نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 طالبة دکتوراه في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة أصفهان

2 الأستاذ المساعد الفقيد في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة أصفهان.

المستخلص

يتناول البحث القيمَ التي تحلّى بها الشنفرى، محاولاً تبيين نفسية الشاعر من خلال دراسة أبياته الأخلاقية دراسة وصفية ـ تحليلية، وتقديم صورة موجزة عن معاناته النفسية، متأثراً بحديث مشهور ينبيء عن مدى أهمية شعره ومدى التزام الشاعر بالشيم الأخلاقية؛ والحديث: «علّموا أولادکم لامية العرب، فإنها تعلّمهم مکارم الأخلاق»، ساعياً إلى معرفة مدى صحة الحديث بدراسة الأخلاق السامية الکامنة في شعره، معوّلاً على نهج خاص في تقسيم أشعار الشنفرى الأخلاقية.  

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Moral values of shanfara in , Lamyat- alArab ode

المؤلفون [English]

  • Somayeh Kazemi 1
  • Jafar Delshad 2

1 PhD student- Arabic Department-University of Isfahan.

2 Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Isfahan.

المستخلص [English]

In this descriptive-analytic study, the researchers aimed to study the verses of Lamyat- al Arab and examine the moral values and mental pains which made the poet Shanfara express such values.
This survey has been affected by a hadith that indicates the tendency of the poet to the moral values and says: Teach Lamyat – al Arab to your children because it teaches them good values. So, the reliability of the hadith will be clarified by studying the moral verses in Lamyat – al Arab.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Shanfara
  • Lamyat- alArab
  • moral values

مقدمة

لا غرو أنّ الشاعر الجاهلی، ولو فی فترة وجیزة من عمره، وفی أبیات قلیلة، کان یستمع إلى نداء روحه وحقیقة وجوده وینشد أبیاتاً متسمة بطابع الحکمة والمثل الخلقیة، وذلک قبل أن یهبه الإسلام فکرة سلیمة عن القیم الصحیحة، ولکن من الغریب أن نجد شاعراً صعلوکاً مثل الشنفرى یحکی عن الفضائل فی أکثر من بیت فی لامیته، علّه أدرک وفقاً لمنطقه البدائی وما کان شائعاً فی مجتمعه القبلی أنّه لن یتحرّر من العبودیة إلا إذا أظهر تفوّقاً على من قام بإیذائه ونبذه من القبیلة، والتفوّق هذا، لن یتحقّق سوى عن طریق ما یعتبره المجتمع الجاهلی قیمة، سواء کانت أخلاقیة أم غیر أخلاقیة، فقد خیّمت علیه هذه النزعة حتى أصبح لا یرى فی الحیاة أمراً إلا یعارضه ویتمرّد علیه لیعلن صریحاً أنّه سید نفسه وابن حریته، لا أحد یتفوّق علیه ویکبّله بقیود تافهة، لکنّ القیود لم تفارقه بل ترکت فی نفس الشاعر أثراً بالغاً یحسّ به القارئ من خلال أبیاته، ومن خلال هذه الأزمة النفسیة طفحت حقیقة مشاعره تجاه قبیلته، وهذا ما یساعدنا على معرفة نفسیة الشاعر وما سمّیناه فضیلة فی لامیة العرب.

الشخصیة العربیة

معرفة العرب ونوعیة معیشتهم تساعدنا فی تقدیم صورة جلیّة عن حیاة الصعالیک وکما نعرف أنّ لجو الإقلیم أثراً طبیعیاً قویاً فی حیاة أهله، فهو الذی یُعیّن لهم سنن معاشهم ونظام اجتماعهم، ویکوِّن الکثیر الغالب من أخلاقهم وطباعهم، أمّا العرب فکان إلفهم حیاة الظعن والتجوال وتوزع همهم بین الجدال والقتال، سبباً فی غلبة الحریة والعصبیة والوحشیة علیهم، فلم تکن لهم مدنیة اجتماعیة ولا حکومة سیاسیة ولا أنظمة عسکریة ولا فلسفة دینیة.

للعربی شخصیة قویة تظهر بأنانیته، ونزوعه إلى الحریة والاستقلال، وحبه الخیر لنفسه دون غیره، والاستئثار بالجاه والذکر الحسن وحمید الصفات وتظهر فی جَلَده وصبره على الفقر والجوع والظمأ ومغالبة الطبیعة فی صحرائه العاتیة (ینظر: الزیّات، 1993م، ص11، 19).          

هذه لمحة من شخصیة العربی وإن کان الأمر متعلقاً بجماعة خاصة باسم الصعالیک فیبلغ بعض ما ذُکر من هذه الصفات إلى غایتها لأسباب عدة.

أمّا لفظ الصعلوک لغة: «فالصُّعلُوک: الفقیر الذی لا مال له، زاد الأزهری: ولا اعتماد» (ابن منظور، 1988م، «ص‌ع‌ل‌ک»).    

والشعراء الصعالیک فی عرف التاریخ الأدبی، «جماعة من شُذَّاذ العرب کانوا یُغیرون على البدو والحضر، فیسرعون فی النهب والتخریب ثم یفرّون دون أن یلحقهم أحدٌ»(البستانی، 1423هـ.ق، ص2). هم أولئک الذین حاولوا فعلاً أن یتحرّروا من سلطان قبائلهم، وخُلِعوا منها راضین أو کارهین. وقد ألفنا فی دراسة شعرهم أن نراه ممثلاً لانطلاق ذاتیة الشاعر، مسجلاً صدى نضاله عن هذه الذاتیة، ومظهر تحررٍ من القیود التی تکبلها. وفاتنا ـ أو فات کثیراً منا ـ أن نقرأ ما یکمن وراء سطور حیاتهم الغامضة من ألم البُعد عن الأهل والعشیرة والهیام على وجوههم فی الفلوات وأن نحسّ تلک المرارة التی تفیض بها مشاعرهم، وبها أصبح شعرهم یعکس جمرة ألم خافیة فی نفوسهم؛ أحراراً فیما یبدو، مشرّدین غرباء فی الواقع.      

وقد حاولوا نسیان الأحاسیس الرقیقة والعیش معتمدین على القوّة وحبّ المغامرة مستهزئین بالحیاة ونظامها القاسی ـ فی رأیهم ـ متمردین على ما یحول دون حاجاتهم، وفی نفس الوقت لا یترکهم الشعور بالتمزق والتشرد والضیاع، فقد ترک الخلع فی وجدانهم من أثر عمیق نافذ سجلته أشعارهم المشحونة بأشجان الغربة ووطأة الوحدة النفسیة وقسوة الحرمان من أنس الأهل والدار (ینظر: بنت الشاطئ، 1961م، ص43).

