أسئلة الإبداع عند البَرَدّوني

نوع المستند : المقالة البحثیة

المؤلف

 استاد گروه زبان و ادبيات عربي ـ دانشگاه دمشق

المستخلص

يدور البحث حول تعريف الأديب اليمني عبدالله بن صالح الملقب بالبردّوني، وهو کاتب و شاعر يمني کبير وفي نفس الوقت ناقد و مورخ. والبردّوني قضى سنوات دراسته الأولى في الکتاتيب، وفيما بعد انتقل إلى الجامع الکبير في صنعاء. ثم انتسب إلى دار العلوم، وتخرّج منها مدرّساً للأدب. کان الشاعر ذا نزعة رومانسية في شعره بنوعيه العمودي والتفعيلة، وهو من مؤسسي اتحاد الأدباء والکتّاب اليمنيين، کما عُيّن رئيساً لها فيما بعد. ونال عدة جوائز منها: جائزة اليونسکو. وله اثنا عشر ديواناً وثماني دراسات.
إن صورة الحب الوطني الرومانسي يشرق في أشعار البردّوني، وفي هذا المجال لم يتوان من النقد اللاذع لسلاطين اليمن ولا سيما أحمد حميد الدين، کما تطرّق إلى قضايا تهمّ العالم العربي؛ مثل القضية الفلسطينية والعروبة والوحدة العربية.
   

الكلمات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Innovation and in Baraddooni’s Poetry

المؤلف [English]

  • Hussein Jumaa
Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Damascus
المستخلص [English]

The present paper aims at introducing the contemporary poet and writer of Yemen, Abodllah ibn Saleh, known as Baraddooni. He was a great poet and writer as well as a critic and historian. He studied in ‘Aljameol-Kabir’ in Sana. To continue his education, he then attended ‘Darololum’ from which he graduated in Arabic Literature. He was a Romantic poet with old and new style poetry. He established ‘The Yemen Association for Poets and Writers’. He received several international prizes including the UNESCO prize. He has 12 books of poetry and eight pieces of research. The theme of his poetry is the love for the country and in this line is his criticism of some politicians such as Ahmad Hamidoddin. Also important in his poems are: the issue of Palestine, Arab Nationalism and Arab unity.
 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Barddooni
  • Yemmen’s poets
  • Patriotism
  • Political poetry
  • Palestine issue
  • Arab nationalism
  • Arab unity

المقدمة: خلود البردّونی

یأتی عام ویرحل آخر، ومن ثم ترى قوافل الزمن وقد برعت فی نسج أحداثها؛ وبقیت الأجیال الشاهدَ الأبدی علیها، أیّاً کانت اتجاهاتها وصدماتها ومتغیراتها وتأثیراتها... ویظل المبدعون والمفکرون والنّقّاد أکثر توهّجاً وفاعلیة فی مسیرة الزمن والحیاة، وإن أسلموا أرواحهم لبارئهم. لقد مضوا فی رحلة الغیاب الأبدیة، بید أنهم ما یزالون یمثّلون الجوهر الحیوی فی الثقافة الإنسانیة والذاکرة البشریة. فإذا انقطعت أجسادهم من الدنیا، فهم خالدون بما ترکوه من أشرعة الإبداع والنقد والفکر والفلسفة التی یتلقّفها العقل البشری، بوصفها إنجازاً بشریاً یخترق ذواتَهم لخدمتها، وقد غدت إبداعاتهم إشعاعاً یُنیر الطریق ویثری المعرفة والحیاة.  

إنها تستعصی على النسیان أو الموت، کما ذهب إلیه رولان بارت فی نظریته (موت المؤلف). ولعل هذا یؤکد أن الإبداع الحقیقی لم یُخْلق لزمان محدد، ولا یمکن أن یکون صورة له فحسب، بل هو صورة تؤکد خصوصیتها اللغویة والثقافیة فی الوقت الذی لا تتناقض فیه مع ماهیة الإبداع فی کل زمان ومکان؛ إذ تستوعب أبنیتَه المتطورة والمستمرة.

وکل من یتناول فرضیة تبدّل الأزمان وخلود المبدعین وتقنیات ما أبدعوه، لا یمکنه أن ینسى الکاتب المبدع والشاعر الیمنی والناقد والمؤرخ عبد الله بن صالح بن عبد الله بن حسن الذی اشتُهر بلقب «البَرَدُّونی»، نسبة إلى بلدته «البَرَدُّون»، التی ولد فیها عام 1929، وتوفی فی 30/8/1999م.

