نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 دانشيار گروه زبان و ادبيات عربي ـ دانشگاه اصفهان.

2 استاديار گروه زبان و ادبيات عربي ـ دانشگاه اصفهان

المستخلص

الشيخ الرئيس ابن سينا من فحول علماء القرن الرابع للـهجري. فإضافة إلى الطب والفلسفة، کان أستاذاً في علوم عصره؛ کما کانت له يدٌ طولى في الأدب العربي، وله منتخبات شعرية ونثرية لا بديل لها في الأدبين العربي والفارسي. سلک ابن سينا في التصوف مسلک الرمز والإشاره. فلهذا عندما نغوص في رسالة الطير أو حيّ بن يقظان لنخرج دررهما الثمينة، نجد أنفسنا وکأننا من أصحاب التصوف؛ وعندما نلقي نظرة إلى أشعاره العربية ورباعياته، نجد أنفسا کأننا في مستشفى يعمل به الأطباء دواؤهم الشعر؛ وإذا دخلنا کتابي الشفا و الإشارات، نلفي أنفسنا في محکمة العقل، وکأنّنا أطفال توسوس بنا آلاف الأوهام مثقلين نسير الهوينا وراء العقل والمنطق. حاولنا في هذا المقال أن نقتطف من بستان أدبه باقات ورود ملونة منمّقة بالبديع والبلاغة واللغة والصرف والاشتقاق والأوزان الشعرية البديعة؛ کما نقتطف من نثره الرمزي المفعم بالرموز الصوفية. وهذا البحث سوف يقدم دراسةً للتعريف بالمکانة الأدبية لشيخ الرئيس ابن سينا.

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Avicenna’s Role in Arabic Literature

المؤلفون [English]

  • Nasrollah Shameli 1
  • Hamid Ahmadian 2

1 Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Isfahan.

2 Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Isfahan.

المستخلص [English]

      The master and doyen, Avicenna, is one of the prominent savants of the fourth century A.H. Besides medicine and philosophy, he was a master in sciences of his time, and was proficient in Arabic literature. He has peerless anthologies in poetry and prose, in both Arabic and Persian literature. In mysticism, he was tending to the symbolic and allusive style. Hence we find ourselves mystics when we float in “Resalat Altair” (the message of the birds) and “Hai ebn Yagdan” (Alive son of the Yagdan), and when we look at his Arabic poems and quatrains we find ourselves at a hospital with the poetry as a cure, and when we enter “Al-Esharat” of Avicenna we find ourselves in a wisdom court, as we are kids obsessed by thousand fictions stalking gravely after wisdom and logic. In this article, an attempt has been made to pick bouquets of colorful flowers, ornated with rhetoric, eloquence, language, inflection, derivation and poetic meters, as we pick from symbolic prose that is full of mystic symbols.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Avicenna
  • Arabic Literature
  • poetry
  • prose

المقدمة

ابن سینا کغیره من نوابغ العالم خلّف آثاراً بدیعة أکثرها مطبوع بطابع الفلسفة والطب. هذا، وإنّ آثاره الصوفیة والعلمیة والأدبیة أیضاً معروفة لدى الأوساط العلمیة، ویبدو أنّه قبل أن یکون فیلسوفاً أو طبیباً حاذقاً، کان أدیباً بارعاً قد أعاد الروح إلى الأدبین العربیّ والفارسیّ.

هذا المفکّر العملاق فارسی من إیران، واللغة العربیة لغته الثانیة. ولعل هناک من یتهم نثره بالرکاکة والضعف، ولکن علینا أن نعرف أن ابن سینا کان یعیش فی القرن الرابع الهجری، ویتمتع بالمیزات الفکریة واللغویة والدینیة والثقافیة لذلک العصر. العصر الذی ازدهرت فیه الحضارة الإسلامیة العظیمة، والمفکرون الذین ظهروا فی هذا العصر کلٌّ منهم ساهم بدوره فی تطویر العلم والأدب؛ مثل: الصاحب بن عباد وابن العمید وابن فارس وأبی الفرج الأصفهانی والبیرونی وأبی الفتح البستی وأبی بکر الخوارزمی وبدیع الزمان الهمدانی الذین برعوا فی الأدب العربی، إضافةً إلى تضلعهم فی العلوم المختلفة.

ومن عجائب هذا العصر أنه تکوّنت فیه طریقة حدیثة فی الأدب العربی شعراً ونثراً. وهذه الکتب التی تبدو عربیة مهّدت الطریق لنمو الثقافة والأدب الفارسی؛ حیث نشاهد التطور العلمی فی العالم الإسلامی فی القرن الخامس حتى القرن العاشر ــ وعلى الرغم من هجوم المغول الوحشی ــ ؛کما نشاهد أن  اللغه الفارسیة وآدابها واصلت مسیرتها التقدمیة إثر القفزة العلمیة والأدبیة التی ظهرت فی القرن الرابع الهجری، حتى ظهر بعدها فحول الأدب الفارسی مثل: السنائی والفردوسی والفرّخی السیستانی والعنصری والمنوچهری والخاقانی والسعدی والحافظ والجامی والمحتشم الکاشانی.

نحاول فی هذا المقال أن نزیل الغبار عن القرن الرابع الذی لمع فیه النجم الأوحد ابن سینا، ونُری القرّاء لمعان الأدب العربی وومیضه الذی لمع فی الثقافة والأدب على  ید ابن سینا ومعاصریه، لیعرف الأدباء والمفکرون أن الإیرانیین قد ساهموا فی إحیاء الأدب العربی. ذلک الأدب الذی لم یظهر فی صحاری الجزیرة العربیة بذلک المظهر الخشن، بل ظهر فی المدن الإیرانیة المعاصرة وفی أحضان مفکرین إسلامیین. ففی جبال زاغرس وألبرز أو فی خراسان وأصفهان وخوزستان وآذربیجان وسیستان وکرمان نبغ علماء افتخرت بهم الإنسانیة، وهم رفعوا الأدب العربی من حضیض المدح والهجو والفخر إلى قمّة العلم والمعرفة.

سوف نقوم فی هذا المقال بنقد بعض المقتطفات الشعریة والنثریة لهذا المفکر العظیم، وندرسها فصاحة وبلاغة ولغة واشتقاقاً حتى یتبیّن مدى جذور الحضارة العظیمة الإسلامیة التی ظهرت فی إیران، وهی تدلّ على الخدمات الصادقه التی قام بها الإیرانیون.