ومن الممکن أن نمیز فیهم ثلاث مجموعات:   

1. مجموعة من الخلعاء الذین نبذتهم قبائلهم لکثرة جرائرهم مثل حاجز الأزدی وقیس بن الحدادیة (ینظر: حرب، 1993م، ص10). «ویقصد بالخلیع أو المخلوع الذی کان یسیء إلى القبیلة بسلوکه العامّ أو بسلوکه الشخصی، کأن یقتل شخصاً من قومٍ بینهم وبین قوم القاتل حِلف أو صُلح، أو یخرج على إجماع القبیلة، أو یصبح سفیهاً مُبذِّراً لا أمل بإصلاحه» (فرّوخ، 1968م، ص71).

وبما أنّ القبیلة لا تبیح لأهله الخروج على العرف والتقالید، فإذا سلک الفرد سلوکاً شائناً یسیء إلى سمعة القبیلة، ویجلب علیها العار، نبذته القبیلة وأخرجته منها، فیعتبر خلیع قبیلته، وعندئذ یلجأ إلى قبیلة أخرى، فیعتبر جاراً لها أو مولى من موالیها، أو یلجأ إلى الصحراء، ویعیش على قائم سیفه وحدّ نصله، ویصبح صعلوکاً من صعالیک العرب أو مغامراً لیتخلص من شقاء الفقر وذُل الفاقة، إذ کان أبیّ النفس ذا أنفة (سالم، 1971م، ص435).   

2. «مجموعة من أبناء الحبشیات السّود ممن نبذهم آباؤهم ولم ینسبوهم إلیهم مثل السلیک بن السلکة، وتأبط شراً، والشنفرى، وکانوا یشرکون أمهاتهم فی سوادهم فسمّوا باسم أغربة العرب» (حرب، 1993م، ص10). 

3. «مجموعة اتّخذت الصعلکة حرفةً، وقد تکون من أفراد مثل عروة بن الورد العبسی، وقد تکون قبیلة برمتها مثل قبیلتی هذیل وفهم»

(حرب، 1993م، ص10)

 

بعض الخصائص العامة لهؤلاء الصعالیک

1. الفقر     

لعلّ أول ما یطالعنا فی حیاة هؤلاء الصعالیک جمیعاً فقرهم وصیحات الجوع الّتی ردّدوها فی حیاتهم وصوّروها فی أشعارهم. وبما أنّ الصعلوک یجد نفسه وحیداً فی مواجهة العالم، محروماً من دعم القبیلة فلیس له من یردّ عنه غائلة الجوع، فالجوع حلیف ملازم للصعالیک، وجزء من أجزاء حیاتهم.

أمّا ردّة فعلهم على الجوع فقد اختلفت إذ منهم من استکان، وطلب الإحسان، فی حین لجأ فریق آخر إلى حدّ السیف لیضع حدّاً له.

 

2. التمرد

قام هؤلاء الصعالیک بنبذ قبائلهم کما نبذتهم، وفضلوا حیاة التشرد والتصعلک على الخضوع لقانونها الجائر، وحیاة الوحدة المتألقة على الحیاة الجماعة القاتمة فتمردّوا وثاروا على قانون القبیلة، على نمط حیاتها، على مُثُلها، عاداتها وتقالیدها، واعتمدوا على أنفسهم تارکین خلفهم سجلاً من الأحداث والمغامرات، حاملین یأساً فتّاکاً فی صدورهم، یأساً أوقد فیهم نیران التمرد أکثر فأکثر.

 

3. اللجوء إلى السلاح       

فریق من الصعالیک اعتمد على السلاح فی سبیل تحصیل رزقهم عنوة، غیر منتظرین إحسان المحسنین ولا عطایا الموسرین کما نرى تأکید الشنفرى فی لامیته على أهمیة السلاح واللجوء إلیه فقال:

وإنّی کـفانی فقدَ من لیس جازیاً

 

بِحُسنى ولا فی قُـربِه مُتعلَّلُ

ثلاثةُ أصحاب: فُـؤادٌ مُشَیـّعٌ

 

وأبیضُ إصلیتٌ وصفراءُ عَیطلُ

         

4. التمتّع بقوى خاصة       

عاش الصعلوک وحیداً شریداً متمرداً، بعیداً عن القبیلة ودعمها، کارهاً للضیم، فأشهر سیفه على وجه العدو وغیر العدو وبدأ یقاتل ویقتل، فکثر أعداؤه حتى لم یعد یستطیع أن ینام مطمئناً، بل کان على حذرٍ دائماً، ولذلک کان لابدّ له من التمتّع بقوى خاصة تساعده فی حربه، فاشتهر أکثرهم بشدة العَدو لکی تسمح لهم بالهرب ممن یتعقّبهم.      

وإلى جانب شدة العَدو وسعة الحیلة عرف الصعالیک بأنهم أعرف الناس بدروب الجزیرة حتى ضرب فیهم المثل فقیل الصعالیک أهدى من القطا (ینظر: حرب، 1993م، ص 10ــ13 و19).

أخلاق الصعالیک ومذهبهم

1. یتبیّن من دراسة شعر الصعالیک أنّهم کانوا شجعاناً مغامرین غیر مبالین بالموت.

2. کانوا یدعون إلى نوع من الاشتراکیة القسریة؛ لأنهم یؤثرون الموت على حیاة الفقر والحرمان (ینظر: الحوفی، 1962م، ص 300 و 304).

 

خصائص أدبهم

— فی الحقیقة إنّ شعرهم یعکس صورة من واقع حیاتهم، نفسیاتهم وأعمالهم، وبذلک یصوّر ضرباً من الأخلاق والنزعات الخاصة.

— یتمیز شعرهم بوحدة الموضوع، فلیس فیه مقدمات تمهیدیة من غزل وبکاء أطلال، ووصف لرحیل أو رواحل أو استطراد إلى موضوع آخر.    

— أکثر شعرهم مقطعات لا قصائد، ولعل السبب یعود إلى تأثیر حیاتهم الخاصة فی أشعارهم.   

— لیس فی شعرهم غزل، وکیف یتغزّل من یقضی لیله ونهاره مترصداً.

— یکثرون من توجیه الخطاب فی شعرهم إلى زوجاتهم (المصدر نفسه، ص307).  

 

الشنفرى الشاعر الصّعلوک

هو ثابت بن أوس الأزدی، لا یتفق اللغویون على معنى لفظ الشنفرى، وإن فسّره أکثرهم «بالعظیم الشفتین». أما من کتبوا تراجم الشعراء، فقد کادوا یجمعون على أن الشنفرى لقب لهذا الشاعر، لُقّب به لعظم شفتیه، أو لحدَّته؛ واسمه ثابت بن أوس الأزدی، من أهل الیمن. حتى قام صاحب خزانة الأدب فانتقد هذا الزعم (ینظر: البستانی، 1986م، ص50).  

