نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 استاديار گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه تربيت معلم تهران

2 دانشجوي دکتراي زبان و ادبيات عربي دانشگاه تربيت معلم تهران

المستخلص

اتصل حافظ إبراهيم الملقّب بـ«شاعر النيل» بالشيخ محمد عبده، وتأثر بآرائه في أشعاره؛ وکما کان متأثراً بالشيخ، کذلک تأثر بتلاميذه وبعض أدباء مصر مثل: إسماعيل صبري ومحمود سامي البارودي.
تقوم هذه الدراسة بتبيين وجوه تأثيرات الشيخ على أشعار حافظ؛ ولذلک بحثت في مؤلَّفات الشيخ، وديوان شاعر النيل، وقارنت بينهما، وذکرت آراء الشيخ وأشعار حافظ ليرى القارئ هذا التأثير وذاک التأثر. ولإثباته ذُکر بعض الأقوال المتناثرة في الکتب المختلفة، وشُرح بعض الأقوال الموجزة فيها.
إنّ هذه التأثيرات تظهر في مجال الحجاب والزکاة والشورى والإصلاح الديني والجهاد والتسامح الديني والتوسل إلى أنبياء الله X وأوليائه $ وزيارة أضرحتهم. إنّه في هذه المجالات يردّد نغمات الشيخ، ويؤکد على آراء الشيخ في الحجاب، فيدعو إلى ترک النقاب، ويرى أنه ليس من المشروعات الإسلامية. کما يريد من الأغنياء أن يساعدوا البؤساء بأموالهم؛ لأن للبؤساء حقّاً في أموالهم. کذلک يعتبر الزکاة من أهم أرکان الإسلام، وأيضاً ينوّه بالشورى، ويعلّل قوة الإنجليزيين لقيامهم بالشورى والتعاون فيما بينهم. کذلک يمدح محمد عبده لما قام به من تنزيه الدين من الخرافات والأوهام.
کان حافظ إبراهيم مستنکراً ما يتعارض مع الدين من البدع والعادات والضلالات، ويطلب من الشيخ أن ينقذ النفوس الضّالّة. إنّه يدعو أبناء شعبه إلى الجهاد مع المحتلّين بما يملکون، ويرى أنّ الإسلام دين يدعو إلى الوحدة، ويرضى بمجاورة المسلمين مع المخالفين في العقيدة؛ ولذلک يريد من المسلمين والمسيحيين أن يتّحدوا.
 

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Effects of Mohammad Abdu’s Thoughts On Hafiz Ibrahim’s Religious Poems

المؤلفون [English]

  • Ali Pirani Shal 1
  • Ahmad Omidvar 2

1 Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, Tarbiat Moalle

2 PhD Candidate University for Tarbiat Moallem.

المستخلص [English]

Abstract
Hafiz Ibrahim is one of the famous Egyptian poets who were influenced by Sami al-Baroodi
and Ismail Saberi in his poetry and in his religious poems by Sheikh Mohamad Abdu's
Thoughts. These effects are displayed in the fields of veil, charity, consultation, religious
reform, Jihad, religious leniency and petition. According to Hafiz, the problem of society is
people's lack of religious values. He encourages people to help the poor and praises charity.
He asks Moslems and Christians not to highlight religious differences and be united. Hafiz
Ibrahim in these poems is affected by Abdou's thoughts although his own ideas have had
their own place
 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Hafiz Ibrahim
  • Mohammad Abdu
  • Mahmud Sami al-barudi
  • Ismail Sabri
  • religious values * Assistant

المقدمة

کان الشعراء فی الجاهلیة ألسنة قبائلهم، وذوی الرأی فیهم، ویلجأ الناس إلیهم فی الحروب والنکبات. وکان الشعر دیوان سجلّ فضائل القبیلة ومفاخرها، کما کانت العرب تفخر بأشعارها، وتعدّ ذلک من أبرز محاسنها.

إنّ بزوغ شمس الإسلام أثّر فی الشعرالعربی آنذاک تأثیراً عظیماً، وفی حین اشتدّت المعرکة بین الإسلام والکفر، دخل الشعر هذا الصراع؛ فوقف فریق من الشعراء إلى جانب الرسول &، ونصروا الحق، وفریق آخر وقف إلى جانب قریش، ودافعوا عن الباطل.

والقرآن میّز بین الفریقین. ففریق استغل فنّه فیما ینافی هدى الدین وآدابه، وهو الفریق الضّالّ الذی حاربه القرآن؛ وفریق اتجه بشعره نحو العمل الخیر الجمیل. فالشعر فنّ یمکن أن یستخدم فی مواطن الخیر أو الشر؛ فقد جاء ذلک فی قوله تعالى:

«وَالشُّعَراءُ یَتَّبِعُهُمُالْغاوُونَ  µأَلَمْتَرَأَنَّهُمْفیکُلِّوادٍ یَهیمُونَ  µوَأَنَّهُمْیَقُولُونَمالایَفْعَلونَ µإِلَّاالَّذینَآمَنوُاوَعَمِلُواالصّالِحاتِوَذَکَرُوااللهَکَثیراًوَانْتَصَرُوامِنْبَعْدِ ما ظُلِمُواوَسَیَعْلَمُالَّذینَظَلَمُواأَیَّمُنْقَلَبٍیَنْقَلِبُونَª (الشعراء 26: 224ـ227).

أمّا موقف الرسول&  من الشعر، فکان امتداداً لموقف القرآن ومجسِّداً لأحکامه. فلمّا جاء الإسلام، أصبح الشعر الدینی من أهمّ الأغراض الشعریة؛ حیث بدأ الشعراء ینشدون أشعاراً حول عقائد الدین ومثله العلیا، ویدعون إلى التمسک بها. واستمرّ هذا الأمر طوال العصور المنصرمة.

فی العصر المعاصر أیضاً لا یزال یؤثّر القرآن فی الشعر العربی من حیث الألفاظ والمعانی والأفکار والصور والأخیلة. إنّ شاعر النیل حافظ إبراهیم من الشعراء الذین عبّروا فی أشعارهم عن القیم الدینیة،و هو یُعدّ من کبار الشعراء العرب، ولا تزال دراسة أشعاره تشغل بال الباحثین.

لقد تضافرت أسماء المؤلفین الذین کتبوا کتباً ومقالات حول شاعر النّیل، وتُلاحظ من بینها أسماء عباقرة مثل: طه حسین وزکی مبارک والعقاد و... . واهتمّ کثیر من الباحثین بدراسة أشعار حافظ، ورکّزوا على شرح الآراء السیاسیة والاجتماعیة فیها. من ذلک کتب مؤلفین مثل: زکی مبارک وشوقی ضیف وعبداللطیف شرارة ومحمد کرد علی، وبعض الرسائل التی کتبت فی السنوات الأخیرة فی إیران، ولکن الموضوع الذی أغفل عنه الباحثون هو تأثیر محمد عبده فی أشعار شاعر النیل؛ فلذا لم یشیروا إلى هذه التأثیرات، أو یتنبهوا إلیها ولکن لم یؤلّفوا لها بحثاً تامّاً، ولم یهتموا بتحدید معالمها إلا فی القلیل النادر؛ فإنّ خلوّ الحقل الأدبی من الدراسات المتخصصة فی هذا المجال قادنا إلى تألیف بحث عنوانه «تأثیر آراء محمد عبده فی أشعار حافظ إبراهیم الاجتماعیة»[1].

وفی أثناء هذه المقالة تبیّن أنّ تأثیر الشیخ فی أشعار حافظ لا ینحصر فی الآراء السیاسیة والاجتماعیة، بل هناک جانب آخر بقی متروکاً، وینبغی أن یُکتب لها بحث تامّ، وهو جانب الشعر الدینی. فهنا یخطر ببال القارئ هذا السؤال:فی أیّ مجال أو مجالات تظهر هذه التأثیرات؟ فلذا تهدف هذه الدراسة إلى أن تزیل ستراً عن مصدر أفکار هذا الشاعر الکبیر، وأن تجیب عن هذا السؤال بالمقارنة بین آراء الشیخ وأشعار حافظ فی المجالات العدة التی ستُذکر فی الصفحات التالیة؛ ولذلک یحمل هذا البحث مفتاحاً من المفاتیح التی تفتح أبواب أشعار حافظ إبراهیم، ویُنیر جانباً غامضاً من جوانبها.

أهمّ الأشخاص المؤثرین فی أشعار حافظ إبراهیم

تضافرت عدّة عوامل ترکت أثراً فی أشعار حافظ ابراهیم؛ منها فقره وبؤسه وخیبة أمله فی الحیاة وتجاربه الواسعة، ودراسته وثقاقته. إنّ ثقافته الرسمیة کانت محدودة، ولکنه أکملها ووسّع معارفه بالإکثار من قراءة کتب الأدب، وإطالة النظر خاصة فی کتاب الأغانی ودواوین الشعراء من أمثال بشار بن برد، ومسلم بن الولید، وأبی نواس، وأبی تمام، والبحتری وحفظ بعض أشعارهم (ضیف،1961م ،ص 105). کان من مکونّات ثقافته دراسة اللغة الفرنسیة التی کانت تعجبه (المصدر نفسه،ص 94).

اتصل حافظ بأعلام العلم والأدب الذین اشتهروا فی عصره، ونهل من بحار علمهم، وکان له أساتذة یأخذ عنهم ضروباً من العلم والمعرفة وأشهر هؤلاء الأعلام:

1ــ إسماعیل صبری (1854 ــ1923م):

کان حافظ یتردّد على منزل الشاعر إسماعیل صبری، ویلتقی هناک بکثیر من الشعراء أمثال شوقی ومطران وأحمد نسیم وغیرهم (سند الجندی،1992م، ص 82). وکانوا جمیعاً یعتبرون إسماعیل صبری أستاذهم، ولقّبوه بشیخ الشعراء، ویعرضون علیه أشعارهم، ویستهدون بآرائه القیّمة فیها (الرافعی،1966م،ص 33). وإلى ذلک یشیر حافظ فی قصیدة أنشدها لرثاء إسماعیل صبری:

لَقَـدْ کنْتُ أغْشاهُ فی داره
 
 

 

ونادیه فیها زها وَازْدَهَر
 
 

وأعْرضُ شعری عَلى مَسْمَع
 
 

 

لَطیفٍ یحـسّ نُبُوَّ الوَتَر[2]
 
 

فیَصْقُل شعریَّ صَقلَ الجُمان
 
 

 

ویَکسُوه رِقّةَ أهْلِ الحَضَر
 
 

کذلک کانَ ـ علیه السّلام ـ
 
 

 

إمامـاً لِکلِّ أدیب شَعَر
 
 

 (حافظ إبراهیم،1987م ،ص 525)

یقول: إنّه کان یتردّد إلى منزل شیخ الشعراء لعرض أشعاره له، وکان له أثر فی شعره، ویعترف بإمامة إسماعیل صبری فی الشعر.