وکان قد أصیب بمرض الجدریّ فی عام 1933م، فأدّى إلى فَقْد بصره، ولم یکد یتجاوز الخامسةَ من عمره أو السادسة، بید أن هذه المعاناةَ لم تسجنه داخل أسوارها، ولم تُفقده الحماسةَ المبکرة فی طلب العلم. فتقدم نحو هدفه على صغر سنه بجرأة وشَجاعة؛ إذ أقبل على شیخ الکُتّاب فی القریة، شاقّاً طریقه إلى حفظ القرآن الکریم والحدیث الشریف، وتعلّم التجوید. وسرعان ما انتقل فی عام 1937م إلى مدینة «ذمار» فی سنِّه الثامنة. فدخل المدرسة الشمسیة التی نال فیها حظّاً من العلم، وتمرّس فی تلاوة القرآن وحفظه. کما تعهد الشعر بالحفظ والدرس، وقد أخذ یغزو فؤاده، ویسیطر علیه منذ بلغ الثالثةَ عشرةَ، دون أن یقع فی مطبّ الاختیار الفوضویّ؛ إذ اختار من دواوین القدماء ما یلبّی طموحه، ویُرضی عقله، ویُهدّئ مشاعره. ثم انتقل الفتى الضریر المشغوف بالأدب والثقافة والعلم إلى صنعاء عام 1949م، فلقی عنایة علماء «الجامع الکبیر»، وتلقّف على أیدیهم بعض العلوم الشرعیة وعلوم الفقه. ثم انتسب إلى «دار العلوم»؛ فأتم دراسة تلک العلوم وغیرها. فاستحق الإجازة منها بامتیاز. وهی التی أهّلته لیکون مدرّساً فیها للأدب (1953 ــ 1962م). فازداد خبرة ونضجاً. ثم التحق بالإذاعة مشرفاً على البرامج الثقافیة (www.albaradoni.com).

وعلى الرغم من اشتغاله فی حقول شتى کالنقد والتأریخ والثقافة، فهو الشاعر الذی توهّج قلمه منذ یَفاعة عمره، ولا سیما أنه جعل حیاته ومنابع الأحداث التی تعرّض لها وطنُه مادةَ إبداعه. فکان یُرسلها شکلاً تعبیریاً واضحاً ودقیقاً لا یتردد فیه ولا یتراجع، شکلاً یجذب مشاعر المتلقّی، ویستجیب لتطلّعاته، ولا سیما حین طَرد من بیانه فکرةَ الزمن المشرّد، لیعیش داخل الزمن الذی یَتُوق إلى التحرر والتقدم والارتقاء والأمان. فالبردّونی على قبح ما أصاب وجهَه، وحیاتِه الاجتماعیة من أزمات ــ ولا سیما فی عهد الإمام «أحمد حمید الدین» الذی سجنه ــ لم یکن یستقبل زمنه بالتأوّه والحسرات، وندْب العثرات، وإنما کان یستنهض الواقع والوجدان فی إبداعه المتجدد القادر على تجاوز الزمن الْمُوارب، ویولد فی النفس الاستجابة تلو الاستجابة، وهو یطالعنا بأسئلة الرؤیة والموقف منذ بدایة القصیدة، دون أن یقع فی حالة المغامرة والمجازفة.

ولا مِراء لدینا أن الشاعر البردّونی اعتمد فی بدایة حیاته نظام القصیدة العمودیة المضمّخة بالنزعة الرومانسیة المشحونة بعاطفة شدیدة جیّاشة؛ عاطفة حزینة تندمج اندماجاً جمیلاً بالطبیعة والافتتان بها. ثم راح ینظم قصیدة المقاطع المتنوعةَ القوافی. ثم الشعر الموزون على التفعیلة؛ وکأن هذه الأشکال الفنّیّة تعبّر عن مراحل حیاته على نحو کبیر، دون أن یکون هناک فاصل حَدّی بین تلک الأشکال. فالشاعر یتجاوز ضفاف الشعر بأشکاله المختلفة، لیغوص فی عمق الرؤى خَیالاً وتصویراً، لیفضح الأنماط المزیّفة والمبهرجة. فحین کتب القصیدة العمودیة، کانت موهبته المتفرّدة تستیقظ متألقة فی تناول موضوعات حیاتیة مهمة، وتنساب بلُیونة ومرونة، وقد تجاوزت الغَثاثة التی سیطرت على منظومات عدد من الشعراء. لقد ظلّت قصیدته مُنمنمةً إبداعیة من جهة، والفکرة والأسلوب والإیقاع.