أصبح الشنفرى صعلوکاً ولیس بین أیدینا ما یدلّنا على سبب نزوعه إلى الصعلکة، فقیل إنه نشأ فی قومه الأزد ثم أغاظوه فهجرهم. وقیل ولد فی بنی سلامان أو أنهم سبوه صغیراً فنشأ بینهم حتى عرف حقیقة أمره فهرب مضمراً لهم الشر (ینظر: البستانی، د.ت، ص 87). کان من أشهر عدّائی العرب حتى ضُرب المثل بعدوه، فقیل: «أعدى من الشنفرى».

من أشهر قصائده لامیته التی لم تسلم من الشکّ، فنسبها بعضهم إلى خلف الأحمر، مجرّحین الحدیث القائل: «علّموا أولادکم لامیة العرب؛ فإنها تعلّمهم مکارم الأخلاق»(ینظر: البستانی، 1423هـ،ص 4)،

مهما یکن من أمر فإذا بلغت مقدرة الرجل على التقلید هذه الدرجة، فسواءٌ أکان ناظم اللامیة الشنفرى أم خلف الأحمر، فهی جاهلیة العواطف، جاهلیة القالب، جاهلیة التعبیر، تُصوّر أصدق تصویرٍ عادات ذاک العصر الخشنة الموافقة للمحیط الذی عاش فیه الشنفرى» (البستانی، 1986م، ص 55).

 

معنى الخلق

کلمة الخُلق قد وردت مرّتین فی القرآن الکریم وذکر الرّاغب الأصفهانی معلّقاً علیها: «أنّ الخَلقَ والخُلقَ فی الأصل واحدٌ کالشَّرب والشُّرب لکن خُصَّ الخَلقُ بالهیئات والأشکال والصُّور المدرَکة بالبصر وخُصَّ الخُلُقُ بالقوى والسّجایا المدرَکة بالبصیرة» (الأصفهانی، 1424هـ، ص297). وقد تکرّرت الأحادیث فی مدح الخُلق فی غیر موضع کقول النبی&: «بُعِثتُ لِاُتمّمَ مکارمَ الأخلاق» (ینظر: ابن منظور، 1988م، «خ‌ل‌ق»).                

یبدو من کلامه&، أنّ المجتمع العربی فی العصر الجاهلی کان یحظى ببعض من القیم الأخلاقیة. أمّا الخُلق فی کلام أحد علماء الأخلاق الشیخ محمد مهدی النراقی، فهو عبارة عن: «ملکة نفسیة لصدور الأفعال بسهولة من دون احتیاج إلى فکر ورویّة» (النراقی، 1988م، ص 55).

«إنّ دراسة الأخلاق وتحدید حقیقتها وقیمتها لدى الفرد والجماعة، یرتبط بشکل أساس بالعقیدة والفلسفة العامة للحیاة، وللبیئة والوراثة والتربیة والظروف الفردیة أثر لا یمکن تجاهله فی تکوین الأخلاق وتوجیه الملکات النفسیة ودرجة رسوخها فی أعماق الإنسان»(مؤسسة البلاغ، 1992م، ص 5)، ولیس الشنفرى مستثنى عن هذا الأصل؛ إذ هو عربیّ عاش متشرداً لأسباب قد سبق ذکرها فلابدّ أن تؤثّر حیاة التشرد فی شخصیته وأخلاقه وتعارض فطرته الصافیة بعض الأحیان.   

بعد دراسة لامیّة الشنفرى وجدنا حیاته قائمة على أساس استغنائه الذاتی فهو أبی النفس، ذو أنفة وإباء، لا یقبل الذلّ والهوان، یکره الخضوع لقوانین القبیلة الصارمة، فظهر هذا التمرد فی کلّ مظهر من مظاهر حیاته حتى أصبح متمرّداً على المقتضیات الطبیعیة مثل الأکل والشرب والنوم فوضعنا غنى النفس فی مقدّمة ما اتصف به فی شعره من الأخلاق السامیة. 

 

غنى النفس

عزّة النفس کانت میزة قد رسخت فی نفس العربی وفقاً لما رسمت له البیئة، وظلّ العربی متمسکاً بها ویعتنقها کعقیدة دینیة، وقد أشار جرجی زیدان إلى هذه الصّفة قائلاً: «کان العربی فی الجاهلیة صاحب أنفة وشرف یأبى الضیم ویغار على العرض، إذا قال فَعَل، وإذا وعد وفى، وإذا اضطر إلى رهن فی أمر عظیم رهن قوسه... ولا قیمة للقوس بنفسها، ولکنها عندهم شرف الرجل فهو قائم بما رهنها له مهما کلّفه» (زیدان، 1982م، ج1، ص126).    

وما وصلنا عن النبی & والأئمة الأطهار <من الأخبار بشأن عزّة النفس وقیمتها الأخلاقیة والاجتماعیة کثیر وهذا یؤکّد مدى أهمیتها فی الإسلام، منه: عن النبی &: «لیس الغنى عن کثرة العرض، ولکنَّ الغنى غنى النفس». وسئل سید الأحرار الحسین بن على 6: «فما عزّ المرء؟ قال 4 استغناؤه عن الناس» (الموسوی اللاری، 1989م، ص246). وقال الإمام الباقر 4 فی ذمّ السؤال من غیر حاجة: «طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعزّ ومذهبة للحیاء، والیأس ممّا فی أیدی الناس عزّ المؤمن، والطمع هو الفقر الحاضر» (الکاشانی، 1989م، ص 270).       

إذن عرفنا من خلال ما أشرنا إلیه أنّ أغنى الرجال من عرف قدر نفسه ولم یضیِّعه بالسؤال أو بالأحرى کثرة السؤال؛ لأنّ الحاجة إلى الآخرین تجلب الذلّة وتضیِّع الشرف الإنسانی.

ولعلّ الشنفرى عرف فطریاً قیمة نفسه ولأنه لقی من مجتمعه القبلی ما وضع قدره حاول أن یعوِّض عما فاته بمجموعة من الخصال الحمیدة، منها غنى النفس المذکورة فی هذه الأبیات:

وفی الأرض منأى للکریم عن الأذى

 

وفیها لمن خاف القِلى متعزَّل[1]

(البستانی، 1423هـ، ص 5).

الکریم یرفض الذُّل والأذى ویُفضّل اعتزال الناس على احتمال أذیَّتهم وحقدهم.

لَعَمرک ما فی الأرض ضیقٌ على امرئ

 

سرى راغباً أو راهباً فهو یعقل

(المصدر نفسه، ص 5).

وهذا تأیید للبیت السابق: العاقل لا یحتمل الأذى.      

یعتقد الشاعر أنّ الکریم والعاقل لا یکسر شوکته بالعیش مع الذین یؤذونه. فکأنّه أراد اتصاف نفسه بهاتین الصفتین وأن یبرِّر سبب رحیله من بین قومه.