2ــ محمود سامی البارودی (1845 ــ 1896م):

کان حافظ إبراهیم شدید الإعجاب بالبارودی، ولعّل اتجاهه نحو الجندیة کان ناشئاً عن رغبة شدیدة فی نفسه لأن تصبح سیرته مثل سیرة البارودی (سند الجندی،1992م،ص 89). کان حافظ یذهب إلى دار سامی البارودی، وهناک یلتقی بعدد من شباب الشعراء فی ذلک العهد؛ فیجلسون حول أستاذهم ویعرضون علیه ما أنتجوه. وکان الأستاذ لا یضنّ علیهم بتوجیهاته الغالیة (الرافعی،1966م، ص 18). فاتخذه حافظ مثله الأعلى یحذو حذوه، ویأمل أن یبلغ فی الحیاة مبلغه، فیکون ربّ السیف والقلم. وقد عبّر عن تقدیره للبارودی وإعجابه به فی قصیدة یمدح بها أستاذه حیث یقول:

أمیرَ القَوافی، إنّ لی مُسْتهَامـَةً
 
 

 

بمــدْحٍ وَمـنْ لی فیه أنْ أبْلُغَ المَدى؟
 
 

أَعِرْنی لِمَدحَیک الیَراعَ الذی به
 
 

 

تَخُطُّ وَأقْــرِضْنی القَـریضَ المُسَدَّدا
 
 

وَ هَبْنی مـِنْ أنْوارِ عِلمک لَمْعَةً
 
 

 

عََلـى ضَوئها أسْری   وأقْفو مَن اهتدى
 
 

(حافظ إبراهیم،1987م، ص 7)

مدحه فی هذه القصیدة بالإجادة فی الحماسة والنسیب واللعب بالسیف والتّفنّن فی التّشبیب، فکأنّه فی مدحه البارودی یرسم لنفسه مثلَه، ویحدّد مستقبله.

قد تأثر حافظ بأستاذه أشد تأثر من ناحیة إیثار الجزالة وقوة العبارة، ولکن هذه الظاهرة أکثر بروزاً عند البارودی منها عند الحافظ، وتزوّد أیضاً من محصول أستاذه اللغوی (سند الجندی،1992م،ص 90). ولم یستطع حافظ أن یصنع صنع أستاذه ،لأنّه لم یکن منظَّم الثقافة، ومن الحق أنّ البارودی کان أوسع ثقافة منه. وهو یختلف عن أستاذه أیضاً فی أن ثقافته بالآداب الأجنبیة کانت ضیّقة محدودة، فی حین أنّ البارودی ثَقِفَ آداب اللغتین الفارسیة والترکیة (ضیف ،1961م،ص 104).

3ــ محمد عبده (1849ــ 1905 م):

من أهمّ الأشخاص الذین ترکوا أثراً عظیماً فی شعر حافظ هو محمد عبده الذی تتلمذ على ید السید جمال الدین، واشتهر بترکیزه على‏ الإصلاح الدینی. بدأت صلة حافظ بالشیخ فی حلقات الدرس التی کان محمد عبده یعقدها بالأزهر عصر کل یوم (عبدالله،د. ت،ص 26) یقول حافظ عن اتصاله بالشیخ: «لقد کنت ألصق الناس بالإمام، وأغشى داره وأرِد أنهاره، وألتقط أثماره» (حافظ إبراهیم، 1997م، ص135).

إنّ هذه المجالس کانت ینبوعاً عظیماً نهل منه حافظ أنواعاً من الثقافة التی أمدّته بکثیر من الأفکار التی صاغها فی شعره (سند الجندی،1992م، ص 74)، وأفاد من هذه المجالس التعرّف إلى عظماء مصر وکبار رجالها وقادة الرأی فیها أمثال مصطفى کامل وسعد زغلول وقاسم أمین و...(المصدر نفسه،ص 92)، وبما أنّ محمد عبده أعانه وعلّمه ورفع ذکره وعرّفه بکثیر من عظماء مصر وعلمائها، انتهج منهجه (الدسوقی،ب 2003م،  ص 108).

اشتغل حافظ زماناً فی الجیش، وذهب إلى سودان. وبعد عودته منها لزم محمد عبده خمس سنوات حتى وفاته،لا یکاد یفارقه فی مجلس أو سفر. فهو معه أینما سار وأینما حلّ (محفوظ،د. ت، ص 108)؛ ولذلک لا ینبغی لدارس یتحدّث عن حافظ أن یغفل هذا الجانب الهامّ فی حیاته (عبدالله،د. ت، ص 25).

کان یحلو لحافظ أن یلقّب نفسه بـ «فتى الإمام»، مقتبساً هذا اللقب لنفسه من قوله تعالى: «وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَیْنِ أَوْ أَمْضِیَ حُقُباًª (الکهف 18: 60)، حیث یقول:

لَقَدْ بِتُّ محْسُودَاً عَلیْکَ لأنّنی
 
 

 

فَتَاک، وهَلْ غَیْرُ المُنعّم یُحْسَدُ؟!
 
 

(حافظ إبراهیم،1987م، ص 195)

وفی مکان آخر یکرّر هذا اللقب، ویطلب من الشیخ أن یساعده  فی العودة إلى مصر من السودان، حیث یقول:

یا مَنْ تَیَمَّنَتِ الفُتیا بطَلعته
 
 

 

أَدرِک فَتَاک فَقَد
  ضاقَت به الحالُ

 
 

(المصدر نفسه، ص  6)

إنّه یشبّه نفسه من الشیخ بیوشع بن نون الذی رافق موسى U واستنار بعلمه. کان حافظ یستخدم هذا اللقب للتّأکید على تواضعه، والتعبیر عما یحسّ من فضل الشیخ علیه. و إذا لم یکن من محمد عبده کیوشع من موسى 6، کان منه کموسى  من الخضر 6 بقوله:

وکنتُ کما کانَ ابنُ عِمْرانَ ناشِئاً
 
 

 

وکانَ کمَنْ فی سورة   الکهفِ یوصَفُ
 
 

(السابق، ص 21)  

یشیر  إلى قصة نبی الله موسى مع الخضر6،وکما کان یرشد الخضر موسى، کان الإمام یرشد حافظاً. لم تنقطع هذه المودة بعد موت الشیخ، بل بقی جرح موته بصدر فتاه. فکلما وقف یشّیع رحیلاً جدیداً، تمثّل شخص الإمام أمامه، فیجعله یبکی ویتحسر على أیامه. إنّه یرثی قاسم أمین فیقول له:

قُلْ لِلإمام إِذَا التَقَیْتَ به
 
 

 

فی الجنَّتَین بأکرَم النُّزُلِ
 
 

إنَّ الحقیقةَ أصْبَحَ هَدَفاً
 
 

 

لِلرّاکبینَ مَراکبَ الزَّلَلِ
 
 

(حافظ إبراهیم،1987م، ص 474)

وکان فی مراثیه یکرّر ذکر أیام الإمام، ولم یکن تقادم عهده مع محمد عبده لیُنسیه ما نال من عوارفه. إنّ محمد عبده آثر أن یکرّس وقته وجهده لخدمة الدین والمجتمع والأخلاق، وکان یرى أنّ ذلک أنفع للإسلام والمسلمین فی ظروفهم آنذاک من الاشتغال بالسیاسة. فإذا عرف المسلمون أمر دینهم الحقّ، وأصلحوا مجتمعهم وأخلاقهم، وضحت أمامهم السّبیل لإزاحة نیر الاحتلال عن کواهلهم واسترداد أمجادهم (سند الجندی،1992م،ص93). وحاف إبراهیم باتصاله إلى محمد عبده استطاع أن یعیش فی البیئة الطامحة إلى إصلاح المجتمع (محمد عویضة،1993م،ص 14). وکان الشیخ یرى أن أیّ إصلاح للشرق والشرقیین لا بد وأن یستند إلى الدین، حتى یکون سهل القبول شدید الرسوخ عمیق الجذور فی نفوس الناس (عبده،ج 1993م، ص 45)، ویرید من حافظ أن یطرق معانی جدیدة فی شعره بقصد إصلاح المجتمع (کرد علی،1993م، ص 163). وکان من أهم هذه المعانی الجدیدة القیم الدینیة، وإنّ القیم الدینیة فی أشعار حافظ کانت متأثرة بآراء محمد عبده؛ فإنّه کان یکرّر هذه القیم التی تمثل مبادئ وقواعد جوهریة فی الإسلام، وکان یلحّ علیها إلحاحًا شدیداً. ویُلاحَظ من منهجه فی معالجة هذه القیم التی تأتی فی السطور التالیة أنه کان قصیر النّفَس فی عرضها؛ فهو لم یخصص لها قصیدة کاملة، بل یعالجها فی بضعة أبیات، وأنّه فی الغالب کان یعرض هذه القیم عرضاً مباشراً، وبطریقة ملموسة، وأحیاناً على سبیل التلمیح. وأهمّ هذه القیم هی:

 

1ــ الحجاب:

آراء محمد عبده فی مجال الحجاب:

إنّ العفاف طاقة روحیة متمیّزة تعین الإنسان لکی یثبت فی مواجهة أعاصیر الهوى، ولا یضعف أمام المیول الهابطة. یمنع الإسلام النظراتِ المریبةَ غیرَ الإنسانیة، ویوصی المؤمنین والمؤمنات بغضّ النظر، ویدعوهم إلى النظرة العفیفة بقول الله تعالى: «قُلْ لِلْمُؤمِنینَ یَغُضُّوا مِنْ أبْصارِهِمْª (النور 24: 30)، و «قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ یَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّª (النور 24: 31). إنّ الحجاب یساعد العفاف کثیراً، وبینه وبینها علاقة وثیقة. إنّ الشیخ یدافع عن الحجاب الإسلامی، لکنّه یرى أنّ الالتزام ببعض الأعمال الشائعة آنذاک بذریعة الحجاب لیست من العقائد الإسلامیة؛ ویقول إنّنا لا نجد نصاً فی الشریعة یوجب الحجاب على هذه الطریقة المعهودة، وإنما هی عادة عرضت علیهم من مخالطة بعض الأمم، فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فیها، وألبسوها لباس الدین کسائر العادات الضارة التی تمکنت فی الناس باسم الدین (عبده،ب 1993م، ص 105). کان یرى عبده أنّ الشریعة الإسلامیة أباحت للمرأة أن تظهر بعض أعضاء من جسمها أمام الأجنبی، غیر أنها لم تُسمّ تلک المواضع. وقد قال العلماء: إنّها أوکلت فهمها وتعیینها إلى ما کان معروفاً فی العادة وقت الخطاب. واتفق الأئمة على جواز إظهار الوجه والکفَّین، ووقع الخلاف بینهم فی أعضاء أخرى کالذراعین والقدمین (المصدر نفسه). إنّه هاجم النقاب؛ لأنّه لیس من العقائد الإسلامیة، ورأى أنّه وسیلة تسمح للمرأة أن تستغلها لأغراض غیر  شریفة، وتبقى وراءه شخصیتها  مخفیة (حسین الدسوقی، 1991م، ص 159).