وأیّاً کان الشکل الفنی للشعر لدیه، لم یکن مجرد شکل فنّیّ یستعید الإصغاء إلى الماضی، ویعبث بالوجدان العامّ، وإنما کان شکلاً فنیاً یستحضر التاریخ والوجود، لیخلق ذاته فی زحمة الکلام العبثیّ. فلا عجب بعد هذا کلِّه أن یکون أبرزَ مؤسسی «اتحاد الأدباء والکتّاب الیمنیین»؛ ومن ثمّ انتُخب رئیساً له فی مؤتمره الأول.

والبردونی یستحق ذلک وأکثر، وهو الذی نال جوائز عدة مثل «جائزة أبی تمّام» فی الموصل عام 1971م، و«شوقی» فی القاهرة (1981م)، والأمم المتحدة (الیونسکو) (1982م)، ومهرجان جَرْش الرابع بالأردن (1984م)، والسلطان العویس فی الإمارات (1993م) (www.albaradoni.com).

وقد عُنی الدارسون بدواوینه کلها؛ إذ بلغت اثنی عشرَ دیواناً، مثل: من أرض بلقیس، وفی طریق الفجر، ومدینة الغد، ولعینی أم بلقیس، والسفر إلى الأیام الخُضر، ووجوه دخانیة فی مرایا اللیل، وجَوّاب العصور، کما عُنوا بأبحاثه ودراساته التی بلغت ثمانی دراسات؛ منها: رحلة الشعر الیمنی قدیمه وحدیثه،والثقافة والثورة،وأشتات (السابق). وکان نتاجه الأدبی والثقافی مدار رسائل علمیة للماجستیر والدکتوراه، فضلاً عن ترجمة قسم من ذلک الإنتاج إلى لغات عالمیة شتّى کالإنجلیزیة والفرنسیة.

أسئلة الوجع الکبرى

کلما ذُکرت الیمن، زحف إلى الذاکرة أسماء ترتبط بها؛ أسماء سَجّلت ذاتَها فی لوح الخلود. فما إن تذکر الیمن حتى یُذکر اسم سبأ، ومأرب، وبلقیس، وصنعاء وعدن، والهمدانی، وعلی أحمد باکثیر. وحین کانت تُذکر بذلک، فإنها أضحت الیوم تُذکر باسم عبد الله البَرَدُّونی.

ولیس هذا على البردّونی بکثیر؛ فهو یتقدم إلینا من صمیم التاریخ الیمنی، وقد بثّه لواعج الشوق، ومَنَحه بَیْدراً من دِفء العاطفة فی دیوانه الأول لأرض بلقیس (1961م). ثم أشعل لأرض بلقیس بیارق الصبح، فقایضَ الاحتراق بالاحتراق، وهو یغنّی لعینی أم بلقیس (1973م). وکان قد حاک من تاریخ الیمن وثقافتها دررَ الشعر وهو یُبحر فی طریق الفجر  (1968م). فالبردّونی عاشق متعبد لمحراب الیمن وثقافتها الأصیلة التی فجّرها أبناء الیمن حضارة عریقة، وما کان هذا منه إلا سعیاً نحو نهضة ثقافیة أدبیة راقیة فکان دیوانه السفر إلى الأیام الخضر (1974م).

فالبردّونی ولد فی رحم الحضارة المتوهّجة بالأسئلة التی تنتشل الأعصاب المریضة من واقعها المتردّی، وکان کُمون إبداعه أو اختماره یتحرّک فی جذور الأصالة، لیشرق فی صورة الحب الوطنی الرومانسی الأبهى ــ وقد مزج بین الأرض والمرأة ــ ، ولکنه حبّ یتعالى على صدإ النفس، وحالات التعب العابر، وفق ما عبّر عنه فی دیوانه مدینة الغد(1970)، ووفق ما عبّرتْ عنه قصیدته «مغنّی الغبار». فالشاعر یغنّی لذاته المتألمّة، وقد أنهکها البحث عن الوجود الأفضل. إنها قصیدة تبرز ذاتها بکثرة الأسئلة عن ثمرة الحیاة الإنسانیة التی تخلق السعادة بدل أن تخلق التّعاسة والشقاء. إنها قصیدة تذکّرنا بمثیلاتها التی تناولت جوهر الوجود الإنسانی، والمصیر الذی ینتهی إلیه. ومن ثم تضع ذاتها فی أُتون القلق الوجودی، لتشی بتطلّع فکری یخترق عوالم الآخرین. ومنها:

إلى أین؟ هذا   بذاک اشتبه
 
 

 

ومن أین یا آخر   التجربهْ؟!
 