هم الأهلُ لا مستودع السّرّ ذائع

 

لدیهم ولا الجانی بما جَرّ یُخذَل

وکلٌّ أبیّ باسل غیرَ أننی

 

إذا عرضت أولی الطرائد أبسل

(المصدر نفسه، ص5)

فهو یعتبر الإباء من الذّل والظّلم میزةً تخصُّ الوحوش دون قبیلته، ولهذا یفضّل العیش معها على البقاء مع قبیلته. فکان الإباء والامتناع من الذلّ فی غایة الأهمیة للشاعر حتّى وصف الوحوش بها قائلاً: وکُلٌّ أبیٌّ.

وإن مُدّت الأیدی إلى الزّاد لم أکن

 

بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل

(البستانی، 1423هـ، ص5)

وهو لا یَمدُّ الید إلى الطَّعام قبل بدء الآخرین بالأکل، مع أنَّ الطعام من الضّروریات فی حیاة الصعالیک لما یعانون من الجوع، هذا لأنَّه یرید الحفاظ على کرامته بضبط النفس عما یضرّ بسمعة الرجل ویجلب لها العیب والنقص.

وما ذاک إلاّ بسطةٌ عن تفضّل

 

علیهم وکان الأفضل المتفضّل[2]

(المصدر نفسه، ص 6)

یرى الشاعر أن القناعة وعدم الجشع وإیثار الآخرین على نفسه لیس إلا من سعة فضله واتصافه بصفات محمودة وهو الأفضل دون سواه.

اُدیمُ مِطالَ الجوع حتى اُمیتـه

 

وأضرب عنه الذّکر صفحاً فأذهَلُ

وأستفُّ تُرب الأرض کی لا یرى له

 

علیَّ مـن الطّولِ امرُؤٌ مُتَطَوِّلُ[3]

(المصدر نفسه، ص 7)

یُفضّل أن یستفَّ تراب الأرض على أن یمنَّ أحدٌ علیه بلقمة. إذن یؤثر الشاعر أکل التراب أو بالأحرى الموت على أن یمدَّ یده أمام متکبِّرٍ یدوس کرامته بمنِّه ویستعبده، فهو لا یبیع حریَّته بثمن بخس ولا یکدِّر صفو خاطره باحتمال المنِّ والأذى من البخیل المتکبر.

ولولا اجتنابُ الذّأم لم یُلفَ مَشربٌ

 

یُعاش به إلا لدیَّ و مَأکلُ[4]

(المصدر نفسه، ص 7)

بإمکانه الحصول على ما یرید بطرق غیر کریمة، لکنّه لا یقبل العیب والذَّم. فهو یتحمَّل العطش والجوع لیس لأنَّه غیر قادر على تأمین معاشه بل لأنَّه یکره أن یذمّه الناس ویعیّروه بصفة ذمّ.

فکلُّ ما یقوله الشاعر عن تحمُّل الجوع والعطش یمکن اعتباره فضیلة أخلاقیة؛ لأنَّه کما یقول قادر على اکتساب أصناف المآکل والمشارب، لکنَّه یأبى أن یکسر شوکته بالاعتماد على القوَّة خوفاً من النقص والذَّم.

ولـکنَّ نفسـاً مُرَّةً لا تُقیـم بی

 

على الضَّیم إلاّ ریثما أتَحوَّلُ[5]

(البستانی، 1423هـ، ص 7)

یصرّح الشاعر بأنّه أبیُّ النفس لا یبقى فی موضع الذُلِّ والهوان.

فلا جَزِعٌ من خَلّةٍ مُتکشِّفٌ

 

ولامَرِحٌ تحت الغنى أتخیَّلُ[6]

(المصدر نفسه، ص 10)

یرید الشاعر أن یقول إننی لا أستسلم للفقر مُظهراً ضعفی، ولا أنقاد للغنى أفرح به وأختال، فهو لا یخاف الفقر ولا یظهر حاجته للناس، ولا یغرُّه الغنى عندما یدرکه.      

یبدو أنّ البیت یحمل نداء اعتراض على قوم الشاعر بأنَّهم لا یتحمَّلون الفقر مثلما یفعله ویختالون عند الغنى، وهکذا أبدى تفوُّقه علیهم.    

ولا تزدهی الأجهالُ حِلمی ولا اُرى  

 

سَؤولاً بأعقاب الأقاویل اُنملُ[7]

(المصدر نفسه، ص 10)

فهو حلیم لا تستخفُّه الأهواء ولا تغلب عقله، متعفِّف عن سؤال الناس، بعید عن النمیمة وإثارة الفتن بین الناس. 

 

القناعة وعدم الجشع

القناعة ثروةٌ لا تنفد، وقد قال العلاّمة المحدّث الفیض الکاشانی فی فضل القناعة:

اعلم أن الفقر محمود، ولکن ینبغی أن یکون الفقیر قانعاً منقطع الطمع عن الخلق غیر ملتفت إلى ما فی أیدیهم ولا حریصاً على اکتساب المال کیف کان، ولا یمکنه ذلک إلا بأن یقنع بقدر الکفاف ویقصر الأمل، فإن تشوّف إلى الکثرة وطول الأمل فاته عزّ القناعة وتدنّس لا محالة بالطمع وذلّ الحرص وقلة القناعة وجرّه الحرص والطمع إلى مساوی الأخلاق وارتکاب المنکرات الخارقة للمروّات وقد جبل الآدمی على الحرص والطمع وقلة القناعة (الکاشانی، 1989م، ص117).

هذا کلام عالم أخلاق عاش بعد ظهور الإسلام بعدما تتلمذ على أکبر معلم أخلاق وهو النبی &، لکنّ الشنفرى أدرک فی حکمته الفطریة أنّ الفقر محمود مع القناعة، وهو وإن کان یعانی من الجوع فلا بدَّ له أن یتمسَّک بشیء کالقناعة لیتفوَّق على الآخرین فی ابتعاده عن الذُّل ویحافظ على عزَّة نفسه؛ لأنّ الجوع وحده لا یجلب العزَّة للفقیر.    

وإن مُدَّتِ الأیدی إلى الزَّاد لَم أکُن

 

بأعجلهم إذ أجشعُ القوم أعجَلُ

 (البستانی، 1423هـ، ص 5)

یفتخر الشاعر فی هذا البیت بقناعته وعدم حرصه على الطعام، فهو لیس أسرعهم للحصول علیه، فلو تعجل فی الإقبال على الطعام، لکان فی تعجله علیه من دون الآخرین خضوع للحاجة وارتهان للعبودیة.

وأغدو على القُوت الزَّهید کما غدا

 

أزَلَّ تهاداه التَّنائفُ أطحَلُ[8]

(المصدر نفسه، ص 7)

فی البیت إشارة خفیَّةٌ إلى قناعة الشاعر بالقلیل من الطعام، فهو یکتفی بالقوت الزهید؛ لأن القوت لیس غایة الحیاة، وبذلک یخالف الآخرین ممن لا أمل لهم إلا فی ملء جوفهم.