 

أشعار حافظ إبراهیم فیما یتعلق بالحجاب:

کان حافظ یطالع صفحات الجرائد وما یدور من معارک أثارها قاسم أمین بدعوته إلى رفع الحجاب، وکان یرى ما یتعرّض له من طعن کثیر. وکان ظروف المجتمع المصری آنذاک لا تساعد على أن یجهر واحد بمثل هذه الدعوة التی تصادم ــ فی وجوه منها ــ أحکام الدین، وتأباه الأعراف والتقالید العربیة (عبدالله،د. ت، ص 91). إنّ حافظا أخذ فی هذه القضیة الهامة طریق التوسط، ولذلک لا یمیل میلاً حادّاً إلى أحد الطرفین الموافقین والمخالفین لعقیدة قاسم أمین، ویتکلم بکلمات کانت صدى صوت الشیخ، ویترک الحکم فی المسألة للأیام الآتیة، وکان رأیه فی هذا الأمر کرأی کثیر من المستنیرین آنذاک (حسین،1933م، ص 154)، وکان أشبه بالحجاب الشرعی (کرد علی،1993م،ص 282ــ283).

ینقل محمد کرد علی قصیدة لحافظ إبراهیم یتناول فیها آراء قاسم أمین حول السفور والحجاب، ولکنه عند بحثنا عنها فى دیوان حافظ، ما وجدناها فیه؛ کما أنّ کرد علی نفسه ذکر أنّه لم یجدها فی دیوانه (المصدر نفسه، ص 187). إن حافظا یخاطب فی هذه الأبیات قاسم أمین، ویذّم النّاس لجهلم وعدم فهمهم لکتاب تحریر المرأة، ویرفض النقاب ویقول:

أقاسمُ! إنَّ القوْمَ مـــاتَت قلوبُهم
 
 

 

ولَمْ یفقهوا فی السِّفرِ ما أنْتَ کاتبُه
 
 

إِلى الیَوم لم یَرفع حجـاب ضَلالهِم
 
 

 

فَمَــن ذا تُنادیه ومنْ ذا تُعاتبه؟!
 
 

فَلَو أَنّ شَخصـاً قام یَدعُو رِجالَهم
 
 

 

لوَضْع نِقـاب لاسْتقامَتْ رغـائبُه
 
 

وَلَو خَطَرت فـی مصرَ حَوّاءُ أمُّنا
 
 

 

یَلـــوحُ مُحَیّـاها لَنا ونُراقبُه
 
 

وَ فی یَدها العَذراء یُسفـرُ  وَجْهُها
 
 

 

تُصــافحُ منّا مَنْ تَرى وتُخاطبه
 
 

وَ خلفُهما موسى وعیسى وأحمدُ
 
 

 

وجَیشٌ من الأملاک ماجَتْ کواکبُه
 
 

وقالـــوا لنا: رَفعُ النّقاب محلَّلٌ
 
 

 

لَقُلنا: نَعَمْ حَقٌ وَلکـــنْ نُجانبه
 
 

 (المصدر نفسه)

وفی تلک الأحیان التی کانت المرأة تعیش تحت نیر غیرة الرجل، وکان لا یقام لها وزن إلا فی القلیل النادر، نرى حافظاً یقف فی جانبها، ویدافع عن حقوقها، ویهاجم النقاب، ویقول إنّه لیس من المشروعات الإسلامیة ولا المسیحیة ولا الیهودیة.

کثیراً ما یمدح حافظ النساء فی أشعاره. وفی قصیدة أخرى یؤکد على رأی محمد عبده وقاسم أمین، ویقول إنّ المستقبل سیُثبت صحة آرائهما:

إن رَیْتَ رَأیًا فی الحجاب ولم
 
 

 

تُعصَم فتلک مراتبُ الرُّسُل
 
 

الحُکمُ للأیّــام مَرْجعُــه
 
 

 

فیما رأَیتَ فنَم ولا تَسَل
 
 

وکذا طُهــاةُ الرّأی تَترُکه
 
 

 

للدهـر یُنضِجُه عَلى مَهَل
 
 

 (حافظ إبراهیم ،1987م، ص 473)                                                                                                     

یشبّه حافظ فی هذه الأبیات صاحبَ الرأی الذی یرسل رأیه فی الناس، ویترکه ینفذ إلى عقولهم شیئاً فشیئاً حتى یَثبُت، یشبّه بطاهی الطعام الذی یضعه على النار تنضجه شیئاً فشیئاً حتى یتمّ نضجه ویصیر صالحاً للتناول.  ویؤکد فی القصیدة على آراء قاسم أمین، لکنّه بقراءة کلّ القصیدة یتبیّن أنّه لم یدافع عنه بصراحة، ویقول إنّ دعوته تحتمل الصحة، کما تحتمل الخطأ؛ ولذلک، فإن الأیام وحدها تستطیع أن تثبت للنّاس صحة قول قاسم أمین.

إنّ حافظاً یرفض السماح للمرأة بأن تخوض سافرة معترک الحیاة وتصنع صنیع  الرجال (عبدالله،د. ت، ص 92)، وکان فی ذلک موافقاً لرأی الشیخ.

 

2ــ الزکاة:

آراء محمد عبده فی مجال الزکاة:

قال الله تعالى: «وَ أَقیمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّکاة َوَارْکَعُوا مَعَ الرّاکِعینَª (البقرة 2: 43)، وکثیراً ما جعل الزکاة عنوان الإیمان، ودلیل الاهتداء إلى الصراط المستقیم. یقول محمد عبده:

إنّ الزّکاة رکن من أرکان الإسلام، وبذل المال فی إقامة هذا الرکن یفضل غیره من أنواع البذل؛ ولذلک قرنت الزّکاة بالصّلاة فی القرآن فی أکثر المواضع. وقد جعل الله إنفاق المال فی سبیله آیة للإیمان به، وجعل ترکَه علامة النفاق والکفران، ومع هذا کلّه نرى المسلمین قد هدّموا هذا الرکن ونسوه، حتّى کأنه لیس من الدین بالمرّة! (عبده، ج 1993م ،ص 177).

ویقول فی مکان آخر:

فرض الإسلام للفقراء فی أموال الأغنیاء حقاً معلوماً یفیض به الآخرون على الأولین، سدّاً لحاجة المعدِم، وتفریجاً لکربة الغارم، وتحریراً لرقاب المستعبَدین، وتسییراً لأبناء السبیل. ولم یحثّ على شیء مثل حثّه على الانفاق من الأموال فی سبیل الخیر (المصدر نفسه،ص 468).

وکانت له أعمال جلیلة فی مجال إعانة الفقراء والمستضعفین.

 

أشعار حافظ إبراهیم فی مجال الزکاة:  

شبّ حافظ إبراهیم (1872ــ1932م) لأسرة متوسطة، وواجهت عوامل مختلفة جعلته یشعر بآلام شعبه؛ منها وفاة أبیه وهو فی الرابعة من عمره، وفقره وبؤسه. إنّ ارتباط الأدیب بقضایا عصره على اختلاف أنواعها، وبمشکلات الحیاة فی المجتمع الذی یعیش فیه لیس شیئا غریباً على طبیعة الأدیب. والحس المرهف والإدراک السلیم للأمور لا یمکن أن یسمحا للأدیب أن یعیش فی عزلة عن قضایا ومشکلاته (إسماعیل،1996م،ص 374)، وخاصة شاعر مثل حافظ الذی ولد فی ناحیة مظلمة متواضعة من نواحی مصر، لا نصیب لها من بأس ولا سلطان. (حسین،1933م،ص 170)؛ ولذلک استخدم فنّه لإعانة الفقراء. وله قصیدة أنشدها فی سنة 1911م لملجإ رعایة الطفل، وقال فیها منوِّهاً بفضل الزکاة :

وَعَلمْنـا أنَّ الزَّکـاةَ سَبیلَ الـ
 
 

 

ـللـّه قَبْلَ الصَّلــوة قَبْــلَ الصّیام
 
 

خَصَّهـا اللهُ فی الکتاب بذکرٍ
 
 

 

فهِیَ رُکنُ الأرْکانِ  فی الإسْلام
 
 

لو وَفَى بالزَّکاةِ مَن جَمَعَ الدُّنـ
 
 

 

ـیا وأهْوى علَــى اقْتنـاءِ   الحُطام[3]
 
 

مَا شَکا الجوعَ مُعْدِمٌ أوْ تَصَدَّى
 
 

 

لِرُکــوب الشُّــرُورِ والآثام
 
 

(حافظ إبراهیم ،1987م، ص 287)

فترى حافظاً فی هذه الأبیات کیف ینظر إلى الزکاة من منظر إسلامی، وتجده کالشیخ محمد عبده یؤکّد على أنّ الزّکاة رکن من أرکان الإسلام، ویقول عن اقترانها بالصلاة فی النصوص الدینیة.

لحافظ أشعار کثیرة یدعو فیها الأثریاء إلى إعانة البائسین. إلیک بعض هذه الأشعار:

وَعَدَوْا إلَـى   الحُسْنى کما
 
 

 

تَعْدُو المُطَهِّمـةُ العِرابْ
 
 

کمْ أسْـرَةٍ ضَـاقَ الرَّجا
 
 

 

ءُ بها وأَعْیاهَـا الطِّلاب
 
 

دَقُّـوا عَلیْهــا بابَهـا
 
 

 

واللیْلُ مَسْدولُ النِّقـاب
 
 

وتَعـاهَدوهـــا مِثْلما
 
 

 

یَتعَاهَدُ النَّبتَ السَّحاب
 
 

                       (المصدر نفسه،ص 304)

وحافظ إبراهیم عاش فقیراً، ولم یکن سعیداً لا فی مولده ولا فی تلمذته ولا فی وظیفته، بل کان شقیّاً  فی ذلک کلِّه، متألّماً من بؤسه وسوء حاله، وفی  ذلک الوقت نفسه کان ذا نفس شاعرة، وحس مرهف، وعارفاً بفضل الذین یساعدون الفقراء؛ ولذلک یمدح محمد عبده لرعایته الفقراء، ولإنشاء جمعیات خیریة تخفّف من آلام الناس ومشاکلهم، ویقول:

(جَمْعیــةٌ خَیْریّةٌ)
 
 

 

قامَتْ لِتَخْفیف المُصابْ
 
 

قَد کانَ فیها (عَبدُه)
 
 

 

غَوْثاً یُلبّی مَنْ أهابْ
 
 

لَمْ یَدْعُ مِسْماحاً إلى
 
 

 

إنْعاشهــا إلا أَجابْ
 
 

 (المصدر نفسه،ص 305) 

وقد اتخذ فنّه وسیلة للتنفیس عن کربة الفقراء وکآبتهم، وتخفیف أثر الشقاء عنهم، وقام بالثناء على أعمال محمد عبده فی إعانة الفقراء.