 

إلى أین؟ أضنى   الرصیفَ المسیرُ
 
 

 

وأتعبت الراکبَ   المرکبهْ
 
 

وعن کل وجهٍ   ینوب القناع
 
 

 

وترنو المرایا   کمستغربَهْ
 
 

إلى أین، من   أین؟ یُدْنی المَتاه
 
 

 

بعیداً، ویستبعد   المَقْرُبَهْ
 
 

سؤالٌ یولّی،   سؤالٌ یُطلُّ
 
 

 

ومن جلدها تهرب   الأجوبه
 
 

ویظمأ إلى شفتیه   النداء
 
 

 

وتأتی القنانی   بلا أشربَهْ
 
 

(البردّونی، 1979م، ص 12).

فالأسئلة عند البردونی لیست أسئلة مزیَّفة، ولا تحتاج إلى أجوبة، إنها تشکّل بنیة ثقافیة، وحالة شعوریة مکثّفة تؤدی فی نهایة المطاف إلى التعبیر عن رؤیة جدیدة تصوغ الحیاة صیاغةً أکثر، تعبیراً عن آدمیّة الإنسان. فإذا کان الناس یضطلعون بمهمّة بناء المُثُل والقیم النَّهضویة والمتقدّمة، فإنه یطلب فی نهایة القصیدة من کل إنسان أن یتمرّد على موته؛ فیقول:

عرفتُ القرارات   رغم السطوح
 
 

 

کما تعرف   الخنجرَ الأَرْنَبَهْ
 
 

قتلت مراراً فزد   مرّةً
 
 

 

یُحسّوا بأن   القتیل انتبه
 
 

(السابق)

هکذا جاء البردّونی من ذاکرة الغیب لیملأ الحیاة بصوت شعری یُفیض برهافة الذوق، وحسّاسیّة الکلمة الشعریة التی تتمتّع بجاذبیّة خاصة؛ وصورة موحیة تعبّر عن عذاب المهمومین بالمصائب، والمُثقَلین بأنّات المتعبین من مآسی الزمن الردیء. إنه یعیش غربة کئیبة فی واقع لا یندُّ منه إلا مفرداتُ الألم والخیبة، ولکن لا سبیل له إلا أن یفرج عنها بالصبر على ألم الجرح، وهو یسمع نَزیز الدم؛ فیحوّل صورته البصریة إلى صورة سمعیة تضجّ بالحرکة والأنین، وآهات المتحسّرین والنادبین والباکین.

إنها لوحة فنیة تُصیخ إلیها الأذنُ بالسمع أکثر مما تقع علیها العین؛ وکأنها حالة تعویضیة عن فَقْده لبصره؛ فیقول معبّراً عن ذلک من قصیدته «فلسفة الجراح»؛ ومنها:

متألّمٌ، مِمَّ   أنا متألمٌ؟!
 
 

 

حار السؤال   وأَطرق المستفهمُ
 
 

ماذا أُحسُّ؟   وآهُ حزنی بعضه
 
 

 

یشکو فأعرفُه،   وبعضٌ مُبْهَم
 
 

بی ما علمتُ من الأسى الدّامی وبی
 
 

 

من حُرقة   الأعمال ما لا أعلمُ
 
 

وکأنّ روحی شعلة   مجنونة
 
 

 

تطغى فتُضرمنی   بما تتضرم
 
 

وکأنّ قلبی فی   الضلوع جنازة
 
 

 

أمشی بها وحدی   وکلّی مأتم
 
 

أبکی فتبتسم   الجراح من البکا
 
 

 

فکأنها فی کل   جارحةفَمُ
 
 

(البردّونی، 1986م، ص 23)

فهذه الأبیات تتفجّر بالهموم واللوعة التی تَکوی القلب، ویعبّر عنها بطبع مُواتٍ وفطرة نقیة... وبخاصّة حین جعل حاسة السمع تعانق حاسة البصر، وهو ینقل إلینا المشهد الجنائزیّ. إنه یُمعن فی إیهام المتلقّی، ما یمکننا أن نقول: لو أردتَ التقاط هذه المعانی بالید، لأمکنک هذا؛ وهذه هی صفة الإبداع العظیم. وکل هذا ینبثق من تجربة الشاعر؛ فهو المنکوب بأوجاع متلاطمة، بیدَ أنها لم تستطع أن تُفقده شعریَّته المتألمة التی أرسلها فیضاً من الآهات المعبّرة عن قضیته الکبرى الباحثة عن الوجود الأفضل، والنهوض من تحت الرماد وحطام الذات إلى فضاء الیقظة وتحقیق الحلم المنشود.

