلم یستطع الأخذ بهذا الأسلوب؛ لأنه کان فی أواخر العقد الرابع من عمره، ومنذ ثلاثین سنة قد کتب الشعر بالموسیقى والإیقاع الکلاسیکی، فرسخت جذور الکلاسیکیة فی کیانه. من جانب آخر کان یرى الشاعر نفسه ملزماً بالاتصال مع الجماهیر، ولذلک کلّه «لم یستطع التخلص من الموسیقى الجامح للشعر الکلاسیکی، والرکوب على أمواج الشعر الحرّ الذی لایوافق مزاجه وثقافته أصلاً، ولا یضمن صلته الحمیمة مع الجماهیر» (علوان، 1975م، ص 283).

إن الشاعر حاول أحیاناً أن یخرج من هذه الموسیقى التقلیدیة، إلا أن ما نظمه فی هذا المجال نوع من التجریب والاختبار، ولم یبعد عن موسیقى الشعر الکلاسیکی کثیراً؛ لذلک لم یواصل الشاعر هذا الأسلوب الشعری الذی لم یخلق له. ونتیجة هذه المحاولات فی مسیر التجدید قصائد تشبه الموشّحات، تظهر فی الدیوان على شکل أشطر متوالیة عمودیاً، تقوم کل بضعة أشطر من هذه الأشعار على قافیة واحدة، ویکتب کل مقطع منها فی یمین الصفحة أو یسارها، لیوجد نوعاً من التضاد بین البیاض والسواد فی الصفحة.

فی الواقع لم یحدث فی هذه القصائد تجدیداً یذکر، إلا تغییر الشکل التقلیدی والمألوف فی کتابة القصیدة وتنویع القافیة. کتب الشاعر خمس قصائد بهذا الشکل الذی کان حصیلة سفرته إلى باریس عام 1948م (الجواهری، ب1982م، ص 5ـ16 وص 324ـ341).

وأیضاً تعد من محاولات الشاعر فی مسیر التجدید «قصیدة الظلام» (المصدر نفسه، ص 116ـ126)، و«أطفالی وأطفال العالم» (المصدر نفسه،ص 340ـ350)، وقصیدته المطوّلة «عالَم الغد» (الجواهری، د1982، ص 334ـ350)، ولکن الشاعر ــ کما أسلفنا ــ مع جمیع محاولاته لم یستطع أن ینفخ روحه العاطفیة فی هذا النوع من الشعر، ونرى

أن موسیقى هذه القصائد تعانی من الرکاکة والفوضى، وصیاغتها رخوة؛ کأن شاعرها لیس نفس الشاعر الذی أنشد تلک المطولات الفریدة. کان «باریس» أول قصیدة من هذا النوع:

تعالیتِ باریسَ ... أمَّ النِّضال

وأمّ الجمالِ وأمّ النَّغَم

تَذَوَّبَ فَوقَ الشِّفاهِ الألَم

وسالَ الفُؤادُ على کلِّ فَم

تَضیعُ الحَرارَةُ بَینَ الوِصال

وبَینَ التَّنائی وبَینَ المَلال

کأنّکِ شَمسُکِ بَینَ الجبال

تُغازِلُ حینَ تَلوحُ القِمَم

وتَبدو الغُیومُ لها من أُمَم

فَتَخفى کما یتَخَفَّى النَّدَم

هذا الموشّح الذی قصد الجواهری أن یسایر به جریان التجدید،کان شعراً ضعیفاً رخواً لا تقوى على توعیة التدفق وإبداع الصور الغنیة کما یوجد فی الشعر الکلاسیکی، ولا یحمل من سمات التجدید إلا تنویعَ القافیة» (السامرائی، 1980م، ص125).

وأغرب من ذلک أن الشاعر حاول أن یختبر حظّه فی حقل «الشعر الحرّ» أیضاً، ونجد فی دیوانه خمس قصائد من هذا النوع: «الشیخ والغابة» (الجواهری، ج1982م، ص 234ـ236)، «زوربا» (الجواهری، د1982م، ص 100ــ104)، «وشاح من الورد » (المصدر نفسه، ص 266ـ268)، « یا حبیبی» (المصدر نفسه، ص 315)، و«کالیجولا» (المصدر نفسه، ص 316ــ321)، إلا أن معظم هذه القصائد أقرب إلى الشکل الکلاسیکی فی مبناها الموسیقی، وذلک رغم مجیء الجمل الإیقاعیة فی أکثر من سطر، ورغم التنویع فی القوافی، حتى إنه استخدم فی قصیدة واحدة مثل «زوربا» البحرین الرمل والکامل. أما قطعة «یا حبیبی» من هذه القصائد، فأکثر تشابهاً بالشعر الحرّ:

یا حبیبی ! لَستُ وَحدی / أنا والغُربَةُ والوَحشَةُ / والرَّأسُ عَلَیه من نَدیفِ الثَّلج / ما یهزَأ بالموقَد فی قَلبی مَشبوباً / کعَهدی ... وأنا ابنُ الخمس والعشرین عاماً / یتَلَظّى بالصَّبابات / ضَراماً وغَراماً ...

غیر أنها کما رأینا ، قطعة قصیرة جدّاً ولا یقاس علیها.

القصیدة الأخرى هی «الشیخ والغابة» التی تبدو محاولة جادّة فی سبیل کتابة «الشعر الحرّ». نظمها الشاعر فی أواخر الخمسینیات حینما کان هذا الشکل الجدید قد احتلّ صفحات المجلات والصحف، واعتُرف به کالموسیقى السائدة للشعر فی تلک الفترة. تظهر هذه القصیدة فی الدیوان على شکل أسطر متفاوتة الطول، وتبدو فی النظرة الأولى کأنها شعر حرّ حقیقة، إلا أننا بعد الدقة وإمعان النظر نفهم أنها إذا کتبت بشکل آخر، لا تختلف عن الشعر الکلاسیکی فی شیء. وهذه ظاهرة توجد فی التجارب الأولى لکثیر من الشعراء المجددین.

لا یمکننا هنا إیراد القصیدة بأکملها، لذلک نکتفی بالأسطر العشرة الأولى منها، ثم نرتّبها من جدید حتى یظهر لنا اقترابها من الشکل الموسیقی الکلاسیکی:

ورَأى الشَّیخُ ظِلالَ الغابة الدَّکناءِ[3] ... / أشباحاً تَلوحُ / بَعضُها یعصُرُ بَعضاً ... / فتمنّى لو یَروحُ / ثُمَّ غامَت[4] صُوَرٌ / رَدَّتهُ کالهِرَّة ... / أسیانَ[5] شَجیّا ! / آهِ لوکانَ فَتیّا / آهِ لورُدَّت إلیه ...! / آهِ ممّا فاتَ شَیّا !

والآن إذا نکتب کل جملة موسیقیة فی سطر واحد، یکون کالآتی :

ورأی الشیخ ظلال الغابة الدکناء أشباحاً تلوح، بعضها یعصر بعضاً، فتمنى لو یروح. ثم غامت صور ردّته کالهرة أسیان شجیاً. آه لو کان فتیاً! آه لو ردّت إلیه! آه مما فات شیاً!

نعم، لا شک أن الأسطر والأبیات فی الترتیب الجدید غیر متساویة، وهذا الأمر یدوم حتى آخر القصیدة، إلا أن موسیقى هذه القصیدة یمکن اعتبارها ــ فی أحسن الأحوال ــ مرحلة وسطى بین الشکل الکلاسیکی و«الشعر الحرّ».

على أیّة حال، هذه المحاولات للخروج عن الموسیقى الکلاسیکی تعد ظاهرة هامشیة فی دیوان الجواهری، لا من حیث عدد القصائد فقط، بل ومن حیث فنّها الشعری أیضاً. هذه المحاولات فی الواقع تشیر إلى الروح السائدة على الأدب العراقی فی الخمسینیات، بحیث إن شاعراً کبیراً من المدرسة الکلاسیکیة الجدیدة کالجواهری أیضاً یسعى فی تجریب هذه «الموضة» الجدیدة، رغم أنها تختلف تماماً عن مزاج الشاعر وثقافته وما کتبها قبل ذلک من القصائد.

طبّق الشاعر الشکل الکلاسیکی فی جمیع أشعاره ماعدا القصائدَ الهامشیة المعدودة التی ذکرناها. وفی الأسلوب الکلاسیکی نفسه یبیّن الشاعر رؤیته الجدیدة، وهکذا بقی بعیداً تماماً عن الثورة الکبرى التی حدث فی الشکل الموسیقی للشعر العربی فی أواخر الأربعینیات.