 

3ــ الشورى:

آراء محمد عبده فی مجال الشورى:

إنّ شریعتنا شریعة سمحة تأبى أن یتولى أمور ذویها من لا یراعون للشرع حرمة، وتوجب الشورى على کل من الرّعیة والحاکم جمیعاً. ذلک هو الحق. إنّ الله تعالى یطلب من عباده أن یسیروا فی سبیل الشورى والتعاون؛ ولذلک یجب على الولاة استشارة ذوی الرأی فی مصالح البلاد ومنافع العباد. وإنّ الشورى من الأمور الشرعیة الواجبة، فمن رامها فقد رام أمراً شرعیاً. ذکر محمد عبده عن النبی & أنه قال:«ما تشَاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ»، وذکر الله $ حکایةً عن نبیّه موسى U: «وَاجْعَلْ لی وَزیراً مِنْ أهْلی µ هرُونَ أخی µ اُشْدُدْ بهِ أَزْری µ وَأَشْرِکْهُ فی أَمْرِیª (طه20: 29ـ32). فتراه یقول إنّ الشریعة المطهّرة کلفّت ولاة الأمور بأن یأخذوا آراء رعایاهم فیما ینظرون فیه من مظـانّ المنافع ومجـالبها، مستشهداً على ذلک بقول الله تعالى: «وَشاوِرْهُمْ فی الأمْرِª (آل عمران 3: 159). ویعتقد أنّ من یتبع الشریعة ونصوصها الواضحة، ووقف على حکمة تنزیل الکتب السماویة، وتدوین الأحادیث النبویة، یرى أن الاستبداد المطلق ممنوع، لحکمة الله فی تشریع الشرائع (بدوی،2005م،ص 202). فیتبیّن أنّ الشورى واجبة (المصدر نفسه،ص 207). فإذن قد ثبت أنه لا مانع لوجود الشورى فی بلادنا من جهة أهالیها، بل إنّ حالتهم الآن تقضی بلزوم وجودها (السابق،ص 212)

 

أشعار حافظ إبراهیم فی مجال الشورى:

إنّ الشورى من القیم التی تمثل مبادىء وقواعد جوهریة فی الإسلام، وألحّ علیها حافظ إلحاحاً شدیداً، ویرى أنها طریق الهدایة إلى أحسن الأمور، وأنها تخفق المکاید والمؤامرات؛ فیؤکد على أنّ التخاذل واستبداد الرأی من أسوإ الحالات. قال فی إحدى قصائده عن  فضل الشورى:

الفَصْلُ للشُّورى تِلک هـی التّی
 
 

 

تَزَعُ الهـوى[4]   وتَرُدُّ کلَّ جِماح
 
 

هی لا تَضلّ سَبیلهـا فکأنّما
 
 

 

خُلِقَ السَّبیلُ لهــا بغَیرِ نَواحی
 
 

هِـیَ ــ لا بَراحَ ــ تَرُدُّ کبْدَ عَدُوِّکم   
 
 

 

وتَفُلُّ غَرْبَ الغـاصب المجتاح[5]
 
 

و یَدُ الإلهِ مَعَ الجَمـاعَةِ فاضْرِبوا
 
 

 

بعَصَا الجمـاعَةِ تَظفَروا بنَجاح
 
 

وَ دَعُوا الَّتَخَاذُل فی الأُمُورِ فإنّما
 
 

 

شَبَحُ التَّخاذُلِ أَنْکَـرُ الأشْباح
 
 

 (حافظ إبراهیم ،1987م، ص  416)

ویمدح الشورى ویعتبره سبیل الفوز والنجاح وسبیل الغلبة على الأعداء؛لأنّ الله $ یساعد الجماعة المتعاونة فی الأمور. ثم یدعو شاعر النیل الناس إلى ترک التخاذل؛ لأن نتائجه من أسوإ النتایج، ویؤکّد على هذا الأمر فی قصیدة مدحیة قائلاً إنّ سعادة البلاد فی الشورى وشقاوتها فی استبداد الرأی:

یا رافعاً رایةَ الشّورى وحارِسَها
 
 

 

جَزاک رَبُّک خَیراً عَـنْ مُحِبّیها!
 
 

رَأیُ الجماعة لا تَشْقَى البلادُ به
 
 

 

رَغْمَ الخِلاف ورَأیُ الفَرد یُشْقیها
 
 

 (المصدر نفسه،ص 91)

 ویعلّل قوة الإنجلیزیین باتخاذهم الشورى والتعاون فی أمورهم، ویمدحهم وینوّه بهم:

لا تَعْجَبَنَّ  لِمُلکٍ عَـزَّ جـانبُـهُ
 
 

 

لولا التَّعـــاوُنُ لَمْ تَنْظُرْ لهُ أثَرا
 
 

خَبّرتُهُمْ فرَأیْتُ القَـوْمَ قدْ سَهِرُوا
 
 

 

عَلـى مَرافِقِهِمْ والملکُ قَدْ سَهِرا
 
 

تَشاوَرُوا فی أمُورِ المُلْک مِنْ مَلِکٍ
 
 

 

إلى وَزِیرٍ إلى مَنْ یَغْرِسُ الشَّجَرا
 
 

 (السابق، ص 19)                                         

ویجدر بنا الإشارة إلى أنَّ حافظاً إذا مدح الغربیین أو تبّرم بهم، فإنّه یقصد حثّ المصریین على النهوض، وتزکیة أخلاقهم وعاداتهم (کرد علی،1993م، ص 170).

 

4ــ الإصلاح الدینی:

آراء محمد عبده فی مجال الإصلاح الدینی :

إنّ أخوف ما کان یخافه المستعمرون هو قوة الشعور الدینی الإسلامی فی مصر؛ لأن الإسلام دین یدعو إلى العزة والکرامة، ویأبى على المسلم أن یخضع لسواه وأن یَذَلَّ. وفی یقظة الشعور الدینی استرجاعٌ لماضی هذه الأمة. و قد ابتدأت هذه الحرکة الدینیة فی الظهور منذ عهد جمال الدین الأسد آبادی، وسار محمد عبده على نهجه فی تنقیة الدین من الخرافات والخزعبلات، والرجوع به إلى بساطته الأولى، وإلى تحبیبه للنفوس التی جهلتْه (الدسوقی،ب 2003م،ص 204). إنّه نظم أبیاتاً فی مرضه الأخیر أبان فیها عن غرضه من الحیاة وهی :

ولستُ أُبالـی أنْ یُقــالَ مُحَمَّدٌ              
 
 

 

أبَلَّ أم اکتظَّتْ علــیه المآتمُ
 
 

ولکنَّ دیناً قدْ أرَدْتُ صَلاحَـــه              
 
 

 

أحــاذرُ أنْ تَقْضی عَلیهِ العَمائمُ
 
 

وللنّاسِ آمالٌ یُرَجُّــــونَ نَیْلَها              
 
 

 

إذا متُّ مـاتَتْ واضْمَحَلّتْ عَزائمُ
 
 

فیا رَبِّ إنْ قَدَّرتَ رُجْعَــى قریبَةً               
 
 

 

إلى عالَم الأرْواح وانْقَضَّ خاتَمُ
 
 

فبَارِکْ عَلى الإسلام وَارْزُقْهُ   مُرْشِداً                
 
 

 

رَشیـداً یُضیءُ النَّهْجَ واللّیْلُ قائمٌ
 
 

 (کرد علی،1993م، ص 632)  

 لا تقصد هذه الدراسة الإفاضة فی عرض البناء الفکری الذی أقامه محمد عبده فی هذا المیدان، ومدى استفادته من  تفسیر سور القرآن الکریم وآیاته. فلو أراد القارئ دراسة بنائه الفکری، یمکن أن یراجع الجزئین الرابع والخامس من أعماله الکاملة،ولکن ما أردنا الإشارة إلیه فیما سبق هو محاولة الشیخ للإصلاح الدینی.

 

أشعار حافظ ابراهیم فی مجال الإصلاح الدینی:

و قد عالج حافظ کثیرا ًمن الفضائل والقیم الأخلاقیة أملاً فی الإصلاح، من خلال قصائده فی المدح والتهانی و المراثی والوصف والأهاجی. وکان فی هذا المجال متأثراً بآراء محمد عبده، وستُذکر فی  السطور الآتیة بعض هذه الأشعار التی تنبثق من جوهر الإصلاح الدینی أو ترتبط به. إنّه کان یستنکر ما یتعارض مع الدین مِن خلق وعادات وتقالید وضلالات... و یشید بالقیم الدینیة الصحیحة، وبیان محاسنها، والدعوة إلى الأخذ بها على مستوى الفرد والجماعة، ویهاجم بشدة على کثیر من البدع والضلالات،و یستصرخ الإمام محمد عبده أن یُنقذ هذه النفوس المنحرفة، ویطهِّرها من هذا الضلال؛فیقول:

إمامَ    الهُدى إنّی أَرَى القَوْمَ أَبْدَعُـوا                       
 
 

 

لَهُمْ بدَعاً عَنْهَـا الشَّـریعَةُ  تَعْزِفُ
 
 

...

 

 

فأنْتَ بِهِـمْ کالشَّمْسِ بالبَحْرِ إنّهـا  
 
 

 

تَرُدُّ الأُجــاجَ المِلْحَ عَذْباً   فیُرشَفُ
 
 

...