 

 ابن سینا أدیب بارع فی الأدب العربی

لابن سینا مؤلفات شعریة کثیرة فی الأدبین العربیّ والفارسیّ. فهو أدیب ذو لسانین. وعندما نصفه بأدیب ذی لسانین لعل هناک الیوم من لا یُعیر هذه الصفة اهتماماً، ولکن عندما ندقق النظر فی القرن الرابع الهجری، القرن الذی قد بلغ الأدب العربی فیها ذروة النّموّ والرقیّ؛ حیث کانت لغة العلم والفن والثقافة آنذاک؛ ومن ناحیة أخرى، لم تترعرع اللغة الفارسیة بعد، وکانت قاصرة عن التعبیر عمّا فی ضمیر العلماء الإیرانیین، فلا الشعر کان سَلساً محبوکاً ولا النثر علمیاً،  ففی مثل هذه الظروف لیس من السهل قول القصائد الفارسیة السلسة الرصینة أو القصائد العربیة بالأسالیب والأوزان المختلفة، الأمر الذی قام به الشیخ الرئیس ابن سینا.

صحیح أن أکثر مؤلفات ابن سینا کانت بالعربیة، ولکن ما کتبه باللغة الفارسیة کان غنیاً مبنیاً على مقاییس اللغة السائدة فی عصره. إضافة إلى أن مؤلفات ابن سینا وإن کانت باللغه العربیة، ولکنها من منظار أدیب عربی تعتبر عملاً ممیزاً، ویبدو أنّ فحول أدباء العرب یرون فی مؤلفات الشیخ ممیزاتٍ تدل على نقلة علمیة هامة فی الشعر العربی، والمتضلعون بالأدب الجاهلیّ والأمویّ والعباسیّ یعرفون أن غیر قلیل من الأشعار لها طابع إسلامی وإیرانی. ومما لا ینکر أنّه حتى بعض المصطلحات الأدبیة والمعرفیة التی تحمل روح الحداثة فی الأدب الجاهلی لها طابعها الإیرانی. ومن یطالع مؤلفات القدامى وأشعارهم، تنکشف له هذه الحقیقة؛ کما من یلقی نظرة فی کتاب فجر الإسلام وضحى الإسلام سوف یشعر بهذه الحقائق.

مهما کان، فإنّ ابن سینا من صقور عالم المعرفة ومن طلائعها، وإن قلّ من أماط اللثام عن أشعاره العربیة لکشف الستار عن وجه مؤلفاته العربیة، الشعریة منها والنثریة. هذا،وقد أضاف ابن سینا أبدع مؤلفات نثریة ترکت بصماتها على الأدب والمعرفة؛ مثل: حی بن یقظان، ورسالة الطیر، وسلامان وأبسال، وأمثالها.

مظاهر تاریخ الأدب فی مؤلفات ابن سینا

من یدرس أسالیب تعلّم الشیخ وتربیته، یعرف أنه کان متضلّعاً بالقرآن والروایات. وکلّ ما تعلمه الشیخ من منطق ولغة وأدب من خلال مطالعته لـأدب الکاتب، وإصلاح المنطق، والعین للفراهیدی، وحماسة أبی تمام، و دیوان ابن الرومی، والتصریف للمازنی، والکتاب لسیبویه، کل هذا أوجد ثورة شعریة ونثریة فی مؤلفاته (الخوانساری، 1390هـ، ص 508؛ الأمین، ب د ت، ص 69؛ ابن خلکان، 1977م ، ص 157؛ ابن عماد، د ت، ص 234؛القفطی، ص 413).

القصة التالیة تدل على تبحر الشیخ فی علم اللغة.

کان أبو المنصور الإصفهانی من مشاهیر الأدب فی ذلک العصر. ناقش الشیخَ فی مسألة لغویة. فقال له: من الواضح أنّک من الحکماء والفلاسفة، لکن هذه المسألة لغویة تحتاج إلى السماع من العرب، ولا تستطیع أن تتشبث بمصطلحات الحکمة والعقل وتقوم بحلّها؛ وأنت لیس عندک ید فی هذا کما تعلم.

استاء الشیخ من استهزاء أبی المنصور، وأخذ یدرّس اللغة. وبعد فترة قصیرة برع فی هذا العلم حتى إنه أنشد ثلاث قصائد وثلاث رسائل تحتوی على الألفاظ الغریبة. ثم رفعها لعلاء الدولة، لیقرأها على أبی المنصور. أخذ أبوالعلاء یقرأ الرسائل على أبی المنصور، وابن سینا جالس یشرح ما استعصى على أبی المنصور من مفردات غریبة، ویحیلها إلى کتب اللغة. فعرف أبو منصور أن القصائد من قول الشیخ ابن سینا (الأمین، ب د ت، ص 74؛ ابن حجر العسقلانی، د ت، ص 291؛ الخوانساری، 1390 هـ، ص 514).

صنّف الشیخ ثلاث رسائل رمزیة تمثیلیة وهی: حی بن یقظان، ورسالة الطیر، وسلامان وأبسال. تحتوی على بعض الأساطیر لشرح بعض الحقائق الفلسفیة والحکمیة. وکل هذه الرسائل فریدة لا مثیل لها، وقد لفتت أنظار الحکماء والأخلاقیین فی العصور المختلفة. فـحی بن یقظان ــ وهو یشتمل على أفکار الشیخ الصوفیة بشکل تمثیلی رمزی ــ شرحه أحد معاصری الشیخ بلغة سهلة سلسة، وقام بتبیین ما استصعب من الآراء فیها؛ کما قام ابن طفیل الأندلسی بتلخیصه.

و بمناسبة الذکرى الألفیة للشیخ ابن سینا، نشر هنری کربن الباحث الفرنسی ترجمة حی بن یقظان، وشرحها باللغة الفرنسیة فی مجلدین تحت عنوان: ابن سینا والتمثیل العرفانی.

أمّا رسالة الطیر العرفانیة التمثیلیة، فقد شرحها وترجمها عمر بن سهلان الساوی (فی القرن السادس الهجری).

وبالنسبة لرسالته الثالثة سلامان وأبسال فقد نظم الشاعر الفارسی «الجامی» منظومة تحمل عنوان «سلامان وأبسال» مقتبساً منها.

نموذج من النثر العربی من رسالة حی بن یقظان:

فان إصرارکم معشر إخوانی على اقتضائی شرح قصة حی بن یقظان هزم لجاجی فی الامتناع، وحلّ عقد عزمی فی المماطلة والدفاع، فخضعت لمساعدتکم. وبالله التوفیق! إنّه قد تیسّرت لی حین مُقامی ببلادی «برزة» برفقائی إلى بعض المتنزهات المکتنفة لتلک البقعة. فبینا نحن نتطاوف، إذ عنّ لنا شیخ بهیّ قد أوغل فی السنّ، وأخنت علیه السنون، وهو فی طراءة العزّ لم یهن منه عظم، ولا تَضَعضع له رکن، وما علیه من المشیب إلاّ رواء مَن یشیب (ابن سینا، 1366 هـ. ش، ص 2 و 3).

