نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 استاديار گروه زبان و ادبيات عربي ـ پرديس قم وابسته به دانشگاه تهران.

2 دانش‌آموختة کارشناسي ارشد ـ دانشگاه کردستان.

المستخلص

القصة الشعرية فن يرتبط وثيقاً بالشعر والقصة، وأحد مظاهر التجديد في الشعر العربي الحديث، ومعرض فنّيّ لتصوير مقدرة الشعراء على الجمع بين القصة والشعر. وقد اختص بها حجم کبير من دواوين الشعراء في العصر الحديث؛ منهم: الشاعر إيليا أبو ماضي. فهو بوصفه شاعراً ذا نزعة إنسانية رفيعة ينسج في ديوانه الشعري ــ شأن معاصريه المهجريين ــ قصصاً شعرية يستلهم أکثر موضوعاتها من المجتمع الإنساني، لکن دائرة موضوعات هذه القصص تتسع لديه، وتشتمل على مواضيع مختلفة؛ کالموضوعات التاريخية، والأسطورة الرمزية، والوعظية، والتعليمية، والاجتماعية، والعاطفية الوجدانية، والوطنية، والقومية.
إن الشاعر يصل نهاية المطاف في القصص الشعرية التأريخية والأسطورية يصل إلى الإنسان وحياته الشريفة؛ لأنه شاعر اجتماعي، ونراه يبلغ ما وراء حدود الإنسانية، ويغنّي دائماً أنشودة الحياة الرفيعة للبشر عندما يدخل في صلب الموضوعات الوعظية والتعليمية.
و إذا ما تصفحنا أوراق هذا الديوان، نلمس صداقة روح الشاعر بصورة واضحة؛ حيث نراه يسعى أن ينقل إلى المخاطب مجموعة من الأفکار الاجتماعية، سواء ما  جرّبها أم لم يجرّبها، لکنها بالنسبة إلى ضرورتها سيطرت على موضوعات قصصه، واتسمت بالموضوعات الاجتماعية. والموضوعات العاطفية والوجدانية هي الأخرى التي نجد الشاعر يستطرد إليها في ديوانه في قالب القصة الشعرية؛ فيبحث فيها عن أداة تقرّبه إلى حبّ کل الجمادات. وکذلک إنه لم يغفل عن الموضوعات الوطنية والقومية حينما يحکي لنا قصصاً منها متأثراً بحياة تشرّده، وهجرانه مسقطَ رأسه لبنان. ولا يخفى أن معظم هذه الموضوعات يُختم بمواعظ واعتبارات عامة تهدف إلى تهذيب الإنسان والمجتمع الإنساني، وتعليم الإنسان درس الثبات والتعاون والالتئام والمؤازرة، کما تحثه على مواصلة الحياة الشريفة.

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Poetic Stories in Ilia Abu Mazi’s Poetic Works

المؤلفون [English]

  • Sadeq Fathi Dehkordi 1
  • Shlyr Fathi 2

1 Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, Tehran University.

2 MA Student in Arabic Language and Literature, Kordestan University.

المستخلص [English]

Poetic story is a kind of art firmly connected to poetry and story and is a sign of restoration in Arabic poetry; furthermore, it is an artistic field for presenting poets' ability in putting poetry and tale together. This genre has included many current poetic works. Abu-Mazi as a poet with sublime human tendencies and like many other Mahjar (migration) poets has poetic stories with humanistic motifs, but the span of his art is wider, so it contains many themes like history, legend, teaching and preaching, society, sentiment, conscience, fatherland and nation. Since he is a social poet, in his poetic stories he finally gets to human and his noble life. Among themes of preaching he goes through human borders and sings the anthem of sublime life. We can see vividly the honesty of his soul which tries to transfer a collection of social thoughts to the audience, some of which are his personal experience but some are not. These thoughts have dominated his work and are inserted into social subjects. Teaching as well as preaching is another theme with which the poet is discovering an instrument to bring him near the love of all creatures. Meanwhile, he is not inattentive toward themes regarding nation and fatherland and narrates some tales which are impressed with homelessness and separation from Lebanon. Explicitly he ends most of his themes with stories and wise sayings which are concerned with human and his society and teach human patience, cooperation, correlation, and help and encourage him to continue his life.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Ilia Abu-Mazi
  • Poetical Story
  • Poetical Work

مقدمة

ولد إیلیا أبو ماضی سنة 1889م فی قریة المحیدثة بجبل لبنان، ویعدّ من کبار شعراء العرب المعاصرین والمهجر. درس فی مدرسة المحیدثة، وتعلم فیها الدروس الابتدائیة، لکن دراساته لم تنته، وقد أصبح التشرد والرحلة جوهرة حیاته. فقضى معظم حیاته فی البؤس والتشرد والتنقل من مکان إلى آخر. فسافر إلى مصر سنة 1900م، وکانت مهنته فیها بیع التِّبغ .

إن هذه البیئة الجدیدة أثرت على قریحته الشعریة، وظهرت موهبته الأدبیة فیها؛ خاصة بعد انتشار دیوانه الأول التذکار الماضی (جحا،1999م، ص 112؛ القبانی،1977م، ص 66؛ الملعوش،1997م، ص 34). ثم ترک مصر وزار لبنان؛ کأنه کان یأمل البقاء فیها، لکنه سرعان ما ترکها ورجع إلى مصر؛ لأنه لم یجد الأسباب التی تؤدی إلى بقائه فیها. لعل مصر کانت فی هذه الفترة مرکز انطلاق المهاجرین إلى أمریکا؛ لاسیما المهاجرین الذین عانوا فیها من شظف العیش وشدائده. فهاجر إلى «سنسساتی أومایو» فی الولایات المتحدة، وامتهن التجارة مع أخیه مراد، وابتعد عن عالم الأدب أربع سنوات، لکنه کان یدرس الآثار التی تنشر فی بیئته؛ فیصوّر النزعات النفسیة التی ظهرت من الحیاة الجدیدة فی خیاله (صیدح، 1964م، ص 273؛ شرارة،1982م، ص 13).

ثم رحل إلى نیویورک سنة 1916م؛ فأقام هناک وتعرّف على جبران ونعیمة وعریضة ورشید أیوب، والتحق بـ «الرابطة القلمیة»، وتأثر بنزعات جبران خلیل جبران وأصدقائه، ونشر دیوانیه: دیوان إیلیا أبی ماضی بمقدمة جبران، والجداول بمقدمة میخائیل نعیمة، وأسس مجلة السمیر فی بروکلین، وأصدر دیوانه الآخر باسم الخمائل. توفی أبو ماضی سنة 1957م. وبعد وفاته انتشرت أشعار له بعنوان تِبر وتراب فی بیروت.

وما نعلم من خلال التعرف على سیرته أنه قال عنها فی رسالة بعثها إلى الناعوری، وهو یتواضع فیما یقول ویکتب: «أما سیرتی فلیس فیها ما یستحق النشر ...» (الناعوری، 1977م، ص 13). وکانت فلسفة حیاته کثیراً ما تعتمد على تلوّن المزاج. یقول طه حسین عن شخصیته ما یعتبر تفسیراً منصفاً من شخصیته الفردیة والشعریة: «إنه شخصیة قویة، یتناول المعانی التی سبق إلیها الشعراء المتشائمون والمسرفون من القدماء والمحدثین؛ فینفتح فیها من روحها القویة، ویکاد یفرض شخصیته فرضاً» (حسین،1971م، ص 145).

 

القصة الشعریة فی الأدب العربی

إن القصة الشعریة تعد من مظاهر التجدید فی الشعر العربی الحدیث، ومن تقسیمات الشعر عند النقاد والأدباء الغربیین: «القصیدة إما تحکی عن حوادث وأشخاص وأقطار وبلاد، وإما تعرب عن الحالة النفسیة الداخلیة التی تسود الشاعر. أما النوع الأول فنسمیه شعراً قصصیاً؛ وأما الآخر فهو الشعر الغنائی أو الوجدانی» (تشارلتن،1945م، ص 62).

و الشعر القصصی هو الذی یذکر الوقائع والحوادث فی ثوب قصة تساق مقدماتها، وتقصّ حالاتها ومناظرها وینطق أشخاصها الذین یترابطون بنسبة دورهم فیها (الخفاجی، 1992م، ص 90). وعندما یرید الشاعر أن یستفید من تجارب حیاته الواقعیة وغیر الواقعیة التی تأثر بها مستواه الفکری، یبحث عن مناهج للتعبیر عن هذه الأفکار، ویتخذ من وراء حذاقته الشعریة أسلوباً لا یبتعد عمّا نسمّیه قصة شعریة.

کما تقول الباحثة المعاصرة عزیزة مریدن:

إن القصة الشعریة بوصفها مجمعاً للشعر والقصة تجعلنا نحیا التجربة النفسیة الواحدة فی نطاق أوسع؛ إذ تطرق أبواب تفکیرنا ومشاعرنا، فنحیا التجربة مرتین، أو نحیاها على نحو مزدوج: حیاة الحادثة الواقعیة وحیاة الفکر العِلویّ والخیال السامی الذی یحملنا الشعر على أجنحته لیوصلنا إلیه (مریدن، 1984م، ص 23).