فالنص لم یَغرق فی غوایات المعاناة القاسیة ومفارقاتِها، ولم یعلّق بأهداب الفناء فی الحزن، أو یستسلم له على عظمة إحساسنا بذلک کله، وإنما سعى إلى قراءة الحزن فی صمیم بسمة الأمل الذی یَغمُر قلبه العامر بالحبّ، والحنان الذی یلفّ مجامع حیاته. ولهذا کان یطیر بأجنحة اللغة إلى آفاقٍ رحبة من العطاء المحمول على جَناح التحرّر من البؤس والخوف، مازجاً بین الألم الظاهر والأمل الباطن.

وحینما راودتْه الأسئلة الموجعة الکبرى حول الطغاة والفاسدین الذین یعیثون فی الأرض خراباً ودماراً، ویسرقون جهد الفقراء وتعبهم، کان محمولاً على الأمل بالخلاص من هذا الإرث الظالم. فاللیل مهما طال، سیعقبه ضوء النهار.

ومن هنا نفهم فحوى الأسئلة الموجعة التی تمدّنا بأفکار شتّى، وتکشف عن معاناة الفقراء مع الأغنیاء المستبدین. فرسالة عبدالله البردّونی رسالة الباحثین عن الحریة والکرامة الإنسانیة؛ لهذا یطلّ علینا البردّونی شامخاً قویاً، مشرفاً على الفجر: فجر الحریة، وهو یوجّه أسئلته إلى الطاغیة «أحمد حمید الدین» فی قصیدته «عتاب ووعید»؛ ومنها:

لماذا لیَ الجوع   والقصفُ لک
 
 

 

یناشدنی الجوع   أن أسألکْ
 
 

وأغرس حقلی   فتَجنیه أنـ
 
 

 

ـت وتُسکر من   عرقیَ منجلَکْ
 
 

وتقتات جوعی   وتدعى النزیه
 
 

 

وهل أصبح اللص   یوماً ملکْ؟
 
 

لماذا تسود على   شقوتی؟
 
 

 

أجب عن سؤالی   وإن أخجلکْ
 
 

لماذا تدوس حشای   الجریح
 
 

 

وفیه الحنان   الذی دلّلکْ
 
 

ولا، لا تقل:   أین منی غد؟
 
 

 

فلا لم تسمّر   یداک الفلَکْ
 
 

غداً لن أصفّق   لرکب الظلام
 
 

 

سأهتف: یا فجر،   ما أجملَکْ!!
 
 

(البردّونی، 1983م، ص 82)

فالبردّونی لم تفترسه بهرجة السلطان، ولم ینکسر أمام قوته، ولم یَزفِر زفرة العجز والانسحاب إلى الخلف، وإنما جعل مهمته الوطنیة صموداً أمام الیَباس، والدفاع عن المسحوقین، وإیقاظ النفوس الظالمة من غیّها الذی سَدِرت فیه، وتنبیهها على أفعالها التی تؤذی خلق الله.

ویشدّد على ذکر المصیر الذی سیؤول إلیه الجمیع. ومن ثم ینتهی إلى هذا النداء الحالم بالأمل: «یا فجرُ»، وکأنی به یرید التّخلّص من الأوجاع التی تکوّمتْ علیه فی أحضان الزمن المریض الذی ساد فیه الظلم والقهر. فلسان حال الشاعر یُثبت أن المواطنة واحدة فی الوطن، فلماذا یحاصر الفقر والجوع أناساً على حین یتولّى قلّةٌ من أناس آخرین حقَّ التّصرف بقوت الآخرین؟! فالشاعر یعبّر عن آلام المسحوقین، وقد أحبطوا بنتیجة ما یَجنَونه حین یذهب إلى أیدی الظَّلمة والمستبدّین.

