نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 استاديار گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه اصفهان

2 استاديار گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه تربيت معلم تهران

المستخلص

إن الظروف السياسية التي عاشها العراق في العقود الثلاثة الأخيرة اضطرّت الکثير من المثقّفين العراقيّين إلى مغادرة وطنهم والخطو في سبيل الهجرة. ولقد ضمّ المهاجرون العراقيّون عدداً لا بأس به من الشعراء والأدباء الذين وظّفوا فنونهم الأدبية لخدمة القضية العراقية، وبيان ما يعاني منه المواطن العراقي في ظلّ النظام السياسي القائم. فاتخذ الأدب المهجري صبغة عراقية في أواخر القرن العشرين، بعد ما کان لبناني الطابع في مطلعه. ولئن کانت الهجرة في أوائلها لأسباب اقتصادية، فإنّها أضحت سياسيّة بحتة في أواخرها. ويعدّ "الاغتراب" من أکثر السمات التي تميّز بها شعر المهاجرين العراقيين.
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الاغتراب وما لها من مدلولات مختلفة؛ حيث عُدّ الاغتراب بثلاثة مدلولات هي: الرکون إلى کلّ ما هو غربي، والاغتراب الجغرافي والاغتراب الروحي. ثم تعرض نماذج من الاغتراب الروحي والجغرافي في الشعر العربي من عصور شتّى، وبعض من شعراء المهجر العراقي، وهي تسلّط الضوء على الاغتراب الروحي وأسبابه لدى الشاعر العراقي المهاجر أحمد مطر. فالشاعر المذکور يعتبر بحقّ واحداً من أبرز الشعراء المهاجرين العراقيين في الفترة المذکورة. وإن کان لنا أن نصف الأدب العراقي في المهجر بسمة تميّزه، فإنّ الاغتراب المذکور هو أهمّ سمة للشعر العربي المعاصر في المهجر.
 

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

‘Eghterab’ in Iraqi Emigrants' Poetry: The Case of Ahmad Matar

المؤلفون [English]

  • Jafar Delshad 1
  • Seyyed Adnan Eshkewaree 2

1 Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Isfahan

2 Assistant Professor, University for Teacher Training,

المستخلص [English]

The word ‘eghterab’ in human sciences has different concepts which could be classified into three groups: 1) Westernization and tending  to western culture or being alien with eastern authenticity; 2) nostalgia and homesickness caused by being away from his/her motherhood land and hometown. Most of this group of poets are  emigrants or are in exile; and 3) having the sense of nostalgia but being in home country. It means that this group of poets have very high ideals which no one in their homeland can take and bare these ideals. The poet perceives that ideals which are essential for him/her are higher than the society in which he/she lives can grasp. This essay makes an attempt to study the various concepts of ‘eghterab’ by focusing on Ahmad Matar as a prominent poet with regard to the third concept and deal with the third concept of Eghterab from three points of view: political, social and spiritual. This article examines some samples of these three parts in Ahmad Matar's poetry.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Nostalgia
  • poetry
  • emigration
  • Ahmad Matar
  • Iraq

المقدمة

الاغتراب مصطلح شائع فی شتى العلوم الإنسانیة وبمدلولات عدیدة، وهو لیس بجدید فی علم الفلسفة والعلوم السیاسیة، لکنّ أشهر المفاهیم المرتبطة بالاغتراب هی ما یلی:

1. فی العلوم السیاسیة؛ یعنی الاغتراب ظاهرة التنکّر للذات الشرقیة، والمیل والنزوع نحو الغرب، وإلى کل ما تحمل حضارة الغرب للإنسان من سلبیات وإیجابیات. وهو ما عودل بمفردات لاتینیة عدیدة أشهرها مفردة Westernization.

ولقد انبرى لمکافحة هذه الظاهرة علماء السیاسة والاجتماع، وکتبوا الوصفات تلو الوصفات للحیلولة دون اغتراب الإنسان الشرقی؛ لأنهم یرون سلبیات الغرب أکثر من إیجابیاته. فالحضارة الغربیة سلخت الإنسان من إنسانیته، وجعلته کالبهائم لا یقیم وزناً للأخلاق والنوامیس الدینیة (منشی 2002م).

 ولسنا الآن بصدد مناقشة هذا الرأی، والوقوف أمامه أو مواکبته، بل ما یعنینا أن الاغتراب هاهنا یعنی الرکون إلى الغرب أو التغرّب.