وقد اختلف الدارسون فیمن له الفضل السابق فی هذا المجال؛ إذ تارة یعدّون خلیل مطران رائدها، وتارة شبلی الملّاط، ولکن ما یهمنا هو أن أصحاب الاتجاهات الجدیدة ــ أی: جماعة المهجر وجماعة الدیوان وجماعة أبولو ــ کان لهم حظ وافر منها، وأن إیلیا أبا ماضی من أصحاب الأدب المهجری ربما یکون أکثر أفراد هذه الجماعات قصة شعریة .

ولو رجعنا إلى الشعر العربی القدیم، لعثرنا على أجزاء کثیرة من قصائد تتجلى فیها ملامح القصة وسماتها العامة، وإن لم تؤلَّف بالأسلوب القصصی الحدیث. وذلک أمر طبیعی؛ إذ تختلف القیم الفنیة والأدبیة والشعریة نتیجة اختلافات البیئة والثقافات المختلفة.

من هذه القصص فی العصر الجاهلی أقاصیص لعنترة بن شداد العبسی شاعر البطولة والشجاعة فی معلقته یقصّ على ابنة عمه «عبلة» أخبارَه فی الحروب، وما أبلاه فیها من بطولته مثیراً اهتمامها وانتباهها؛ کما نجد أبیاتاً أخرى لشعراء هذا العصر تدلّ على تبلور هذه الروح الفنیة بین قصائدهم؛ کامرئ القیس الشاعر المغامر، حیث یقصّ مغامراته مع صاحباته یوم دارة جُلجُل؛ أو زهیر بن ‌أبی‌سلمی، إذ یسجّل واقعة الصلح الذی سعى فیه الساعیان؛ کما نجد الحطئیة یقصّ بقصائده أقاصیص فی الضیافة العربیة.

وأما فی العصر الأموی فهذا الفن یتجلى عند الشاعر العذری جمیل بُثینة بأقاصیص مملوءة من العتاب المرّ لحبیبتها التی وعدته وعوداً خلّابة للوصل، ثم بخلت علیه بقضائها.

وفی الشعر العباسی، فأبونواس هو الذی تدور قصصه الشعریة حول مجالس الخمر والغناء، والبحتری هو الآخر یصف فی شعره قصة ذئب، یتابع وصفه ضمنها، وهو سار فی أحد أسفاره حیث یقول:

عَوى ثمّ أقعى   فارتجزتُ فَهِجتُه
 
 

 

فأقبل مثلَ   البرق یَتبعُه الرّعدُ
 
 

 (البحتری،1973م، ص 744)

و یری أحمد أمین أن عمر بن أبی ربیعه هو مبتکر القصص الشعریة؛ إذ یدور معظم قصائده حول الحوادث، وما کان یجری بین النساء وبینه (الصمیلی، 1980م، ص 112)، بینما یرى الدکتور شوقی ضیف أن اللغة العربیة لم تعرف الشعر القصصی بمعناه الغربی إلا فی العصر الحدیث وبعد نقل سلیمان البستانی الإلیاذة إلى العربیة (ضیف، د  ت، ص 144).

وتوجد نماذج من هذه القصص عند کبار الشعراء فی العصر الحدیث؛ منهم: أحمد شوقی، عباس محمود العقاد،إلیاس فرحات وغیرهم.

ویحفل أیضاً دیوان الشاعر المهجری إیلیا أبی ماضی بقصص شعریة تشتمل على موضوعات مختلفة، نحاول فی هذه المقالة تسلیط الضوء علیها معتمداً على المنهج التوصیفی ــ التحلیلی، حتى نقدّم صورة واضحة من أنواع القصص الشعریة فی دیوانه.

 

أسئلة البحث وفرضیاته

إن الأسئلة التی یحاول هذا المقال الإجابة علیها هی:

1.  ما هی موضوعات القصص الشعریة فی دیوان إیلیا أبی ماضی؟

2. ماذا تستهدف هذه القصص الشعریة؟

 ویقوم هذا المقال على الفرضیات التالیة:

 1. هذه الموضوعات متنوعة من التاریخیة، والأسطورة الرمزیة، والوعظیة، والتعلیمیة، والاجتماعیة، والعاطفیة الوجدانیة، والوطنیة، والقومیة، وهی موافقة للقصص الشعریة المعاصرة .

2. تستهدف هذه القصص تهذیب الإنسان وإصلاح المجتمع.

 

القصص الشعریة فی دیوان إیلیا أبی ماضی

تعددت مصادر القصص الشعریة فی دیوان أبی ماضی؛ حیث استفاد من التاریخ والأسطورة، فقدّم إلینا القصة التاریخیة؛ ونهل من مَعین العاطفة والوجدان، فصاغ لنا القصة الشعریة الوجدانیة؛ ولم یغفل عن المجتمع والعالم، فقدّمت لنا القصص الاجتماعیة؛ کما تحدّث عن التعلیم والوعظ فی القصة الوعظیة، وأخیراً التفت إلى الأحداث الوطنیة والقومیة، فأبدع قصصاً حماسیة موفقة، ولکن من وراء هذه القصص عنصر أساسی لابدّ من الانتباه إلیه، وهو الإنسان الذی یقصد الشاعر من خلال خدمته إلیه أن یؤازره للحیاة الکریمة أولاً، وللتعایش مع المجتمع الإنسانی ثانیاً. ویرمی من خلال ذلک ارتقائه إلى مستوى رفیع من الصحة النفسانیة؛ حیث کل ما یشاهده فیه هو ابتهاج وسرور ونقاء ورواء، وإنما ذلک یتحقق للبشر عن طریق مواعظ واعتبارات تساق فی آثاره الأدبیة، لاسیما فی دیوانه. وإن موضوعات هذه القصص هی بمثابة مثارات لتحقق هذا الغرض النبیل.

ویتطرق الشاعر أثناءها إلى بعض أغراض جزئیة فی ضمن الموضوعات الکلیة، ومع ذلک إن أکثر ما عُثر علیه فی دیوانه من القصص هی التاریخیة، والأسطورة الرمزیة، والوعظیة التعلیمیة، والاجتماعیة، والعاطفیة الوجدانیة، والقومیة والوطنیة. وفی کلها أسلوب وسمات مشترکة یتصل بعضها بالحقائق والوقائع البشریة؛ کما هو الشأن فی سائرالقصص الشعریة المعاصرة.

وهذا الدیوان کبؤرة فنیة من الأفکار الإنسانیة تتراءى أحیاناً عندما تشتد عاطفة الشاعر فی رسم المواقف البشریة، وتمتزج هذه العاطفة بموضوعات متنوعة .

 

أ. القصة الوطنیة والقومیة

هی قصص تعنى بصلة الفرد بوطنه، وحبّه لطبیعته وأهله، والعمل لخیره ومصلحته. ومن أهم ما أدّى إلى نظم هذه القصص فی العصر الحدیث هی الأحداث السیاسیة، وما حاق بالأقطار العربیة من ظلم وطغیان فی زمن الحکم العثمانی من ناحیة، والاستعمار الفرنسی والإیطالی والإنکلیزی من ناحیة أخرى.

وتتحدث هذه القصص عن الإشادة بشجاعة المرأة وبطولتها فی مواجهة المستعمرین، والتندید بظلم الحکّام أو مظالم الأتراک والمستعمرین، وکذلک أقاصیص الثورات الوطنیة، وأقاصیص عن فلسطین وغیر ذلک (میرزا، 1954، ص 232).

وجدیر بالذکر أن اهتمام الشاعر بهذا اللون من القصص ربما یعود إلى ما جرّبه خلال تشرّده من مسقط رأسه وابتعاده عنه، حتى قام بتصویر ما یمثل للمخاطب عاطفة صادقة من الغیرة والحمیة على الوطن والقومیة؛ أو ربما کان سبب خوضه فیها أنه کان مولعاً فی معظم الأوقات بلقاء بلدته فی لبنان. ولا نخطئ إذا قلنا إنه کان یستر عَبرته التی تکاد تُحرقه من شدة الهم والغم (سراج، 1957م، ص 336). ولم نخرج عن واقع الأمر إذا قلنا إن هذا الحزن واللوعة إلى بلدته یکثر عندما مال الشاعر إلى نظم قصیدة «بلادی» التی أنشدها سنة 1913م (سلیم، د ت، ص 168) لیصف موقفه فی الدفاع عن الوطن.