 

الصّبر       

للصَّبر شأن رفیع ومکانة سامیة فی الإسلام، فالله # وصّى الإنسان بالصّبر فی أکثر من آیة وجعل للصابرین مقاماً محموداً عنده، فالصّبر جزء من الإسلام لا ینفصل عنه، کما قال النبی &: «الصّبر نصف الإیمان؛ وفی کلام آخر قال &: الصّبر من الإیمان بمنزلة الرّأس من الجسد، ولا جسد لمن لا رأس له، ولا إیمان لمن لا صبر له» (الکاشانی،1989م، ص143).   

لکن فی حیاة الصعالیک نظراً لظروف عیشهم فقد یکون التصبر خاصة على الجوع من طباع الصعلوک، إلا أن الشنفرى یفخر به فی باب السّعی إلى الانتصار به على الطبیعة وعلى الکون.

اُدیمُ مِطالَ الجوع حتى اُمیتـه

 

وأضرب عنه الذّکر صفحاً فأذهَلُ

(المصدر نفسه، ص 7)

فهو لا یدَع للجوع مجالاً فیشاغل الجوع ویعرض عنه حتى ینسیه أو یتناساه؛ لأنّه لا یرید الخضوع لأحد، بل یرید التغلّب على نفسه وما تهواه کی یکون مستعدّاً لمعارضة الآخرین من بنی نوعه.

وأطوی على الخُمص الحوایا کما انطوت

 

خُیـوطةُ مارِیٍّ تُغار وتُفتلُ[9]

 (المصدر نفسه، ص 7)

لا یدَع الشاعر مجالاً للجوع فیشدُّ أمعائه علیه ویطویها، کما یطوی الفاتل خیوطاً ویحکم برمها، وبصبره علیه یسدّ باب الهوان على نفسه کی لا یتحکّم علیه أمر تافه مثل الجوع ویذلّه.

واضح أنّ الشنفرى أحسَّ فی غریزته الغامضة أنّ الحریة والتمرّد لا یتحققان حتى یتحرر المرء من مقتضیات الغریزة، یضائل من شأنها حتى القدر الأخیر فکأنها غیر موجودة یؤدیها کغرض تافه إلى جنب حیاته وعلى هامشها وإنما غایته أن یتفکک من قیود الوجود.

وأغدو على القُوت الزَّهید کما غدا

 

أزَلَّ تهاداه التَّنائفُ أطحَلُ

(البستانی، 1423هـ، ص 7)

فهو قنوع بالقلیل صابر علیه لأسباب قد سبق ذکرها.

شکا وشکت ثُمّ ارعوى بعدُ وارعوت

 

ولَلصَّبرُ إن لم ینفع الشَّکوُ أجمَلُ[10]

(المصدر نفسه، ص 8)

یصف الذئابَ فی جوعهم وصبرهم على الجوع عندما لا ینفع التشکِّی. کأنّ الشاعر یرى نفسه واحداً من الذئاب باحثاً عن الطعام لیسدَّ به الجوع، لکن عندما خاب ظنُّه ولم یجد شیئاً للأکل تمسَّک بالصَّبر ورآه أجمل حلّ لمشکلته.

وفاءَ وفاءَت بادراتٍ وکُلّها

 

على نَکَظٍ ممّا یُکاتم مُجمِلُ[11]

 (المصدر نفسه، ص 9)

بعدما فشلت الذئاب فی محاولتها للحصول على الطعام، رجعت بسرعة، وهی تبدی التجلد والصبر على شدّة الجوع الذی تخفیه. والبیت تأکید لما ورد فی البیت السابق.

وآلِفُ وجهَ الأرض عند افتراشها

 

بأهدَأ تُنبیه سَناسِنُ قُحَّلُ[12]

(المصدر نفسه، ص 9)

یقول: تعوّدت على افتراش الأرض مستنداً إلى منکب صلب رفعه من الأرض فقار أو أضلاع یابسة. فهو لا ینام على السریر بل على الأرض الصلبة، وهذه الأحوال کلها هی من باب الرفض وعدم الاستسلام، بها یصارع القوانین الجائرة الواهیة ویصارع الطبیعة بل یصارع القدر والکون، فلا یقبل بما یقبل علیه بل إنه هو الذی یأخذ منه ما یرید وبأقلّ قدر ممکن، لیظلَّ حرّاً متحرِّراً.

وأعـدلُ منحوضاً کأَنَّ فُصوصَهُ

 

کعابٌ دحاها لاعبٌ فهی مُثّلُ[13]

(المصدر نفسه، ص 9)

یصف الشاعر قلّة لحمه وشدة عظامه بقوله: إنی أتّخذ ذراعی وسادة وهی قلیلة اللحم، کأنّ فواصل عظامها کعاب یلعب بها اللاعب فتنتصب أمامه. کأنه یرید القول أنّ الطبیعة وکلّ شیء فیها طوع لإرادته، فهو یتحمّل الصعاب للحفاظ على حریته إذ إنّه لا یخضع لمن یسیطر علیه ویهدّد حریته، لکن فیما یبدو أنّ تحمّل الصِّعاب خاصة الجوع لیس قیمة أخلاقیة إلا إذا کان وراءه هدفٌ سامٍ.

وإلفُ هموم ما تزالُ تَعودهُ

 

عیاداً کحُمَّى الرِّبع أو هی أثقلُ

(البستانی، 1423هـ، ص 10)

یبدو أنَّ الشاعر أصبح أنیساً للهموم بصبره علیها وتحمُّله لها، فالآلام والمصائب لا تفارقه، تزوره دائماً کحمَّى الرِّبع بل هی أثقل منها. کلّما قصدته الهموم ردّها لکنها تعود إلیه ثانیة فتحیط به من کل جانب.

فـإمّا ترَینی کابنةِ الرَّمل ضاحیـاً

 

على رِقّةٍ أحفى ولا أتَنَعَّلُ

فإنی لمولى الصَّبر أجتـابُ بَزَّه

 

على مثل قلب السِّمعِ والحزمَ أنعَلُ[14]

 

(المصدر نفسه، ص 10)

یرفع الشاعر قدر نفسه فی الصَّبر فهو مولى الصبر لا أحد یسبقه فیه، فیقول: إن رأیتنی کحیَّة أبرز للحرّ والبرد على رقَّة حالٍ، وأنا حافی القدمین؛ فأنا مع ذلک ملازم للصبر ألبس ثوبه على قلب شجاع کقلب السمع، وحذائی الحزم.

یبدو أنَّه یصف تحملّه للجوع وقلَّة لحمه وصبره على الهموم لیبلِّغنا غیر مباشر أنَّه ملازم للصبر یتمسّک به کی لا یظهر ضعفاً أمام واقعه المرّ، کأنَّه یفخر بصحبته له ویراه میزةً تخصُّه دون غیره. 