نموذج من نثر رسالة الطیر:

هل لأحدٍ من إخوانی أَن یهب لی من سمعه قدر ما أُلقی إلیه طرفاً من أشجانی، عساه یتحمل عنّی بالشرکة بعض أعبائها؛ فإنّ الصّدیق لم یهذّب عن الثواب أخاه مالم یصن فی ضرّائک عن الکدر صفاءه. وأنى لک بالصدیق المماحض وقد جعلتَ الخلّةَ تجارةً یفزع إلیها إذا استدعت إلى الخلیل داعیة، وترفض مراعاتها إذا عرض الاستغناء؟! فلن یزار خلیل إلاّ إذا زادت عارضةٌ، ولن یذکر خلیل إلاّ إذا ذکرت مأربةٌ. اللهمّ إلاّ إخواناً جمعتْهم القرابةُ الالهیة، وألّفت بینهم المجاورة العلویة، ولاحظوا الحقایق بعین البصیرة، وجلَوا رَینَ الشکّ عن السریرة، ولن یجمعهم إلاّ منادی الله (ابن سینا، 1370 هـ. ش، ص 16).

فنشاهد فی النص أنّ الشیخ بکلامه هذا شرح لنا السلوک العرفانیّ. فمن منظار الشیخ أن الحکومة الطاهرة النقیة تلیق بالطاهرین والسالکین فی طریقِ  الحق، ولا یجمعهم إلّا الله وقربه، ولیس هذا إلّا البصیرة الإلهیة فی قلوب الکمّلین. وسبب هذه البصیرة سعیهم فی تخلیة قلوبهم من رجس الشکوک. وما دام المرءُ لا یسیر فی وادی الیقین، لم یر حقیقة الحقائق بعین البصیرة، ولم یر جمال الحق.

 

الممیزات الأدبیة فی النص

کما نشاهد أن نثر الشیخ مرسل وبعید عن التعقید اللفظی والمعنوی، ومع أنّ التعقید والغموض قد انتاب بعض مؤلفات الشیخ مثل کتاب الشفا، لکن مقدمته خالیة من المصطلحات العرفانیة. هذا وإن الأسلوب التمثیلیّ فی القصة حمل المؤلف على خلق بعض المصطلحات العرفانیة، وإن اقتبس بعضها من القرآن. فهناک مفردات مثل «الضراء والسّراء» قرآنیة؛ ومفردات مثل «الحقائق» و«المجاورة العلویة» عرفانیة، ولعلّ مراد الشیخ من هذه المصطلحات لیس عرفانیاً.

و بما أَنَّ الشیخ کان فیلسوفاً مشّائیاً فریداً وطبیباً حاذقاً وعالماً نفسیاً بارعاً فکتب مؤلفاته فی شتى العلوم باللغة العربیة. إذن کان الشیخ قبل کل شیء کاتباً وأدیباً بارعاً فی اللغة العربیة یکتب مؤلفاته بلا تکلف ولا تعقید، یصنع کل مصطلح أراده إذا مسّت الحاجة، ویعبر عن أی معنى قصده باللغة العربیة.

من یمعن النظر فی مؤلفات الشیخ العرفانیة، یعرف أن الشیخ کیف کان یغوص المعانی، ویستخرج لئالیها، ویسبح فی بحر العلم والفلسفة والعرفان والمنطق والطب.

وإلیکم بعض مقتطفات الشیخ العرفانیة والأدبیة الجمیلة کلوحة فنّان قام برسمها وتنمیقها. والفرق أنّ الفنان یجد آلاته الفنیة فی الخارج، وآلات ابن سینا العرفانیة تتفجّر من باطنه وأعماق فطرته:

«العارف هشّ بَشّ یُبجّلُ الصغیر مِن تواضعه، کما یبجّل الکبیرَ، وینبسط من الخامل مثل ما ینبسط من النَّبیه، وکیف لا یَهِشّ وهو فَرحانُ بالحق وبکلّ شیء؛ فإنّه یرى فیه الحقَّ. وکیف لا یستوی والجمیع عنده سواسیة؟!».

وفی موضع آخر یقول فی معنى العرفان:

«إشارة: العرفان مبتدءٌ من تفریق ونفض وترک ورفض ممعن فی جمع هو جمع صفات الحقّ للذّات المریدة بالصدق منته إلى الواحد، ثم الوقوف».

وفی موضع آخر قال فی نفس المعنى:

إشارةٌ: من آثَر العرفان فقد قال بالثانی، ومن وَجَدَ العرفان فکأنه لا یجده، بل یجد المعروف به، وقد خاض لجّة الوصول. وهناک درجات لیست أقلّ من درجات ما قبله آثرنا فیها الاختصار؛ فإنّها لا یفهمها الحدیث، ولا تشرحها العبارة، ولا یکشف المقال عنها غیر الخیال. ومن أحبّ أن یتعرّفها، فلیتدرّج إلى أن یصیر من أهل المشاهدة دون المشافهة، ومن الواصلین إلى العین لا من السامعین للأثر (ابن سینا، 1370هـ. ش، ص 390).

 

 

وفی تکملة هذا المعنى قال فی معنى العارف:

«العارف لا یعنیه التجسّس والتحسّس، ولا یستهویه الغضب عند مشاهدة المنکر کما تعتریة الرحمة؛ فإنّه مستبصر بسرّ الله فی القدر. وأمّا إذا أمر بالمعروف، أمر برفقِ ناصح، لا بعنف معیر؛ وإذا عظم المعروف، فربما غار علیه من غیر أهله» (المصدر نفسه، ص 392).

تحلیل النص: عبارات الشیخ العرفانیة محبوکة وسَلِسة. قد مزج الشیخ الأدب بالعرفان، ومع أن کتابته دقیقة وسلسة ومحبوکة، فقدرته على الاستدلال واستخدام المفردات اللطیفة فی النصوص العرفانیة خلقت مزیجاً بدیعاً عجیباً من الفنّ. بدیعاً لأن الشیخ ظهر فی عصر لم ینضج العرفان النظری بعد، ومن جانب آخر إنّ الفلاسفة المنظّرین مثل الفارابیّ والکندیّ وغیرهم من الفلاسفة المشائیین، ومثلهم الفلاسفه والصوفیون الخراسانیون والعراقیون والشامیون والمصریون یتردّدون «جَفَّ القلم».

فی مثل هذه الظروف مزج الشیخ العباراتِ الصوفیةَ اللطیفةَ لعین القضاة وبایزید وأبی سعید بصلابة الفارابیّ والکندیّ وغیرهم من الفلاسفة، وجاء بعبارات حیّرت العقول کما حیّرت القلوب.