فالبردّونی یستفزّ الرغبة فی الثورة على القهر والظلم، وعلى کل إنسان أن یتحفّز لمصیره الذی یصنعه بیدیه؛ إذ لا یجوز أن تصبح البیئة، أیُّ بیئة، مسیطرةً علیه؛ لذلک یخاطب سَجّانه الإمام «أحمد حمید الدین» قائلاً:

وأضعتُ الخطو فی   شوک الدجى
 
 

 

والعمى والقید   والجرح رفاقی
 
 

فی سبیل الفجر   ما لاقیتُ فی
 
 

 

رحلة التیه وما   سوف ألاقی
 
 

سوف یَفنى کلُّ   قید وقوى
 
 

 

کل سفّاح وعطر   الجرح باقی
 
 

(البردّونی، 1983م، ص 119)

إن المتلقّی یذهل بتجربة البردّونی التی صاغها فی قصائده؛ وهی تجربة تؤکد ذاتها مشروعاً ثقافیاً وطنیاً وقومیاً؛ أی: إن تجربته الشعریة تصوغ وعیه الخلّاق فی سیاقات تنطلق من واقعه، وواقع أمة وثقافتها وتاریخها، لتضیء شعلة المستقبل، ما جعله یقف مدافعاً عن وجودها ورسالتها، ومواجهة أعداء الوحدة العربیة بقوة ووعی متوثّب لکل عارض.

وما من أحد یتعرّض لأهداف قصائده ووظائفها الإبداعیة، إلا یقف تقدیراً وإجلالاً لها بوصفها تعبیراً عن حال الأمّة والأمل بالغد القادم؛ کقصیدته المشهورة التی ألقاها فی مهرجان «المربد» بعنوان «أبو تمّام وعروبة الیوم». فالبردّونی تحمل مسؤولیته الکبرى حین اقتحم شعره المخاطرَ، وعبّر عن القضایا الکبرى، ولاسیما قضیة الانتماء إلى الهویة (العروبة) وقضیة فلسطین. فأی قضیة کانت عنده مصدر مادة إبداعیة تستلهم الرغبة فی التغییر، والبحث عن الحُلم المنشود الممثَّل بوحدة العرب الکبرى.

فالشاعر یحسّ بغربته المرّة وهو یبحث عن هذه الوحدة؛ فتمتلئ نفسه بفرح لقاء سوریة ومصر فی (22/2/1958م)؛ فینطلق لسانه بالبوح عن ذلک، وقد لاذ بجوهر الرؤیة. ومما قاله آنذاک فی قصیدة «زحف العروبة»:

لبّیک یا بن   العرب أبدع دربنا
 
 

 

فتنَ الجمال   المسکر الخلاَّب
 
 

فتبرّجت فیه   المباهج مثلما
 
 

 

تتبرّج الغادات   للعُزّاب
 
 

واخضرّت الأشواق   فیه والمُنى
 
 

 

کالزهر حول   الجدول المنساب
 
 

ومضى به زحفُ   العروبة والدُّنى
 
 

 

ترنو، وتهتف:   عادَ فجر شبابی
 
 

 (البردّونی، 1983م، ص 23)

فالقصیدة تخترق الذاکرة والعواطف بصورها المُوَشَّاة بالظِّلال الفرحة، وقد اختزنت موهبةً خلاقة، وقدرة شعریة فیّاضة بالحدیث عن کثیر من الهموم الوطنیة والقومیة.

وحین أخلص الشاعر لمبادئه، حقّقت الصورة جوهر الروح الباحثة عن وحدة الثقافة والتاریخ والجغرافیة، وعبّرت عما تمتلکه من مشروع قومی أصیل. فالشاعر یرى أن صنعاء غدت إحدى روابی دمشق، وکأن سوریة ومصر فی مأرب؛ فیقول:

أتُرى دیار   العُرْب کیف تضافرت
 
 

 

فکأنّ صنعا فی   دمشق روابی
 
 

وکأنّ مصر   وسوریا فی مأربٍ
 
 

 

علم وفی صنعا   أعزَّ قباب
 
 

لاقى الشقیقُ   شقیقَه، فاسألهما
 
 

 

کیف التّلاقی   بعد طول غیاب؟!
 