الجوع والعطش والحر والبرد تخصُّ مجتمع الصعالیک؛ لأنهم فقدوا دعم القبیلة ورعایتها، عاشوا فی الصحارى دون ملجأ ولا مأوى وبما أن القبیلة محور الحیاة لمن کان یعیش فی تلک العصور فمن فقدها فقد ضاع عنه الکثیر ولا یمکنه التعویض عما فاته بالسهولة.

والشنفرى إذ یجاهد نفسه على الجوع إنما کان یخضع بأقلِّ قدر ممکن للطبیعة، وقد کان الجوع حتماً علیه، لا قِبَلَ له بأن یمتنع عن الشعور به، ومع ذلک فهو یتناسى الجوع أو یکتفی بالقوت الزهید لیبقى سیّد نفسه حتى إزاء الضرورات البیولوجیة التی هی أصل نزعة الحریة الفردیة والاعتصام بکرامة الإنسان، وهکذا تمادى التمرد فی نفس الشنفرى. ولعله أدرک أن الخضوع لحتمیة الجوع هو الباب الذی یلج منه الهوان على الإنسان، تلک أزمة لا یعانیها المرء الفاقد الإنسانیة.          

ویومٍ من الشِّـعرى یذوب لُعـابه

 

أفاعیه فی رمضائه تتملمَلُ

نصبتُ له وجهی ولا کِنَّ دونـه

 

ولا سِترَ إلا الأتحَمِیُّ المُرَعبلُ[15]

 

(البستانی، 1423هـ، ص 11)

یقول فی البیتین: رُبّ یوم من الأیام التی تطلع فیه الشعرى، وکان قد اشتدّ  فیه الحرّ بحیث لا تکاد الأفاعی تستقر على رمضائه لشدّة الحرارة، کنت أنا أکشف عن وجهی لأشعة الشمس لا یسترنی عنها ستر ولا وقایة إلا بُرد خلق.

یبدو أن الغرض من وراء وصف الشاعر لشدّة الحرّ لیس سرد الواقع الحسی لحیاة الصعلکة فحسب وإنما یرید تبیین مدى قوّته وصبره على المکاره التی لا یتحمّلها سواه ومن أجل هذا الهدف یضخّم الحادث ویغلو فی سرد الوقائع.

 

الحِلم والتعفُّف عن السؤال والبعد عن النمیمة

ولا تزدهی الأجهالُ حِلمی ولا اُرى

 

سَؤولاً بأعقاب الأقاویل اُنمِلُ[16]

(المصدر نفسه، ص 10)

و«الحِلمُ، بالکسر: الأَناةُ والعقل» (ابن منظور، 1988م، «ح‌ل‌م»).      

یقول الشاعر: إنّ حلمی لا یستسلم للأهواء، ولست بنمّام یتّبع حدیث الناس وینقله عنهم. فهو فی هذا البیت یجمع لنفسه ثلاث خصال یفخر بها؛ الحلم، التعفّف عن سؤال الناس والبُعد عن النمیمة وإثارة الفتن. وکأنّ ضد هذه الصفات کان شائعاً بین أبناء قومه، وأراد الشاعر أن یظهر مدى فضله علیهم بتجنّبه هذه الرذائل، وکأنّ الحلم أصبح خیرَ بدیل من عشیرته التی فقدها وفقاً لکلام الإمام علی 4: «الحلم عشیرةٌ»(نهج البلاغة، حکمة 418).

 

الکرم والعقل         

وفی الأرض مَنأى للکریم عن الأذى

 

وفیها لِمَن خافَ القِلى مُتَعَزَّلُ

لَعَمرُکَ ما بالأرض ضیقٌ على امرئ

 

سرى راغباً أو راهباً وهو یعقلُ

 

                        (المصدر نفسه، ص 5)

العقل حسام قاطع ــ کما یقول الإمام علی 4 ــ فمن تسلّح به، استغنى عما دونه؛ لأنّه أغنى الغنى. وفی هذین البیتین یشید الشاعر بالکرم والعقل وینسبهما إلى نفسه بقوله: إن الکریم والعاقل لا یبقى فی مکان الهوان بل یعتزل الذین یریدون به الأذى.

 

الحزم

قد جاء فی لسان العرب: «الحَزمُ: ضبط الإنسان أَمره والأخذ فیه بالثِّقة. ورجل حازمٌ وحَزیمٌ من قوم حَزَمة وحُزَماء وحُزَّمٍ وأَحزامٍ وحُزَّامٍ: وهو العاقل الممیز ذو الحُنکَةِ» (ابن منظور، 1988م، «ح‌ز‌م»)،والشنفرى قد وصف نفسه بالحازم فی هذا البیت:

فإنّی لمـولى الصَّبر أجتابُ بَزَّه

 

على مثل قلب السِّمع والحزمَ أنعَلُ

(البستانی، 1423هـ، ص 10)         

فهو وإن کان حافی القدمین، یحتذی الحزم، معتمداً على نفسه لا یحتاج إلى الآخرین خاصة قبیلته؛ لأنه قد تسلّح بالصبر والشجاعة والحزم.      

 

 حفظ الأسرار

همُ الأهلُ لا مستـودَع السِّر ذائعٌ

 

لدیهم ولا الجـانی بما جرَّ یُخذَلُ

(المصدر نفسه، ص 5)

ربما خلع بنوسلامان الشنفرى فی جریرة اقترفها ولم یدافعوا عنه کسائر الأحرار الذین تحدروا من صلبهم؛ وعندما خُلع، أدرک أنه لیس فعلاً منهم، بل مضافٌ إلیهم، وذلک هو الهوان الحقیقی بالنسبة إلیه.

أثّرت هذه المعاناة فی نفسه وجعلته یفضِّل الوحوش على قومه لأنها لا تفشی سرّاً ولا تخذُل المذنب بما اقترف و فی المصراع الثانی کأنّ الشنفرى کان یقصد من خلال تقدیم الجار والمجرور المفید للحصر وهو قوله: «بما جرّ» أن یذکّر قومه بأنّ العدل یقتضی عند جرّ الجریرة والحکم علیها أن ینظر الحاکم أو القاضی إلى الظروف والعوامل التی ساقت الجانی إلى ارتکاب الجریرة لا إلى الجریرة نفسها، أو ربما أراد أن یطالب بما کان یلائم المجتمع القبلی فی العصر الجاهلی وفقاً لما کان معروفاً بینهم: «اُنصُر أخاک ظالماً أو مظلوماً».  

فحفظ الأسرار یهمُّ الشاعر إلى درجةٍ جعلت من الوحوش أهلاً له لتمسُّکها  بهذه الصفة بل جعله شرطاً لاختیار أهله الجدد؛ لأنه شعر بالضیم والنکد فی القیام بین قوم یذلونه ویسخِّرونه ویتخلون عنه فی المقام الحرج، لکنَّ الوحوش لا تؤذی مثل الإنسان ولا تغدر ولا تتآمر ولا تخذل فی الموقف الحرج.  