قد کتب شاعرنا فی هذه المرحلة 105 قصیدة، وهی تنقسم من حیث الموسیقى على النحو الآتی: الکامل:27 ومجزوءه: 13، المتقارب:16، الوافر: 11، البسیط: 9 ومخلعه:1، الخفیف: 7ومجزوءه: 1، الطویل:7، الرمل: 6 ومجزوءه: 1، الرجز: 1 ومجزوءه 2، والهزج: 1.

الملاحظة الأولى الجدیرة بالذکر فی هذه المرحلة هی انحسار الطویل إلى حد بعید. فنسبة الطویل کانت فی المرحلة الأولى 27% وفی المرحلة الثانیة 23% وفی هذه المرحلة 6%. فی الحقیقة کانت قصائد الطویل فی کل من المرحلتین الأولى والثانیة مساویة لقصائد الکامل ومجزوءه فی کل منهما، أما فی هذه المرحلة، فقصائد الطویل سبعة فقط، بینما تبلغ قصائد الکامل ومجزوءه 40 قصیدة، ولو کانت الإحصائیة على أساس عدد الأبیات، لکانت نسبة الطویل أقل بکثیر؛ لأن کل القصائد المکتوبة فی بحر الطویل یتضمن 328 بیتاً فقط؛ أی أقل من أبیات قصیدتین مطوّلتین من البحر الکامل. فانحسر الطویل وانمحى شیئاً فشیئاً، لیمثّل ابتعاد الشاعر عن الأسلوب الکلاسیکی فی الرؤیة والفن الشعری.

من ناحیة أخرى، نرى أن بحر الکامل یهیمن على قصائد المرحلة بشکل واضح، ویشکل حوالی 38% منها. إذن یمکن اعتبار «الکامل» الموسیقى المسیطرة على شعر الجواهری فی هذه المرحلة؛ حیث یستخدم الشاعر هذا البحر تاماً مع موسیقاها الهادرة المتدفقة فی المناسبات الکبرى والهامة، ومجزوءاً مع لیونته وتحرکه حینما تخفّ الغضب الثوری، وینصرف الشاعر إلى السخریة والتقریع قبال خصومه، کما یستفید من مجزوء الکامل فی خیبة الآمال وفی الأزمات أیضاً.

هکذا کتبت أکثر قصائد الشاعر المشهورة والخالدة فی هذه المرحلة فی بحر الکامل؛ منها «ذکرى أبو التمن» (الجواهری، ب1982، ص 214ـ219)، و«یوم الشهید» (المصدر نفسه، ص 285ـ295)، و«سِر فی جهادک» (الجواهری، ج1982م، ص 36ـ44)، و«هاشم الوتری» (المصدر نفسه، ص 20ـ26)، و«إلى الشعب المصری» (المصدر نفسه، ص 45ـ53).

ونرى مجزوء الکامل أیضاً فی قصائد مثل: «ألقت مراثیها الخطوب» (الجواهری، ب1982، ص 200ـ204)، و«أطبق دجى» (الجواهری، ج1982م، ص 29ـ32)، و«معروف الرصافی» (المصدر نفسه: ص 68ـ73)، و«تنویمة الجیاع» (السابق، ص 74ـ79) ، و«الدم الغالی» (المصدر نفسه، ص 94ـ97)، و... .

بحر المتقارب أیضاً ازدادت نسبته من 5% فی المرحلة السابقة إلى 15% فی هذه المرحلة، وهذا الارتفاع مما یلفت النظر أیضاً؛ حیث «یمثّل موسیقى المتقارب بأجزائه المتقاربة المتلاحقة مزاجَ الشاعر العجول، أوغضبه الثائر» (جبران، 2003م، ص 162).

ومن قصائد المرحلة المشهورة فی هذا البحر: «المقصورة» (الجواهری، ب1982م، ص 248ـ260)، و«آمنت بالحسین» (المصدر نفسه، ص266ـ269)، و«الیأس المنشود» (المصدر نفسه، ص 240ـ242)، و«أطل مکثاً» (السابق، ص320ـ323)، و«یا دجلة الخیر» (الجواهری، ج1982م، ص 279ـ290) و... .

وخلاصة القول أن التحول فی رؤیة الشاعر لم یستطع أن یحمل الشاعرَ على کسر الموسیقى التقلیدی، والتخلی عن لهجته الخطابیة فی التندید بالاستبداد والاستعمار وتحریض الجماهیر، إلا أن هذا التحول فی رؤیته أدى إلى التغییر فی استخدام الموسیقى الکلاسیکی؛ أعنی انحسار بحر الطویل الرزین المتثاقل، وازدیاد نسبة بحر الکامل، بإیقاعه السهل الدافق، والمتقارب بإیقاعه العصبی، إلى جانب البحرین الرصینین البسیط والوافر، ازدیاداً ملموساً.

