السيميائيات والهوية تحليل شفرات قصيدة في القدس لتميم البرغوثي في سياق الصراع الفلسطيني

نوع المستند : المقالة البحثیة

المؤلفون

1 أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة زابل، زابل، إيران

2 حاصل على الماجستير في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة زابل، زابل، إيران

المستخلص

يقدّم هذا البحث تحليلا سيميائيا معمّقا لقصيدة في القدس لتميم البرغوثي، مستندا إلى نظرية السيميائيات التي تركّز على دراسة العلامات وآليات إنتاج المعنى في النصوص. يعتمد البحث على إطار رولان بارت النظري للشفرات الخمس: شفرات الأحداث، والتأويلية، والدلالية، والرمزية، والثقافية، التي تفكّك النص إلى وحدات دلالية، تكشف عن الطبقات المعنوية الكامنة وتفاعلها مع السياق. تجسّد قصيدة في القدس رؤية الشاعر للقدس كرمز للهوية الفلسطينية، متناولة الصراع مع الاحتلال عبر صور شعرية مكثّفة غنية بالرموز والإيحاءات التي تعكس التناقضات الثقافية والسياسية. يُمكن تحليل عمق القصيدة باستخدام شفرات بارت، للكشف عن التوتر بين الواقع المحتلّ والانتماء الروحي. يتبنّى البحث المنهج الوصفي ـ التحليلي، لتفكيك النص، بهدف إبراز الطبقات الرمزية الكامنة وتسهيل قراءة النص للمتلقي. تُظهر النتائج أن التحليل السيميائي يكشف عن الاتفاقيات الضمنية من خلال الشفرة الأحداثية في تسلسل المنع والتأمل، والتأويلية في ألغاز الهوية، والدلالية في مدلولات الاغتراب، والرمزية في تعارضات الحضور / الغياب، والمقدس / الدنس، والثقافية في إحالات المماليك والنصوص المقدسة، مما يبرز تفاعل الشفرات الخمس، لتعكس رؤية بارت النقدية في إنتاج معانٍ متعددة، ويؤكد قدرة القصيدة على تصوير القدس كرمز للصمود والهوية الفلسطينية، معززاً دور الأدب في مقاومة القمع الاستعماري، عبر دلالات متداخلة تعكس السياق التاريخي والثقافي.

الكلمات الرئيسية

الموضوعات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Semiotics and Identity: Analyzing the Codes of Tamim Al-Barghouthi’s Poem In Jerusalem in the Context of the Palestinian Struggle

المؤلفون [English]

  • Abdulbasit Arab Yousefabadi 1
  • Hasan Mirkamali 2
1 Assistant Professor of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, University of Zabol, Zabol, Iran
2 MA Graduate in Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, University of Zabol, Zabol, Iran
المستخلص [English]

This study conducts a comprehensive semiotic analysis of Tamim Al-Barghouthi’s poem In Jerusalem, utilizing Roland Barthes’ theory of the five codes—actantial, hermeneutic, semantic, symbolic, and cultural—to uncover the latent layers of meaning embedded within the text. Semiotics, as a discipline, focuses on the study of signs and the mechanisms through which meaning is produced, emphasizing the interplay between signs and their contextual significance. Barthes’ framework provides a robust methodology for dissecting narrative texts into units that reveal their underlying semiotic structures. These codes enable a nuanced understanding of how texts construct meaning through interaction with their socio-cultural contexts.
Tamim Al-Barghouthi, a prominent Palestinian poet, encapsulates the Palestinian experience of exile, resistance, and collective identity in his iconic poem. The poem portrays Jerusalem as a multifaceted symbol, weaving together historical, spiritual, and political dimensions to confront the distortions imposed by the Israeli occupation. Through vivid imagery and intricate symbols, Al-Barghouthi constructs a poetic discourse that reflects the cultural and political tensions of the Palestinian struggle.
The research employs a descriptive-analytical approach, systematically deconstructing the text into semiotic units examined through Barthes’ codes. The actantial code traces the sequence of events and actions; the hermeneutic code identifies enigmas and their resolution; the semantic code explores implicit connotations; the symbolic code examines binary oppositions; and the cultural code connects the text to shared historical and cultural knowledge.
The analysis reveals the intricate interplay of these codes. The actantial code structures a narrative of thwarted access and introspection, highlighting the tension between desire and political reality. The hermeneutic code generates enigmas about the “beloved” (Jerusalem), resolved through the affirmation of the Palestinian self as its essence. The semantic code uncovers connotations of alienation, resilience, and spiritual weight through specific signifiers. The symbolic code deconstructs binary oppositions such as presence/absence and sacred/profane, challenging colonial narratives. Finally, the cultural code anchors the poem in shared knowledge, referencing Islamic and Christian heritage and Palestinian resistance practices, thereby reinforcing Jerusalem’s status as a spiritual and cultural nexus.
The study concludes that Barthes’ five codes collectively demonstrate the poem’s capacity to reveal implicit conventions within its poetic discourse, effectively mirroring the Palestinian reality. The poem emerges as a multilayered text that functions as a form of cultural resistance, affirming identity and challenging colonial oppression through its complex semiotic structure.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Semiotics
  • Roland Barthes
  • Five Codes
  • Tamim Al-Barghouthi
  • In Jerusalem
  • Palestinian Struggle

 المقدمة

تشكّل الشفرات في علم السيميائيات، أداة مركزية، لا غنى عنها لفهم كيفية تولّد المعاني داخل النصوص؛ إذ تمثّل إطارا تحليليا، يمكّن الباحث من تتبّع مسارات الدلالة، بدءا من العلامات البسيطة، وصولا إلى الطبقات المعقدة، بحيث يصبح أي عنصر خارج هذه المنظومة غير مؤهّل لأن يصنَّف كعلامة سيميائية ذات وظيفة دلالية. فالسيميائيات نفسها تهتمّ بآليات، تشكّل المعنى ضمن شبكات إشارية مترابطة، وتؤكد أن دلالة العلامة ليست ثابتة أو ذاتية، بل تتبلور عبر تفاعلها مع السياق المحيط، مما يحوّل عملية القراءة إلى فعل إبداعي، يعتمد على وعي القارئ وتأويله النشط الذي يستخرج من النص طبقات جديدة غير مرئية في القراءة السطحية.

ومن هنا، يأتي دور رولان بارت كمنظّر رائد، ساهم في صياغة هذا الإطار بطريقة منهجية؛ إذ اقترح نموذج الشفرات الخمس كوسيلة لتفكيك النصوص ـ سواء سردية أم شعرية ـ إلى وحدات دلالية متداخلة، تكشف عن بنية معنوية مفتوحة على التأويل. فشفرة الأحداث ترصد تسلسل الحوادث والأفعال بطريقة، تبدو منطقية ظاهريا؛ لكنها تخفي تناقضات داخلية؛ والشفرة التأويلية تُولّد الأسئلة، وتُؤجّل الإجابات، لتحفيز فضول القارئ؛ أما الشفرة الدلالية، فتغوص في المدلولات الخفية الكامنة خلف الكلمات والصور؛ والشفرة الرمزية تبني المعاني من خلال التقابلات الثنائية التي تعكس صراعات أعمق؛ في حين تربط الشفرة الثقافية النص بالذاكرة الجماعية والقيم المشتركة. ويؤكد بارت أن هذه الشفرات لا تتمتع بأولوية هرمية، بل تتساوى في أهميتها، وتتفاعل فيما بينها، لتشكّل نسيجا دلاليا متكاملا، يجعل النص فضاء حيّا، يتجاوز حدود المؤلف، ويمنح القارئ دورا شريكا في إعادة خلق المعنى باستمرار.

ولد الشاعر الفلسطيني، تميم البرغوثي، في القاهرة عام 1977م، وسط تحولات سياسية كبرى، شهدها العالم العربي. منذ طفولته، عايش تميم أحداثا دراماتيكية، مثل: اجتياح لبنان، ومجازر صبرا وشاتيلا، وغزو العراق، والحصار الطويل، مما عمّق وعيه السياسي والوجداني، فأصبح شعره تعبيرا عن معاناة جيله الفلسطيني، من خلال تداخل المنفى مع المقاومة والحنين مع الوعي الجمعي، مستخدما أسلوبا، يعجّ بالصور البلاغية والرموز الدلالية التي تعكس تأثيرا عميقا للعلامات والإشارات السيميائية في بنية نصوصه (غسان، 2024م، ص 25 ـ 26)، حيث تكشف هذه العناصر عن الطبقات المعنوية الكامنة في سياق الصراع الوطني، وتجسّد في أعماله حضورا قويا للدلالات الرمزية والإيحاءات التي تتطلّب تحليلا سيميائيا دقيقا لفهم كيفية بناء المعاني المتعددة.

يُعرف تميم البرغوثي عالميا برائعته الأدبية، قصيدة في القدس، التي رسم فيها لوحة شعرية متكاملة، تجسّد المدينة في جوانبها التاريخية والحاضرة والروحية، مفضحا فيها تشويه الاحتلال لمعالمها المقدسة. تُعدّ هذه القصيدة نصّا مملوءا بالشفرات الدلالية المتنوعة التي تتطلّب تحليلا دقيقا لشفراتها، كأحد أساسيات النقد الشعري المعاصر.