 

 (البردّونی، 1983م، ص 78)

ولعل هذه الأبیات وما عرضت له القصیدة ــ على طولها ــ تؤکّد قدرة الشاعر على إذکاء قیم العروبة، وهی قیم تمزج بین الانتماء الوطنی والقومی، فلم یجعل القُطریّةَ بدیلاً لهویته الکبرى؛ ومما قاله فیها:

دعینی أغرّد   فالعروبة روضتی
 
 

 

ورحاب موطنها   الکبیر رحابی
 
 

(السابق)

وکل من یُمعن النظر فی هذه القصیدة یتراءى له أن الشاعر یعبّر عن انتمائه العروبی بروح أدبیة تمتاز برقّة الحاشیة، ولغة الصفاء، وومضة الوفاء... بید أن هذا الانتماء یصبح قلقاً محیّراً له حین یتعلق الأمر بقضیة فلسطین، ولاسیما حین تظهر هشاشة الفعل العربی، وقصوره عن الوصول إلى هدفه فی تحریر فلسطین. فالشاعر کان یحفر فی أعماق الذات لاستشراف المستقبل، وهو یکتب قصیدة تحریضیة لاهبة تنتمی إلى أدب المقاومة، فی الوقت الذی ینتمی صاحبها إلى مؤیدی حرکات التحرر الوطنیة، ویقف مجاهداً بالکلمة إلى جانب المناضلین.

إنه یتبنّى أدب الحیاة الذی یجمع أبناء العروبة، ما جعله یصرخ فی کل واحد فیهم، منادیاً إیاه بأخی. ومما قاله فی قصیدة «یوم المیعاد»:

یا أخی، یابن   الفدا، فیمَ التمادی
 
 

 

وفلسطین تنادی   وتنادی؟!
 
 

ضجّت المعرکة   الحمرا... فقم
 
 

 

نلتهب، فالنور   من نار الجهاد
 
 

ودعا داعی الفدا   فلنحترق
 
 

 

فی الوغى أو   یحترق فیها الأعادی
 
 

یا أخی، یابن   فلسطین التی
 
 

 

لم تزل تدعوک من   خلف الحداد
 
 

عُدْ إلیها، لا   تقل: لم یقترب
 
 

 

یومُ عَوْدِی؛   قل أنا یوم المعاد
 
 

(البردّونی، 1983م، ص 104)

وتتسلل نبرة الشاعر البردّونی إلى الروح، وتصهر فی ذاتها کلّ العوالم والملامح البنائیة، فی لغة تتحفّز للطیران إلى آفاق رحبة تقربها من لغة الحداثة، وإن کان الشکل تقلیدیاً، فضلاً عن أنه یملک رؤیة شعریة تعبّر عن الوجدان الجمعی للأمة، وهو ما یعرف بالحداثة حداثة الرؤیة.

وکان السّیّاب قد سبقه إلى هذا، وتأثر به، کما یبدو لی. فالصورة تنقل المتلقّی إلى عالم بدیع، وهی تجلب الغیاب إلى حضور مثیر یتراقص على إیقاع یملک علینا أنفاسنا، وقد حقق مقولة من قال: إن الوزن میزان الوجود؛ وقد استقطب بتفعیلاته مشاعرنا، مُحیلاً الشکل التقلیدی إلى شکل فنّیّ حداثیّ یخترق المألوف، ویتجاوزه بإیقاعاته وصوره ولغته، وإن حافظ على نظام القصیدة العمودیة. ویکفی أن نسوق هذه الأبیات من إحدى قصائده دلیلاً على ما نذهب إلیه؛ وفیها یقول:

مثلما یبتدئ   البیت المقفّى
 
 

 

رحلة غیمیّة   تبدو وتخفَى
 
 

مثلما یلمس   منقار السنى
 
 

 

سَحَراً أرعش   عینیه وأغفى
 
 

هکذا أحسو یدیک   إصبعاً
 
 

 

إصبعاً أطمع لو   جاوزن ألفا
 
 

مثل عنقودین   أعیا المجتنی
 
 

 

أیُّ حباتهما   أحلى وأصفى؟!
 
 

هذه أملی، وأطری   أختها
 
 

 

تلک أشهى، هذه   للقلب أشفى
 
 

(البردّونی، 1983م، ص 229)

فالشاعر یتکئ على الحواس، فیجعلها وسیلة للصورة الشعریة، ویرکز فیها على حاسة اللمس التی یکثّف من خلالها موهبتَه الخلاّقة، لیعبّر بها عن مخزونه العاطفی، ویعلن للملإ قدرته على مجاراة المبصرین، قائلاً لهم: إنه قادر على أن یأتی بما لم یأتوا به.