أما خصائص القصص الوطنیة والقومیة فهی:

1. الاعتماد على التلمیح لا التصریح أولاً، وعلى الصور الطریفة الوطنیة ثانیاً؛

2. إن للقصة الوطنیة طفولة وشباباً؛ فلذلک یلاحَظ أنّ التوفیق الفنی الذی یتوفر فی بناء القصة وإحکام نسجها والعنایة ببنائها کان فی القصص التی نظمت مؤخرّاً؛

3. عدم ظهور علاقة واضحة بین موضوع القصة الوطنیة وبین جودة بنائها ونسجها من حیث الفن القصصی، وعدم وجود موضوعات معینة تساعد الشاعر أکثر من غیرها على قوة البناء والتعبیر؛

4. تبلور عنصر العنایة الفائقة بالصور الخاصة الموحیة فیها، واللمحات النفسیة التی ترسم الموقف بدقائقه، وتعنی بتصویر التفاصیل والجزئیات، وجَلاء روح الحوادث أکثر فأکثر (مریدن، 1984م، ص 357).

لعل أول ملامح هذه الصورة تظهر فی تندید الشعراء بظلم الحکام واستبداد الملوک وطغیانهم. منها حکایة «الشاعر والأمة» لإیلیا أبی ماضی التی یتحدث فیها عن بلدة کانت ذات مجد وعزة تسعى دائماً لراحة أهالیها، وکان یحکم فیها حاکم متدبر وحازم یُکرم الشعب بالإکرام والإنصاف. وکان متسماً بعلوّ الهمة والإرادة حتى بلغ الشعب فی عهده درجة عالیة من الرقی والتقدم، وإن صیته طار فی البلاد. فیشیر الشاعر إلى حالة هذه الأمة فیقول:

کانَ فی ماضی اللَّیالی أُمَّةٌ
 
 

 

خَلَعَ العِزُّ علیها حِبَرَهْ
 
 

...

 

 

لَم یقِس شَعبٌ إلى أَمجادِها
 
 

 

مَجدَهُ الباذِخَ إلّا استَصغَرَهْ
 
 

...

 

 

ومَشَى الدَّهرُ إلیها طائعاً
 
 

 

فَمَشت تائهةً مُفتخِرَهْ
 
 

کانَ فیها مَلِک ذو فِطَن
 
 

 

حازِمٌ یَصفَحُ عند المَقدَرَهْ
 
 

...

 

 

بلغت فی عَهده مرتبةً
 
 

 

لَم تَنَلها أُمَّةٌ أو جَمهَرَهْ
 
 

(أبو ماضی، د ت، ص 427)

لکنه لم یلبث أن انقلبت أحوال هذه الأمة، وتحکم فیها حاکم مستبد ضعیف الرأی، ولم یبق من الجلال السابق شیء ما، وتقوّض عماد الدولة:

مات عنها فأقامت مَلِکاً
 
 

 

طائِشَ الرَّأی کثیرَ الثَّرثَرَهْ
 
 

حَولَهُ عُصبةُ سوءٍ کلّما
 
 

 

جاءَ إدّاً أقبلت مُعتذِرهْ
 
 

...

 

 

زَحزَحَ الأمّةَ عن مرکزها
 
 

 

وطَوَى رایتَها المُنتشرَهْ
 
 

(المصدر نفسه، ص 428)

ومن بین أفراد هذه الأمة کان یعیش شاعر حاذق یتمتع بشهرة واسعة فی نظم الشعر، وکان خبیراً بمسائل القوم. فیوماً ما رأى جماعة من الأشیاخ جلسوا یبکون عند قبر الملک العادل السابق. فسأل:

قال ما لَکُمُ؟.. ما خَطبُکمُ؟
 
 

 

أیُّ کنزٍ فی الثَّرى أو جَوهَرَهْ؟
 
 

و مَن الثاوی الذی تبکونه؟
 
 

 

قَیصرٌ أم تُبَّعٌ أم عَنترَهْ؟
 
 

 ( السابق، ص 429)

قال شیخ منهم، وقد تذرف الدموع من عینیه متحسراً على فقد ملک عادل حازم، وعلى الأیام الماضیة المزدهرة، شاکیاً جور ملکهم الحالی وفتکه وبطشه:

هو مَلْک کان فینا ومضى
 
 

 

فمضت أیّامُنا المزدهرهْ
 
 

ولبثنا بَعده فی ظُلَم
 
 

 

داجیاتٍ فوقنا معتکرهْ
 
 

 (المصدر نفسه، ص 430)

یُظهر الشاعر من خلال هذه القصة شجبه لظلم الحکام المستبدین الذین یبثّون الظلم على الناس، فیحثّ المجتمع الإنسانی على الثورة ضدالظلَمة، ویعظهم ببعض المواعظ، ویوصیهم بترک البکاء؛ إذ لیس له انتفاع للسابقین، ولن یکون للمستقبلین فیه متعة. فیقول:

إنَّ مَن تبکونه یا سادتی
 
 

 

کالّذی تَشکونَ فیکم بَطَرَهْ
 
 

إنَّما بأسُ الأُلى قد سَلَفوا
 
 

 

قَتَلَ النَّهمةَ فیه و الشَّرَهْ
 
 

فَاحبسوا الأدمُعَ فی آماقکم
 
 

 

واترُکوا هذی العِظامَ النَّخِرَهْ
 
 

لَو فَعلتُم فِعلَ أجدادکُمُ
 
 

 

ما قَضى الظّالمُ منکم وَطَرَهْ
 
 

(المصدر نفسه، ص 430)

کما نرى فی هذه القصة، إن أول ما یلفت انتباه المخاطب من استخدام هذا الفن فی دیوانه هو توفیق الشاعر الفنی فی نقل العواطف القومیة الصادقة التی استخدمها فی شعره، خلال التعبیر عنها أثناء عبارات وترکیبات فنیة لاتخلو من الارتباط بشعبه، وتصور مشاعره المرهفة تجاه أمته العربیة؛ إذ إن نفسه الحزین والمیّالة إلى الوطن تدعو الشاعر إلى أن یخفی عَبرته حتى یکاد یتلهّب جفناه من شدة وَجده (سراج،1957م، ص 336). فنرى أبا ماضی ــ ومن خلال هذه القصة ــ یرید أن یشجّع أبناء أمته على الثورة ضد الحکومات العربیة التابعة للقوى الکبرى، والتی تسوق شعوبها إلى الذل والهوان، وتمسخهم من الحقیقة الإنسانیة.

 ومن هذه القصص التی تشم فیه رائحة الوطنیة والقومیة أیضاً هی قصة «الشاعر والملک الجائر» التی فیها یطلب ملک متکبر من شاعر أن یمدحه بسبب الاقتدار والتسلط على الکائنات التی یحصرها لنفسه، وهو یشید بنفسه قائلاً:

إنَّ لی القصرَ الّذی لا تَبلُغُ الطَّیرُ ذُراهُ

ولِیَ الرَّوضُ الّذی یَعبَق بالمِسک ثَراهُ

ولِیَ الجیشُ الّذی تَرشَحُ للموتَ ظُباهُ

ولِیَ الغاباتُ والشُّمُّ الرَّواسی والمیاهُ

ولِیَ النّاسُ ... وبُؤسُ النّاسِ منّی والرّفاهُ

إنَّ هذا الکونَ مُلکی، أَنا فی الکون إلهُ

(السابق، ص 770)

ویرفض الشاعر جمیع مدّعَیات الملک وما ینسبه لنفسه، خاصة عندما یدعی بأنه حاکم البحر والمیاه؛ فیقول:

وَ البَحرُ قَد ظَفَرَت یداک بدُرِّهِ
 
 

 

وحَصاهُ لَکن هَل ملکتَ هَدیرَهُ؟
 
 

أمَرَجتَ أنتَ میاهَهُ؟ أصَبَغتَ أنـ
 
 

 

تَ رِمالَه؟ أجَبَلتَ أنتَ صُخورَهُ؟
 
 

(المصدر نفسه، ص 772)

فاستاء الملک من معارضة الشاعر، وأمر الجلاد بقطع رأسه. فقام الجلاد بأداء مهمته، وبادر إلى قتله بأبشع صورة یمکن تصورها، ولکن بعد توالی الأجیال وتقلب الأحوال تزعزعت أرکان حکم الملک الجائر، وغلبت علیه أمارات الضعف.

وأخیراً یختم الشاعر هذه القصة ببیان دور أقوال الشاعر فی المجتمع مصوِّراً:

والشاعرُ المقتولُ باقیةٌ
 
 

 

أقوالُهُ فکأنَّها الأبَدُ
 
 

الشّیخُ یلمسُ فی جوانبِها
 
 

 

صُوَرَ الهُدى والحکمةَ الوَلَد
 
 

(السابق، ص 775)

یتبین فی هذه القصة قصد الشاعر فی تبیین الدور الهام الذی یلعبه الشعراء فی المجتمعات الإنسانیة؛ لأنهم یستطیعون أن یسوقوها إلى جهات إیجابیة من رد الفعل تجاه الأحداث المختلفة التی تعرض لها أو بالعکس. فیبین أبو ماضی أنه لکل کلام الشعراء تأثیره الخاص، ولو ظهر هذا التأثیر فی الأجیال القادمة وبعد سنین.