1ـ1. هدف البحث ومنهجه

يهدف هذا البحث إلى كشف الاتفاقيات الضمنية الكامنة في قصيدة في القدس لتميم البرغوثي، من خلال تطبيق التحليل السيميائي المعتمد على الشفرات الخمس التي وضعها رولان بارت، مع إبراز كيفية تجلي هذه الشفرات في النص بطريقة، تتماشى تماماً مع رؤيته النقدية للتعددية الدلالية والتفاعل النشط للقارئ في إنتاج المعاني، حيث يتبنى البحث المنهج الوصفي ـ التحليلي الذي يعتمد على تفكيك النص إلى وحدات دلالية دقيقة مدعومة باقتباسات مباشرة من القصيدة، وذلك وفق الشفرات الخمس: الأحداثية التي ترصد تسلسل الأفعال والحوادث، والتأويلية التي تثير الألغاز وتؤخّر حلولها، والدلالية التي تستنبط المدلولات الضمنية من الدوال اللغوية، والرمزية التي تبني المعاني عبر التعارضات الثنائية، والثقافية التي تحيل إلى المعرفة المشتركة والإرث التاريخي والديني.

1ـ2. أسئلة البحث

تحاول هذه الدراسة أن تجيب عن الأسئلة التالية:

ـ كيف يمكن للتحليل السيميائي أن يكشف ويُبرز الاتفاقيات الضمنية في قصيدة في القدس؟

ـ كيف تتجلّى الشفرات الخمس في قصيدة في القدس، تماشياً مع رؤية بارت النقدية؟

1ـ3. خلفية البحث

أجريت العديد من الأبحاث حول شعر تميم البرغوثي، وخاصّة ديوانه في القدس، ومن هذه الأبحاث ما يلي:

تناول علي بخوش وإسماعيل عشور في دراستهما مقاربة سيميائية للموت في شعر تميم البرغوثي (2015م)، مفهوم الموت كثنائية وجودية مع الحياة، مع التركيز على انعكاساته في شعر البرغوثي، واستعرضا كيفية تجسيد الموت في شعر البرغوثي، كتعبير عن الصراع الإنساني والنضال الفلسطيني.

ركّز الأحمدي مجدي في دراسته ثبات المكان وجدلية الزمان: قراءة في قصيدة في القدس للشاعر تميم البرغوثي (2021م)، على ثنائية المكان والزمان في القصيدة. أوضح البحث كيف عزّز العنوان والمقدمة الطللية ثبات المكان؛ بينما ساهمت الإشارات الزمنية والاستدعاءات التاريخية في تعزيز هذا الثبات، مما يعكس ارتباط الشاعر بالهوية الفلسطينية وقضيتها.

كشفت دراسة زهرة بهروزي وخداداد بحري (2021م)، بعنوان سيميائية الرموز الطبيعية وحقولها الدلالية في ديوان في القدس لتميم البرغوثي، عن الرموز الطبيعية، كالسماء، والريح، والخيل، والطيور، والحمام في كامل الديوان، مع التركيز على دلالاتها الإيحائية الثانوية، لتعكس قضايا الحرية، والكفاح، والأمل، دون تعبير مباشر بسبب القيود السياسية.

ركّز بوصلاح ياسمين وعلي ملاحي في دراستهما انفتاح وانغلاق الخطاب الشعري العربي المعاصر: تميم البرغوثي أنموذجا (2021م)، على ظاهرة الانفتاح في خطاب البرغوثي، وأظهرا كيف استفاد النص من تداخل الأجناس والتناصّ مع النصوص التراثية والحديثة، مما عزّز انفتاحه على الحدث التاريخي والثقافي.

درس أحمد ملياني في بحثه الخصائص الإيقاعية في قصيدة في القدس لتميم البرغوثي (2021م)، البنية العروضية والإيقاعية للقصيدة، مشيرا إلى مزجها بين النسق العمودي والحر.

تناولت خديجة نغلي وجغدم الحاج في دراستهما شعرية اللغة في القصيدة العربية المعاصرة: ديوان في القدس لتميم البرغوثي نموذجا (2022م)، الخصوصية الفنّية للغة الشاعر، وأشارا إلى أن شعر البرغوثي يمتاز بأسلوب جمالي راقٍ مستمدّ من ثقافته الواسعة وانتمائه للقضية الفلسطينية، مع التركيز على كيفية ترجمة القضايا الوطنية إلى نصوص شعرية، تحمل إيحاءات فنية عميقة، باستخدام المنهج الأسلوبي.

درس جبور ميلاد هيثم في بحثه قراءة أسلوبية في قصيدة عشقة للشاعر تميم البرغوثي (2022م)، الظواهر الأسلوبية في القصيدة، مع التركيز على المستويات الصوتية، والتركيبية، والدلالية. أظهر البحث كيف استخدم الشاعر التكرار، والتشبيه، والتقديم، والتأخير، والتضاد، لتعميق الصور الشعرية وإبراز المضامين الجمالية، مما ساهم في نقل الواقع الفلسطيني بتعابير واضحة وجزيلة، تصل إلى المتلقي بسهولة.

تناول بوكراع رشيد وعرب الشعبة نجاة في دراستهما تداخل الخطابين السردي والشعري في شعر تميم البرغوثي: قصيدة في القدس أنموذجا (2022م)، كيفية تجسيد البنية السردية داخل النص الشعري، مع التركيز على التقنيات السردية وتأثيرها في تعزيز المضمون الشعري.

يتناول معتصم باسم زيدان غوادرة (2023م)، في مقالته النموذج العاملي في قصيدة في القدس لتميم البرغوثي: قراءة سيميائية، تحليل فاعلية النموذج العاملي الإجرائي ومدى مردوديته التحليلية في قراءة النص الشعري، من خلال تطبيقه على قصيدة في القدس، وذلك ضمن إطار منهجي ـ سيميائي، يستند إلى الجهاز الاصطلاحي الذي وضعه غريماس في إطار نظريته السيميائية السردية.

ركّز أمون نديم غسان في دراسته سيميائية الصورة في الشعر المقاوم في الشعر الحديث: قصيدة الموت فينا وفيهم الفزع للشاعر تميم البرغوثي أنموذجا (2024م)، على سيميائية الصورة في القصيدة، وأظهر كيف استطاع الشاعر جمع أشكال المقاومة والصمود وتصوير النضال الفلسطيني بدقة، مع التماهي الروحي بين الشاعر والقضية الفلسطينية، مستخدما المنهج السيميائي لفكّ شيفرات النص وتحليل بنيته الدلالية العميقة.

في رسالة جامعية لهذلي وعزوز بعنوان الرمز في ديوان في القدس لتميم البرغوثي، تطرّقت الباحثتان إلى تحليل الظواهر الرمزية بمختلف أنواعها الأسطوري، والتاريخي، والطبيعي، والديني في الديوان، مع الإشارة إلى نتائج، أهمها الدور التعبيري للرمز في عكس واقع المجتمع وتأثر الشعر العربي بالرمزية الأوروبية. وتختلف هذه الدراسة الوصفية التي يقتصر التحليل فيها على أمثلة متفرقة من الديوان كاملاً، عن منهج البحث الحالي الذي يركّز على تحليل قصيدة في القدس المطولة وحدها (7 صفحات)، بدلاً من الديوان بأكمله (135 صفحة)، معتمداً على نموذج بارت السيميائي، لتفكيك طبقات النص الدلالية، مما يضمن تحليلا أكثر عمقا وتركيزا.

بناءً على ما سبق، يتّضح أن شعر تميم البرغوثي خضع لدراسات معمّقة من زوايا سيميائية وأسلوبية وإيقاعية، إلا أن دراسة قصيدة في القدس من منظور نظرية رولان بارت لتحليل شفراتها، لم تُعطَ الاهتمام الكافي بعد، على الرغم من أهميتها كمحور لفهم العلاقة بين الفن والاجتماع في سياق المقاومة.

 

  1. الشفرات الخمس في قصيدة في القدس

تشكّل الشفرات مفهوما جوهريا في علم السيميائيات؛ إذ تقدّم إطارا، يساعد في استنباط المعنى من العلامات وفهم آليات إنتاجها؛ فإن ما لا يدخل ضمن منظومة الشفرات، لا يُعدّ علامة سيميائية أصلاً (تشاندلر، 2017م، ص 45). يُعنى علم السيميائيات بدراسة آليات إنتاج المعنى وتكوّنه داخل الأنظمة الدلالية والإشارية، حيث تعتمد العلامات في دلالتها على السياق الذي ترد فيه، مما يجعل المعنى عملية تفاعلية، يساهم فيها الباحث بفكره وتأويله الواعي (شعیري، 1388ﻫ.ش، ص 48).