و«سَواسِیَة» (على وزان ثمانیة) فی عبارات الشیخ تدل على مدى معرفته باللغة العربیة وآدابها. أی العارف مع أنه بشوش، ینظر إلى الخلق نظرة سواء. وسبب هذا النوع من النظرة وصوله إلى رضا الحقّ. فمن یسیر على طریق الرضا، لا ریب أنه لا ینکر شیئاً، ولا یخاف أحداً، ولا یحزن على ما فات؛ لأنّه قرأ فی القرآن: «وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَکْبَرُª (التوبة 9: 72). ووُجد فی الحدیث أنّ حارس الجنة اسمه رضوان، فلا یشاهد إلّا الحق، ولا یرید لنفسه ولخلق الله إلّا الرحمة.

ذکر الشیخ أصناف المدارج العرفانیة؛ لأن العرفان العملیّ إمّا تخلیة وإمّا تحلیة؛ ولمعالجة المریض هناک أمران ضروریان:التنقیة والتقویة. والأولى صفة سلبیة والثانیة إیجابیة. والمراد من التخلیة التزکیة، ولکل منها درجات کثیرة عدّها الشیخ أربع درجات: التفریق والنفض والترک والرفض.

فی مقام التفریق (الفرق) یرى العارف کلّ شیءٍ بحدّ ذلک الشیء ورسْمه، ثم یُعرض عنها جمیعاً، ویصل إلى درجة النفض، وینفض کلّ شیءٍ من وجوده؛ ثم یصل إلى درجة الترک، ویرقى إلى درجة الانقطاع إلى الله، وفی النهایة ینقطع من کلّ شیء  إلاّ الله للوصول إلى درجة شهود الله، ولا یلتفت بشیءٍ إلّا بالله، ثم یحضر عند ربّه.

 

مَن آثَر العرفان فقد قال بالثانی

الحالة العرفانیة التی یتوصل إلیها العرفاء حالة لا یُسبَر غورها نظریاً. ومن یتّخذ العرفان هدفاً فقد سقط فی أشراک الشرک، ومن اتخّذ العرفان لفناءه فی الله فقد وصل إلى العرفان. کل اهتمام العارف التوصل إلى المعرفة لا غیر. عندما تتحقق هذه الدرجة للإنسان، فقد تحققت التخلیة، ویتحلّى الإنسان بالتحلیة. والإنسان بوجوده المحدود والمتناهی یصبح وجوداً إلهیاً لا حدود له، یشاهد الآفاق، وتنکشف له الأنفس، وفی النهایة یشعر بمحبة الله، ویغرق فی بحر کرمه ولطفه.

 

العارف لا یعنیه التجسس ولا التحسّس

مفردات کالجس والحسّ والغضب والرحمة والمستبصر والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر مفردات دقیقة. واختیار مثل هذه المفردات تتطلّب أدیباً قادراً عاقلاً عارفاً بمعانی المفردات، وفقیهاً باللغات حتى یمیز بین التفحص والتجسّس وفرقهما.

العارف لا یعیر أحوال الناس اهتماماً؛ لأنّه منشغل بنفسه وفکرته عن معایب الناس. ومن یتجسس فهو فارغ البال غافل عن نفسه. العارف لا یستفزّه الغضب؛ لأنه لا یهوی بمهالک الغضب، بل یسبح فی بحر رحمة الله. ولأنّه یسبح فی هذا البحر، فهو عالم بأسرار الخلقة ورموزها. وبما أنّه وصل إلى هذه الدرجه العلیا من العلم، یداری الناس فی الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، ولا یتحمل الفضاضة. فإذا أمر أحداً بالخیر، یأمره  بحنان؛ وإذا نهى أحداً عن المنکر، ینهاه عطفاً علیه ورأفة به.

وفی جمیع هذه العبارات مزج ابن سینا الأدب بالعرفان والأخلاق الحمیدة، معبّراً عنها بعبارات غنیة محبوکة؛ وهذا هو سر نجاح العارف باللغة العربیة وأسرارها.

وفی کل ما ذکرناه آنفاً ــ بغضّ النظر عن المعانی وعمقها ــ فقد استفاد من المحسنات اللفظیة والمعنویة المعروفة فی علم البلاغة. ذکره لألفاظٍ مثل: «الهشّ والبشّ»، و«التجسس والتحسس» إضافة إلى أنها تدل على دقته فی تحرّی المفردات فی علم اللغة، کذلک تدل على استخدامه المحسنات اللفظیة من جناس وطباق وأمثالها.

و بما أنّ ابن سینا کان فیلسوفاً مشّائیاً اتّخذ أدقّ أسالیب البیان وأرقاها لتبیین المعانی العرفانیة. فکان یعتبر للعارف صفة غیر ترک الدنیا والمادة، وهی التحلّی بصفات الله وکمالاته. فکان یعرف أخلاق العارفین وأحوالهم وکأنّه منهم. فکان یعتقد أنّ على العارف أن تکون له أخلاقٌ هشة بشّة، وعلیه أن ینظر إلى الناس سواسیة، صغیراً کان أو کبیراً.

وفی النهایة یصل العارف إلى درجة یرى فیها الله ویکلّمه ویناجیه؛ ثم یصل  إلى البهجة والسرور الذاتی، وهی أعلى درجة السعادة البشریة.      

بما أنّ الشیخ کان أدیباً بارعاً وکاتباً قدیراً فی کتابة النثر العربی، ولأنه کان متضلعاً فی العلوم المختلفة، نجد نثره الرشیق السلس مختلفاً عن معاصریه اختلافاً بیّناً. فمن یطالع النثر العربی فی القرن الرابع للهجرة ولا سیما رسائل ابن عباد وابن العمید وابن الفارس وأبی حیان التوحیدی وأبی نصر العُتْبی والثعالبی والخوارزمی وبدیع الزمان وغیرهم، یجدهم قد کتبوا بالنثر المسجّع والمصنوع، ولهم ولع باستخدام اللغات المرادفة والمضادة والمشترکة؛ کما أنّ ابن عباد أفرط فی استخدام النثر المسجّع حتى فی مؤلفاته غیر الرسمیة، بل وفی الحوارات الشفویة أیضاً یسجّع ویتکلف استعمال الغریب والمصطلاحات البلاغیة. إذن، النثر فی القرن الرابع له سمات خاصة، وکتّابه یسجعون ویتصنعون ویتکلفون البدیع،لکن النثر العلمیّ والفلسفیّ والأدبیّ  لابن سینا لایشاهَد فیه إلاّ السلاسة مع استخدامه المحسنات اللفظیة الرشیقة (فرّوخ، 1992م، ص 558 و561 و589 و598).