 

ب. القصص التاریخة

 لم ینل اهتمام الشعراء بموضوعات القصص الشعریة مثل ما ناله التاریخ الذی وجدوا فیه مادةً غزیرة للتعبیر، فاستقَوا منه الأحداث الهامة، وأحیَوها، وضمّنوا قسماً منها تاریخ العهود السابقة؛ کما أبرزوا فیها الجانب الخُلقی، فعرضوا مآثر العرب ومناقبهم، والجانبَ البطولی؛ فنسجوا من بعض الشخصیات البارزة قصصاً شعریة ناجحة. ولو تصفحنا أوراق التاریخ، لرأیناه متنوع المصادر. فمنه ما أُخذ من القصص القرآنیة، ومنه ما استُقیت موضوعاته من تاریخ الأدب العربی، أو من تاریخ القومیة العربیة فی فتراته المختلفة البعیدة والقریبة. وقد اختلفت الأغراض فی هذه القصص: فبعض القصص یستهدف إلى مجرد تصویر الحادثة لطرافتها، وبعضها الآخر یصوّر مأثرة من المآثر، أو جانباً مظلماً یمثل نقیصة من النقائص بقصد العبرة والموعظة (مریدن، 1984م، ص 55) .

إن القصص التاریخیة لها خصائص یمکن عدّها فیما یلی:

1. تنوع المصادر واختلاف منابعها. فمنها ما اقتبس من القرآن الکریم، ومنها ما استمد من التاریخ العربی القدیم وبعض تقالیده وأمثالها؛

2. قد یتناول الشعراء الحادثة کما وقعت فی التاریخ، أو کما وردت فی المصدر الذی أخذت منه؛

3. تجلی مکارم الأخلاق والمناقب العربیة الأصیلة والمناقب الأجنبیة فیها؛

4. إنّ أسالیبهم قد اختلفت باختلاف قرائحهم الشعریة. فبعضهم کان یعمد إلى توشیح أسلوبه بالصور الخیالیة والزخارف الفنیة، فتبدو قصیدته فی ثوب قشیب، وفی مقدمتهم‌ شبلی الملّاط، وعمر أبو ریشه؛ وبعضهم الآخر کان یعتمد على التصویر برسم الوقائع الموحیة التی تمهّد الجوّ العام للقصة والبیئة التی وقعت فیها. وهذا واضح عند بعض الشعراء من أمثال: إلیاس أبی شبکة، وإبراهیم العریض، والأخطل الصغیر، وغیرهم؛

5. اعتماد معظم الشعراء على الحادثة والواقعة قبل أی عنصر آخر، وعنایة بعضهم بالعرض والحِبکة الفنیة؛

6. اهتمامهم بأقاصیص من الشخصیات الأجنبیة (المصدر نفسه، ص 122ــ123).

کان أبو ماضی مستلهماً التاریخ فی کثیر من قصائده؛ کما یستنبط من إشارة الباحثین إلى بعض الجوانب التاریخیة فی دیوانه (الملعوش، 1977م، ص 56 ــ 65).

إنّ دیوان إیلیا أبی ماضی یشتمل على بعض الأقاصیص التاریخیة الحدیثة، فی مقدمتها سقوط «بورت أرثور»، وهی میناء فی شمال شرقی الصین (منتشوریا) احتلّها الروس سنة 1898م، ثم الیابان بعد عملیة حربیة ضد الأسطول الروسی عُرفت بحصار بورت أرثور. ثم انتقلت إلى الصین سنة 1954م (عاصی، 1999م، ص 147).

یصف إیلیا أبو ماضی من خلال هذه القصة الشعریة سقوط هذه المیناء بید الأجانب من مثل الروس والیابان، ویتحدث عن شخصیات بارزةً مستفادة من وقائع تاریخیة حدثت من قبل، بمن فیهم القائد الیابانی «نوجی». وکذلک من تبلور هذه الخصائص المذکورة عنده فی هذه القصة الاستمدادُ من أحداث هذه الحرب کما وقعت فی التا ریخ، وهو کعنصر من رجال هذه الحرب یصف ما حدث فیها. وذلک یفهم من خلال هذه القصة إلى آخرها.

ومن خصائص هذه القصة أیضاً تجلّی الصور الخیالیة فیها. منها أوصاف دقیقة لأبطال الحرب وجنودهم؛ حیث خصّ بها معظمَ أبیات القصیدة القائل فیها:

مِن أُسودٍ تَسَربَلَت بالحدید
 
 

 

ومِنَ الجِنِّ فی وَراءِ الجنودِ
 
 

یُنشِدونَ الوغى ومَا یُنشدُ الـ
 
 

 

ـحَسناءُ غیرُ المتیَّم المعمودِ
 
 

...

 

 

وَخَمیسٍ یَحکی النُّجُومَ انتظاماً
 
 

 

عَجَباً من کواکبَ فی بیدِ
 
 

...

 

 

قاده ذلک الغضنفر (نوجی)
 
 

 

ویناطُ الحسامَ بالصِّندیدِ
 
 

یا یَراعی سَل بورتَ أرثورَ عنه
 
 

 

إنّ تلک الحصون خیرُ شهودِ
 
 

         

 (أبو ماضی، د ت، ص 286)

وفی النهایة، بعد تقدیم صور مشهودة من هذه الساحة الحربیة ووصف أحداثها کما حدث فی التاریخ، یصوّر مغبة هذه المعرکة التی نشبت بین المتعارضین فی تسخیر هذه المیناء؛ إذ سخّرتها الروس، ثمّ الیابان بعد عملیة حربیة، وصارت محتلّة بأیدی الأعداء، وقد عجزت أهالیها عن دفع هذه المصیبة الفادحة؛ إذ رضوا بتسلیمها وانحطاطها بعد أهوال معظمة حدثت، وقد أُخذت منهم بالسطوة والقدرة علیها؛ کما یقول:

صَبَرَ الرّوسُ صبرَ أیّوبَ   للبلوى
 
 

 

على ذلک العدوّ العنیدِ
 
 

غیر أنّ الأیام طالت و«ستوسل»
 
 

 

یُمنّی أجفانَه بالهجودِ
 
 

فتولّاهم القُنوطُ من النصـ
 
 

 

ـرِ فرَدّوا أسیافهم للغُمودِ
 
 

کان هذا للصُّفر عیدٌ وعند الر
 
 

 

ـروسِ ضرباً من اللیالی السّودِ
 
 

قلعةٌ صانها الزّمانُ   فلولا
 
 

 

کیدُ نوجی لبُشّرت بالخلودِ
 
 

 (المصدر نفسه، ص 288)

فنرى الشاعر یأخذ مادة شعره فی هذه القصة من التاریخ، ویعتمد على الحادثة قبل أی عنصر آخر، ویرسم الوقائع فی هذه المعرکة. ثم هو بوصفه شاعراً إنسانیاً لم یغفل من التأثر بها، وبقدر مستواه الفکری سعى بشکل غیر مباشر لنقل الحوادث والمواعظ التی فیها بکل دقة وعنایة، وکذلک صوّر من خلالها اتحاد الأقوام الأجنبیة للسیطرة على البلدان الضعیفة التی أصبحت الفُرقة سمة بارزة بینهم، ویدعوهم إلى المؤازرة والاتحاد تجاه الأعداء. ویدعو أیضاً المظلومین المضطهَدین إلى القیام ضد الظلم والاستعمار والصمود فی وجه الظالمین والمستعمرین لبناء مجتمع إنسانی مثالی حرّ.

 وله قصتان أخریان تشتملان على الأحداث التاریخیة، وهما قصة «معرکة بورغاس» (إحدى الثغور) التی مطلعها:

هذی الوَغى مَشبوبةُ   النّیرانِ
 
 

 

مَشدودة الأسباب والأقران
 
 

 (المصدر نفسه، ص 696)

وقصة «معرکة شمولبو» (مکان هجم علیه الأجانب) التی مطلعها:

دَبَّت وقَد أرخَى الظَّلامُ   ستاراً
 
 

 

ولَطالما کتم الدُّجى الأسرارا
 
 

 (المصدر نفسه، ص 420)

یقصّهما فی دیوانه ولا یألو من أی جهد للتعبیر عما سمع وقرأ من الأحداث التاریخیة التی مرت على البلدان المختلفة.

 

ج. الأسطورة الرمزّیة

مما لا یخلو من الصلة بالقصص التاریخیة أساطیر حافلة بالرمز، ترمز إلى هدف إنسانی رفیع. وتلک الأساطیر هی قصة الأعمال التی یقوم بها أحد الآلهة فی العقائد القدیمة، أو هی إحدى الأعمال الخارقة التی قام بها الأبطال. وتبدو فیها محاولات الإنسان لتفسیر علاقاته بالکون والعالم، أو تفسیر بعض العادات والنظم الاجتماعیة، أو الخصائص الممیزة للبیئة التی یعیش فیها خالق الأساطیر نفسه (مظهر، ب1995م، ص 3)؛ کما أنها تقوم أحیاناً على أساس من الحقیقة، غیر أن الخیال الإنسانی مع مَرّ الأیام ألبس الحقیقة من الأوهام أردیةً جعلتها بعیدة عن العقول، وإن تکن تقرب من النفوس (مظهر، آ1995 م، ص 5).