يمثّل رولان بارت أحد أبرز روّاد البنيوية في مجال النقد الأدبي والسيميائيات والنظريات المتعددة الأبعاد؛ إذ أسهم إسهاما بارزا في تطوير الرؤية النقدية الحديثة. يطرح بارت نموذجا لتحليل النصوص السردية، يُعرف بالشفرات الخمس، وهي آلية، تكشف عن نظام دلالي قابل للتأويل داخل بنية النص. تتوزع هذه الشفرات بين خمسة شفرات، هي: شفرة الأحداث، والشفرة التأويلية، والشفرة الدلالية، والشفرة الرمزية، والشفرة الثقافية. يقترح بارت هذه الشفرات الخمس كآليات لخلق المعنى، ويعتقد أنها متساوية القيمة دون تسلسل هرمي في النص (كودون، 2013م، ص 132).

يُعدّ رولان بارت أحد أبرز روّاد السيميائيات والنقاد والمنظرين في فرنسا وأنحاء العالم؛ إذ فتح آفاقا جديدة في قراءة النصوص وتحليلها الأدبي، مع الكشف عن الدلالات الضمنية المخفية. يركّز بارت على الشكل والبنية، مستلهما البنيوية كمنطلق إجرائي، وساهم في تطويرها ونقل الشكلانية الروسية إلى ما بعد البنيوية. شهد فكر بارت تحولا قويا بعد سنوات، مع انتقال السيميولوجيا البنيوية إلى مسار منفتح، خاصة في كتابS/Z ، حيث شرح قصة سارازين لبلزاك، وهي قصيرة، لا تتجاوز 20 صفحة؛ لكنه كتب عنها أكثر من 200 صفحة (الغذامي، 1998م، ص 67). استخرج بارت 561 جملة، تمثّل وحدات قرائية، مفحصا كل جملة لاستنباط دلالاتها الضمنية، وفق خمس شفرات. فهو يعتقد أن هذه الشفرات متساوية القيمة دون تسلسل هرمي، وتشكّل آليات لإنتاج المعنى في النص (كودون، 2013م، ص 132). هذه الشفرات الخمس هي شفرة الأحداث، والشفرة التأویلية، والشفرة الدلالية، والشفرة الرمزیة، والشفرة الثقافیة.

تجد هذه الشفرات الخمس تجليا بارزا في قصيدة في القدس لتميم البرغوثي، حيث تتفاعل لإنتاج معانٍ متعددة، تعكس الصراع الثقافي والسياسي؛ ولهذا السبب، سنقوم في هذا البحث بفحص وتحليل هذه الشفرات الخمس في القصيدة.

2ـ1. شفرة الأحداث

تعنى شفرة الأحداث بدراسة وتحليل جميع المتواليات اللفظية التي يرصدها النص، والتي تشكّل مجتمعة هيكله الحدثي، بما في ذلك الأفعال والسلوكات والحوادث التي يبنى عليها المحكي، مع التركيز على ظهورها كترابط منطقي وتتابع سليم، يخفي في طياته مساراً منطقيا عميقا، ينكشف تدريجيا من خلال القراءة (بارت، 1970م، ص 18). تتعلق هذه الشفرة بتسلسل الحوادث والأفعال التي يتمّ تسجيلها أثناء قراءة النص، حيث تُقدّم معلومات تتراكم، حتى تشكّل مسارا حدثيا، يبدو مترابطا ظاهريا؛ لكنه يحمل تناقضات داخلية، تعكس التوتّر بين الواقع والإدراك، الأمر الذي يدعو القارئ إلى جمع هذه العناصر لفهم السياق الكلي للنص.

يبدأ مسار القصيدة في القدس بعبارة «مررنا على دار الحبيب فردنا / عن الدار قانون الأعداء وسورها / فقلت لنفسي: ربما هي نعمة» (2017م، ص 7)، حيث يقدّم الحدث الأول كمحاولة مرور أو اقتراب من الدار (رمز للقدس كحبيبة)؛ لكن يتم رفضها بفعل قوانين العدو والسور، مما يولد توترا حدثيا، يعكس العقبة السياسية والمادية أمام الوصول.

يتطور هذا التسلسل إلى وصف حالة نفسية داخلية للشاعر، كما في «فماذا ترى في القدس حين تزورها ترى كل ما لا تستطيع احتماله / إذا ما بدت من جانب الدرب دورها» (المصدر نفسه)، حيث يتحول الحدث من الفعل الخارجي (المرور) إلى تأمل داخلي، يبرز عدم القدرة على الاحتمال، مما يعمّق المسار المنطقي بين الرغبة في اللقاء والواقع المؤلم.

ثم يستمرّ المسار في استكشاف آثار الغياب واللقاء، كقوله: «وما كل نفس حين تلقى حبيبها / تسر / ولا كل الغياب يضيرها / فإن سرها قبل الفراق لقاؤه / فليس بمأمون عليها سرورها / متى تبصر القدس العتيقة مرة / فسوف تراها العين حيث تديرها» (المصدر نفسه)، حيث يُضيف طبقة حدثية نفسية، تتعلق بالسرور غير المضمون والرؤية الدائمة للقدس في كل مكان، مما يخلق تتابعا، يبدو منطقيا في سياق الحنين؛ لكنه يخفي تناقضا عميقا بين الفراق الجسدي والحضور الروحي.

يستمرّ التسلسل بحوار داخلي، يتضمن تساؤلات وإجابات، كقوله: «وتلفت التاريخ لي متبسما / أظننت حقا أن عينك سوف تخطئهم،! وتبصر غيرهم / ها هم أمامك، متن نص أنت حاشية عليه وهامش / أحسبت أن زيارة ستزح عن وجه المدينة، يا بني، حجاب واقعها السميك» (المصدر نفسه، ص 8)، حيث يقدّم حدثا تأمليا، يتعلق بالرؤية والإدراك، مع التركيز على كيفية تحول الزيارة إلى كشف لواقع سميك، مما يعمّق التتابع المنطقي الظاهري بين النظر والفهم؛ لكنه يبرز تناقضا داخليا في موقف الشاعر كهامش أمام نص الآخرين.

ثم ينتقل المسار إلى وصف القدس ذاتها، كما في: «وفي القدس السماء تفرقت في الناس تحمينا ونحميها / ونحملها على أكتافنا حملا إذا جارت على أقمارها الأزمان / في القدس أعمدة الرخام الداكنات / كأن تعريق الرخام دخان/ ونوافذ تعلو المساجد والكنائس / أمسكت بيد الصباح تريه كيف النقش بالألوان» (المصدر نفسه، ص 10)، حيث يسجّل أفعالا، مثل: التفرق، والحمل، والإمساك، تبدو مترابطة في سياق الوصف الجمالي؛ لكنها تخفي مساراً منطقيا، يتجلى في التوتر بين الحماية المتبادلة والجور الزمني.

يستمرّ مسار القصيدة في الاعتراف بوجود التناقضات كأمر عادي، كما في: «في القدس يرتاح التناقض، والعجائب ليس ينكرها العباد، / كأنها قطع القماش يقلبون قديمها وجديدها، / والمعجزات هناك تلمس باليدين / في القدس لو صافحت شيخا أو لمست بناية / لوجدت منقوشا على كفيك نص قصيدة / يا بن الكرام أو اثنتين / في القدس، رغم تتابع النكبات، ريح براءة في الجو، ريح طفولة، / فترى الحمام يطير يعلن دولة في الريح بين رصاصتين» (المصدر نفسه، ص 11)، حيث يسجّل أفعالا، مثل: الارتياح، والتقليب، واللمس، والطيران، تترابط ظاهريا في سياق التعايش مع التناقض؛ لكنها تخفي مساراً في التوازن بين النكبات والبراءة.

يعيد المسار توجيهه نحو وجود المحتلين من قوميات أخرى. ويبرز النص في هذا السياق دورهم، بوصفه نصًّا رئيسيًّا، كقوله: «في القدس تنتظم القبور، كأنهن سطور تاريخ المدينة والكتاب ترابها / الكل مروا من هنا / فالقدس تقبل من أتاها كافرا أو مؤمنا / أمرر بها واقرأ شواهدها بكل لغات أهل الأرض / فيها الزنج والإفرنج والقفجاق والصقالب والبشناق / والتتار والأتراك، أهل اللّٰه والهلاك، والفقراء والملاك، والفجار والنساك» (المصدر نفسه)، حيث يتسلسل الحدث من الانتظام والمرور والقبول إلى الإصباح، مما يبدو منطقيا في سياق التاريخ؛ لكنه يبرز تناقضا في استثناء الأصليين.

تنتهي القصيدة بعبارة: «قالت لي، وقد أَمْعَنْتُ مَا أَمْعَنْتْ / يأيها الباكي وراء السور، / أحمق أنت؟ أَجْنِنْتُ؟ / لا تبك عينك أيها المنسي من متن الكتاب / لا تبك عينك أيها العَرَبِيُّ ...» (المصدر نفسه، ص 12). يُقدّم فعل "قالت" حدثا حواريا، يجسّد صوت القدس الرمزي الذي يخاطب الشاعر مباشرة. هذا الحدث يتبعه فعل التساؤل "أحمق أنت؟ أَجْنِنْتُ؟" الذي يعكس توترا نفسيا، حيث يبدو البكاء رد فعل منطقي للغياب؛ لكنه يواجه تحدّيا، ينكر مشروعيته. ثم يأتي فعل الأمر "لا تبك" كحدث توجيهي، يحثّ الشاعر على التوقف عن الحزن، مشيرا إلى هويته كـ"المنسي من متن الكتاب" و"العربي"، مما يعزّز المسار المنطقي بين الحزن الطبيعي والأمل الذي تفرضه القدس كرمز للصمود.