فالقطعة السابقة وأمثالها ــ مما تقدم ــ تُطلق للرؤیة الشعریة الحریةَ فی طَرق موضوعات قد تکون من موضوعات المبصرین دون غیرهم. فأراد تناولَها مُسبغاً علیها لبوسه الشفیف الحاملَ لتجربته ومعاناته، طارحاً مجموعةً من الأسئلة على الناس عامة، والنقاد خاصة. وهی أسئلة تتعلق بالصورة البصریة، وقدرة المبدعین العُمیان على الإتیان بها. فالبردّونی یترک عُقَد الناس وراء ظهره، ویسیر على هدی عبقریته فیوفق بین المخیلة والرؤیة لیقدم لنا صوره البصریة واللمسیة بقدرة تخییلیة بدیعة.

ومن ثم فالبردّونی لم یمرّ فی حیاتنا الإبداعیة والثقافیة مرَّ الکرام. کان یعتلی صهوة الکلمات، وجَناح الخیال، ویشکّل إبداعه وفق أسالیبَ جذابة، کلها تُثیرک وتأسرک. فمن یأخذ من الحرف سکونَه، فلن یصل إلى مبتغاه؛ أما من یُمعن النظر فیه محدّقاً بهیئته وسیاقاتها، فإنه یدرک سرَّ وجود کل حرف إلى جانب أخیه؛ ثم کل کلمة وجملة. وقد احتضنت أغنیة المجد والخلود بتوزیع تناغمی ینسجم فیه الشکل مع المضمون، ویلابسه ملابسةً تفاجئک فی أسرار دلالتها وهیئتها. ومن ثمّ علینا مواجهة کل نص بذاته دون أن یکون لنا موقفٌ مسبق منه؛ وعلینا أن نصغی إلى موسیقاه التی تبعث على الإدهاش فی وقت یتضمن رسائل شتّى فرحاً وحزناً، سعادة وألماً، حبّاً وکرهاً، رضاً وسخطاً...  فمن تعهد النص بهذه الرؤیة، أفضى به موقفُ التلقی إلى الاستقرار عند جمالیات تُرسی فی النفس لذّةً عالیة من الإمتاع، لا یمکن أن یستمتع بها لو کان على غیر تلک الحال... ولا بأس علینا أن نعید إلى ذاکرة المتلقّی تجربة الشاعر مع اللغة العربیة والتعامل معها، وهو یصوغ إبداعه منها، مفتخراً بها افتخارَه بانتمائه إلى عروبته ووطنه. ومما قاله:

لأنی رضیعُ   بیانٍ وَصْرفِ
 
 

 

أجوع لحرفٍ،   وأقتات حَرفْ
 
 

لأنی وُلدت بباب   النّحاة
 
 

 

أظلّ أواصل   هرفاً بهرف
 
 

أنوء بوجهٍ   کأخبار (کان)
 
 

 

بجنبین من حرف   جرٍّ وظَرْف
 
 

أعندی لعینیک یا   موطنی
 
 

 

سوى الحرف أعطیه   سکباً وغرف
 
 

أتسألنی کیف   أعطیک شعراً
 
 

 

وأنت تؤمل   دُوراً وجُرْف؟!
 
 

أُفصّل للیاء   وجهاً بهیجاً
 
 

 

وللمیم جیداً   وللنون طَرْف
 
 

أصوغ قوامک من   کل حُسْن
 
 

 

وأکسوک ضوءاً   ولوناً وعُرْف
 
 

(البردّونی، 1988م، ص 7)

فهذه الأبیات تطیر بعنصر النشوة إلى أبعد مدى، وقد امتزج لدیه الانتماء إلى الوطن بحسّ الانتماء إلى اللغة والإبداع. لم یشأ لِحنَّاء الحرف المخضَّب بأریج المجد إلا أن یکون وساطةَ إبداعه الذی یزهو به، وهو الحرف الذی أقام بوساطته عالم الوجود الزاهی، وأراد أن یرسیها رسالةً یبعث بها إلى الأجیال من بعده، وقد استهام بمحبة الوطن التی ازدانت بالبهاء والحسن.

تلک کانت رحلة موجزة مع الشاعر المبدع عبد الله البردّونی، وأسئلته الکاشفة عن لغة الإبداع والحیاة. إنها أسئلة معجونة بالبحث عن جوهر الحقیقة وفهم أسرار الأحداث التی اعترضته. والله من وراء القصد.

 

1ــ البردّونی، عبدالله. (1988م). ترجمة رملیة.. لأعراس الغبار. (ط 1). دمشق: مکتبة الکاتب العربی.
2ــ  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1986م). دیوان. (ط 1). بیروت: دار العودة.
3ــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1979م). مدینة الغد. بیروت: دار العودة.
4ــ www.albaradoni.com