وکثیراً ما تتحقق هذه الأساطیر عن طریق رموز معینة تبین المعانی الأصلیة، على أن الرمز یعدّ محوراً لبعضها، فتصبح القصة الرمزیة تشیر إلى ماوراءها من معان یشفّ عنها الرمز ذاته. وبسبب هذا التشابه والتقارب لابد من انضمام القصص الرمزیة إلى قصص الأساطیر والخرافات التی تشتمل على الرمز (مریدن، 1984م، ص  125ـ126).

هذه القصص أکثرها حادثة متصورة، أو شخصیة متخیلة ترمز فی جملتها إلى معنى من المعانی التی ینقل عبرها الشاعر مقصوده الرئیسی إلى المخاطبین، ویستمد منها للتعبیر عن الرموز التی لابدّ للمخاطب أن یحلها حتى نهایة القصة، ومن خلال ذلک یمکن له الوصول إلى المعانی المقصودة التی نسجت ما بین تلک السطور.

ولا یألو الشاعر فیها أی جهد لبقاء أثر موجود یدلّ المخاطب إلى مضمون القصة، وهذا مما یعد ظروفاً مناسبة لأداء المهمة الأدبیة؛ سواء تغیّر الأسلوب أم لا. وکذلک یعدّ هذا الفن مسرحاً تمثیلیاً مادته الأسطورة والرمز .

وللأسطورة الرمزیة میزاتٌ أهمها:

1. مصادر هذه الأساطیر یونانیة معروفة فی الغالب؛ کما نجد نماذجها فی الشعر العربی المعاصر؛ مثل: أسطورة «التمثال الحی » و« هرقل ودنانیرة » لإبراهیم العریض، و«أکاروس» للعقاد، و«أسطورة نوریة» لنقولا فیاض؛

2. إنّ کثیراً من هذه القصص یهدف إلى معان سامیة؛ کتخلید الفنِ والجمال والحب والوفاء، ولکنها لوحظ فی بعضها جوانب من العواطف الإنسانیة؛ کالغیرة وحب الشهرة والطموح، کما یوجد فی أسطورة « أکاروس» للعقاد؛

3. أما الأقاصیص الخرافیة وشبه الأسطوریة، فکانت تستهدف أغراضاً اجتماعیة تبین بعض العادات والتقالید، أو تبحث عن المرأة وخلقها، فترمی فی الغالب إلى معان خُلقیة واجتماعیة تدور حول الإنسان وبیئته؛ کقصة «البنفسجة» لنقولا فیاض، و«مصرع بلبل» لإبراهیم طوقان (مریدن، 1984م، ص 168).

إن «أمنیة إلهة» قصة یقصّ فیها إیلیا أبو ماضی قصة إلهٍ أحبّ إلهةً فی عنفوان شبابه، فطلبت منه معجزة لم یقدمها أحد من الآلهة قبله حتى یصبح سید الآلهة، فتفتخر به أمام سائر الآلهات. ولایزال الإله یسعى لتحقیق أمنیاتها، حتى قدّم معجزات کثیرة؛ إذ کسا الأرض من أجلها أزهاراً جمیلة، وزیّن السماء بالکواکب، وعلّم الطیر درسَ الحب والمحبة. ثم دعاها إلیه کی تُبارک صنعه، فأشادت بموهبته، ولکنها کانت معترضة على ما حققه قائلة:

فَدُنیاک هذی على حُسنها
 
 

 

وسحر مَشاهدها والصورْ
 
 

تشارکنی سائر الآلهات
 
 

 

لَذاذاتِها ونساءُ البشرْ
 
 

 (أبو ماضی، د ت، ص 142)

وکأنها ترید دنیا خاصة لنفسها، فیها ‏ تبقى أشعة بعد رحلة النجوم، وتحس فیها أنها قد خلقت بلا جسم خَلقاً متمیزاً عن الآخرین، أو ترى خمراً بلا کؤوس وعطراً بلا زهور. وملخص القول أنها ترید کل ما لم یوجد من قبل، ولن یوجد بعد.

سمع الإله الفتى أمنیات محبوبته، فتألم شدیداً؛ لأن تحقیق أمنیات مثل هذه یحتاج إلى بذل الکدح والجهد. فذهب إلى البحر والبرّ کی یجد طریقاً لتحقیق هذه الأمنیات. ثم رجع وأتاها، فظنّته جاءها معتذراً، فقال:إن ما تطلبینه یوجد عند شاعر ساحر. فأخرج خیطاً قصیراً یضرب إلى لون التراب ورقّة الشعر. غضبت الإلهة وقالت: أتسخر منی؟ فأجاب: أمهلینی یا ربّتی! ثم شدّ خیطه إلى آلة، وحرّکه دون أن یسمع منه حرکة:

ففاضت خُمورٌ وسالت دُموعٌ
 
 

 

وشَعَّت بُروقٌ ولاحت صورْ
 
 

فصاحت به وهی مدهوشةٌ:
 
 

 

ألا إن ذا عالَمٌ مختصرْ!
 
 

فیا لیت شِعری! ماذا یُسَّمى؟
 
 

 

فقال لها: إن هذا الوترْ
 
 

(المصدر نفسه، د ت، ص 144)

القصة ــ کما رأینا ــ خیالیة رمزیة، وغرضها الرئیس موضوعات إنسانیة من عاطفة الحب الصادقة، وتحمل المشاقّ الکثیرة للوصول إلى الغایة؛ حیث لا شیء یتمکن أن یحول دون تحقیق أمنیات المحبوب من قبل المحب. فالعالم لابد وأن یخضع للحب وللعشق.

و من القصص التی تشبه الخرافة وشبه الأسطورة قصیدة «الحجر الصغیر» التی هی قصة حجر صغیر  یحسب نفسه قلیل الشأن، مع أن له دوراً رئیسیاً فی قوام أبنیة حیاتیة؛ کالسدود والمصانع التی تُبنى فی المجتمعات البشریة الیوم کثیراً. فیقارن بین منزلته ومنزلة الآخرین من الجمادات؛ حیث لم یکن رُخاما لیُنحَت، ولا صخرة للبناء، ولا أرضاً کثیرة الماء، ولا ماء یَروی الحدائق والبساتین؛ إذ إنه لیس سوى حجر أغبر اللون، لا جمال فیه، ولاحکمة، ولا غیرهما من مواهب الحیاة؛ فییأس من الحیاة قائلاً:

فَلأُغادرُ هذا الوجودَ   وأمضی
 
 

 

بسلام إنی کرهتُ البقاءَ
 
 

وهَوى من مکانه وهو یشکو الـ
 
 

 

ـأرضَ والشُّهبَ والدّجى والسماءَ
 
 

فتح الفجر جفنَه فإذا الطّو
 
 

 

فانُ یَغشَى المدینةَ البیضاءَ
 
 

(أبو ماضی، الجداول، ص 22)

فکما نرى، إن الشاعر قصد من وراء هذه القصة الرمزیة الإشارة إلى منفعة کل شیء فی هذا الکون، مهما صغر وحقر. فله دور عظیم فی تناسق أجزاء الحیاة، حتى هذا الحجر الصغیر الذی کان قواماً للسد. فبعد أن هوى، طغى السد طغیاناً شدیداً، وعمّ الطوفان المدینة.

وربما حاول الشاعر من خلال مثل هذه القصائد أن یتسرب فی صمیم کل إنسان، شأنَ محاولته فی معظم أشعاره (الناعوری، 1977م، ص 60)؛ کما یجد أحیاناً حلّاً للمشاکل الإنسانیة.

 

د. القصة الاجتماعیة

إن الحدیث عن هذا النوع من الأقاصیص یرتبط بما یفسر معنى الحیاة کلها: إما فی مجال الأمراض الاجتماعیة، بما فیها الفقر والیُتم والحرمان، وإما فی مجال الانحراف الخلقی، أو أقاصیص من وحی الحرب، وإما فی قضایا الزواج أو التحذیر من العابثات، أو فی مجال المُثُل الخُلقی، أو تمجید الأم وتفسیر معنى الحیاة، وأقاصیص عن الرهبة، وعن الحیاة والموت، وغیر ذلک (مریدن، 1984م، ص 240).

وأبدى شعراء العصر الحدیث اهتماماً خاصاً بهذا النوع من القصص، وقدّموا آثاراً أدبیة تموج بهذا اللون من الأقاصیص.

وأما بالنسبة إلى ممیزات القصص الاجتماعیة، فیمکن تلخیصها فیما یلی:

1. من الملامح البارزة فی هذا القسم أنه کثر وتضخّم حتى طغى فی اتساعه على سائر أنواع القصص الشعریة. ولعل هذا أمر طبیعی، نظراً لما تنطوی علیه من تنوع الموضوعات، وما تحتویه من مضمون یجذب الناس إلیه؛ لأنه غالباً ینتزع من صمیم الحیاة الواقعیة الاجتماعیة؛ 

2. إن الغرض الرئیسی من نظم هذه القصص هو الإصلاح الاجتماعی الموجّه؛ کما یُشاهَد فیها بوضوح غلبة عنصر الوعظ والتوجیه، ویثبت فیها النقد الاجتماعی خلال الحوادث أو فی ختام القصة؛

3. یقطع بعض الشعراء أحداث القصة أحیاناً لإقحام المواعظ والنصائح؛

4. تبدو فی هذه القصص نزعة إنسانیة واضحة، أو لمحات إنسانیة رائعة، ولاسیّما فی معالجة قصص مآسی الحرب والمجاعة وغیرها؛

5.إن فی أسلوب الشعراء فیها عنایةً بالغة بالحادثة، قبل اهتمامهم بأی عنصر آخر (المصدر نفسه، 316ــ 317).