 

 

رأَیتُکَ فی الإفْتاءِ لا تُغضِبُ الحِجا
 
 

 

کأنّک فـی الإفتاءِ والعلم یوسفُ
 
 

فأنْتَ لـهـا إنْ قــامَ   فــی الشَّرقِ مُرْجِفٌ

 

وَ أنْتَ لهَا إنْ قامَ فی الغَرْبِ مُرجِفُ
 
 

 (حافظ إبراهیم،1987م،ص 22ــ23)  

 ویمدح الشیخ لجهوده فی هدایة الناس إلى الصواب، وإلى سبیل الإسلام الصحیح، ولأعماله فی صحیفة المنار؛ إذ یقول:

أنتَ عَلََّمْتَنا الرّجوعَ إلَى الحَقْـ                                 
 
 

 

قِ ورَدَّ الأمُـــورِ للأسْباب
 
 

ثُمّ أشرَقْتَ فـی (المَنارِ) عَلَیْنا
 
 

 

بَیْنَ نورِ الهُدى ونورِ الصَّـواب[6]
 
 

فقَرَأَنا عَلــى ضیائک فیه
 
 

 

کلمــات المهَیْمـنِ الوَهّاب
 
 

و سَکنّا إلَى الّذی أنزَلَ اللّـ
 
 

 

ـهُ وکنّا مِـنْ قَبله فی ارْتیاب
 
 

(المصدر نفسه،ص 25)

  إنّ حافظا ًأوقع أنغاماً کثیرة على قیثارة أشعاره فی مجال القیم الدینیة.یقول شوقی ضیف:

إنّ أقوى هذه النغمات التی کان یوقعها على قیثارته أو على هذا الوَتَر الإسلامی أشعاره فی الشیخ محمد عبده ؛ وکان لذلک أثر عمیق فی نفس حافظ. فأخذ یُشید بالشیخ، وبدعوته الإصلاحیة، وکل ما اتصل بها من فتح باب الاجتهاد فی الدین، وتخلیصه مما علق به من الأوهام والخرافات. یُهیب حافظ بالشیخ  فی أشعاره أن یقضی على البدع المستحدثة، ویشید بفتاویه الصائبة (ضیف، 1987م، ص 184).

وفی قصیدة أخرى یرى حافظ الشیخَ أمیناً على الإسلام بقوله:

یا أمینـاً عَلَى الحَقیقةِ والإفْـ
 
 

 

ـتاءِ والشَّرْع والهُدى والکتاب
 
 

أنْتَ نِعْمَ الإمامُ فی مَوْطِنِ الرَّأ
 
 

 

ـیِ ونِعْمَ الإمـامُ فـی المحْراب
 
 

(السابق، ص 24)                  

ویصبّ حافظ فی أشعاره سیاط غضبه على خصوم الإمام من الشیوخ وغیرهم،مدافعاً عنه دفاعاً حارّاً؛ وما یلبث أن یلبّی محمد عبده داعیَ ربّه، فیرثیه حافظ رثاءً یضطرم بنارٍ موقدة من اللوعة والأسى، ویذکر أعماله فی مجال الدّین:

تَبارَکتَ! هـذا الدّینُ دینُ مُحَمَّدٍ
 
 

 

أَیُتْرَکُ فـی الدُّنْیـا بغَیرِ حُماةِ؟
 
 

تَبارَکتَ! هذا عالِمُ الشَّرْقِ قدْ قَضى
 
 

 

ولانَتْ قَناةُ الـدّینِ لِلْغَمَزاتِ
 
 

...

 

 

ووفَّقتَ بَیْنَ الدَّینِ والعِلـْم والحِجا             
 
 

 

فأطْلَعْتَ نُوراً منْ ثَلاثِ جهاتِ

...

 

 

وَ خِفْتَ مَقامَ الله فی کـلِّ مَوقِفٍ
 
 

 

فخـافَک أَهْلُ الشَّکّ والنَّزَغاتِ
 
 

...

 

 

بَکى عالَمُ الإسْلام عالِمَ عَصْـرِه
 
 

 

سِراجَ الدَّیاجی هادِمَ الشُّبُهاتِ
 
 

...

 

 

وَ یا وَْیحَ للفُتیا اذا قیلَ مَـنْ لَها؟!
 
 

 

ویا وَیْحَ لِلخَیْراتِ والصَّدَقاتِ!
 
 

         (المصدر نفسه،ص 461ــ462)

وتَظلَم الدّنیا فی عینی حافظ؛ کأنّ الدّین أصبح بلا حُماة، فقد تُوفّی حامیه ضد أعداء الإسلام الطاعنین فیه. ویقول إنّ عالَم الإسلام بکى لموت الشیخ، وأنَّ للفجیعة فیه أنیناً متصلاً غیر منقطع.

 

5ــ الجهاد:

آراء محمد عبده فی مجال الجهاد:

من الأمور التی أعطاها القرآن أهمیة کبیرة مسألة الجهاد؛ فلذلک تکثر فیه الآیات التی تأمر بالجهاد، وتحثّ علیه. ومن هذه الآیات ما یلی: «یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَیْهِ الْوَسیلَةَ وَجاهِدُوا فی سَبیلهِ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَª (المائدة 5: 35). و فی مکان آخر خوطب رسول الله J بصفته قائداً للمجتمع الإسلامی، وطُلب منه أن یحثّ النّاس على قتال العدوّ: «یا أَیُّهَا النَّبیُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنینَ عَلَى الْقِتالِª (الأنفال 8: 65)، و: «یا أَیُّهَا النَّبیُّ جاهِدِ الْکُفّارَ وَ الْمُنافِقینَª (التوبة 9: 73).

ذُکر الجهاد فی القرآن بمعنیین:

أ. الجهاد بمعناه العام؛ ب. القتال. إنّ الجهاد بمعناه العامّ یشمل أنواع الجهاد؛ سواء کان ضدّ العدوّ الخارجی أو الداخلی (النَّفْس)؛ وسواء کان الجهاد بالمال أو البیان أو القلم وغیر ذلک.

إنّ الشیخ کان عارفاً بالجهاد بمعنییه، فیقول: «أمّا المجاهدة، فهی من الجهد؛ وهو المشقة ولیس خاصّاً بالقتال» (عبده،د 1993م، ص 560). ولعّله کان یرجّح آنذاک الجهاد بمعناه العامّ؛ حیث یشکو عن عدم الجهاد والکدح للشّبّان فی سبیل المصلحة العامة (عبده، آ1993، ص 83)، لکنّه لم یکن ممّن ینکرون القتال مع الأعداء. فتراه یقول فی تفسیر قوله تعالى: «فَلْیُقاتِلْ فی سَبیلِ اللهِ الَّذینَ یَشْرُونَ الْحَیاةَ الدُّنْیا بالْآخِرَةِª (النساء 4: 74):

إنّ الله تعالى علّم بهذه الآیة الذین یُبطئون عن القتال فی سبیله ـ لضعف الإیمان ـ طریقةَ تطهیر النفوس من ذلک الذنب العظیم: ذنب القعود عن القتال فی سبیله. ولو عملوا کلّ صالح وضعفت نفوسهم عن القتال، لما کان ذلک مکفِّراً لخطیئتهم (عبده، هـ 1993م، ص 241).

لکنّه کیف یمکن للذی یفسّر هذه الآیة بهذه الکلمات أن یقول:«نحن لا یهمّنا أن یبقى الإنجلیز عاماً أو عامین أو خمسة أعوام، ماداموا لن یَبقَوا إلى الأبد. وجودهم حالیّاً خیرٌ للبلد حتى یختمر حزب الفلاح»؟!! (عبده، آ 1993، ص 787).

فی الحقیقة کان یعتقد الشیخ بالتدرّج فی الإصلاح السیاسی )رشید رضا،آ 1931م، ص 146) وخاصة بعد فشل ثورة العرابی، ونفیه إلى بیروت، ثم إخفاق جمعیة «العروة الوثقى»، وإقفال جریدتها ،أصبح یشکّ فی الإصلاح بمفهومه السیاسی. فرجع إلى الإصلاح الفکری لرفع الوعی الاجتماعی فی العالم الإسلامی عن طریق الدین الصحیح (حسین الدسوقی،ب 2003م، ص 87).

إنّ الشیخ إن لم یدخل المعرکة المباشرة ضدّ الأعداء، ولکن جاهدهم بصورة غیر مباشرة عن طریق محاولاته لإصلاح الأزهر والأوقاف والمحاکم الشرعیة وعن طریق الجرائد (المصدر نفسه،ص 33)، وکان یعتبر إخراج الإنجلیزیین من مصر عملاً کبیراً (المصدر نفسه، ص 37)، لکنه یدعو إلى الإصلاح البطیء، ویکره الطّفرة) أمین، 1968م، ص٦٠؛ الدسوقی،ب 2003م، ص 106). وکان کثیر من زعماء الأمة یشارکون فی رأیه السیاسی حینذاک (رشید رضا، ب 1931م ، ص 224).

 

أشعار حافظ إبراهیم فی مجال الجهاد:

وحّد الاحتلال الإنجلیزی فئات المصریین ونفوسهم فی إحساس واحد وغایة واحدة، هما بغض المحتلّ الغاصب والجهاد على الخلاص منه. فی جهاد الشعب المصری من أجل التحرّر برز رجال حملوا أثقل أعباء هذا النِّضال، ودعَوُا النّاس إلى جهاد المحتلّین. فاستحقّوا حبّ الشعب. إذا دخل شاعر هذه المعرکة ودعا النّاس إلى الجهاد، لم یقلّ فی تقدیر الشعب ونظر المحتلّ عن خطر الزعیم. إنّ حافظاً شأن کلّ إنسان یرید العیش بالحریة والکرامة، وکلّ مسلم غیور.کان لا یطیق حضور الأجانب فی وطنه. إنّه استطاع من خلال رثاء الزعماء أن یجعل شعره منابر للدعوة الوطنیة، یثیر من فوقها الهمم لمواصلة الجهاد (عبد الله، د. ت،ص 117). وقد یهاجم الإنجلیز بأشعاره بصورة مباشرة، ویدعو الشعب إلى الجهاد.