 

أهم العناصر الموسیقیة فی شعر الجواهری

إضافة إلى البحور الخطابیة التی أشرنا إلیها، یستفید الشاعر من عناصر موسیقیة أخرى، خصوصاً فی قصائده السیاسیة الشهیرة حتى یرقى بإیقاع قصیدته إلى أقصى درجات الصراحة واللهجة الخطابیة.

1ــ القافیة: من هذه العناصر الموسیقیة وأبرزها وأقواها «القافیة». فالقصیدة مهما کانت طویلة ــ مثل القصائد الکثیرة التی تزید عن مائة بیت ــ لها قافیة واحدة على الطریقة الکلاسیکیة إلى نهایة القصیدة دون التکرار أو استعمال الألفاظ الغریبة، بحیث یخیَّل إلى الإنسان أن الشاعر استخرج جمیع ألفاظ اللغة فی تلک القافیة . کذلک یتخیر الجواهری فی الأغلب رویّاً سهلاً معروفاً عند أسماع المخاطبین؛ مثل الدال والمیم والنون والهمزة، وقلّما شاهدنا أنه استخدم رویّاً غریباً أو صعباً مثل الطاء والزای والغین، إلا لإظهار البراعة والقدرة فی صوغ القوافی.

2ــ التصریع: إن قصائد الجواهری تفتتح غالباً بمطالع مصرَّعة، بل نجد التصریع أحیاناً فی بدایة المقاطع أو فی ثنایاها، لیعزز موسیقى القصیدة وخطابیتها. ففی قصیدة «ستالینغراد» (الجواهری، ب1982م، ص 168ـ173) مثلاً ما عدا المطلعَ نجد عشرة أبیات مصرّعة، فی بدایة کل مقطع منها أو فی ثنایاها. وفی قصیدة «یوم الشهید» (الجواهری ج1982م، ص 24) أیضاً تبدأ المقاطع الثلاثة الأخیرة بأبیات مصرّعة.

3ــ القافیة الداخلیة: فی کثیر من الأحیان یستخدم الشاعر القافیة الداخلیة فی غیر العروض والضرب من البیت؛ کأنما هذه الظاهرة تأتی عفویة غیر متعمدة، وفی غیر الفواصل الموسیقیة المألوفة:

تَستَلُّ[6]   من أظفارهم وتَحُطُّ من

 

أقدارهم وتَثُلُّ[7] مَجداً   کاذباً
 
 

 (الجواهری ج1982م، ص 42)

أصفى[8] فَلا   عَودٌ ولا إبداء
 
 

 

وخَوى[9] فَلا   دَلَجٌ[10]   ولا إسراءُ
 
 

وهفا[11]   فَخَیلُ الحادثات تَدوسه
 
 

 

وتَدوس کلَّ بَطیئَةٍ   عَجلاءُ
 
 

(السابق، ص 62)

إن نَندفع فَبعَفوٍ   من نوازعنا[12]
 
 

 

أو نرتدع فَبمحضٍ   من نواهینا
 
 

فَما نُصابح إلّا   مَن یُماسینا
 
 

 

ولا نُراوحُ إلا   مَن یُغادینا
 
 

(السابق، ص 151).

المطلع المصرّع والقافیة فی آخر البیت، والأبیات المصرّعة فی ثنایا القصیدة، والقافیة الداخلیة فی البیت الواحد أو فی الأبیات المتتالیة کل ذلک یرتفع بموسیقى القصیدة إلى أعلى مستوًى من اللهجة الخطابیة المؤثرة فی المخاطب.

4ــ التساوق: من العناصر الموسیقیة الأخرى البارزة فی قصائد الجواهری السیاسیة «التساوق». ونعنی بالتساوق أن یأتی الشاعر فی البیت بجملتین متساویتین فی الطول والمبنى النحوی؛ بحیث ینشأ تماثل موسیقی محسوس بین شطری البیت. وهذه الظاهرة أیضاً یعزّز موسیقى البحر الأصلی تعزیزاً:

بَدا لَهُ الحَقُّ عُریاناً فَلَم یَرَهُ
 
 

 

ولاحَ مَقتَلُ ذی بَغی فَما ضَرَبا
 
 

 (الجواهری ب1982، ص 190)