إیلیا أبوماضی هو شاعر الحیاة والاجتماع فی کل ما یکتب وینشد، فیقصد غرضاً ومیداناً واحداً وهو الإنسان بجمیع نزعاته وتأملاته؛ إذ نجد نماذج کثیرة من هذه القصص فی دیوانه. منها: قصة «العاشق المخدوع»، وهی قصة تجربة نفسیة للشاعر؛ لأن الشاعر یعشق فتاة تزوجت من غیره یسمی « هنری»، فلما توفّی الزوج، تزوّجها الشاعر، فشیبته بإیذائها، فخرج منها بتجربة خلاصتها یصف تلک الفتاة، ومرور أیامها مع غیره، ویخبر الشاعر عن یوم خطبة هنری منها، ویحزن کثیراً:

قد کان هذا یومَ خِطبتها
 
 

 

یا أرضُ میدی! یا سماءُ خِرّی!

رأیتُ ساعِدَها بساعده
 
 

 

فَوَددتُ لَو غُیّبتُ فی قبری!
 
 

(أبو ماضی، د ت، ص 321)

ثم یشیر الشاعر إلى وفات زوجها وتزوّجها منه:

فرأیتُها فی السّوق واقفةً
 
 

 

ودموعها تَنهَلُّ کالقطرِ
 
 

فی بُردة کالّلیل حالکةٍ
 
 

 

لَهفی على أثوابِها الحُمُرِ
 
 

فَدنوتُ أسألُهَا وقد جَزَعَت
 
 

 

نفسی وزلزل حُزنُها ظَهری
 
 

قالَت: قَضى هنری فَقلتُ: قَضى
 
 

 

مَن کاد لی کیداً و لم یَدرِ
 
 

قالَت: ومَن أسری؟ فقلتُ: إذَن
 
 

 

لی أنتِ؟ قالَت: أنتَ ذوالأمرِ
 
 

(المصدر نفسه، ص 324)

و بعد ذلک یشیر إلى أنها شیّبته بإسرافها ونزواتها فیقول:

مِن بعد شهرٍ مَرَّ لی معها
 
 

 

أبصرتُ وَضحَ الشّیب فی شَعری
 
 

ما کنتُ أدری قبلَ صُحبتها
 
 

 

أنَّ المشیب یکون فی شهرِ!
 
 

فکّرتُ فی هنری وکیف قَضى
 
 

 

فوجدتُ هنری واضحَ العذرِ
 
 

یا طالما قد کنتُ أحسُده
 
 

 

والیومَ أحسُده على القبرِ
 
 

 (المصدر نفسه، ص 325 )

 وربما یقصد الشاعر من خلال هذه القصة أن ینبه الرجال على نزوعهم عن الرغبات النفسیة المسیئة التی لا متعة فیها، وتمهد الأرضیة للانحرافات الاجتماعیة التی تسبّب بؤسهم وشقاءهم. ویمکن أیضاً أن یهدف الشاعر إلى تبیین أسس قویمة لظاهرة الزواج فی المجتمع؛ حیث یجب أن لا یُنظر إلى الظاهر، بل إلى الباطن، ومعتقدات الزوجین وأخلاقیاتهما لکی تضمن الأسرة المثالیة.

و من أجمل ما یصف فیه حُبَّ الأمّ وتقدیسها؛ حیث یعدّ من قصص فی تمجید الأم والاجتماعیات قصة «هی» التی فیها حکایة عن لسان شاعر ساحر؛ حیث یقول: إن أحد الأمراء الأثریاء یدعو أصدقاءه فی إحدى اللیالی إلى مأدبة، فاجتمعوا فی المجلس. وعندما جلسوا وطاف الساقی بالکؤوس، نهض الأمیر ورفع کأسه وقال: یا أصدقائی! إننی أحسو کأسی على نَخبکم، ونَخب معبودة قلبی. إنها محبوبتی «لمیاء»:

قام أمیرُ القصر فی کفّه
 
 

 

کأسٌ أعارَتهُ معانیها
 
 

وقال: یا صَحبُ على   ذکرِکم
 
 

 

أملَأها حیاً وأحسوها
 
 

و ذکر مَن قلبیَ عَبدٌ لها
 
 

 

ومُهجتی إحدى جواریها
 
 

حَبیبتی لمیاءَ سمَّیتُها
 
 

 

ولَم أکن قَبلاً أسمّیها
 
 

(المصدر نفسه، ص 811)

و قال لضیوفه: إن لکلّ منکم حسناءَ مثلی، وما أنا وحدی الصبُّ فیکم. فمن کان عنده صبوة، فلیُخبر عنها بالفور. فنهضوا جمیعاً، ورفعوا کؤوسهم وشربوا منها:

فنهضوا ثانیةً کلُّهم
 
 

 

ورفعوا الکاسات تنویها
 
 

کلُّهم یشرب سرّ التی
 
 

 

یَهوی من الغید ویُطریها
 
 

غیر أن فتًى ذکیّاً ذا وجه حسن کان بینهم، وقد شارکهم کأسهم الأولى، ولکنه لم یشرب الثانیة، فقال الجمیع صاخبین: وأنت؟ هل تحبّ حسناءَ؟

وکانَ فی الشّرب فتى باسلٌ
 
 

 

طلعتُه تَسحَرُ رائیها
 
 

شارک فی أوّل أقداحهم
 
 

 

ولم یشارکهم بثانیها
 
 

وأنتَ؟ قالَ الصَّحبُ واستَضحَکوا:
 
 

 

هلَ لَک حسناءُ تحیّیها؟
 
 

(المصدر نفسه، ص 812)

فأجاب: نعم، إننی أحبّ من یفدینی بروحها کما أفدیها بروحی. إن صورتها مطبوعة فی قلبی ولا شیء یمحوها حتى الموت. ثم قال مُطرقاً رأسه: هی أمی الحنون.

قالَ أجَل أشرَبُ سرّ التی
 
 

 

بالرّوح تَفدینی و أَفدیها
 
 

 

صورتُها فی القلبی مَطبوعَةٌ
 
 

 

لا شیءَ حَتى الموت یمحوها
 
 

 

لا تترضّانی ریاءً ولا
 
 

 

تَلثُمنی کِذباً وتمویها
 
 

 

...

 

 

 

فصاح رَبُّ الدار: یا سیّدی
 
 

 

وصفتَها لِمْ لا تُسمّیها؟
 
 

 

 

أتخجَلُ باسم مَن تهوی؟
 
 

 

أحسناءُ بغیر اسم؟
 
 

 

فأطرقَ غیرَ مُکترث
 
 

 

وتمتم خاشعاً... أمّی!
 
 

             

(المصدر نفسه، ص 812 ــ813)

تمتاز هذه القصة بالحرکة الحیویة، ومما لا ریب فیه أن الحوار الذی سیطر مواقفه فی القصة هو الذی أضفى علیها هذه الصفحة الواضحة، حتى لقد بدت القصة فی جملتها تصویراً لمجلس شرب جرى فیه هذا الحوار الحیوی. فقد بدأ الشاعر بروایة القصة دون مقدمة وتمهید، وانتهى کذلک بانتهاء الحدث، بل بآخر کلمة تضمّنت الفکرة العامة فی القصة کلها. وهذا بلا ریب یکشف عن براعة فی السبک، وأصالة فی الحبک. فقد ظلّ یماطل القارئ، ویسوقه حتى النهایة، ثم فاجأه بهذه النتیجة غیر المتوقعة.

ولقد بلغت براعة الشاعر فی تصویر تلک الغادة حداً جعلها فذّة فریدة لا ترمی إلیها، بل لا تحاکیها أیة غادة مهما سَمَت. فصرّح باسم فتاته، وتمتم خاشعاً «أمی» .

والقصة فی جملتها متّسقة، وتستهدف تجلیل مکانة الأم فی المجتمعات المختلفة، وتفضیلها على الأهواء المادیة التی تتجلى عند بعض الشباب نتیجة غورهم فی الفساد الخُلقی، والمواهب الظاهریة التی تزول بسرعة، ولن تبلغ شأوَ حبّ الأم بتاتاً؛ لأن الأم هی التی تتحمل المشاقَّ الکثیرة من أجل رخاء أولادها، ولن تغفل عنهم ساعة. ففی هذا کله ما یسوق الشاعر علی قول شعر یختص بتکریم مکانتها، وتبجیل شأنها الرفیع.