فی سنة 1932للمیلاد ساهم الإنجلیز مع العناصر الرجعیة فی إلغاء الحیاة الدستوریة، وتظاهروا بأنّهم على الحیاد فی هذه المحنة. وقد هاجمهم حافظ بقصائد رائعة نعى فیها علیهم بغیهم وعدوانهم. وفی إحدى قصائده عنوانه «نحن والإنجلیز وجهاً لوجه» یتکلّم عن الجهاد حیث یقول:

قُلْ لِلمُحاید هَلْ شَهِدتَ دِمائَنا                                          
 
 

 

تجری وهل بعد الدِّماء سَلامُ؟
 
 

إِنّا جَمَعْنـا لِلْجُهُـودِ صُفوفَنا                                          
 
 

 

سَنَمُوتُ أَوْ نَحْیا ونحن کِرامُ
 
 

(حافظ إبراهیم،1987م،ص 419)

إنّه یهدّد المحتلّین الغاصبین بشعره، ویدعو إلى قتالهم من أجل حیاة کریمة أو موت شریف. وفی قصیدة أخرى یدعو إلى الجهاد بقوله:

وَسالَمْتُم وَعادَیْتُم زَماناً                                 
 
 

 

فَلَمْ یُغْنِ المُسالِمُ والمُعادی
 
 

فَلَیْسَ وَراءَکمْ غَیْر التَّجَنّی                                
 
 

 

ولَیْسَ أمامَنا غَیْرُ الجهادِ
 
 

 (المصدر السابق،ص 422)

إنّه کان ینوّه الشعوب التی تقاوم الأعداء بکلّ ما یملکون. فنظم سنة 1904 للمیلاد قصیدة رائعة عن «غادة الیابان»، ضرب فیها الأمثال فی التضحیة والجهاد، وجعلها على لسان الفتیة الیابانیة، وأشاد بشجاعتها فی الحرب التی شبّت بین بلادها وروسیا سنة 1904 للمیلاد؛ إذ ذهبت متطوّعة إلى میادین القتال تُواسی الجرحى. إلیک بعض أبیات هذه القصیدة:

کنتُ أهْـوى فی زَمـانی غادَةً                    
 
 

 

وَهَـبَ اللهُ  لها    مـا وَهَبـا
 
 

ذاتَ وجه مزج الله به                    
 
 

 

صفرةً تُنسى الیهودَ الذّهبا
 
 

حملتْ لی ذاتَ یوم نبأ
 
 

 

لا رعاک   الله! یا ذاک النّبا!
 
 

وأتت تخطر واللیل فتًى
 
 

 

وهِلال الأفْق فی الأفْق حبا
 
 

ثمّ قالت لی بثغرٍ باسم
 
 

 

نظم الدّرّ به والحببا
 
 

نبَّئونی برحیل عاجل
 
 

 

لا أرى لی بعده منقلَبا
 
 

ودعانی موطنی أن أغتدی
 
 

 

علّنی أقضی له ما وجبا
 
 

نذبح الدُّبَّ ونُفری جَلده
 
 

 

أیظنّ    الدّبُّ أن لا یُغلَبا؟!
 
 

قُلْتُ والآلامُ تُفـری مُهْجَتـی                     
 
 

 

وَیکَ! ما تَصْنَعُ فی الحَرْب الظِّبا؟
 
 

ما عهِدناها لظبىٍ مسرحاً
 
 

 

یبتغى ملهًى به أو ملعبا
 
 

لیست الحربُ نفوساً تشتهى
 
 

 

بالتّمنّى أو عقولا تُستَبى
 
 

أحسبتِ القَدَّ مِن عُدَّتها
 
 

 

أم حسبتِ اللَّحظَ فیهاکالشَّبا
 
 

فَسَلینى إنّنى مارستُها
 
 

 

و رکبتُ الهولَ فیها مرکبا
 
 

فأجابَتْنـی بصـوتٍ راعَـنی                     
 
 

 

وأَرَتْنی الظَّبْـیَ لَیْثـاً أغْلبـا
 
 

إنَّ قَوْمی اسْتَعذَبوا  وِرْدَ الرَّدى                     
 
 

 

کیْفَ تَدْعـُونیَ ألّـا أَشْـربـا؟!
 
 

أنا إن لم اُحسنِ الرَّمیَ ولم
 
 

 

تستطع کفّای تقلیبَ الظُّبا
 
 

أخدِم الجَرحى وأقضی حقَّهم                      
 
 

 

وأواسی فی الوغى   مَن نُکبا
 
 

 (المصدر نفسه،ص 323)

و إذا مدح حافظ المرأة الیابانیة بمثل هذه الأبیات لقتاله الأعداءَ، فواضح أنّ حرصه لنضال أبناء بلده المحتلّین کان أشدّ. فکان من المتوقَّع أن یکون صوت الشاعر فی مسألة قتال الأعداء أقوى، وأن یفصح لنا فی عبارة قویة آرائه حول الجهاد، لکنّ القارئ یفاجَأ فی مواقف الشاعر بمستویات متباینة من الشعور، وبآراء غریبة فی نظرته إلى المحتلّ. فرغم ما یتوقّع منه القارئ فی الدعوة إلى نضالهم، یراه یمدحهم فی قصیدة عنوانها «تهنئة جلالة إدوارد السابع بتتویجه»، حیث یقول:

یـادَولَةً   فــوقَ أَعلام لهـا أَسَدٌ
 
 

 

تَخشَى بَـوادرَه الدُّنیــا إذا زَأَرا[7]
 
 

...

 

 

مَـنْ ذا یُنـاوِیک وَالأَقـدارُ جارِیةٌ
 
 

 

بمـا تَشائینَ، والدُّنیا لِمَـن قَهَـرا؟
 
 

إِذَا ابْتَسَمْتِ لنـا فالدَّهـرُ مُبتَسِـمٌ
 
 

 

وَإنْ کَشَرتِ لنا عَـنْ نابهِ کَشَرا
 
 

                                                                                                                         (المصدر السابق،ص 18)                  

 إنّ هذا السلوک آذى نفوس کثیرین، وخیّب ظنّهم وتوقعاتهم فی شاعر النیل؛ کما عرّضه لکثیر من النقد اللاذع (عبدالله،د. ت، ص 117)، ولکنه فی الحقیقة لم یکن حافظ من أنصار الإنجلیزیین، ومن أعداء الشعب والنضال والجهاد، بل لهذا السلوک سببان: الأول خوفه من الإنجلیز؛ کما یقول: «إنّیأخافالسّجن ولستُأحتمله» (واصف،١٩٩٨م، ص 61)، وبهذا الشعر:

فإنْ نَطَقتُ فَقاعُ السِّجنِ مُتّکأ
 
 

 

وإِنْ سَکتتُ فَإنَّ النَّفسَ لَمْ تَطِبِ
 
 

(المصدر نفسه، ص 432)

و أماّ السبب الثانی فمرجعه تأثره بمحمد عبده، وإنّ هذا الاحتیاط فی معاملة الإنجلیزیین جاءه من الطبقة المثقفة الممتازة؛ منهم محمد عبده (محمد عویضة،1993م، ص 31).

وکان هدف حافظ من مثل هذه الأشعار دعوة شعبه إلى التقدّم مثل الغربیین (کرد علی،1993م، ص 170). مع هذا کلّه، إنّ حافظاً سایَر الشعب المصری فی نضاله المحتلّین، وفی القضاء على تخلّفه ومصائبه. ولعّل حافظاً کان کالشیخ من المعتقدین بأنّ الجهاد بمعناه العامّ أنفع للبلاد من القتال آنذاک؛ ولذلک استخدم فنّه لهذا الأمر، وبذل جهده فی القضایا الاجتماعیة. وکثرة قصائده فی تنویه العلم والأخلاق والحمایة عن الفقراء والإشادة بتأسیس المدارس والجمعیات الخیریة الإسلامیة خیر دلیل على هذا الاعتقاد.

 

6-التسامح الدینی:

آراء محمد عبده فی مجال التسامح الدینی:

إن الإسلام دین المودّة والرحمة، ویصّدق سائر الأدیان الإلهیة، ویکرّم جمیع أنبیاء الله تعالى. وفی تعالیمه أقرب النّاس إلى الله أتقاهم، ویحترم حقوق أهل الکتاب. ومن ذلک یمکن الإشارة إلى أنه أباح للمسلم أن یتزوّج أهل الکتاب نصرانیة کانت أو یهودیة، ولم یفرّق فی الحقوق الزوجیة بین الزوجة المسلمة وغیر المسلمة من أهل الکتاب؛ ولذلک لم یخرج الزوجة غیر المسلمة من أهل الکتاب باختلافها فی العقیدة مع زوجها من حکم قوله تعالى: «وَمِنْ آیاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْواجاً لِتَسْکُنُوا إِلَیْها وجَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدّةً وَرَحْمَةً إنَّ فی ذلِکَ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَª (الروم 30: 21).

فی الفترة التی عاشها محمد عبده کانت سیاسة الإنجلیز تأجیج نار الخلاف، واختلاق الأزمات بین طوائف الأمة، للوصول إلى مطامعهم المشومة (عبد الله،د. ت، ص 84)، والشیخ کان عارفاً بمقاصد المحتلین. فیدعو النّاس إلى الوحدة الوطنیة، ونبذ الشّقاق، ویعدّ أصل التسامح والرضى بمجاورة المخالف فی الرأی أصلاً عظیماً (محمد عبده،ج1993م،ص 353). وکان یتکلّم عن الزمان الماضی والخلفاء والأمراء المسلمین والمتکلمین والمحدّثین والفقهاء، ویقول:«کلٌّ مقبل على عمله. فإذا فرغ عامل من العمل، أقبل على أخیه، ووضع یده فی یده یصافح الفقیهُ المتکلمَ والمحدّث و...» (المصدر نفسه،ص 357). ویذکر أنّ المسلمین الأوائل لم یقتصروا فی معاملة أهل العلم من النصارى ومن الیهود على مجرد الاحترام، بل فوّضوا إلیهم کثیراً من الأعمال الجسام، وأعطوهم المناصب فی الدولة (السابق، ص 269). إنّه کان یعتقد أنّ الأدیان اتّفقت على التوحید، ویستدلّ على ذلک بقوله تعالى: «شَرَعَ لَکُمْ مِنَ الدِّینِ ما وَصّى بهِ نُوحاً وَالَّذی أَوْحَیْنا إِلَیْکَ وما وَصَّینا بهِ إِبْراهیمَ وَمُوسى وَعیسى أَنْ أَقیمُوا الدّینَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فیهِª (الشورى 42: 13).

کان الشیخ یرى أنّ مصدر اختلاف الأدیان فی العبادات رحمةُ الله فی إیتاء کلّ أمة وکلّ زمان ما علم فیه الخیر للأمة والملائمة للزمان، وکان یرفض التعصبات الفرقیّة؛ ولذلک بذل جهده للتقریب بین الأدیان، وأسّس «جمعیة التقریب بین الأدیان والمذاهب». وکان العلماء والأدباء وأهل النصرانیة یذهبون إلى هذه المجالس، وکان الشیخ یؤکد على وحدة الأدیان الإلهیة، وعن وجوب اتحّاد المسلمین والنصرانیین والیهودیین (عبده، ج1993م ،ص 458) .