 

 خصائصه الشعریة:

 کان الشیخ الرئیس إضافةً إلى تبحره فی النثر ذا باع فی الشعر، ویعدّ من فحول شعراء عصره؛ کما تحکی مؤلفاته الشعریة ــ مع قلّتها ــ قریحتَه وقدراته فی الشعر. وخلافاً لشعراء العرب عامة وللشعراء الإیرانیین الذین عاصروه فی القرن الرابع خاصة، فهو شاعر قال الشعر فی مواضیع مختلفة، ولعلّه الوحید الذی نظم المفاهیم الطبیة والعلمیة والنجومیة والکیمیاویة شعراً (إیروانی‌زاده وشاملی، 1384هـ. ش، ص 87).

حاول الشیخ أن یقول الشعر فى القوالب الشعریة العربیة والفارسیة. فله قصیدة عینیة عرفانیة شهیرة شرحها العلماء، وله أرجوزة فی الطب والنجوم فی قالب المثنوی، وله قصیدة أخرى فی سبعة عشر بیتاً أورد فیها أنواع العلوم من المعقول والمنقول. عدا ما ذکرنا، فإن له أبیاتاً حکمیة وأخلاقیة وعرفانیة وطبّیّة لعلاج بعض الأمراض تدلّ على سعة علمه.

ومن یتمعّن فی مضامین الأشعار العربیة للقرن الرابع وقبله من الشعر العربی والإیرانی والأندلسی، یجد المدح والرثاء والهجو والفخر القَبلیّ وأمثالها،لکنّ ابن سینا خصّص شعره بالعلوم والأفکار النبیلة ومداواة المرضى.

والأوضاع السیاسیة السائدة فی عصر الشیخ والتصعید السیاسی وتوتر الأوضاع کان یتطلب من ابن سینا مدح الحکام أو رثائهم أو هجوهم، لکن الشیخ أبی، وهذا سبّب  إلقاء الحکّام إیاه فی السجون، وتهدیده بالموت، مع هذا لم یرضخ الشیخ لرغبتهم؛ فلا نرى حتى بیت واحد فی هجو أحد أو مدحه.

أبعد الشیخ الآراءَ السیاسیة عن أدبه، وهذا یدل على کرم أخلاقه وشخصیته العلمیة الإسلامیة الإیرانیة الفریدة (السابق، ص 89ــ92).

إضافة إلى مؤلفاته النثریة، نقل لنا أصحاب التراجم وغیرهم من أمثال ابن أبی أصیبعة صاحب کتاب عیون الأنباء، والدمیری صاحب حیاة الحیوان الکبرى،والسید محسن الأمین صاحب أعیان الشیعة، والخوانساری صاحب روضات الجنات کثیراً من أشعاره العربیة والفارسیة، وأکثر هذه الأشعار فی الزهد والحکمة والأخلاق والبحوث العلمیة.

من أشعاره قصیدة قالها بمناسبة الأحداث التی وقعت عند تقارن کوکب المشتری وزحل فی برج الجدی. منها:

هَذِّب النّفسَ   بالعلوم لِتَرْقى
 
 

 

و ذَرِ الکلّ   فَهی للکلّ بیت
 
 

إنما النفس   کالزجاجة والعلـ
 
 

 

ـمُ سراج وحکمة   الله زیت
 
 

فإذا أشرقت   فإنّک حیّ
 
 

 

وإذا أظلمت   فإنّک میْت
 
 

(الخوانساری، 1390، ص 554؛ الأمین، ب د ت، ص 79؛ ابن خلکان،  1977م، ص 161)

یشبه الشاعر النفس ببیت مبنیّ من زجاجة. الزجاجة صافیة تمنع الکدورة، وفی نفس الوقت تتقبل نقوشاً کثیرة من الخارج. النفس کالزجاجة أو المرآة، والعلم سراجٌ، والحکمة زیت له. فالإنسان حی ما دامت النفس مشرقة، وإلاّ فهو میت.

فی موضع آخر یشکو الشاعر من الحیاة؛ لأن الدهر لا یدوم على حال، ویُضعف الشاعر وقواه؛ فکأنّ جمیع الآلام والمتاعب انهالت علیه. فکأنّ المتاعب حدید، والشاعر مغناطیس یجذب المتاعب لنفسه!

أشکو إلى الله   الزمان فصَرفُه
 
 

 

أبلى جدیدَ قوای   وهو جدید
 
 

مِحَنٌ إلیّ   توجّهت فکأنّنی
 
 

 

قد صرتُ   مغناطیسَ وهی حدید
 
 

(الخوانساری، ص 554؛ الأمین، ب د ت، ص 80)

نظم الشیخ قصیدة فی المنطق سمّاها «القصیدة المزدوجة». نظمها للشیخ أبی الحسن سهل بن محمد السهلی فی جرجان. هذه المنظومة فی وزن المثنویّ/المزدوج، وهو من الأوزان الشعریة الفارسیة التی لم ینظم الشعراء العرب فیه شعراً. مطلع هذه القصیدة:

الحمدُ لله   الّذی لعبده
 
 

 

نیل السناء لا له   فی حمده
 
 

والحمدُ لله کما   یستوجب
 
 

 

بعزّه العالی   الّذی لا یُغلَب
 
 

(الخوانساری، ص 554؛ الأمین، ب د ت، ص 80)

ونسب الشیخ الکفعمی الأبیات التالیة إلى ابن سینا:

فریحةٌ تقتّل   الأفاعی
 
 

 

وللهوام   والدّبیب الساعی
 
 

ووزن مثقال إذا   ما شَربا
 
 

 

مَع وزنه من   الرّجیع أنجبا
 
 

وخلِّصِ السّمیمَ   من مماتهْ
 
 

 

من بعد یأس الإنس   من حیاتهْ
 
 

 (الخوانساری، ص 554؛ الأمین، ب د ت، ص 79؛ابن خلکان، 1977م، ص 16)

یقول الشیخ: رائحة النشادر تقتل الأفاعی والحشرات. فإذا مزجنا مثقالاً منه بمقدار من السماد، یشفی مَن لدغتْه الأفعى، وقد أشرف على الموت.

کما نشاهد الشیخ وقف أشعاره فی خدمة المجتمع الإنسانى، وهذا مما لا عهد له فی الأدب العربی. فأشعار الشیخ مع قلتها إذا ما قورنت بأشعار شعراء القرن الرابع للهجری مثل: ابن العمید والصاحب بن عباد وأبی الفتح البستی، نجدها تحتوی على مواضیع غنیة علمیة معرفیة، حتى استلهم منها کثیر من شعراء العربیة والفارسیة.

قال الشیخ فی وصف الله # مستلهماً من حدیث رسول الله: «ما عبدناک حق عبادتک وما عرفناک حق معرفتک»:

اعتصام الورى بمعرفتک
 
 

 

عجز الواصفون عن   وصفک
 
 

تُب علینا فإننا   بشر
 
 

 

ما عرفناک حقَّ   معرفتک
 
 

(الأمین، ب د ت، ص 80؛ الخوانساری، ص 252)

اقتبس السعدی، الشاعر الإیرانی، هذا المعنى فی مقدمة کتابه گلستان، وکأنّه استلهم ابن سینا حیث یقول:

عاکفانکعبهجلالشبهتقصیرعبادت معترفند که: «ماعبدناکحقعبادتک»،وواصفانحلیه جمالشبهتحیّرمنسوبکه: «ماعرفناک حقمعرفتک».