هذا، وقد یقال إن أبا ماضی «یأخذ موضوعاته فی الإطار الاجتماعی من الخارج، وقلّما یصدر عن الداخل» (الحاوی، 1972م، ص 51)؛ أی: إن نظرته إلى الوجود والحیاة نظرة عامة بالنسبة إلى الموضوعات الأخرى.

 

هـ القصة الوعظیة والتعلیمیة

القصة الوعظیة هی التی تجری على لسان الإنسان وحده، أو على لسان الإنسان والحیوان، أو على لسان الحیوان فقط، وترمز إلى شخصیة من الشخصیات الإنسانیة، وتشفّ عنها بوضوح. والهدف من هذه الحکایات فی الغالب هدف اجتماعی، غیر أن بعضها لم یقتصر على ذلک فحسب، بل کان ذا مغزى سیاسی أو إنسانی (مریدن، 1984م، ص 168ــ 169). ویستنبط من حقیقة هذه القصة أنها باعتبارها وعظاً وتعلیماً للبشر، لعل من أحسن ما یسوق المخاطب إلى لبس ثوب العمل، والإفادة من تجارب شعراء یصدقون فی إظهارها؛ وهذا یعود إلى کیفیة استخدام هذه المواعظ لدیهم وجهدهم لتنتقل هذه التجارب. کما أنّ بعضهم ینجح فی هذا المجال، وبعضهم یشیر  إلى تجاربهم بعد غموض ولبس یقع المخاطب عندهما عسیراً وکئیباً، لکن ما قصدناه فی هذا الموضع یظهر فی أسلوب مفید وخاص یستفاد منها للتعبیر عن قصتنا الوعظیة والتعلیمیة.

للقصة الوعظیة والتعلیمیة خصائص تأتی فیما یلی:

1ــ إن الهدف من هذه الحکایات فی غالب الأحوال اجتماعی، غیر أن بعضها ذو مغزى سیاسی أو إنسانی؛

2ــ اختیار هذه الحکایات للدخول فی الموضوع مباشرة، والاختتام ببیت أو اکثر یتضمن العبرة التی یرمز الشاعر إلیها ،ولکن بعضها قد یُستهلّ بحکمة وموعظة؛

3ــ إنَّ معظم الشعراء کانوا یحرصون على توفر التشابه الکبیر  بین الشخصیات الخیالیة التی تستخدم رمزاً، وبین الشخصیات الحقیقیة التی تمثل المرموز إلیهم فی الحکایة؛

4ــ یعتمد معظم هذه الحکایات على الحوار أکثر من اعتمادها على العرض أو التعقید أو الحل. فلا تکاد حکایة منها تخلو من مثل قال وقالت وقالوا وقالت وغیرها، وهو حوار سریع مرکّز (المصدر نفسه، 188ــ 189).

یکثر عدد هذه الأقاصیص الوعظیة والتعلیمة فی دیوان إیلیا أبی ماضی حتى نجد الشاعر یختم القصة ببیت أو أکثر یتضمن العبرة التی یرمز الشاعر إلیها حتى نستطیع أن نعدّ هذا الأسلوب غالباً على هذا النوع من أقاصیصه. منها حکایة «الغراب والبلبل» یقصّ فیها غراباً ینقم على القضاء، ویعترض على اهتمام الناس بصوت البلبل، وعدم اهتمامهم به مع أنَّ له مخلباً أشدّ وأقوى. ولافرقَ بینهما فی الأجنحة فیقول:

قال الغرابُ وقد رَأى کلَفَ الوَرى
 
 

 

وهَیامَهم بالبلبل الصّدّاحِ"
 
 

لِمَ لا تَهیمُ بیَ المسامعُ مثله؟
 
 

 

ما الفرقُ بین جناحه وجناحی؟
 
 

إنی أشدّ قُوًى وأمضى مخلباً
 
 

 

فَعَلامَ نام الناسُ عن تَمداحی‌؟
 
 

 (أبو ماضی، د ت، ص 235)

و یختم الشاعر القصة بأبیات حکمیة لتتضمن العبرة التی یرمز إلیها، وهی تفوّق الروح على الجسم، والسریرة على الصورة، حتى لعلنا لا نجد شیئاً یفضل على هذا العنصر الشریف؛ لأنه جوهرة الحیاة المعنویة، ویعلو على العناصر المادیة، فله منزلة عالیة عند الشاعر حتى یقول:

لیس الحُظوظُ من الجسوم وشکلها
 
 

 

السِّرُّ کُلُّ السّرِّ فی الأرواحِ
 
 

و الصَّوتُ مِن نِعَم السّماء ولم تکن
 
 

 

تَرضى السَّما إلا عن الصّدّاحِ
 
 

حَکَم القَضاءُ فإن نقمتَ على القضا
 
 

 

فاضرب بعُنْقِک مُدْیة الجرّاحِ
 
 

 (المصدر نفسه، ص 235)

ومن مظاهر تجلّی هذه الخصائص فی هذه القصة أنها ترمز إلى بعض الحقائق الاجتماعیة التی لا تبتعد عن جسم المجتمع، باعتباره میداناً للقضایا الیومیة؛ إذ کما یفهم من ظاهرها عدّ الظواهر المفتتنة وسیلةً للتفاخر والاستعلاء على الناس، وهذا کلّه من الصفات المذمومة، وموضوع یحتاج إلى العِلاج.

والشاعر باستخدام بعض هذه الحکم یقوم بأداء مهمته الشعریة، وینجح فی هذا المجال نجاحاً وافراً.؛إذ إن الله $ خلق الجسم والروح، وجعل الفضل للروح. فکل ما له سبق فی تهذیب النفس والروح، فله فضل فی الوجود .

ومن مثلها حکایات أخرى فی دیوانه، یختمها الشاعر بأبیات تضمن العبرة التی یرمز إلیها. منها: حکایات «دودة وبلبل المدخل»، و«الطین»، و«التینة الحمقاء»، و«الغدیر الطموح»، و«الفراشة المتحضرة»، و«الکأسان»، و«الضفادع والنجوم»، و«التمثال».

 

و. القصص العاطفیة والوجدانیة

إن العاطفة والوجدان هما عنصران هامّان فی الحیاة البشریة، یشتملان على ما یشجّع نفسَ الإنسان على اتخاذ أسلوب لنقل الحبّ الإنسانی الذی یتدفّق من الأحاسیس المرهفة، ولا بدّ من تقدیمه إلى الآخرین. وجدیر بالذکر أن القصة الناجحة تقدّر من الناحیة الفنیة بمقدار توفیقها فی تصویر جوانب الحیاة الإنسانیة، وبمقدار اهتمامها بعنصر صدق الشعور. ولعل من أعمق العواطف الإنسانیة وأکثرها شمولاً وتأثیراً فی سیر الحیاة البشریة عاطفة ُالحبّ التی طالما تغنّى بها الشعراء والأدباء. وعندما تتسم هذه العاطفة بالصدق والإخلاص والوفاء، فإنها تَصقُل الوجدان، وتسمو بالأخلاق، وتُرفق القلوبَ، فتقود صاحبها إلى الغایات الشریفة، وتدفعه إلى الأهداف النبیلة (مریدن، 1984م، ص 190).

وقد نجح هذا القسم من القصص فی مضمونها وأسلوبها الفنی لدى الشعراء المعاصرین؛ إذ وفقوا فی رسم خطوطها وأجزائها فی أشعارهم. وتشتمل هذه القصص من حیث الموضوعات أیضاً على أنواع مختلفة؛ منها: أقاصیص الإکراه على الزواج والتفریق بین الحبیبین، أقاصیص الحبّ الرومانسی، أقاصیص العاطفة والفن (المصدر نفسه، ص  191 و206 و232).

و هناک خصائص للقصص العاطفیة والوجدانیة:

1ـ تبلور عنصر العاطفة والوجدان فیها من الناحیة الفنیة، وغلبة الطریقة الرومانسیة علیها من حیث تصویر العواطف والوجدانیات فیها وترسیم شخصیاتها. کذلک نلمس فیها الحزن العمیق، ومزج الطبیعة من حول أبطالها والعواطف الإنسانیة، ونرى أن معظم هذه الأقاصیص تتجلى فیها مأساة النهایة؛

2ــ الاعتماد على التصویر المباشر للحادثة،والعنایة بتصویر الشخصیات عنایة فائقة (السابق، 237ــ238).

نرى فی دیوان أبی ماضی حکایة «مصرع حبیبین»، یقص الشاعر فیها حکایة حبیبین قد دنف المحب منهما من شدة الحب، وقد عشق عفافَ محبوبتها، وهی أیضاً تعشقت آدابَه. وفی الحقیقة نحن أمام المتحابَّین الوالهَین لا یتجاوزان حدود الحبّ الصادق بصفائهما وخلوصهما فی هذه الطریق، شأنَ الأبطال الرومانسیین؛ إذ یصف الشاعر حالتهما قائلاً: :

فی ذلکَ الرَّوضِ الأغنِّ بَدا   الفتى
 
 

 

قد یبلغ العشرین عاماً ذو نُهى
 
 

دَنِفٌ تُروِّعُهُ الغُصونُ إذا   انثنت
 
 

 

طرباً ویُقلقه النّسیمُ إذا جرى
 
 

حسناءُ قد عَشِقَ المُحِبُّ عِفافَها
 
 

 

وتعشَّقت آدابَهُ فهما سَوا
 
 

(أبو ماضی، د ت، ص 128)

 لکنه بعد ما تجری الأحداث المختلفة وتمرّ الأیام، تتردد الحبیبة فی حبها، ولا تجد حلّاً لمواجهة هذه المسأله غیر الفِراق والهجران، وتقرر بقطع کل الصلات الموجودة بینهما .