يُختتم التسلسل الحدثي بعبارة: «في القدس من في القدس لكن / لا أَرَى في القدس إلا أَنْتْ» (المصدر نفسه)، حيث يقدّم فعل "أَرَى" كحدث إدراكي نهائي، يعيد صياغة الرؤية. هذا الحدث يبدو مترابطا منطقيا كخاتمة للرحلة؛ إذ يؤكد حضور الذات الفلسطينية، أي ضمير "أنت"، كجوهر القدس رغم وجود الآخرين، أي "المحتلين"؛ لكن هذا الترابط يخفي مساراً منطقيا عميقا؛ إذ يتناقض حضور الآخرين المادي مع التأكيد على أن القدس هي الذات العربية فقط، مما يعكس توترا بين الواقع السياسي المغتصب والحقيقة الروحية الدائمة. هذا الحدث الختامي يجمع بين الفقدان المادي والثبات الوجداني، مؤكدا أن القدس تبقى في قلب الشاعر رغم التشريد.

 

 

2ـ2. الشفرة التأویلية

تركّز الشفرة التأويلية على الوحدات النصية التي تطرح الألغاز، وتصوغها، وتبحث عن حلولها، مما يدفع القارئ إلى التأمل والتأويل النشط للنص (بارت، 1970م، ص 17). وأثناء قصيدة في القدس، تتّسم الشفرة التأويلية بطابع سردي، يعتمد على إثارة التساؤلات، وتأخير الإجابات، وخلق التشويق عبر مراحل محددة، تشمل علی إضفاء الموضوعية على اللغز، والتموضع، وصياغة اللغز، والوعد بالإجابة، والخداع، والغموض، والإغلاق، وتعليق الإجابة، والإجابة الجزئية، وكشف الحقيقة.

ـ إضفاء الموضوعية على اللغز وصياغته: تبدأ القصيدة ببيت افتتاحي، يحمل طابعا غزليا، يثير تساؤلا مباشرا: «مررنا على دار الحبيب فردنا / عن الدار قانون الأعداء وسورها» (2017م، ص 7). هنا، يطرح الشاعر لغزا تأويليا، يتمحور حول هوية "الحبيب" وطبيعة العوائق التي تحول دون الوصول إليه، ويُضفي الموضوعية على هذا اللغز، من خلال استخدام لغة رمزية، تجمع بين الغزل التقليدي والهوية الوطنية، حيث تمثل "الدار" مدينة القدس، و"قانون الأعادي وسورها" يشيران إلى الاحتلال والحواجز المادية والسياسية. هذا اللغز يثير سؤالا أساسيا في ذهن القارئ: لماذا يُمنع الشاعر من الوصول إلى الحبيب؟ وما طبيعة هذا الحبيب؟ يُصاغ اللغز بطريقة، تدفع القارئ إلى التفكير في العلاقة بين الذات الشاعرة والمدينة، مما يمهّد لتأويلات لاحقة.

 ـ التموضع والوعد بالإجابة: في الأبيات التالية، «فقلت لنفسي ربما هي نعمة / فماذا ترى في القدس حين تزورها» (المصدر نفسه)، يواصل الشاعر صياغة اللغز عبر حوار داخلي، يعكس حالة من التأمل والتساؤل. يُعدّ هذا الحوار تموضعا للغز، حيث يبدأ الشاعر في استكشاف إمكانيات التأويل من خلال طرح سؤال مفتوح: ماذا يرى الزائر في القدس؟ هذا السؤال يحمل وعدا ضمنيا بالإجابة؛ إذ يشير إلى أن القصيدة ستكشف تدريجيا عن حقيقة المدينة وواقعها.

ـ الخداع والغموض: يبرز الخداع كجزء من الشفرة التأويلية في مقاطع لاحقة، مثل: «في القدس، بائع خضرة من جورجيا برم بزوجته / يفكر في قضاء إجازة أو في طلاء البيت» (المصدر نفسه). هنا، يقدّم الشاعر صورة يومية عادية لبائع خضرة؛ لكنه يثير الغموض من خلال التساؤل: لماذا يوجد بائع من جورجيا في القدس؟ ولماذا يفكّر في طلاء بيته، وهو أمر يوحي بالاستقرار الدائم؟ هذه الصورة تخدع القارئ ظاهريا ببساطتها؛ لكنها في الواقع تشير إلى وجود أجانب، يحتلون المدينة، مما يعزّز اللغز حول هوية القدس الحقيقية ومن يسكنها. يتمثّل الغموض في التناقض بين بساطة الحياة اليومية للبائع ودلالاته العميقة المتعلقة بالاحتلال.

 ـ الإغلاق وتعليق الإجابة: «في القدس، توراة وكهل جاء من منهاتن العليا يفقّه فتية البولون في أحكامها» (المصدر نفسه). يواصل الشاعر تعليق الإجابة عن اللغز الأساسي: من هم سكان القدس الحقيقيون؟ يقدّم الشاعر صورا متتالية لأشخاص أجانب: كهل من مانهاتن، وفتية من بولندا، وشرطي من الأحباش، مما يعزّز إحساس القارئ بالإغلاق المؤقت للغز، حيث يبدو أن المدينة مأهولة بغير سكانها الأصليين.

ـ الإجابة الجزئية: في البيت: «في القدس من في القدس إِلا أَنتْ!» (المصدر نفسه، ص 8)، يقدّم الشاعر إجابة جزئية للغز، مؤكدا أنه هو نفسه، بصفته رمزا للسكان الأصليين، هو الوحيد الذي يحمل الارتباط الحقيقي بالقدس. هذه الإجابة الجزئية تعزّز فكرة تهميش السكان الأصليين؛ لكنها لا تكشف الحقيقة الكاملة بعد، مما يحافظ على التشويق، ويدفع القارئ إلى التفكير في العلاقة بين الذات الفلسطينية والمدينة.

ـ كشف الحقيقة: في الأبيات الختامية، «يأيها الباكي وراء السور، أحمق أنت؟ أَجْنِنْتْ؟ / لا تبك عينُك أيها المنسي من متن الكتاب» (المصدر نفسه، ص 12)، يكشف الشاعر الحقيقة التأويلية للقصيدة. يوجّه الشاعر خطابا مباشرا للذات الفلسطينية، مؤكدا أن القدس موجودة في قلب السكان الأصليين، حتى وإن كانوا بعيدين عنها ماديا. هذا الكشف يحلّ اللغز الأساسي: القدس ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي هوية وانتماء، يحمله الفلسطيني، أينما كان. هذه الحقيقة تقدّم عبر خطاب عاطفي ومباشر، يحثّ القارئ على التأمل في مقاومة الاحتلال والتمسك بالهوية.

2ـ3. الشفرة الدلالية

تعنى الشفرة الدلالية بالمدلولات الضمنية التي تتشكّل من خلال الدوالّ اللغوية في النص، دون تصريح مباشر بها، وتركّز على بناء الخصائص النفسية والبيئية والاجتماعية للشخصيات والأماكن والأشياء (بارت، 1970م، ص 19). هذه الشفرة تمكّن القارئ من استنباط دلالات خفية، تنبثق من التفاعل بين عناصر النص وسياقاته الثقافية والتاريخية، مما يعزّز فهما أعمق للمعاني المضمرة.

تتجلّى الشفرة الدلالية في قصيدة في القدس في تصوير المدينة المقدسة، كفضاء رمزي مُشبع بالتناقضات والمعاني المضمرة التي تعكس واقع الاحتلال، والهوية، والمقاومة. يتمحور التحليل حول استكشاف الدوالّ اللغوية التي تحمل دلالات ضمنية، تُشير إلى خصائص الشخصيات، والأماكن، والأفعال في القصيدة، مع التركيز على كيفية بناء هذه الدلالات، لتعكس الواقع الاجتماعي والسياسي للقدس.

ـ الهوية المُهدّدة والاغتراب: «مررنا على دار الحبيب فردنا / عن الدار قانون الأعداء وسورها / فقلت لنفسي ربما هي نعمة / فماذا ترى في القدس حين تزورها / ترى كل ما لا تستطيع احتماله / إذا ما بدت من جانب الدرب دورها» (2017م، ص 7). في هذا المقطع، تبرز الشفرة الدلالية، من خلال الدوالّ اللغوية التي تشير ضمنيا إلى الاغتراب وفقدان الهوية. كلمة "دار الحبيب" تحمل دلالة ضمنية للقدس كفضاء عاطفي وروحي؛ لكنها تُقابل بدالّ "قانون الأعداء" و"سورها"، اللذين يشيران إلى القيود المادية والرمزية التي يفرضها الاحتلال. الدالّ "قانون" يحيل إلى النظام السياسي القامع؛ بينما "سورها" يمثّل الحواجز المادية والنفسية التي تفصل السكان الأصليين عن مدينتهم. هذه الدلالات تبني صورة القدس، كمكان مهدّد بالاستلاب، حيث يصبح الاقتراب منها مستحيلا إلا عبر مواجهة الرفض والمنع. عبارة "ربما هي نعمة" تقدّم دلالة ضمنية ساخرة، تشير إلى محاولة الذات الشاعرة لتبرير الحرمان بمنطق دفاعي، مما يكشف عن توتّر نفسي داخلي، يعكس صراع الهوية الفردية مع الواقع السياسي. وفي "ترى كل ما لا تستطيع احتماله"، تتجلّى الشفرة الدلالية في تصوير القدس كمرآة للمعاناة، حيث تصبح الرؤية فعلا مؤلما، يحمل الذات إلى مواجهة التناقضات بين الحبّ والفقدان.