گر کسی وصف او ز   من پرسد
 
 

 

بى‌دل از بى‌نشان چهگوید باز
 
 

عاشقان کشتگان معشوقند
 
 

 

برنیاید ز کشتگان آواز
 
 

(العاکفون على کعبة جلالته یعترفون بقصورهم، فیقولون: «ما عبدناک حق عبادتک»، والواصفون لجماله حیارى، فیقولون: «ما عرفناک حق معرفتک». لو سألنی أحدٌ عن أوصافه/فماذا یقول المتیّم عن الذی لا أثر له؟!/إن العشاق قتلى بید المعشوقات/فلا یرتفع صوت من القتلى).

ونقل الدمیری فی حیاة الحیوان قصیدة من الشیخ الرئیس معروفة بـ«الأرجوزة» تبلغ 50 بیتاً، مطلعها:

بدأت بسم الله   فی نظمٍ حَسَن
 
 

 

أذکر ما جرّبتُ   فی طول الزّمن
 
 

ما هو بالطّبع   وبالخواصّ
 
 

 

لِکُلّ عام   وَلِکُلّ خاصّ
 
 

فی شوکة العقرب   نجم توأمٌ
 
 

 

تراه عین من   یراه یعلم
 
 

(الدمیری، 1415هـ، ص 65، الأمین،ب د ت، ص 80)

ویقول المیرزا محمد علی مدرس ما ننقله بالعربیة: «لابن سینا أرجوزة تسمى "سینائیة". وهی قصیدة یبلغ عدد أبیاتها 110 أبیات، یتناول تجاربه الطبیة ومشاهدته الهیویة» (د ت، ص 582).

یذکر الشیخ طرق علاج بعض الأمراض فی شعره. فعلى سبیل المثال یقول لمعالجة «النزلة» (الماء السائل من الأنف إثر الزکام):

فی أول النزلة   فَصْدٌ وفی
 
 

 

أواخر النزلة حمّام
 
 

بینهما ماءُ   شعیرٍ به
 
 

 

صَحَّت مِن   النزلة أجسام
 
 

یرى الشیخ الناس العادیین حیارى تنتابهم المشاکل من کل جانب، وهم من حیرتهم وندمهم جعلوا أکفّهم على أذقانهم، وعضّوا أصابعهم بأسنانهم:

لقد طُفتُ فی   تلک المعاهد کلّها
 
 

 

و سیّرتُ طرْفی بین تلک   المعالم
 
 

فَلَم أرَ إِلاّ   واضعاً کفَّ   حائرٍ
 
 

 

عَلى ذقَنٍ أو   قارعاً سنّ نادمٍ
 
 

(ابن خلکان، 1977م، ص 161)

وفی قصیدة أخرى یوصی الشیخ الناس بالمسائل الصحیة والطبیة، ویطلب منهم أن لا یفرطوا فی الشهوات؛ لأنّ نطفتهم ماء الحیاة یراق فی الأرحام. ثم یذکّرهم آداب الطعام، ویرید منهم أن لا یبدؤوا الأکل قبل هضم الأکل السابق، وأن لا یشربوا ماءً بعد الأکل مباشرةً؛ لأنه یضر، وعلى الناس أن لا یستصغروا الأمراض الصغیرة؛ لأنها کالنار تبدأ صغیرةً، ثم تلتهم کل شیء:

اسمَعْ جمیعَ   وصیتی واعمَل بها
 
 

 

فالطّب مجموعٌ   بنظم کلامی
 
 

أقلِل جماعَک   ما استطعتَ فإنّه
 
 

 

ماءُ الحیاة   یُصَبّ فی الأرحام
 
 

واجعل غذائکَ   کلّ یوم مَرّةً
 
 

 

واحذَرْ   طعاماً قبل هضم طعام
 
 

لا تَشربَنَّ   عقیبَ أکل عاجلاً
 
 

 

فتقودَ نفسَک   للأذى بزمام
 
 

لا تَحقر   المرضَ الیسیرَ فإنّهُ
 
 

 

کالنار تصبح   وهی ذاتُ ضرام
 
 

(مدرس، د ت، ص 588)

و هناک قصائد رویت عن الشیخ فی الزهد والحکمة بالعربیة تتمتع بمکانة مرموقة فی الأوساط الأدبیة:

أما أصبَحتَ   عن لیلِ التَّصابی؟!
 
 

 

وقد أصبحتَ   عن لیل الشباب
 
 

شبابُکَ کان   شیطاناً مریداً
 
 

 

فرجِّمْ من   مشیبکَ بالشهاب
 
 

عفا رسمُ الشباب   رسمَ دار
 
 

 

لَهُم عندی بِها   مَغنى رباب
 
 

 (الأمین، ب د ت، ص 79)

کما هو واضح من القصیدة السابقه التی تبلغ 10 أبیات؛ فإنّ الشاعر ترنّم بمصطلحات الجاهلیة مثل: «عفا» و«رسم الدار» و«لیل التصّابی» و«لیل الشباب» استقرضها من أمثال امرئ القیس وزهیر وطرفة وأمثالهم، لکنّه وظّفها فی الحکمة والمضامین النبیلة والآداب والأخلاق الشریفة، وما استخدمها فی البکاء على الأطلال والدِّمَن!

وهناک قصائد أخرى للشیخ لیس موضع ذکرها هنا،لکنّ أهم قصیدةٍ وصلت إلینا من هذا الشاعر والأدیب النابغة هی القصیدة العینیة التی قام بشرحها کثیر من الأدباء والمفکرین بعد وفاة الشیخ. وفی السنوات الأخیرة عارضها بعض الأدباء الإسلامیین؛ ومنهم الشیخ محمد صالح المازندرانی فی قصیدة مطلعها:

بَزغتْ إلیک من   الفضاء الأوسع
 
 

 

شمسٌ أشعَّتها   بهیّ المطلع
 
 

أمّا قصیدة الشیخ العینیة:

هَبَطَتْ إلیکَ   من المحلّ الأرفع
 
 

 

وَرْقاءُ ذاتُ   تَعَززٍ وتَمَنُّع
 
 

محجوبَة عن کلّ   مُقلةِ عارف
 
 

 

وِهی التی   سَفَرتْ ولَم تتبَرقَع
 
 

وَصَلَتْ على   کُرهٍ إلیک وربّما
 
 

 