 

الترفّع عن صفات اللئام

ولستُ بمهـیافٍ یُعشِّی سَوامَه

 

مُجَدَّعةً سُقبانُها وهی بُهَّلُ[17]

(المصدر نفسه، ص 6)

فهو یصرّح بأنّه لا یخاف سرعة العطش کبعض الرعاة الذین یمنعون صغار الإبل عن رضع أمّاتها کی یبقى لهم من الحلیب ما یشربون؛ بل إنّ صغار إبله سمینة لیست سیئة الغذاء؛ لأن الأمّات لا صرار لها.

ولا جُبَّإٍ أکهى مُرَبٍّ بعرسِه

 

یُطالعها فی شأنه کیف یفعـَلُ[18]

(البستانی، 1423هـ، ص 6)

ینفی الشاعر عن نفسه الجبن والبلادة وانعدام الرأی والشخصیة فیعتمد على رأی زوجه ومشورتها؛ لأن ملازمة الزّوج تدلّ على الکسل والضعف والانصراف عن الکسب. فبذلک ذمّ الشاعر الجبن والبلادة وسوء الخلق کی یظهر فضله فی الاتصاف بالصفات الحمیدة.

ولاخَرِقٍ هَیقٍ کأَنّ فؤَادَه

 

یَظَلُّ  به  المُکّاءُ  یعلو  ویسفُـلُ[19]

                        (المصدر نفسه، ص 6)

یقول إننی لست ضعیفاً ولا خائفاً من حدوث الأمور العظیمة کالظلیم فی نفوره عند حدوث أمرٍ رائع فیرجف فؤاده کأنه طائر یعلو ویسفل.            

ولا خالِفٍ دارِیَّةٍ مُتغزِّلُ

 

یروح ویغدو داهناً یتکحَّلُ[20]

(المصدر نفسه، ص 6)

یحاول الشاعر إثبات نفسه ورجولته نافیاً عن نفسه الکسل ومغازلة النساء والتشبُّه بهنّ فی التزیُّن والتکحّل.

ولستُ بِعَلٍّ شرُّه دون خَیره

 

ألَفَّ إذا مارُعتَه اهتاج أعزَلُ[21]

(المصدر نفسه، ص 7)

یقول إننی لست برجل ضعیف الجسم والهمّة، شرُّه أکثر من خیره، عاجز عن القیام بأمور الحرب والضیف، تراه إذا أفزعتَه یثور ویسرع دون أن یحمل السلاح.

ولستُ بِمحیارِ الظّلام إذا انتحت

 

هُدى الهَوجَلِ العِسِّیف یَهماءُ هَوجَلُ[22]

 

(المصدر نفسه، ص6 )

فهو لا یتحیر فی الظلام؛ لأنّه ذکی لا یضلّ الطریق فی الفلوات البعیدة المخیفة التی تُضلُّ رشد الرجل الأحمق ولا یخاف من المهالک.

کان الشاعر یهدف من وراء هذه الأبیات إلى إثبات وجوده وأنّه لا ینقصه شیء فلماذا طرد فی حین کان قومه بحاجة إلى شخص مثله، شخص یتمتّع بالعقل والقوّة والرّجولة. 

 

الشَّجاعة    

«کانت الشجاعة وعدم المبالاة بالموت میزة اتصف بها العرب، إما دفاعاً عن ذمار القبیلة التی ینتسبون إلیها، أو ذباً عن الحریم وصوناً لهن من المهانة وذلّ السبى»(سالم، 1971م، ص443).        

وفیما یبدو أنّ الشجاعة إذا اعتُبِرَت خصلة لدفع الظّلم تصبح من القیم الأخلاقیة وفی غیرها حیث یجعلها المرء وسیلة للفتک والنّهب لا تتجاوز سوى حدود التهوّر، لکنّ الحوفی یرى أنّ الشجاعة عند العرب لم تکن تهوراًٌ کما یعتقده البعض بل ما نُسمّیه تهوراً کان هو الشجاعة فی أعلى مراتبها فی نظر أولئک الشجعان (ینظر: الحوفی، 1962م، ص335 ).  

هناک من أبیات الشنفرى ما یدلّ على بطشه أکثر منه على شجاعته فلم نجد ضرورةً فی ذکرها واکتفینا بذکر بعض الأبیات:

وإنی کفانی فقدَ من لیس جازیاً

 

بحُسنى ولا فی قُربه مُتَعَلَّلُ

ثلاثةُ أصحابٍ: فؤادٌ مشیّع

 

وأبیضُ إصلیتٌ وصَفراءُ عَیطَلُ[23]

 

(البستانی، 1423هـ، ص 6)

والمُشَیَّع: الشجاع، کأنّه فی شیعة کبیرة من الناس. فهو متشرّد وحید فی الصحراء بعید عن دعم القبیلة ورعایتها لا یرافقه سوى قلبه المقدام، سیفه وقوسه.

فإنی لمولى الصَّبر اجتابُ بَزَّه

 

على مثل قلب السِّمع والحزمَ أنعَلُ

(المصدر نفسه، ص10)

قلبی شجاع کقلب السِّمع.

یبدو أنّ الشجاعة فی شعر الشنفرى لیست فضیلة، إنّما هو شجاع لأنّ حیاة الصعلکة تفرض علیه عدم الخوف من المهالک والخوض فیها فضلاً عن ذلک أنّ الشجاعة بغضّ النظر عن دافعها کانت زینة للعربیّ فی العصر الجاهلی کما أشرنا إلیه مسبقاً.   

 

نتائج البحث

کانت للشنفرىفضائل تعود فی معظمها إلى نفسه الأبیة فی صفائها الفطری، ولیس کلّ ما قاله عن أخلاقه یرجع إلى عقدة السواد وعدم الانتماء الذی کان یعانی منه الشاعر طیلة حیاته وهذا البیت خیر دلیل على ما قیل:

ولولا اجتنابُ الذَّأمِ لم یُلفَ مَشرَبٌ

 

یُعاش به  إلا لدیَّ و مَأکلُ

(البستانی، 1423هـ، ص 7)

فهو فقیر لیس لضعفه، بل لأنه یکره العیب والذمّ، هذا یعنی أنه یسعى وراء اکتساب الفضائل التی تنتهی إلى مدحه من ناحیة المجتمع. 