ـ الهامش والمتن: «وتلفت التاريخ لي متبسما / أظننت حقا أن عينك سوف تخطئهم! وتبصر غيرهم / ها هم أمامك، متن نص أنت حاشية عليه وهامش / أحسبت أن زيارة ستزح عن وجه المدينة، يا بني، حجاب واقعها السميك» (المصدر نفسه). تتجلّى الشفرة الدلالية في استعارة "متن نص" و"حاشية عليه وهامش"، التي تشير ضمنيا إلى تهميش السكان الأصليين وتغليب الأجانب في سردية القدس. دالّ "متن نص" يحيل إلى الهيمنة الثقافية والسياسية للمستوطنين والسياح؛ بينما يصوَّر السكان الأصليون كـ"هامش"، مما يعكس انعكاسا ظالما للواقع، حيث يُفترض أن يكونوا هم المتن الأصيل. هذه الدلالة تبرز التناقض بين الحقيقة التاريخية والهوية المزيّفة التي يفرضها الاحتلال. عبارة "حجاب واقعها السميك" تحمل دلالة ضمنية للواقع القاسي الذي يخفي جوهر القدس الروحي والتاريخي، مما يشير إلى استحالة رؤية المدينة الحقيقية تحت وطأة الاحتلال.

ـ الروحانية المُستلبة: «يا كاتب التاريخ مهلا، فالمدينة دهرها دهران / دهر أجنبي مطمئن لا يغير خطوه وكأنه يمشي خلال النوم / وهناك دهر، كامن متلثم يمشي بلا صوت حذار القوم / والقدس تعرف نفسها ...» (المصدر نفسه، ص 9). يقدّم هذا المقطع تصويرا رمزيا للزمن في القدس، من خلال دالّ "دهران"، وهو يحيل ضمنيا إلى الصراع بين زمنين: زمن الاحتلال المطمئن والمهيمن، وزمن المقاومة الكامن والمتلثم. فالدالّ "دهر أجنبي مطمئن" يشير إلى السيطرة الصهيونية التي تُمارس هيمنتها بثقة زائفة؛ بينما "دهر كامن متلثم" يُمثّل المقاومة الصامتة للسكان الأصليين، والتي تتحرّك بحذر للحفاظ على هوية المدينة. هذه الدلالات تبرز التوتر بين الهيمنة والمقاومة، كمحور أساسي في هوية القدس. عبارة "القدس تعرف نفسها" تحمل دلالة ضمنية للثبات الروحي والتاريخي للمدينة، رغم محاولات لطمس هويتها.

ـ الرمزية الدينية والروحية: «في القدس يزداد الهلال تقوسا مثل الجنين / حدبا على أشباهه فوق القباب / في القدس أبنية حجارتها اقتباسات من الإنجيل والقرآن / في القدس تعريف الجمال مثمن الأضلاع أزرق / فوقه، يا دام عزك، قبة ذهبية» (المصدر نفسه). تتجلّى الشفرة الدلالية في الدوالّ الرمزية التي تبرز القدس كفضاء روحي وديني. دالّ "الهلال" المشبّه بالجنين يحمل دلالة ضمنية للمعاناة والضعف، حيث يُصوَّر "الهلال"، رمز الإسلام، ككائن هشّ، يعاني من التقوّس المبكّر بسبب الشدائد. هذه الدلالة تعزّز فكرة تأثير الاحتلال على الرموز الدينية، مما يجعل حتى الأجنّة الروحية تبدو مثقلة بالمعاناة. دالّ "حجارتها اقتباسات من الإنجيل والقرآن" يشير ضمنيا إلى الطابع التعددي للقدس، كمركز للأديان السماوية؛ لكنه يحيل أيضا إلى التناقض بين هذه القداسة الروحية والواقع السياسي الذي يهدّد هذه الهوية. وفي "قبة ذهبية"، تتجلّى دلالة الجمال الروحي والتسامي، حيث تُصوَّر القبة كمرآة، تعكس السماء، مما يبرز القدس كفضاء، يربط الأرض بالسماء؛ لكنه يعاني من الحصار والاستلاب.

ـ المقاومة والنقاء: «في القدس، رغم تتابع النكبات، ريح براءة في الجو، ريح طفولة/ فترى الحمام يطير يعلن دولة في الريح بين رصاصتين» (المصدر نفسه، ص 11). تُبرز الشفرة الدلالية هنا دلالات النقاء والمقاومة. دالّ "ريح براءة" ودالّ "ريح طفولة" يحيلان ضمنيا إلى الطابع الروحي الطاهر للقدس الذي يبقى صامدا رغم "تتابع النكبات". هذه الدلالة تعزّز فكرة أن المدينة تحتفظ بهويتها النقية، رغم الدمار والقمع. أما دالّ "الحمام يطير يعلن دولة"، فيشير إلى المقاومة الشعبية التي تتحدّى العنف (الرصاصتين)، حيث يمثّل الحمام رمزا للسلام والحرية، ويعلن عن "دولة" رمزية، تجسّد آمال السكان الأصليين في التحرر. هذه الدلالات تُبرز التوازن بين المعاناة والأمل، مما يعكس الصراع الداخلي للمدينة.

ـ التاريخ والقبور: «في القدس تنتظم القبور، كأنهن سطور تاريخ المدينة والكتاب ترابها / الكل مروا من هنا / فيها الزنج والإفرنج والقفجاق والصقالب والبشناق» (المصدر نفسه). تُستخدم الشفرة الدلالية لتصوير القدس ككتاب تاريخي مفتوح. دالّ "القبور" المشبّهة بـ"سطور تاريخ المدينة"، يُحيل ضمنيا إلى تراكم المعاناة والموت الناتج عن الاحتلال، حيث تصبح القبور شاهدة على التاريخ المؤلم. دالّ "الكتاب ترابها" يشير إلى المدينة كفضاء، يحفظ ذاكرة شعبها؛ بينما يبرز التنوع الثقافي (الزنج، والإفرنج، والقفجاق، والصقالب، والبشناق)، دلالة ضمنية على تعددية القدس التاريخية التي تهدّد الآن بالطمس تحت وطأة الاحتلال. هذه الدلالات تعزّز فكرة القدس كمركز حضاري، يتجاوز الحدود الجغرافية؛ لكنه يعاني من محاولات إعادة كتابة تاريخه.

ـ الرحيل والهوية: «سائق السيارة الصفراء، مال بنا شمالا نائيا عن بابها / والقدس صارت خلفنا / والعين تبصرها بمرآة اليمين / تَغَيَّرَتْ ألوانُها في الشمس، من قبل الغياب» (المصدر نفسه، ص 12). يقدّم البرغوثي صورة رمزية للرحيل القسري عن القدس. دالّ "مرآة اليمين" يحيل ضمنيا إلى الابتعاد القسري عن المدينة، حيث تصبح القدس صورة بعيدة، تُرى فقط من خلال مرآة التاكسي، مما يبرز دلالة الاغتراب والهجر. دالّ "تغيّرت ألوانها" يشير إلى تحول هوية المدينة تحت ضوء الاحتلال، حيث تُفقد ألوانها الأصلية (الهوية الثقافية والروحية)، لتُستبدل بصورة مشوّهة. هذه الدلالات تعزّز فكرة الخسارة والحنين، مع إبراز مقاومة الذات الشاعرة، من خلال الاحتفاظ بصورة القدس في الذاكرة رغم البعد.

2ـ4. الشفرة الرمزیة

تبرز الشفرة الرمزية، كأداة مركزية لفهم كيفية تشكّل المعاني، من خلال التعارضات الثنائية التي تُشكّل نسيج النص. تُعنى الشفرة الرمزية بالحقول الدلالية التي تُنتج المعاني عبر التفاعل بين الأضداد، مثل: الحضور والغياب، والمقدس والدنس، والذات والآخر. تتجاوز هذه الشفرة الطباق البلاغي التقليدي، لتشمل حقولا رمزية، تعكس الصراعات النفسية، والاجتماعية، والثقافية (بارت، 1970م، ص 21).

تعدّ قصيدة في القدس نصا شعريا متعدد الطبقات، يجمع بين الأبعاد السياسية، والثقافية، والروحية، ليعكس تجربة الهوية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال والتهميش. تميّز حقول رمزية رئيسة في القصيدة، وفقا لما يأتي.