 

أشعار حافظ إبراهیم فی مجال التسامح الدینی:

کانت الوحدة الوطنیة من أهمّ القضایا فی حیاة المصریین، والاختلاف بین العقائد الدّینیة کان باباً یمکن أن یدخل منه الشرّ والتفرقة إلى المجتمع المصری. ولا بدّ من سدّ هذا الباب. فلأدباء مصر وعلمائها جهود کثیرة للاتحاد بین المسلین والأقباط[8]. فکانوا یحدثون النّاس عن سماحة الأدیان، ویذکّرونهم بتأریخ مصر الحافل بتآلف الصلیب والهلال (عبدالله، د. ت، ص 84).

وفی غمرة الفتنة الطائفیة التی کان الإنجلیز یشعل نارها، راح الشعراء الکثیرون یدعون الطّرفین إلى استبدال وحدة الوطن التی تجمع شمْلهم بثنائیّة الدّین التی تُفسد أُلفتهم، وکان لحافظ إسهام بارز فی هذا المجال (المصدر نفسه،ص 85)؛ خاصة إنّه کان على مودّة مع کثیر من الأقباط، وکان یحضر معهم فی المحافل ولیالی السَّمَر. فیقول لهم الشعر والنادرة، وإذا کان یغیب عنهم، یفتقدونه ویلتمسون أخباره (الرمادی،د. ت، ص 218). إنّه کان یحسّ بالخلل والاختلاف الذی ظهر فی الأمة، فیستحثّ الخدیوی عباس الثانی لسدّ هذا الخلل بقوله:

مـَوْلایَ! أمَّتُک الوَدیعَةُ   أصبَحَتْ                           
 
 

 

وعُـرَى الموَدَّةِ بَینَها تَتفصّمُ
 
 

نادى بهَـا الْقِبْطـیُّ مِـلْءَ لَهاتِهِ
 
 

 

أَنْ لا سَلامَ وضاقَ فیهَا المسلمُ
 
 

وَهْمٌ أغارَ عَلَى النُّهـى وأضَلَّها
 
 

 

فَجَـرَى الغَبیُّ وأقْصَرَ المُتَعَلِّمُ
 
 

فَهمُوا منَ الأدْیانِ ما لا یَرْتَضی
 
 

 

دینٌ ولا یَرضى به مَنْ یَفهَمُ
 
 

 (حافظ إبراهیم،1987م،ص 291)

 کان یرى أنّ اختلاف الأدیان لا یجب أن یکون سبباً فی تکدیر الحیاة؛ لأنه یمکن أن یثیر الفتن ویحدث الشغب. ولم یفتأ یُهیب حافظ بالمسلمین والمسیحیین فی کلّ بلد عربیّ ــ لا فی مصر وحدها ــ أن یطهّروا قلوبهم من الأحقاد. فیقول لأبناء لبنان:

یا قَوْمَ إنْجیلِ عیسى                  
 
 

 

وأمَّةَ القُـرْآنِ
 
 

لا تَقتُلوا الدَّهرَ حِقداً                  
 
 

 

فَالمُلْکُ لِلدَّیّـانِ
 
 

                                 (حافظ إبراهیم،1987م،ص 387)

وبمثل هذه الروح المتسامحة التی تتجاوز حدود الدین، راح حافظ یرثی صدیقه الدکتور شبلی شُمَیِّل الذی لم یکن مسلماً، وینوّه أخلاقه النبیلة؛ ثم یردّ على الذین یتوقّعون استنکاره إیاه بأشعاره (عبدالله،د. ت،ص 86)؛ فعبّر حافظ فی ردّه عن عاطفة رحبة اتّسعت لتضمّ ذوی الخصال الحمیدة على أی عقیدة کانوا.

یرى حافظ أنّ هذه القیم التی تُطرح بسببها العصبیّة دینیّة أو عِرقیّة یمکن أن توحّد المستضعفین فی أمم الشرق ــ أدناها وأقصاها ــ لدَرع خطر الغرب الطامع فی ثرواتهم. فیقول:

مَتى أَرَى الشَّرقَ أدناهُ وأبعَدَه                     
 
 

 

عَنْ مَطمَع الغرب فیه غَیْرَ وَسْنَانِ
 
 

تَجْری الموَدَّةُ فـی أعراقِهِ   طُلُقاً                     
 
 

 

کجرْیةِ المـاءِ فـی أثناءِ أفنانِ
 
 

لا فَرقَ ما بَینَ بُوذیٍّ یَعیشُ به
 
 

 

ومُسْلم ویَهـودیٍّ ونَصْـرانیّ
 
 

 (حافظ إبراهیم،1987م،ص 138ــ139)

کان حافظ ینوّه الیابانیین لنجاحهم فی العلم والحرب، وإن لم یکونوا على دین الإسلام. وکان حرصه أشدّ فی تحقیق الألفة بین أبناء وطنه من أیّ دین کانوا.

 

7ــ التوسل إلى الأنبیاء والأولیاء وزیارة أضرحتهم:

 آراء محمد عبده فی مجال التوسل إلى الأنبیاء والأولیاء وزیارة أضرحتهم:

التوسل هو اتخاذ الوسیلة توصّلاً إلى شیء؛ والوسیلة «التوصل إلى الشیء برغبة، وهی أخصّ من الوصیلة؛ لتضمنها معنى الرغبة» (الراغب،1416هـ،ص 560). «فیقال: وسّلت له إلى الله وسیلة فتوسّل بها؛ أی: جعلت له فی السیر إلى الله تعالى وفی طلب قربه ورضاه وسیلة، فأطاع واختار الوسیلة وتمسّک بها» (المصطفوی، 2009م، ص  118). وقد أمر الله تعالى بالتوسّل إلیه، وأثنى على المتوسّلین إلیه بقوله: «یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَیْهِ الْوَسیلَةَ وَجاهِدُوا فی سَبیلِهِ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَª (المائدة 5: 35)؛ و: «أُولئِکَ الَّذینَ یَدْعُونَ یَبتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسیلَةَ أیُّهُمْ أَقْرَبُ وَیَرْجُونَ رَحْمَتَهُª (الإسراء 17: 57).

إنّ الآیة الأولى لا تأمر باتخاذ الوسیلة إلى الله تعالى فحسب، بل بابتغاء الوسیلة إلیه $، والابتغاء من "البغی"، وهو «الطلب الشدید الأکید. والابتغاء: اختیار هذا الطلب» (المصطفوی،2009م،ص 118).

لا تهدف هذه الدراسة إلى تبیین حقیقة التوسّل وشرح أنواعه، وذکر الآیات والأحادیث التی تؤکّد علیه، ولا إلى ذکر النصوص الشرعیة التی تدعو إلى ولایة أولیاء الله، وقبول الأعمال التّوسّلیّة وأهلیة أهل بیت النبوة D للإیصال إلى الله #؛ لأنّه لا تتّسع هذه العجالة السریعة مثلَ هذه الأقوال، بل تهدف إلى تبیین آراء محمد عبده فی مجال التوسل إلى أولیاء الله تعالى، وزیارة أضرحتهم، وتأثیر هذه الآراء فی أشعار حافظ إبراهیم.

کان الشیخ یرى أنّه لم یکن فی القرون الثلاثة الأولى من الإسلام شیء من هذا التوسّل، ولا ما یشبهه بوجه من الوجوه، وکتب السّنّة والسِّیر بین أیدینا شاهدة بذلک. فکلّ ما حدث بعد ذلک فأقلّ أوصافه أنّه بدعة من الدین ... ویرى أنّ تعظیم الأولیاء یکون باختیار ما اختاروه لأنفسهم، لا بتفخیم الألفاظ عند ذکرهم، واختراع شؤون لهم مع الله لم ترِد فی کتاب الله ولا سنة رسوله9 (عبده،ج1993م،ص 537). ویقول إنّ اعتقاد النّاس بأنّ للنبی J والأولیاء جاهاً عند الله تعالى له معنیان: الأوّل معناه اللغوی فهو السلطة، وإنّه مبتدَع بعد القرون الثلاث، وفیه شبهة الشرک؛ والثانی أنّه مؤوّل بصفة من صفات الله کالاجتباء والاصطفاء، وأنّه لا علاقة له بالدعاء، ولا یمکن لمتوسّل أن یقصده فی دعائه. وکان یعتبر الشیخ زیارة الأضرحة من أعمال الوثنیین، ویرى أنّ الإسلام یأباه، وذاتَ مرّة نهى أحد وجهاء المصریین عن زیارة أحد أولیاء الله (المصدر نفسه، ص 535).

وأجاب فی سؤال أحد مسؤولی الأوقاف عن جواز هدم القبّة التی کانت فی شارع مطروق لیلاً ونهاراً، معرّضة للقاذورات أجاب قائلاً: «المروی عن الإمام أبی حنیفة أنّ بناء بیت أو قبّة على القبر مکروه؛ وذلک یدلّ على أن لا بأس بهدم القبّة المذکورة، بل إنّه الأولى. فإذا کانت تجتمع حولها القاذورات واعترضت فی الطریق، تأکّدت الأولویة» (عبده، ب 1993م،  ص 518).

لا بدّ من الذکر بأنّ هذه الدراسة لا تهدف إلى نقد آراء محمد عبده فی هذا المجال، والإجابة عن أقواله، بل کلّ ما تریده هو نقل آراء الشیخ حول هذه المسائل.

 

أشعار حافظ إبراهیم فیما یخصّ التوسل إلى الأنبیاء والأولیاء وزیارة أضرحتهم:

إنّ حافظاً نشأ فی المجتمع المصری، وقضى شطراً طویلاً من حیاته فی مدینة طنطا؛ حیث کان النّاس یحتفلون أسبوعاً تامّاً من کلّ عام بمولد السید أحمد البدوی. ثم انتقل إلى القاهرة، وتنقّل فی أنحاء مصر؛ فوجد أنّ عادة الاحتفال بأولیاء الله تعالى تضرب فی نفوس المصریین بجذور أعمق، وأراد أن یعبّر عمّا یعبّر غیره من الغیورین على العقیدة (عبدالله،د. ت، ص 68)، ومن أقوال محمد عبده واضح أنّه کان من هؤلاء الغیورین على عقیدتهم. إنّ حافظاً یقول:

أَحیـاؤُنا لا یُرزَقـونَ بدرْهَم                            
 
 

 

وبِأَلفِ أَلفٍ تُرزَقُ الأمـواتُ
 
 

مَـنْ لـی بحظِّ النّائمینَ بحُفْـرَةٍ                           
 
 

 

قامَتْ عَلى أحجارها الصَّلواتُ
 
 

یَسْعَى الأنامُ لَها   ویَجْـری حَولها

 

بَحْـرُ النُّذورِ وتُقرَأ الآیاتُ
 
 

وَیُقالُ هذا القُطبُ   بابُ المُصطَفى                             
 
 

 

وَوَسیلَةٌ تُقضـى بها الحاجاتُ
 
 

 (حافظ إبراهیم،1987م،ص  318)

إنّ حافظاً لا ینکر قدر أولیاء الله الذین ثبت جهادهم، وإنّما ینکر أن یتخذهم البشر وسیلة للتقرب إلى الله لقضاء الحاجات. إنّ هذه العادة کانت تثیر جدلاً من حین لآخر بین أنصارها والغیورین على عقیدة أهل السنة. وفی موضع آخر ترى حافظاً یُهیب بمحمد عبده لمقاومة هذه العادة ویقول:

إمامَ  الهُدَى! إنّی أرَى القَوْمَ   أَبْدَعُـوا                              
 
 

 

لهم بِدَعَاً عَنْهَـا الشَّـریعَةُ تَعْزفُ
 
 

فأشْـرِقْ عَلى تِلک النُفـُوسِ لَعَلّها
 
 

 

تَرِقُّ إذا أشْرَقْتَ   فیهـا وتَلطُفُ
 
 

رَأوا فـی قُبــورِ المَیِّتینَ حَیاتَهُم
 
 

 

فقامـوا إلـى تلک القُبورِ وطَوَّفوا
 
 

وباتوا علیها جـاثمینَ کأنَّهُم
 
 

 

عَلَـى صَنَـمٍ للجـاهـلیَّة عُکَّفُ
 
 

 (السابق، ص 22)

فیذمّ الذین یذهبون إلى زیارة أضرحة الأولیاء، ویشبه عملهم بأعمال الجاهلیة، ویرید من الشیخ أن یقضی على هذا الأمر.