أمّا بشأن هذا الحدیث: «علّموا أولادکم لامیة العرب، فإنها تعلّمهم مکارم الأخلاق»، فلسنا فی مقام یسمح لنا برفض الحدیث أو تأییده، لکن من الواضح أنّ الإسلام یؤیّد الفضائل أینما کانت، فضلاً عن ذلک فإنّ النبی & لا یوصی بأمر یشوبه الغموض؛ لأنّ شهوة الفتک ببنی سلامان والانتقام منهم تغلّبت على الشنفرى حتى أعلن فی شعره ما کان یخفی فی نفسه، فکیف یمکن للنبی & أن یوصی أمته بشعر یجمع الفضیلة والرذیلة فی نفس الوقت، لکن هذا لا یعنی أنّ شعر الشنفرى یخلو من القیم الأخلاقیة؛ لأنه کان یهدف بشعره إلى بعث رسالة أخلاقیة لقومه لیعارض قوانینهم الظالمة وإن کان فی بعض فقراته یصرّح بالتهدید أو الانتقام وما ذلک إلا إرضاء لنفسه الغاضبة على مجتمعه. 

 

õõõ



[1]. المنأى: المنزل البعید. القلى: البغض. المتعزّل: مکان الانفراد.

[2]. البسطة: السّعة. التفضّل: الإحسان.             

[3]. أذهل: أنسى. الطَّول: الفضل والامتنان. استفّ: أخذه غیر ملتوت ولا معجون. 

[4]. الذأم: العیب، اللوم، الذمّ.

[5]. المرّة: الأبیّة. ریثما: قدرما.

[6]. الخلّة: الفقر. متکشف: الذی یظهر فقره وحاجته للناس، المرح: البطر. المتخیّل: المختال.  

[7]. تزدهی: تستخفّ. أنمل:أنمّ.   

[8]. الأزلُّ: الخفیف، صفة الذئب المحذوف. التنائف: ج التنوفة: المفازة والأرض القفار. الأطحل: الذی لونه کلون الطّحال.

[9]. الخُمص: ضمور البطن. الخَمص: الجوع. ماریّ: اسم فاتل الخیوط.

[10]. ارعوى: کفّ.

[11]. فاء: رجع. النکظ: الشدّة والجوع. المُجمل: الصابر.

[12]. السناسن: ج سنسن: حروف فقار الظهر. القحّل: ج قاحل: یابس.

[13]. أعدل: اتوسد. المنحوض: القلیل اللحم. الفصوص: فواصل العظام،ج الفصّ. المُثّل: المنتصب.

[14]. ابنة الرمل: الحیَّة. الضاحی: البارز للحرّ والبرد. الرقَّة: سوء العیش. البزّ: الثوب. السمع: ولد الذئب.

[15]. الشعرى: کوکب یظهر فی لیالی الحرّ. الرمضاء: الأرض الحارّة من وقع الشمس علیها. الکنّ: الستر. الأتحمیّ: ضرب من البرود. المرعبل: الممزق.

[16]. تزدهی: تستخفّ. أُنمل: أنمّ.           

[17]. مهیاف: السریع العطش. المجدَّعة: السیّئة الغذاء. السُّقبان: ج السَقب: صغور الناقة. البُهَّل: ج باهل وباهلة: الناقة التی لا صرار على ضرعها.

[18]. الجبَّأ: الجبان، الأکهى: الضعیف، الکدر الخلق الذی لا خیر فیه، العرس: الزوجة.

[19]. الخرق: الدهِش من الخوف أوالحیاء. الهیق: الظلیم: ذکر النعام. المکّاء: طائر یصوّت فی الریاض.     

[20]. الخالف: الذی لا خیر فیه. الأحمق. الداریّة: المقیم فی داره لا یفارقها. المتغزّل: الذی یحادث النساء.                   

[21]. العَلّ: ذبابة الخیل، یُستعار للرجل الصغیر الجسم. الألفّ: العاجز الذی لا یقوم لحرب ولا لضیف.

[22]. المحیار: المتحیر. انتحت: قصدت. الهوجل: الرجل الطویل الذی فیه تسرّع وحمق. العسّیف: الآخذ على غیر طریق. الیهماء: الفلاة التی لا یهتدى فیها للطریق.                         

[23]. المتعلّل: الشیء الذی یلتهی به. أبیض إصلیت: سیف صقیل أو مجرَّد. صفراء عیطل: قوس صفراء طویلة العنق متینة. 

المصادر والمراجع

الإمام علی بن أبی طالب. (1384هـ.ش). نهج البلاغة. ترجمه محمد دشتی، قم: بارسیان. 

1. ابن منظور، محمد بن مکرّم. (1408هـ). لسان العرب. بیروت: دار إحیاء التراث العربی.

2. أحمدیان، حمید. (1376 هـ.ش). رسالة جامعیة: القیم الأخلاقیة فی شعر عدد من الشعراء الجاهلیة. جامعة فردوسی بمشهد.

3. الأصفهانی، الرّاغب. (1424هـ). مفردات ألفاظ القرآن. (ط 3). دمشق: دار القلم.     

4. البستانی، بطرس. (د. ت). أدباء العرب فی الجاهلیة وصدر الإسلام. بیروت: دار الجیل،         

5. البستانی، فؤاد أفرام. (1986م). الروائع. (ط10). بیروت: دار المشرق.

6. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . (1423هـ). المجانی الحدیثة عن مجانی الأب شیخو. (ط 2). 5 ج. قم: ذوی القربى (بطریقة الأوفسیت).  

7. بنت الشاطئ، عائشة. (1961م).  قیم جدیدة للأدب العربی. مصر: دار المعارف.

8. الحاوی، إیلیّا. (1986م). فی النقد والأدب. (ط 5). بیروت: دار الکتب اللبنانی.         

9. حرب، طلال. (1993م). دیوان الشنفرى. بیروت: الدار العالمیة.

10. الحوفی، أحمد محمّد. (1962م). الحیاة العربیة من الشعر الجاهلی. ط4. دمشق: دار القلم.

11. الزیّات، أحمد حسن. (1993م). تاریخ الأدب العربی. بیروت: دار المعرفة.

12. زیدان، جرجی. (1982م). مؤلفات جرجی زیدان الکاملة. بیروت: دار الجیل.

13. سالم، عبد العزیز. (1971م). تاریخ العرب فی العصر الجاهلی. بیروت: دار النهضة العربیة.

14. الشنفرى، ثابت بن أوس. (1417هـ). الدیوان. شرحه وحققه إمیل بدیع یعقوب، (ط 2). بیروت: دار الکتاب العربی.

15. فرّوخ، عمر. (1388هـ). العرب فی حضارتهم وثقافتهم إلى آخر العصر الأموی. (ط 2). بیروت: دار العلم الملایین.

16. الکاشانی، الفیض. (1989م). الحقائق فی محاسن الأخلاق. بیروت: دار البلاغة.     

17. الموسوی اللاری، مجتبى. (1410هـ).  رسالة الأخلاق. التعریب: محمد عبد المنعم الخاقانی، بیروت: دار الإسلامیة.

18. مؤسسة البلاغ،(1413هـ). المفهوم الأخلاقی فی الإسلام. طهران: مطبعة "الرخ".

19. النراقی، محمد مهدی. (1408هـ). جامع السعادات. (ج 1). (ط 6). بیروت: مؤسسة الأعلمی للمطبوعات.