ـ الطباق: الحضور والغياب: «مررنا على دار الحبيب فردنا / عن الدار قانون الأعداء وسورها / فقلت لنفسي ربما هي نعمة / فماذا ترى في القدس حين تزورها / ترى كل ما لا تستطيع احتماله / إذا ما بدت من جانب الدرب دورها» (2017م، ص 7). يقدّم الشاعر تقابلا رمزيا بين الحضور (الرغبة في الوصول إلى دار الحبيب، أي القدس)، والغياب (الفصل القسري بفعل قانون الأعداء وسورها). يجسّد "السور" حقلا رمزيا، يمثّل الحاجز المادي والمعنوي بين الذات الفلسطينية ومدينتها المقدسة. هذا الطباق يعزّز التوتّر الوجودي بين الرغبة في الانتماء والواقع السياسي الذي يفرض التهجير. المعنى الرمزي هنا يتجاوز الحدث الملموس، ليعكس صراعا أعمق بين الهوية والاغتراب. التأمل الذاتي "فقلت لنفسي" يحوّل الغياب إلى حضور رمزي، حيث تظلّ القدس حاضرة في الوعي، رغم الحواجز المادية. الطباق بين الحضور والغياب يشكّل حقلا رمزيا، يعكس الصراع بين الذات الفلسطينية والآخر، أي الاحتلال. هذا التعارض يُنتج دلالات متعددة، تتعلّق بالمقاومة الثقافية والروحية، حيث تصبح القدس رمزا للصمود في مواجهة التهميش. من خلال هذا التعارض، يفكّك الشاعر الخطاب الاستعماري الذي يسعى لفصل الفلسطيني عن أرضه، ليؤكّد على حضور القدس في الذاكرة الجماعية كرمز للهوية.

في المقطع الختامي: «في القدس من في القدس إلا أنتْ / ... لا أرى في القدس إلا أنتْ» (المصدر نفسه، ص 12)، يعزّز الشاعر الطباق بين الحضور والغياب، بتحويل القدس إلى مرآة للذات الفلسطينية. الجملة "في القدس من في القدس إلا أنتْ" تُبرز حضور الذات الفردية "أنتْ" في مواجهة الغياب الجماعي الناتج عن التشتت والاحتلال. هذا التعارض يشكّل حقلا رمزيا، يعكس الصراع بين الفرد والجماعة، حيث تصبح القدس فضاءً، يُجمع فيه التاريخ والذاكرة الفلسطينية. تفكّك الشفرة الرمزية الخطابَ التقليدي للمدينة، كفضاء جغرافي، لتعيد تشكيلها كرمز للهوية الجماعية. هذا التحول يعزّز فكرة المقاومة الرمزية، حيث يصبح الفرد الفلسطيني مركز النص، رغم محاولات الاحتلال لتهميشه.

ـ التعارض بين المقدس والدنس: «في القدس، بائع خضرة من جورجيا برم بزوجته / ... في القدس شرطي من الأحباش يغلق شارعا في السوق / رشاش على مستوطن لم يبلغ العشرين» (المصدر نفسه، ص 7). يقدّم الشاعر تعارضا رمزيا بين المقدس (القدس كفضاء روحي)، والدنس (الواقع اليومي المتمثّل في الأسواق، والاحتلال، والتناقضات الاجتماعية). الشخصيات المتنوعة، أي بائع الخضرة، والشرطي، والمستوطن، تمثّل التشتّت الثقافي والسياسي؛ بينما تظل القدس رمزا لوحدة الهوية الفلسطينية. الشفرة الرمزية تُبرز التوتّر بين القدس كرمز للطهارة الروحية، وواقعها المشوّه بالاحتلال. هذا التعارض يُنتج دلالات، تتعلق بالصراع بين المثالية والواقعية، حيث تصبح القدس فضاءً للتناقضات التي تعزّز من قوتها الرمزية. من خلال هذا التعارض، يعيد الشاعر تشكيل صورة القدس، كفضاء مقاوم، حيث تتجاوز التناقضات اليومية، لتصبح رمزا للصمود والوحدة.

 

ـ التقابل بين الدهرين: «يا كاتب التاريخ مهلا، فالمدينة دهرها دهران / دهر أجنبي مطمئن لا يغير خطوه وكأنه يمشي خلال النوم / وهناك دهر، كامن متلثم يمشي بلا صوت حذار القوم» (المصدر نفسه، ص 9). يقدّم الشاعر تقابلا زمنيا بين دهر أجنبي، ودهر متلثم. الدهر الأجنبي يمثّل الاستقرار الظاهري الذي يفرضه الاحتلال؛ بينما الدهر المتلثم يجسّد المقاومة الصامتة للشباب الفلسطيني. هذا التقابل يُبرز التناقض بين السكون الزائف والحركة الثورية الكامنة. الشفرة الرمزية تشكّل نمطا، يعزّز فكرة الصراع بين القمع والمقاومة. الدهر المتلثم يمثّل أمل التحرر رغم القيود، مما يُبرز التوتّر بين الواقع المفروض والطموح للحرية. هذا التعارض يفكّك الخطاب الاستعماري الذي يروج للاستقرار، ليؤكد على وجود مقاومة صامتة، تهدّد هذا الاستقرار.

ـ إعادة الصورة طبق الأصل: القدس كمرآة للذات والكون: «في القدس تعريف الجمال مثمن الأضلاع أزرق / فوقه، يا دام عزك، قبة ذهبية / تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء ملخصا فيها / تدلها وتدنيها» (المصدر نفسه). تصوَّر القدس كصورة رمزية، تعكس الذات والكون معا. القبة الذهبية للمسجد الأقصى، الموصوفة بمرآة محدبة، تعيد إنتاج صورة السماء والناس في شكل موحّد ومكثّف، مما يُشبه مفهوم بارت عن إعادة الصورة طبق الأصل. هذه الصورة الرمزية تجسّد القدس كمركز كوني، يلخص التاريخ، والهوية، والمقدس. تعمل القبة الذهبية كحقل رمزي، يعيد تشكيل الواقع الفلسطيني في مواجهة التشتت. تحوّل المرآة المحدبة القدسَ إلى فضاء، يُجمع فيه التنوع الثقافي والديني، مما يعكس فكرة الوحدة في مواجهة التفرقة. هذا الحقل يبرز العلاقة بين الإنسان والإلهي، حيث تصبح القدس مركزا للتأمل الروحي والوجودي.

ـ الجسد المجمع: القدس كجسد رمزي: «في القدس يزداد الهلال تقوسا مثل الجنين / حدبا على أشباهه فوق القباب ... / في القدس أبنية حجارتها اقتباسات من الإنجيل والقرآن ...» (المصدر نفسه). تُصوَّر القدس كجسد رمزي، يتكوّن من عناصر متفرقة: الإنجيل، والقرآن، والهلال، والقباب؛ لكنها تُجمع في وحدة متكاملة. هذا الحقل الرمزي يشبه مفهوم بارت عن الجسد المجمع، حيث يعاد تشكيل الجسد من أجزاء متفرقة، ليصبح رمزا للوحدة. الحجارة التي تحمل اقتباسات من النصوص المقدسة، تشكّل نسيجا رمزيا، يعكس التنوع الثقافي والديني؛ بينما الهلال مثل الجنين يُرمز إلى الحياة والاستمرارية. يعبّر الجسد الرمزي للقدس عن مقاومة التشتّت الذي يفرضه الاحتلال. الحجارة كعناصر متفرقة، تُجمع في وحدة رمزية، تعكس الهوية الفلسطينية المتجذرة في التاريخ والدين. الهلال يعزّز فكرة الصمود في مواجهة الموت والدمار. هذا الحقل الرمزي يفكّك الخطاب الاستعماري الذي يسعى لتقسيم القدس إلى فضاءات متفرقة، ليؤكّد على وحدتها كرمز للهوية الجماعية. الشاعر يحوّل القدس إلى جسد حيّ، ينبض بالمقاومة والاستمرارية.

2ـ5. الشفرة الثقافیة

الشفرة الثقافية هي مجموعة من الإحالات إلى المعرفة العامة والقيم الاجتماعية التي تشكّل أساس الخطاب الأدبي. تتضمّن هذه الشفرة الإشارات إلى العلوم، مثل: الطب والتاريخ، والتقاليد الشعبية، والأعراف الاجتماعية، والأساطير، والأيديولوجيات التي تبدو طبيعية ومقبولة ضمن سياق ثقافي معين (بارت، 1970م، ص 25). في سياق الأدب، تعمل الشفرة الثقافية كجسر، يربط النص بالمعرفة الخارجية، مما يسمح للقارئ بفهم الدلالات المضمنة في النص بناء على خلفيته الثقافية، وتتيح تحديد نظام المعرفة والقيم المرغوبة في النص، مما يجعلها أداة فعّالة لتحليل النصوص التي تستند إلى سياقات تاريخية واجتماعية معقّدة، كما هو الحال في قصيدة في القدس.