 

النتیجة

لا ترید هذه الدراسة مدح الشاعر أو ذمه أو نقد آرائه، بل کلّ ما ترمی إلیه هو تبیین وجوه تأثیرات محمد عبده فی أشعار حافظ إبراهیم الدّینیة. فشاعر النّیل تأثر بأستاذه محمد عبده فی أشعاره الدّینیة، وإنّ هذه التأثیرات ظهرت فی الحجاب والزکاة والشورى والإصلاح الدینی والجهاد والتسامح الدینی والتوسل إلى أنبیاء الله وأولیائه $ وزیارة أضرحتهم. وفی مسألة الحجاب نرى أشعاره مماثلة بآراء الشیخ، وکأنَّ حافظاً ینضد آراء الشیخ. إنّه ینوّه أعمال محمد عبده فی مجال الإعانة إلى الفقراء، ویحثّ الناس على الزکاة.

یرى حافظ أنّ الشورى سبیل النجاح وتقدم البلاد، ویهاجم البدع الدینیة المستحدثة، ویمدح الشیخ لجهوده فی سبیل إزالة الأوهام والخرافات التی دخلت فی الدین وعادات الشعب.

إنّه کان یرید من شعبه المقاومة ضد الأعداء، ویدعو إلى الجهاد، ویحضّ النّاس على الوحدة الوطنیة، ونبذ الشقاق، ویحسّ بأنّ الاختلاف بین العقائد الدّینیة یمکن أن یصبح مشکلة عظیمة؛ ولذلک قام لسدّ هذا الباب بأشعاره.

إنّ حافظاً یحترم أولیاء الله، لکنّه ینکر التوسل بهم، ویرفض اختیارهم وسیلة للتقرب إلى الله، ویعتبر زیارة الأضرحة من أعمال الوثنیین.  إنّ الأمر الذی لا یمکن إغماض العین عنه، هو أنّ حافظاً کان فی نفسه مائلاً إلى تنویه هذه القیم، ومع ذلک کان متأثراً بآراء محمد عبده؛ وکان لهذه الآراء أثرٌ کبیرٌ فی أشعاره.

إنّ حافظاً لم یکن تابعاً لآراء الشیخ فی کلّ أشعاره، ووجود الخمریات والغزلیات خیر حجة ودلیل على ذلک. ولو کان تابعاً لآراء الشیخ بصورة کاملة، للزم أن یکون دیوانه خالیاً من هذه الأشعار.

إنّ آراء الشیخ فی هذه المجالات التی سبق ذکرها کان أعمق من آراء حافظ إبراهیم.

إنّ الشاعر لا یحتاج إلى من یدفعه إلى التعبیر عن القیم الدّینیة، لکنّه لیس فی غنى عمّن یرشده فی هذه الأمور، ولیس حافظ إبراهیم یستثنى عن هذا الأمر؛ خاصة أنّه کان ضیّق الثقافة، وفی حاجة ماسّة إلى هذا الإرشاد؛و لذلک أخذ قسماً عظیماً من ثقافته عن طریق تعالیم الشیخ.



[1]ــ راجع مجلةالجمعیةالعلمیةالإیرانیةللغةالعربیةوآدابها (فصلیة محکّمة)، العدد ١٢، خریف ١٣٨٨ هـ. ش/ ٢٠٠٩ م، صص ٢٣ــ39.

[2]ــ یرید بقوله: «یحسّ نبو الوتر»أنّه کان یدرک بلطف حسّه ودقّة ذوقه ما نبا من الألفاظ والعبارات ولم ینسجم مع ما جاوره فی البیت أو القصیدة.

1ــ حطام الدنیا: المال قلّ أو کثر.

[4]. تزع الهوى: تکفّه وتزجره.

[5]. لا براح: لا ریب. تفُلّ: تثلم وتکسر. الغرب: الحدّ.

[6]ـ یشیر بذلک إلى ما کان ینشر فی مجلة المنار فی تفسیر الأستاذ الإمام لبعض آیات القران .

1ــ الأسد: شعار الدولة الإنجلیزیة.

[8]ـ هم مسیحیون أرثذوکس.

القرآن الکریم.

1ــ إسماعیل، عزالدین. (1996م).  الشعرالعربی المعاصر وقضایاه وظواهره الفنیة والمعنویة. بیروت: دار الثقافة العربیة.

2ـ أمین، عثمان. (1968م).  محاولات فلسفیة. (ط 2). القاهرة: مکتبة الأنجلو المصریة.

3ـ  بدوی، عبدالرحمن محمد. (2005م).  الإمام محمد عبده والقضایا الإسلامیة. القاهرة: مطابع الهیئة المصریة العامة.

4ـ حافظ إبراهیم، محمد. (1987م). الدیوان (ضبطه وصحّحه وشرحه ورتّبه أحمد أمین، وأحمد زین، وإبراهیم الأبیاری).  (ط 3). القاهرة: الهیئة المصریة العامة للکتاب.

5ـ حافظ إبراهیم،محمد.  (1997م). لیالی سطیح. القاهرة: دار الفکر العربی.

6ـ حسین الدسوقی، منى. (1991م). الشیخ مصطفى الغلایینی فی مفاهیمه الإصلاحیة: دراسة مقارنة بینه وبین الشیخین جمال الدین الأفغانی ومحمد عبده. (ط 1). بیروت: المکتبة العصریة.

7ـ حسین، طه.  (1933م). حافظ وشوقی. القاهرة:  مکتبة الخانجی.

8ـ الدسوقی، عمر. (آ 2003م): فی الأدب الحدیث. (ج 1). (ط 2). بیروت: دارالفکر.

9ـ ـــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 2003م): فی الأدب الحدیث. (ج 2). (ط 2). بیروت: دارالفکر.

10ـ الراغب الإصفهانی، حسین بن محمد. (1416هـ). مفردات ألفاظ القرآن. (تحقیق صفوان عدنان داودی). (ط 1). بیروت:دار القلم؛ دمشق:الدار الشامیة.

11ــ الرافعی، عبدالرحمن. (1966م). شعراء الوطنیة فی مصر. (ط 2). القاهرة:دار المعارف.

12ــ رشیدرضا، محمد. (آ 1931م). تأریخ الأستاذ الإمام محمد عبده. (ج 1). (ط 1). القاهرة: مطبعة المنار.

13ــ ــــــــــــــــــــــــــــــ . (ب 1931م). تأریخ الأستاذ الإمام محمد عبده. (ج 3). (ط 1). القاهرة: مطبعة المنار.

14ــ الرمادی، جمال الدین. (د. ت). من أعلام الأدب المعاصر. القاهرة: دار الفکر.

15ــ سند الجندی، عبد الحمید. (1992م). حافظ إبراهیم شاعر النّیل. (ط 4). القاهرة: دار المعارف.

16ــ ضیف، شوقی. (1961م). الأدب العربی المعاصر فی مصر. (ط 10). القاهرة: دار المعارف.

17ــ ـــــــــــــــــــــــــــــ. (1987م).  فی التراث والشعر واللغة. القاهرة: دار المعارف.

18ــ عبدالله، السعید محمود. (د. ت). حافظ إبراهیم: دراسة تحلیلیة لسیرته وشعره. القاهرة: طباعة مرکز الدلتا.

19ــ عبده، محمد. (آ 1993م). الأعمال الکاملة. (جمعها وحقّقها وقدّم لها محمد عمارة). (ج 1). (ط 1). بیروت: دارالشروق.

20ــ ـــــــــــــــــــــــ. (ب 1993م). الأعمال الکاملة. (جمعها وحقّقها وقدّم لها محمد عمارة). (ج 2). (ط 1). بیروت: دارالشروق.

21ــ ــــــــــــــــــــــــ. (ج 1993م). الأعمال الکاملة. (جمعها وحقّقها وقدّم لها محمد عمارة). (ج 3). (ط 1). بیروت: دارالشروق.

22ـ ـــــــــــــــــــــــــ. (د 1993م). الأعمال الکاملة. (جمعها وحقّقها وقدّم لها محمد عمارة). (ج 4). (ط 1). بیروت: دارالشروق.

23ــ ــــــــــــــــــــــــ. (هـ 1993م). الأعمال الکاملة. (جمعها وحقّقها وقدّم لها محمد عمارة). (ج 5). (ط 1). بیروت: دارالشروق.

24ــ کرد علی، محمد. (1993م).  المعاصرون. (علّق علیه محمد المصری). (ط 2). بیروت: دارصادر.

25ــ محمد عویضة، محمد. (1993م). حافظ إبراهیم شاعر النیل. بیروت: دارالکتب العلمیة.

26ــ محفوظ، أحمد. (د. ت). حیاة حافظ إبراهیم. القاهرة:مؤسسة نصار للنشر.

27ــ المصطفوى، سیدحسن. (2009م). التحقیق فی کلمات القرآن الکریم. (ج 13). (ط 3). لندن: مرکز نشر آثار العلامة المصطفوی؛ بیروت: دار الکتب العلمیة.

28ــ واصف، أبوالشباب. (١٩٩٨م). القدیم والجدیدفیالشعرالعربیالحدیث. بیروت: دار النهضة العربیة.