کَرِهَتْ   فِراقَک وهی ذاتُ تفَجُّع
 
 

أنِفَتْ وما   أنِسَتْ فلمّا واصَلَتْ
 
 

 

ألْفَتْ   مُجاوَرَةَ الخراب البلقع
 
 

وأظنّها نَسیتْ   عُهوداً بالحِمى
 
 

 

ومنازلاً   بفراقها لم تَقنع
 
 

حتى إذا اتّصلت   بـ"هاء" هبوطها
 
 

 

مِن "میم"   مرکزها بذات الأجرع
 
 

عَلَقَتْ بها "ثاءُ"   الثّقیل فأصبحتْ
 
 

 

بین المعالم   والطُّلول الخُضّع
 
 

تبکی وقد ذکرتْ   عُهوداً بالحِمى
 
 

 

بمَدامعَ تَهْمی   ولم تتقطّع
 
 

وتظَلّ ساجعةً   على الدِّمَن التی
 
 

 

درستْ بتَکرار   الرّیاح الأربع
 
 

إذ عاقهَا   الشَّرَکُ‌ الکثیفُ ‌فَصدَّها
 
 

 

نقصٌ عن الأوج   الفسیح المربع
 
 

حتى إذا قَرُب   المسیرُ إلى الحِمى
 
 

 

ودنا الرّحیلُ   إلى الفضاء الأوسع
 
 

أنعِم برَدِّ   جواب ما أنا فاحصٌ
 
 

 

عنه فنار العلم   ذات تشعشُع
 
 

(ابن خلکان، 1977م، ص 159؛ الأمین، ب د ت، ص 78؛ السبزواری، آ 1361هـ. ش، ص 272ــ288؛ الخوانساری، 1390هـ، ص 518ــ519)

وقد شرح الحاج ملا هادی السبزواری هذه القصیدة فی کتاب أسرار الحکم (ج 1، ص 272ــ288) على طریقة الحکمة الإشراقیة.

 

ملخص کلام الشیخ فی هذه القصیدة

حمامة ذات أجنحة جمیلة نزلت إلینا من مکان أرفع. هذه الحمامة محجوبة عن أنظار الناظرین، ولم تسفر عن وجهها. نزلت إلى هذا العالم بکراهیة؛ ثم ألِفتْه حتى نسیتْ ما کانت علیه فی ذلک المکان الأرفع. لکنها بعد أن تلوّثتْ بأثقال الحیاة، وعلقت بها أدرانُ المادة، تذکّرتْ عهودَها، وأخذت تئنّ وتبکی على ما کانت علیه. وبعد بکاءٍ شدید وتفجّع مریر انکشفت لها طرق الخلاص، فخلّصتْ نفسَها، فطارت إلى مکان رفیع. فشاهدتْ عالماً نورانیاً لا تراه الأعین الدّرنة؛ ففرحتْ وقرتْ عینها بحیاتها، ولم یحصل لها هذا الفرج إلاّ بنور العلم؛ أو کما قال ابن سینا: بنار العلم التی تُشعّ وتلمع.

ثم یسأل ابن سینا: لماذا هَوَت هذه الحمامة الجمیلة من ذلک المکان الأرفع إلى هذا الحظیظ المقیت؟ فیجیب: إن الله أنزلها لحکمة، ولکنّ الإنسان یجهل هذه الحکمة. إذا قیل: إن الحکمة من نزولها أن تعرف ما لا تعرف، نقول: بل الأمر على العکس؛ فإنها ما رأت ولا عرفت شیئاً لم تکن تعرفه من قبل. والآن ــ وهی راجعة إلى ما کانت علیه ــ کأنها لم تحصل على شیء. نعم، إن الدهر قد قطع طریقها حتى إنها غربت من حیث لم تطلع، وکأنّها برقٌ لمع ثم انطفأ، وکأنه لم یلمع قطُّ.

فنلاحظ فی القصیدة السابقة أن مراد الشیخ هذا السؤال: لماذا نزلت الحمامة الجمیلة من ذلک المکان الأرفع إلى هذه الخربة؟ أجاب الحکیم السبزواری عن هذا السؤال قائلاً: کل إنسان ــ أیّاً کان ــ فهو سائر فی طریق الکمال حتى تتصل روحه بالروح الهیولائیة، ویصبح قائماً بذاته، ویتصل معناه بالمعنى المجرد المرسل. فإنّ الشیخ أجاب إجابةً اشراقیةً: تعود النفس بعد انهدام الجسد إلى ربّ نوع لها. وهؤلاء الأرباب متصلون برب الأرباب «وَ ما مِنْ دابَّةٍ إلّا هُوَ آخِذٌ بناصِیَتِها إِنَّ رَبّی عَلى صِراطٍ مُستقیمٍª [هود 11: 56]. تحشر یوم الحشر إلى الله، وتتصل بغایة الغایات. کل من یَفیض من الله لا ینقطع، ونور الله لا یأفِل. فالکل یدخلون على صراط الإنسان. «إِنَّ هذَا الْقُرآنَ یَهدی لِلَّتی هِیَ أَقْوَمُª [الإسراء 17: 19] (السبزواری، 1361ش، ملخص من صفحات 278ــ288).

یعتبر الشیخ السبزواری «الورقاء» أو تلک الحمامة فی کلام ابن سینا النفس الناطقة، والهبوطَ فیضان نفس الناطقة؛ کأن هذه الورقاء نزلت من المکان الأرفع (العقل الکلّی) على شکل التجلّی لا التجافی.

کراهیة النفس فی القصیدة کراهیة تکوینیة تعود إلى العدم؛ لأنه لا معنى لکراهیة النفس لأمر وجودى. فالنفس فی الواقع تعشق الله وتحبه؛ کما قالوا: لولا العشق لم تکن سماء ولا أرض ولا غیرهما؛ لأن نفس الإنسان تجلّت من العقل الفعّال، ونزلت کوجود رابط؛ أی: من جانب ارتبطت بالعقل الفعّال وتحبّه، ومن جانب آخر، لأنها تنزّلت من وجودها الأصیل (العقل الفعّال) وتعلّقت ببدنها المادی، تکره التعلّق. النفس متعلقة بالجسم من حیث الحدوث، ومتعلقة بالعقل الفعّال من حیث البقاء. إذن، النفس جسمانیة الحدوث وروحانیة البقاء.

إذا تعلقت النفس بالبدن، فکمالها بهذا التعلق حتى تنال جمیع تلک الدرجات، بینما کمال النفس رهین بهذا التعلق. وعندما ترید أن تعرج، تکره هذا العروجَ؛ فلهذا مفارقة النفس الجسدَ ــ وهو العلة المحدثة للنفس ــ یتمّ بألم شدید.