 

ـ الإرث التاريخي والديني: يستحضر الشاعر الإرث التاريخي والديني للقدس كمكان مقدّس، يُشار إليه بـ"دار الحبيب". هذه الإحالة تتجاوز الدلالة الحرفية للدار إلى رمزية القدس كمركز روحي للأديان السماوية، وخاصة الإسلام والمسيحية. كلمة "الحبيب" تحمل دلالات عاطفية وروحية، تعكس ارتباط المسلمين والمسيحيين بالقدس كمكان للعبادة والتقديس. «مررنا على دار الحبيب فردنا عن الدار قانون الأعداء وسورها» (2017م، ص 7). يمكن قراءة هذا البيت، إلى المعرفة التاريخية المشتركة التي تؤكد مكانة القدس كقبلة أولى للمسلمين وموقع للأحداث الدينية المركزية في المسيحية واليهودية. كما أن ذكر "قانون الأعداء وسورها" يشير إلى السياق السياسي والاجتماعي المعاصر، حيث تُفرض القيود على الفلسطينيين من قبل الاحتلال الصهيوني، مما يعكس ثقافة المقاومة والصمود التي تشكّل جزءا من الهوية الفلسطينية. هذه الإحالة إلى دار الحبيب تستدعي المعرفة الدينية المشتركة التي تربط القدس بالأنبياء والأحداث التاريخية، مثل: رحلة الإسراء والمعراج في الإسلام، وصلب المسيح في المسيحية. كما أن استخدام كلمة "قانون" يحيل إلى النظام القانوني الاستعماري الذي يفرضه المحتل، وهو جزء من الثقافة السياسية الحديثة التي تؤطّر الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. هذه الإحالات تجعل النص متجذّرا في الواقعية الثقافية، حيث يبدو الصراع في القدس امتدادا طبيعيا لتاريخه الطويل من التنازع على الهوية والملكية.

ـ الرموز الدينية والروحية: يستحضر الشاعر الإرث الديني العريق للقدس. الإشارة إلى الإنجيل والقرآن تحيل إلى التاريخ الديني المشترك بين الإسلام والمسيحية؛ بينما يرمز "الهلال" إلى الهوية الإسلامية التي تتجلّى في العمارة الإسلامية، مثل: قبة الصخرة. «في القدس يزداد الهلال تقوسا مثل الجنين / حدبا على أشباهه فوق القباب ... / في القدس أبنية حجارتها اقتباسات من الإنجيل والقرآنْ» (المصدر نفسه، ص 9). هذه الإحالات تستدعي المعرفة الثقافية عن القدس كمركز للأديان السماوية، حيث تتداخل الرموز الإسلامية والمسيحية في نسيج المدينة. وصف الحجارة بأنها "اقتباسات" من النصوص المقدسة، يعكس فكرة أن القدس نفسها نصّ ثقافي وديني مكتوب بلغة الأديان. كما أن تشبيه الهلال بالجنين يحيل إلى فكرة التجدد والاستمرارية في الهوية الإسلامية، مما يعزّز الشعور بالانتماء الثقافي والروحي للمدينة.

ـ تنوع الثقافات في القدس: يقدّم الشاعر صورة للتنوّع الثقافي في القدس، حيث يجتمع أشخاص من خلفيات مختلفة، نحو: جورجيا، ومنهاتن، والأحباش، والإفرنج، في فضاء المدينة. هذه الصورة تعكس الشفرة الثقافية، من خلال الإشارة إلى التعددية الثقافية التي ميّزت القدس عبر التاريخ كمركز للتجارة، والحجّ، والتفاعل الحضاري. «في القدس، بائع خضرة من جورجيا برم بزوجته / يفكر في قضاء إجازة أو في طلاء البيت» (المصدر نفسه، ص 7). إن ذكر "بائع خضرة من جورجيا" يحيل إلى الهجرات التاريخية التي شهدتها القدس، حيث كانت مركزا للشتات الثقافي والديني. هذه الإحالة تستدعي المعرفة التاريخية عن دور القدس كمدينة عالمية، تجذب التجّار والحجاج من مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن الشاعر يقارن هذا التنوع الثقافي بالوجود الصهيوني المسلح، كما في قوله: "رشاش على مستوطن لم يبلغ العشرين"، مما يعكس التوتّر بين الثقافة التقليدية للقدس وثقافة العنف التي فرضها الاحتلال. هذه الإحالات تجمع بين المعرفة التاريخية والواقع السياسي المعاصر، مما يعزّز إحساس الواقعية في النص.

ـ ثقافة المقاومة: يبرز الشاعر ثقافة المقاومة الفلسطينية التي تشكّل جزءا أساسيا من هوية القدس الحديثة. الصلاة على الأسفلت، بدلا من داخل المساجد، تشير إلى منع الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عبادتهم، بسبب الحواجز العسكرية. هذه الصورة تحيل إلى المعرفة الاجتماعية والسياسية المشتركة عن الصراع الفلسطيني، حيث أصبحت الممارسات الدينية نفسها تعبيرا عن النضال. «في القدس صلّينا على الأسفلت» (المصدر نفسه، ص 8). يمكن قراءة هذا البيت كإحالة إلى الممارسات الاجتماعية التي تطوّرت في ظل الاحتلال، حيث أصبحت الصلاة في الشوارع رمزا للصمود والتحدي. هذه الإحالة تستدعي معرفة القارئ بالسياق السياسي للقدس، حيث تُستخدم القيود المفروضة على الحركة كأداة لقمع الهوية الدينية والثقافية. كما أن استخدام كلمة "الأسفلت" يحيل إلى الحداثة المادية التي تتعارض مع الطابع الروحي للقدس، مما يعزّز التناقض بين المثالية الدينية والواقع السياسي.

يعرض الشاعر ثقافة العنف التي يمثّلها المستوطنون الصهاينة، وهي ثقافة، تتعارض مع الإرث الروحي والإنساني للقدس. هذه الإحالة تستدعي المعرفة السياسية المشتركة عن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، حيث يصوّر المستوطن كرمز للعنف والاستيطان. «رشّاش على مستوطن لم يبلغ العشرين» (المصدر نفسه، ص 7). هذه الإحالة تستدعي معرفة القارئ بالسياق التاريخي للاستيطان الصهيوني وتأثيره على الهوية الفلسطينية. في المقابل، فإنّ ذكر قنابل الغاز المسيل للدموع في: «وتقول لي إذ يطلقون قنابل الغاز المسيل للدموع علي: لا تحفل بهم» (المصدر نفسه، ص 10)، يعزّز ثقافة المقاومة الفلسطينية، حيث يُظهر الشاعر صمود الفلسطينيين في وجه القمع. هذه الإحالات تجمع بين المعرفة السياسية والاجتماعية، مما يجعل النص مرآة للواقع الفلسطيني.

ـ التفاعل بين الإنسان والمكان: يختتم الشاعر القصيدة بتأكيد على العلاقة الوثيقة بين الفلسطيني والقدس. هذه العبارة تحيل إلى المعرفة الثقافية عن الانتماء العميق للفلسطينيين إلى مدينتهم، حيث ليست القدس مجرد مكان جغرافي، بل جزءا من الهوية الشخصية والجماعية. «في القدس من في القدس لكن / لا أَرَى في القدس إلا أَنْتْ» (المصدر نفسه، ص 12). يمكن قراءة هذا البيت كإحالة إلى فكرة الوطن في الثقافة الفلسطينية، حيث يُعتبر الارتباط بالأرض جزءا من الهوية الذاتية. هذه الإحالة تستدعي المعرفة الاجتماعية عن النضال الفلسطيني، من أجل الحفاظ على الهوية في ظل الاحتلال. كما أن تكرار عبارة "في القدس" يعزّز الإحساس بالواقعية، حيث يبدو النص، وكأنه يتحدث بصوت الثقافة الفلسطينية المشتركة.