وأما ماذا یحدث للعاشق الواله بعد هذا القرار الجازم من جانب حبیبته؟ کما یفهم من الأبیات التالیة، أنه یمرض شدیداً من شدة الحزن، ثم یموت إثر فراقها، وأنها تصبح نادمةً على ما ارتکبت تجاه حبیبتها. فهی أیضاً تموت إثره، وتختتم القصة بمأساة رومانسیة حیّة، ویرسم الشاعر هذه العواطف خلال هذه الأبیات قائلاً:

  قد أنبأتْهُ بالفِراق وما دَرَتْ
 
 

 

أنَّ الفِراق حِمامُ من عرف الهوى
 
 

أما الفتاةُ فراعها ما صار فی
 
 

 

محبوبها وکأنّها نَدمت على...
 
 

قد فارَقَ الدنیا ففارَقَها الرَّجا
 
 

 

وهَوَت تعانقه ففارقتِ الوَرى
 
 

قمران ضَمّهما الترابُ وما عرفـ
 
 

 

ـتَ سِواهما قمرین ضَمّهما الثّرى
 
 

(المصدر نفسه، ص 130)

إن القصة المذکورة حقیقة من حکایة حال الحبیبین اللذین هما من أبطال ساحة المدرسة الرومانسیة؛ کما نجد قصصاً شهیرة کثیرة من هذا القسم فی التاریخ شرقاً وغرباً. منها: قصة حب «لیلى والمجنون»، وقصة حب «ویس ورامین»، وقصة حب «وامق وعَذراء» الشرقیة، وقصة حب «رومیو وجولیت» الغربیة.

وهکذا خصّ الشاعر سطوراً أخرى من دیوانه بتصویر عواطف ووجدانیات من الحب.

ومن خصائص هذا الحب رسم الشخصیات والأجواء فی صورة حیّة ومتجسدة. ذلک کله فی خیال مجنح وتصویر دقیق، والعنصر الغالب علی هذه القصص هو الحزن العمیق، خاصةً فی نهایة القصة؛ إذ تشتدّ عاطفة الحب فیها، وتؤثر فی المخاطب. وربما یقصد الشاعر من خلال هذه القصة تصویر صور صادقة من أنواع الحب وترسیم الجوّ الخاص الذی یتمتع به المتحابّان.

ویتضح فی هذه القصص عنصر العاطفة والوجدان، ویستخدم الشاعر فیها أغراضه الفنیة الشعریة، وینجح فی نقل هذه المضامین إلى المخاطبین.

ومن أمثال هذه القصص أیضا فی دیوانه: «السجینة»، و«طفلة والقمر»، و«طبیبی الخاص»، و«المجنون» .

 

النتیجة

1.  إن القصص الشعریة التی تموج فی دیوان الشعراء المهجریین، بوصفها إحدى ینابیع النضج الفکری الحدیث لدیهم، تهدف کثیراً ما إلى تأدیة أغراض خاصة، وقلّما یوجد بینهم التعبیر عنها من أجل إرضاء الحس الشاعری فحسب.

 2. إن الغایة الرئیسیة من إنشاد هذه المنظومات ــ ملتبسة بفن القصة، مع التزام الشاعر بأصولها وقواعدها ــ هی خدمة العناصر البشریة.

3. الشاعر إیلیا أبو ماضی رائد مضمار القصص الشعریة فی جماعة المهجر، وربما رائد الشعراء المعاصرین فی هذا المجال. إنه اتخذ هذه القصص الشعریة ذریعة ملائمة لتأدیة مهمته الأدبیة؛ أی: الخدمة للإنسانیة حتى یسوق مخاطبی دیوانه أو کل المجتمعات الإنسانیة إلى عالم جدید یسود فیه النظم والتعاون والالتزام والتفاؤل والصداقة.

4.  إن السیر فی هذا المسیر عند الشاعر بحاجة ماسة إلى اتخاذ أسلوب خاص فی قصصه الشعریة، یتجلى فی اختیار موضوعات مختلفة تحکی لنا اهتمامه الخاص بالامتناع عن الاستطراد إلى موضوعات محدودة، ویمکن أن نقول: إنه لا یترک موضوعاً من موضوعات القصص الشعریة إلا یتطرق إلیه، ویختم غالب قصصه الوعظیة والتعلیمیة بمواعظ واعتبارات لطیفة تعطیها الرونق والجمال.

5. إن العنصر الهام الذی تبعه الشاعر فی قصصه الشعریة هو التأثیر على عواطف المخاطبین ومشاعرهم، ثم تحریکها. ویشتدّ تبلور هذا العنصر فی قصصه الاجتماعیة والعاطفیة والوجدانیة.

6. یسعى الشاعر من خلال قصصه الوطنیة إلى ترسیم جو خاص من الملحمة والشجاعة، کما یقصد من خلال قصصه التاریخیة تذکیر الحوادث الهامة التی واجهها المجتمع الإنسانی وتخلید بطولاتهم.

7. إن تنوع موضوعات قصصه الشعریة فی دیوانه یخبرنا أنه شاعر ذو مقدرة عالیة فی التعبیر عن القصص الشعریة، وفی إدخال أکثر قضایا المجتمع الغربی والشرقی عامة فی دیوانه.

1. أبو ماضی، إیلیا. (1972م). الجداول. نیویورک: مطبعة مرآة العرب.

2.  ــــــــــــــــــــــــ . (د ت). الدیوان. بیروت: دار العودة.

3.  البحتری، الولید بن عبید. (1973م).  الدیوان. (تحقیق حسن کامل الصیرفی). مصر: دار المعارف.

4.  تشارلتن، هـ، ب. (1945م). فنون الأدب. (ترجمة زکی نجیب محمود). القاهرة: الهیئة المصریة العامة للکتاب.

5.  جحا، میشال خلیل. (1992م). أعلام الشعر العربی الحدیث من أحمد شوقی إلى محمود درویش. (ط 1). بیروت: دارالعودة.

6.  الحاوی، إیلیا. (1979م). إیلیا أبو ماضی شاعر التفاؤل والتساؤل. بیروت: دار الکتاب اللبنانی.

7.  حسین، طه. (1972م). من تاریخ الأدب العربی (حدیث الأربعاء). بیروت: دار العلم للملایین.

8.  الخفاجی، عبد المنعم. (1992م). دراسات فی الأدب الجاهلی والإسلامی. (ط 1). بیروت: دار الجیل.

9.  سراج، نادرة. (1957م). دراسات فی شعر المهجر: شعراء الرابطة القلمیة. القاهرة: دار المعارف.

10.  سلیم، جورج دیمتری. (د ت). إیلیا أبو ماضی، دراسات عنه وأشعاره المجهولة. القاهرة: دار المعارف.

11.  شرارة، عبد اللطیف. (1982). إیلیا أبو ماضی، دراسة تحلیلیة. بیروت: دار بیروت للطباعة والنشر.

12.  الصمیلی، یوسف. (1980م). الشعر اللبنانی، اتجاهات ومذاهب. (ط 1). بیروت: دار الوحدة.

13.  صیدح، جورج. (1964م). أدبنا وأدبائنا فی المهجر الأمریکی. (ط 2). بیروت: دار العلم للملایین.

14.  ضیف، شوقی. (د ت). دراسات فی الشعر العربی الحدیث. (ط 7). القاهرة: دار المعارف.

15.  عاصی، حجر. (1999م). شرح دیوان إیلیا أبی ماضی، شاعر الإنسان والحیاة. (ط 1). بیروت: دار الفکر العربی.

16.  القبانی، عبد العلیم. (1977م). إیلیا أبو ماضی، حیاته وشعره فی الإسکندریة. (ط 2). بیروت: منشورات عویدات.

17.  مریدن، عزیزة. (1984م). القصة الشعریة فی العصر الحدیث. (ط 1). دمشق: دار الفکر.

18.  مظهر، سلیمان. (آ1959م). أساطیر من الشرق. القاهرة: مطابع الشعب.

19.  ـــــــــــــــــــــــــــــ . (ب1959م). أساطیر من الغرب. القاهرة: مطابع الشعب.

20.  الملعوش، سالم. (1997م). إیلیا أبو ماضی بین الشرق والغرب. بیروت: مؤسسة بحسون.

21.  الناعوری، عیسى. (1977م). إیلیا أبو ماضی رسول الشعر العربی الحدیث. (ط 2). بیروت: منشورات عویدات.