ذُعِرَ  الجَنوبُ  فَقیلَ : کیدُ خَوارِج 

 

وشَکا الشِّمالُ فَقیلَ:   صُنعُ جِوارِ
 
 

 (المصدر نفسه، ص 217)

الفَقرُ إذ طُرُقُ الغِنى مَفتوحَةٌ

 

والبُؤسُ إذ غَدَقُ[13]   النَّعیم جَواری
 
 

 (السابق، ص 218)

نجد فی قصائد الجواهری مئات الأبیات من هذا النوع. هذا التساوق الإیقاعی یکون فی غالب الأبیات تردیداً للمعنى الواحد بألفاظ مختلفة، فیفید تأکید المعنى وتثبیته فی أذهان المخاطبین (العطیة، 1989م، ص147):

فَالوَعیُ بَغیٌ، والتَّحَرُّرُ سُبَّةٌ[14]

 

والهَمسُ جُرمٌ، والکلامُ حَرامُ
 
 

 (الجواهری، ب 1982م، ص 289)

وقد یتجاوز التساوق الإیقاعی أحیاناً الجملتین الموسیقیتین، وینقسم البیت إلى ثلاثة أجزاء:

فَکرامَةٌ یُهزى بها، وکرامَةٌ یُرثى لَها، وکرامَة تُستامُ (المصدر نفسه).

 وأحیاناً یأتی فی أکثر من بیت واحد:

والمَجدُ أن تُهدی   حیاتَک کلَّها
 
 

 

لِلنّاسِ لا بَرَمٌ[15]   ولا إقتارُ[16]
 
 

والمَجدُ أن یحمیک مَجدُک وَحدَهُ
 
 

 

فی النّاسِ لا شُرُطٌ[17]   ولا أنصارُ
 
 

 (الجواهری، ب 1982م، ص 55)

5-التکرار: العنصر الفنّیّ الآخر فی تعزیز موسیقى القصیدة الجواهریة هو التکرار، ونعنی به تکرار لفظ أو أکثر فی فواتح الأبیات أو الأشطر المتتالیة. تسمی نازک الملائکة (1962م) هذا النوع من التکرار «التکرار البیانی» (ص 51)؛لأنه یؤکد المعنى، وهذا التکرار یلائم بالطبع شعر الجواهری الخطابی والسیاسی، وکثیراً ما استخدم فی قصائده السیاسیة:

أتَعلَمُ أنَّ جراحَ الشَّهید

 

مِنَ الجوع تَهضِمُ ما تَلهَمُ[18]؟

(السابق، ص 280)

ماذا یضُرُّ الجوعُ؟ مَجدٌ شامخ

 

أنّی أظلُّ مَعَ الرَّعیة ساغبا[19]

أنّـــــی أظلُّ مَعَ الرَّعیة مُرهَقاً

 

أنّی أظلُّ مَعَ الرَّعیة لاغبا[20]

(الجواهری، ج1982م، ص 24)

 

آمَنتُ إیمانَ الحَجیجِ   بقَصده

 

فَهُناک لی جَدَثٌ   على البَیداءِ
 
 

آمَنتُ إیمانَ النَّهارِ بشَمسه

 

فَـلَــقَـد غُمـرتُ بنورِها الوَضّاءِ

آمَنتُ إیمانَ الدِّماءِ بنَفسها

 

فَأنا الصَّبیغُ بِها صَبــــاحَ مَساءِ

(المصدر نفسه، ص 15)

هذه الألفاظ والتراکیب المکررة تشکل فی کثیر من قصائد الشاعر السیاسیة فواتح المقاطع المختلفة فی القصیدة، «فتقوم عنصراً مبنویاً فی قصائده الطویلة، خاصة بالإضافة إلى وظیفتها الإیقاعیة الواضحة» (الدجیلی، 1972م، ص45).