ـ الإحالات التاريخية والاجتماعية: «في القدس مدرسة لمملوك أتى مما وراء النهر / باعوه بسوق نخاسة في أصفهان / لتاجر من أهل بغداد / أتى حلبا فخاف أميرها من زرقة في عينه اليسرى، / فأعطاه لقافلة أتت مصرا / فأصبح بعد بضع سنين غَلّابَ المغول وصاحب السلطان / في القدس رائحة تلخص بابل والهند في دكان عطار بخان الزيت» (المصدر نفسه، ص 10). هذا المقطع يحمل إحالات ثقافية غنية إلى التاريخ الإسلامي والتعددية الثقافية التي ميّزت القدس عبر العصور. إشارة الشاعر إلى "مملوك أتى مما وراء النهر" تحيل إلى فترة المماليك في التاريخ الإسلامي، وهي طبقة من العبيد الذين أصبحوا قادة عسكريين وسياسيين بارزين في العالم الإسلامي. منطقة ما وراء كانت مركزا لتجارة الرقيق في العصور الوسطى، حيث كان المماليك يباعون في أسوق، مثل: أصفهان وبغداد. هذه الإحالة تستدعي معرفة القارئ بالتاريخ الإسلامي، وتحديدا دور المماليك في هزيمة المغول، مثل: معركة عين جالوت عام 1260م، مما يعزّز صورة القدس كمركز للقوة والتأثير الحضاري. هذه الإحالة التاريخية تعكس الشفرة الثقافية، من خلال استحضار نظام المعرفة التاريخية المشتركة عن دور القدس كمدينة عالمية، تجذب مختلف الثقافات والشعوب. الإشارة إلى "غَلّاب المغول" تضفي طابعا بطوليا على الشخصية المملوكية، مما يربط القدس بتاريخ المقاومة ضد الغزاة، وهو ما يوازي الصراع المعاصر ضدّ الاحتلال الصهيوني. هذا التداخل بين التاريخ والواقع المعاصر يجعل النص يبدو طبيعيا ومبرّرا، ضمن السياق الثقافي الفلسطيني. الإشارة إلى "سوق نخاسة في أصفهان" و"تاجر من أهل بغداد" تحيل إلى الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة في الحضارة الإسلامية خلال العصور الوسطى. كانت الأسواق، مثل سوق أصفهان، مراكز حيوية للتبادل التجاري والثقافي، حيث كان التجار والمسافرون من مختلف المناطق يلتقون، مما أدّى إلى تداخل الثقافات واللغات والتقاليد. سوق النخاسة، على وجه الخصوص، كان جزءا من النظام الاقتصادي الذي اعتمد على تجارة الرقيق، وهي ظاهرة اجتماعية شائعة في تلك الفترة (زرگری‌نژاد وعلیپور، 1388ﻫ.ش، ص 5). هذه الإحالة تستدعي معرفة القارئ بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي للحضارة الإسلامية، حيث كانت الأسواق تعمل كفضاءات للتفاعل بين طبقات اجتماعية مختلفة، بما في ذلك التجار، والعبيد، والأمراء. يمكن قراءة هذه الإحالة، كإشارة إلى التعددية الاجتماعية التي ميّزت الحضارة الإسلامية. الشاعر يستخدم هذه الإحالة لربط القدس بهذا التاريخ الاجتماعي العريق، مؤكّدا أن المدينة كانت مركزا للتفاعل الثقافي والاجتماعي عبر العصور. هذه الصورة تعزّز إحساس الواقعية في النص، حيث يبدو أن القدس ليست مجرد مكان جغرافي، بل فضاء اجتماعي، يحتضن تنوع الحضارات. إن ربط هذه الإحالات الاجتماعية بالقدس، من خلال ذكر "مدرسة لمملوك"، يعكس دور المدينة كفضاء اجتماعي جامع، يجمع بين مختلف الطبقات والثقافات. المدرسة، كمؤسسة تعليمية، كانت مركزا لنقل المعرفة والتفاعل الاجتماعي في الحضارة الإسلامية. من خلال هذه الإحالة، يبرز الشاعر القدس كمكان، يحتضن التنوع الاجتماعي، حيث يمكن للأفراد من خلفيات مختلفة، مثل المملوك من ما وراء النهر، أن يصبحوا جزءا من نسيجها الاجتماعي.

 الخاتمة

يجيب التحليل السيميائي، عبر تطبيق شفرات بارت الخمس، عن السؤال الأول بكشفه الاتفاقيات الضمنية في قصيدة في القدس، من خلال تفكيك النص إلى وحدات دلالية، تُبرز التوتّر بين الرغبة في الانتماء والواقع السياسي القمعي، حيث تكشف الشفرة الأحداثية تسلسل الأفعال، مثل المنع من الوصول إلى "دار الحبيب" والتأمل الداخلي؛ والشفرة التأويلية تثير الألغاز حول هوية القدس عبر صيغ، مثل: "ماذا ترى في القدس حين تزورها"؛ والشفرة الدلالية تُظهر مدلولات الاغتراب والهوية المهدّدة في دوالّ، مثل: "قانون الأعداء" و"حجاب واقعها السميك"؛ والشفرة الرمزية تكشف التعارضات الثنائية، مثل: الحضور والغياب، والمقدس والدنس؛ والشفرة الثقافية تُبرز الإحالات التاريخية والدينية، مثل: "مدرسة لمملوك" و"غلاب المغول" واقتباسات من الإنجيل والقرآن، مما يفكّك النص إلى طبقات دلالية متعددة، تعكس اتفاقيات ضمنية، تتعلق بالهوية، والمقاومة، والصراع، وتجعل القصيدة مرآة للواقع الفلسطيني، تعبّر عن التناقضات الاجتماعية والسياسية بطريقة فنية عميقة.

أما السؤال الثاني، فيجاب عنه بتجلي الشفرات الخمس في القصيدة بطريقة منسجمة مع رؤية بارت النقدية للتعددية الدلالية وتفاعل القارئ؛ إذ تشكّل الشفرة الأحداثية الهيكل الحدثي عبر تسلسل المرور، والرفض، والتأمل، والرحيل؛ والتأويلية تحفّز التأمل بألغاز، تنتهي بتأكيد حضور الذات الفلسطينية؛ والدلالية تُبرز المعاني الضمنية للتهميش والمقاومة؛ والرمزية تفكّك الخطاب الاستعماري عبر التعارضات الثنائية؛ والثقافية تربط النص بالمعرفة التاريخية والدينية، كإحالات الأسواق والمماليك، مما يُنتج معاني متعددة الطبقات في فضاء مفتوح، يساهم فيه القارئ بتأويله النشط، مؤكداً قدرة الأدب على مواجهة القمع عبر الرمزية والإيحاءات في سياق الصراع الفلسطيني كتجربة إنسانية وثقافية.

أ. العربية
بخوش، علي؛ وإسماعيل عشور. (2015م). «مقاربة سيميائية للموت في شعر تميم البرغوثي». المخبر. س 12. ع 1. ص 155 ـ 169.
البرغوثي، تميم. (2017م). في القدس. القاهرة: دار الشروق.
بهروزي، زهرة؛ وخداداد بحري. (2021م). «سيميائية الرموز الطبيعية وحقولها الدلالية في ديوان في القدس لتميم البرغوثي». التواصلية. س 7. ع 3. ص 11 ـ 26.
رشيد، بوکراع؛ وعرب الشعبة نجاة. (2022م). «تداخل الخطابين السردي والشعري في شعر تميم البرغوثي: قصيدة في القدس أنموذجا». اللغة الوظيفية. س 9. ع 2. ص 631 ـ 641.
الغذامي، عبد اللّٰه محمد. (1998م). الخطیئة والتفكیر من البنیویة إلی التشریحیة: قراءة نقدیة لنموذج معاصر. ط 4. القاهرة: الهیئة المصریة العامة للكتاب.
غسان، أمون نديم. (2024م). «سيميائية الصورة في الشعر المقاوم في الشعر الحديث، قصيدة الموت فينا وفيهم الفزع للشاعر تميم البرغوثي أنموذجا». الكلِم. س 9. ع 2. ص 23 ـ 46.
غوادرة، معتصم باسم زيدان. (2023م). «النموذج العاملي في قصيدة في القدس لتميم البرغوثي: قراءة سيميائية». أبوليوس. س 10. ع 2. ص 62 ـ 77.
مجدي، الأحمدي. (2021م). «ثبات المكان وجدلية الزمان ...: قراءة في قصيدة في القدس للشاعر تميم البرغوثي». المدونة. س 8. ع 4. ص 3661 ـ 3688.
ملياني، أحمد. (2021م). «الخصائص الإيقاعية في قصيدة في القدس لتميم البرغوثي». نتائج الفکر. س 5. ع 2. ص 192 ـ 204.
نغلي، خديجة؛ وجغدم الحاج. (2022م). «شعرية اللغة في القصيدة العربية المعاصرة: ديوان في القدس لتميم البرغوثي نموذجا». جسور المعرفة. س 8. ع 3. ص 787 ـ 802.
هذلي، زينب؛ وسارة عزوز. (۲۰۱۹م). الرمز في ديوان في القدس لتميم البرغوثي. رسالة الماجستير. قسم اللغة والأدب العربي. جامعة محمد بوضياف.
هيثم، جبور ميلاد. (2022م). «قراءة أسلوبية في قصيدة عشقة للشاعر تميم البرغوثي». الدراسات الأکاديمية. س 4. ع 3. ص 121 ـ 138.
ياسمين، بوصلاح؛ وعلي ملاحي. (2021م). «انفتاح وانغلاق الخطاب الشعري العربي المعاصر: تميم البرغوثي أنموذجا». المحترف. س 8. ع 1. ص 37 ـ 44.
 
ب. الفارسية
زرگری‌نژاد، غلامحسین؛ و نرگس علیپور. (1388ﻫ.ش). «نگاهی به وضعیت كنیزان، غلامان و خواجگان در عصر قاجار». پژوهش‌های تاریخی. س 1. ش 2. ص 1 ـ 18.
شعیری، حمیدرضا. (۱۳۸۸ﻫ.ش). «از نشانه‌شناسی ساختگرا تا نشانه ـ معناشناسی گفتمانی». نقد ادبی. س 2. ش 8. ص 33 ـ 52.
 
ج. الإنجليزية
بارت
Barthes, R. (1970). S/Z. trans: R. Howard & R. Miller. New York: Hill & Wang.
تشاندلر
Chandler, D. (2017). Semiotics: The basics. 3rd ed. London: Routledge.
 
كودون
Cuddon, J. A. (2013). A dictionary of literary terms and literary theory. 5th ed. Hoboken: Wiley-Blackwell.