الملخص أنّ قصة خلقة الإنسان طرحت بشکل سؤالٍ وجواب، وعلى طریقة رمزیة عرفانیة إشراقیة. ویبدو أنّ الشعراء العرب ومن قال الشعر بالعربیة إلى عصر ابن سینا لم یذکر تمثیلاً على هذا النمط.

إذن یمکن أن نعتبر میزتین فریدتین للشیخ فی الأدب العربی وخاصة بالشعر:

الأولى. إنه وظّف الشعر فی خدمة التجربة والعلم خاصة فی خدمة الطب ففی هذا المجال هو شاعر فرید.

الثانیة. أسلوبه التمثیلى فی النثر والشعر ــ والذی یتجلّى فی حىّ بن یقظان ورسالة الطیر وسلامان وأبسال وقصیدته العینیة ــ لا عهد له لا فی القرن الرابع ولا بعده. فإذا وجدنا قصیدة تمثیلیة مثل عینیة ملّا صالح المازندرانی وأمثاله، فکانت إمّا شرحاً لعینیة ابن سینا، أو معارضة لها. فابن سینا لم یکن شاعراً أدیبا یقول الشعر للتفنن والمعارضة والفخر والمدح والرثاء والهجو وأمثاله، بل هو مفکر نزل العلم والعقل والتجربة والفن شعراً من جبال وجوده، وحمامةٌ مترنمة غنّت أشعارها فی خدمة الأدب والفن.

 

النتیجة

بناءً على هذه الدراسة، یمکن أن نقول: إنّ الشیخ الرئیس أبا علی بن سینا لم یکن عالماً وفیلسوفاً فحسب، بل إضافة إلى علمه وفلسفته کان أدیباً ذا باع فی الأدب. فعلى جمیع الأدباء ولاسیما الأدباء الذین یبحثون فی الأدب العربی للقرن الرابع الهجری أن یجعلوا مؤلفات الشیخ شعراً ونثراً موضع اهتمامهم؛ لأنّ الشیخ استطاع أن یوظّف شعره ونثره فی خدمة العلم؛ کما شاهدنا فی هذا المقال قد وردت أشعار کثیرة منه فی المعالجات الطبیة وشرح الأمراض الخاصة. إضافة إلى أنّ الشیخ خلق أسلوباً حدیثاً من الشعر العربى؛ لأن الشعراء قبله وظّفوا أدبهم فی المدح والرثاء والهجو والذّم وأمثاله، ولکنّ الشیخ خرق هذه العادة الموروثة، وجعل الأدب فی خدمة الحکمة والعرفان والعلوم المتداولة آنذاک. وکذلک بعض قصائد الشیخ لشهرتها کان یضرب بها المثل؛ لأنها جمعت بین الحکمة والعرفان وبین الذوق الأدبی.

مثل هذه القصائد فی مؤلفات الشیخ زادت الأدب العربی غنىً. وأما قصیدته العینیة، فقد بلغت ذروة الشهرة لعمق المعانی التی تندرج فیها؛ حیث ینتفع بها کل أدیب وحکیم، ویتعرّف على أسرار الخلقة ورموزها من خلال أبیاتها.

أمّا نثره العربی، فهو الآخر یستحق الالتفات، ومع أنه وقف نثره لرسائل عرفانیة؛ مثل: حی بن یقظان ورسالة الطیر و... لکنّ هذا النثر العرفانیّ التمثیلیّ ترک بصماتة على النثر العرفانی عامة؛ فلهذا ظهر بعده مفکرون کابن طفیل وابن سبعین وابن حزم الأندلسی وعشرات مثل هؤلاء، متأسّین بالشیخ، وزادوا الأدب العربی وحکمته ولغته روعةً وغنىً.

المصادر والمراجع

أ. العربیة:

1. ابن حجر العسقلانی، أحمد بن علی. (1986م). لسان المیزان. (ج 2).بیروت:مؤسسة الأعلمی للمطبوعات.

2. ابن خلِّکان، أحمد بن شهاب.  (1977م). وفیات الأعیان وأنباء أبناء الزمان. (ج 2). بیروت: دار صادر.

3. ابن سینا، حسین بن عبدالله. (1366هـ. ش). حیّ بن یقظان. (ترجمة وشرح منسوب  إلى الجوزجانی). (صحّحها هنری کوربن). طهران: مرکز النشر الجامعی.

4. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (1370هـ. ش). رسالة الطیر. (شرح عمر بن سهلان الساوجی). (بإشراف محمدحسین أکبری). طبع  ونشر مرکز العلامة الطباطبائی.

5. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (1379هـ. ش). الإشارات والتنبیهات. (شرح الخواجة نصیرالدین الطوسی). (ج 3). طهران: مکتب نشر الکتاب.

6. ابن العماد الحنبلی، عبد الحیّ بن أحمد. (د ت).  شذرات الذهب فی أخبار من ذهب. (تحقیق عبدالقادر الأرناؤوط). (ج 1). بیروت: دار الکتب العلمیة.

7. الأمین، سیدمحسن. (آ د ت). أعیان الشیعة. ج 3. بیروت: دار المعارف للمطبوعات.

8. ـــــــــــــــــــــــــ. (ب د ت). أعیان الشیعة. (ج 6). بیروت: دار المعارف للمطبوعات.

9. أمین، احمد. (د ت). ضحى الإسلام. بیروت: دار الکتب العربیة.

10.  ــــــــــــــــــــــ . (د ت). فجر الإسلام. بیروت: دار الکتب العربیة.

11. الدمیری، محمد بن موسى. (1415هـ). حیاة الحیوان الکبرى. (ط 4). طهران: ناصر خسرو (بطریقة أوفسیت).

12. السبزواری، حاجی. (آ 1361هـ. ش). أسرار الحکم فی المفتتح والمختتم. طهران: مولى.

13. ـــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ. (ب 1361هـ. ش).  أسرار الحکم فی المفتتح والمختتم. طهران: مولى.

14. إیروانی‌زاده، عبدالغنی، ونصر اله شاملی. (1384هـ. ش). الأدب العربی والإیرانیون. (ج 1). طهران: سمت.

15. فرّوخ، عمر. (1992م). تاریخ الأدب العربی. (ط 6). بیروت: دار العلم للملایین.

 

ب. الفارسیة:

16. بهار، محمدتقی. (1376هـ. ش). سبک شناسی. (ج 2). (ط 9). طهران: مجید.

17. الخوانساری، محمدباقر. (1390 هـ).  روضات الجنات فی أحوال العلماء والسادات. (ج 3). طهران: المکتبة الإسلامیة .

18. القفطی، علی بن یوسف. (1347هـ. ش). تاریخ الحکماء. (تصحیح بهین دارائی) طهران: دانشگاه تهران.

19. مدرس، محمدعلی. (د ت). ریحانة الأدب. (ج 7). طهران: مطبعة شفق.