 6ــ المحسّنات اللفظیة والمعنویة: أما العنصر الموسیقی الآخر الجدیر بالذکر، هو التوافق الصوتی بین لفظین فی البیت الواحد من القصیدة. هذه الظاهرة تشمل الجناس والمشاکلة وردّ العجز على الصدر وأمثال ذلک، بقطع النظر عن الصلة المعنویة بین الطرفین؛ لأن ما یهمّنا هنا هو التوافق الصوتی بینهما فقط. والجمیل فی صیاغته أن الشاعر لا یغالی فی هذا النوع من البدیع، ولا یفدی بصیاغة الشعر ومضمونه فی سبیل هذه المحسّنات، بل یستخدمها فی ثنایا القصیدة عفویّاً منسجماً مع جوّ القصیدة. « فهذا النوع من البدیع یسبّب الروعة والجمال فی القصیدة بقدر ما یعزّز موسیقى الشعر» (جبران، 2003م، ص 170):

وتَعَطَّلَ   الدُّستورُ عَن أحکامه

 

مِن   فَرطِ ما ألوى به الحُکّامُ

(الجواهری، ب 1982م، ص 288)

جئتَ   الوزارةَ لَیلَةً ونَهارَها

 

فَرَأیتَ   کیفَ تَراکمَ الأوزارُ

(الجواهری، ج1982م، ص 55)

بتأثیر کل هذه العناصر الموسیقیة استطاع شعر الجواهری أن یصل إلى موسیقى خطابیة نادرة، وهی صدىً لنضاله الوطنیّ فی هذه الحقبة الحاسمة من تاریخ العراق المعاصر.

 

النتیجة

1ــ دراسة موسیقى الشعر السیاسی للجواهری تکشف عن حقیقة، وهی أن الشاعر طوال سنوات اشتغاله بکتابة الشعر یحاول دائماً فی تقریب شعره إلى الحیاة العربیة المعاصرة ومشاکلها وقضایاها الکبرى؛

2ــ ونستطیع أن نرى محاولات الشاعر فی مسیر التجدید، وتنسیق سمات شعره الفنیة مع الحیاة المعاصرة فی التغییرات الواضحة فی أوزان قصائده فی کل مرحلة من مراحل حیاته الشعریة؛

3ــ مع أن الجواهری لم یستطع التخلص من قیود الوزن والقافیة الکلاسیکیة، ولم یوفق فی إیجاد تغییر جذری فی إطار الموسیقى للشعر القدیم، إلا أننا یمکننا القول بأنه من الذین هیّأوا الأرضیة لحرکة التجدید فی الشعر العربی المعاصر؛

4ــ فقد صبّ الجواهری الحیاة السیاسیة والاجتماعیة لأبناء عصره فی القالب الکلاسیکی بشکل رائع وبمهارة فائقة، وأبدى فی عمله براعة لا یُتصور أن یبلغ شاعر آخرُ هذا المدى فی الارتباط الوثیق مع جماهیر الناس وقضایا بلده السیاسیة والاجتماعیة؛ ولذلک یعتبره الشعراء الکلاسیکیون الجدد نموذجاً کاملاً من مدرستهم؛ کما یعدّه الشعراء المجددون مَعلماً لهم وممن هیّأ الأرضیة للشعر العربی الجدید. الشاعر الذی دنا بالشعر الکلاسیکی إلى قیم العالم العربی المعاصر

1ــ أنیس، إبراهیم. (1972م). موسیقى الشعر. القاهرة: مکتبة  الأنجلو المصریة.

2ــ جبران، سلیمان. (2003م). مجمع الأضداد، دراسة فی سیرة الجواهری وشعره. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

3ــ الجواهری، محمد مهدی. (آ1982). دیوان الجواهری. (ج 1). (ط 3). بیروت: دار العودة.

4ــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (ب 1982) . دیوان الجواهری. (ج 2). (ط 3). بیروت: دار العودة.

5ــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (ج 1982) . دیوان الجواهری. (ج 3). (ط 3). بیروت: دار العودة.

6ــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (د 1982) . دیوان الجواهری. (ج 4). (ط 3). بیروت: دار العودة.

7ــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1988م). ذکریاتی. (ج1). دمشق: دار الرافدین.

8ــ الدجیلی، عبد الکریم. (1972م). الجواهری شاعر العربیة. النجف الأشرف: مطبعة الآداب.

9. السامرائی، إبراهیم. (1980م). لغة الشعر بین جیلین. (ط2). بیروت:المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.

10. العطیة، جلیل. (1998م).  الجواهری شاعر من القرن العشرین. ألمانیا: منشورات الجمل.

11. علوان، على عباس. (1975م).  تصویر الشعر العربی الحدیث فی العراق. بغداد: وزارة الإعلام.

12. الملائکة، نازک صادق. (1962م).  قضایا الشعر المعاصر. بیروت: مکتبة النهضة.

13. بدوی، مصطفى. (1975م). «الجواهری، آخر عمالقة الشعر العربی»، (20/3/2007). http://www.jawahiri.com