2. وللاغتراب معنى ثانٍ لا یکاد یمتّ بصلة إلى المعنى السابق. الاغتراب یعنی الهجرة والسفر إلى حیث یکون الإنسان غریباً. فباب الافتعال هنا بمعنى الدخول فی الغربة. وهذا ما یعرف بالاغتراب الجغرافی Expatriate. وهذه الغربة لیست طوعیة بالضرورة، بل تکاد تکون قسریة فی بعض الأحیان؛ أی: إنّ المغترب لیس مهاجراً، بل مُهَجَّر أُخرج من دیاره حتف أنفه، فاضطرّ للعیش فی دیار هو فیها غریب.

ومصطلح الاغتراب بهذا المعنى لا یدلّ على نوع الغربة، أهی طوعیة أم قسریّة؟ المهمّ هو شعور الإنسان بالغربة فی بلاد لا تشاطره مشاعره وآلامه کما ینبغی، أو لعلّها إن شاطرته آلامه، یبقى یشعر بالحنین إلى مسقط رأسه، والبلد الذی ترعرع فیه، وشعر أنه یضرب بجذوره فیه.

ویکفی هذا الشعور بالغربة لأن تفیض منه قریحة الشعراء، لینشدوا ألواناً من الشعر یستدرّ عبرات السامعین والقرّاء، فیتفاعلوا مع الشاعر وأحاسیسه.(فهمی، 1971م، ص 132).

إن المنفى الأدبی لیس جدیداً تماماً فی الأدب العربی، فقد شعر الکثیر من الأدباء العرب فی التاریخ بمعنى الاغتراب والبعد عن الوطن،واشتاقوا إلى الأمکنة التی ترکوها والمنازل التی هجروها أو هُجّروا منها. وهکذا صارت المقدمة الطَّلَلیة (الوقوف على الأطلال والدِّمَن) نهجاً تقلیدیاً استُهلّ به کثیر من القصائد المشهورة.

ومن قصائد الحنین والغربة نجد بعض الأبیات المشهورة للمتنبی، خاصة ما أنشده فی بلاد فارس، وقد أعجبته الطبیعة هناک، واستحسن الحلّة القشیبة التی کست السهولَ فی فصل الربیع:

مغانی الشعب طیباً فی المغانی
  ولکنّ الفتى العربیَّ فیها
 
 

 

بمنـزلةِ الرّبیعِ من الزمانِ
  غریبُ الوجه والید واللسانِ
   
(البستانی، 1993، 3: 265)

أمّا أبوتمام فقد عبّر عن حنینه إلى أرضه وبیته وحبّه الأول بقوله:

نقِّلْ فؤادَک حیث شئتَ من الهوى
  کم منـزلٍ فی الأرضِ یألفه الفتى
 
 

 

ما الحبُّ إلاّ للحبیب الأوّلِ
  وحنینُه أبداً لأوّلِ منـزلِ
            
                ( السابق، 99 )

وحین یبتعد الشاعر عن أهله وأحبّائه ووطنه، لأنّه فی سجن أو أسر أو منفًى، فإن القصائد تخرج ملتهبة دامعة شدیدة اللوعة. فهاهو أبوفراس الحمدانی یسمع هدیل حمامة على شجرة عالیة قرب سجنه فی بلاد الروم، فیتذکر الأهل والوطن ویقول:

أقولُ وقد ناحتْ بقربی حمامةٌ
  أیا جارَتا ما أنصفَ الدهرُ بینَنا
  أیضحکُ مأسورٌ وتبکی طلیقةٌ
  لقد کنتُ أولى منکِ بالدمع مقلةً

 
 

 

أیا جارتا لو تشعرین بحالی
  تعالَی أقاسمْک الهمومَ تعالی
  ویسکتُ محزونٌ ویندبُ سالِ
  ولکنّ دمعی فی الحوادثِ غالِ
 
             (السابق، ص 275)

وفی الأندلس، تلک الدیار التی عُرفت بطبیعتها الخلاّبة، ووفرة میاهها وجمالها الأخّاذ، نسمع عبدالرحمن الداخل من القرن الثانی الهجری یقول بعد أن نظر إلى نخلة فهاج شجَنه وتذکر وطنه:

تبدّتْ لنا وسطَ الرصافةِ نخلةٌ
  فقلتُ شبیهی فی التغرّب والنَّوى
  نشأتِ بأرضٍ أنت فیها غریبةٌ

 
 

 

تناءتْ بأرضِ الغرب عن بلد النخلِ
  وطولِ التنائیَ عن بیتی وعن أهلی
  فمثلک فی الإقصاء والمنتأى مثلی

            (حداد، 2004م، 1: 13)

3. وللاغتراب مدلول ثالث، هو ما اصطلح علیه علماء النفس والاجتماع بمفردة Alienation اللاتینیة. إنّه الاغتراب الوجودی؛ أی: عدم فهم الإنسان لما یجری فی نفسه وفیما حوله.

ولا نقصد بعدم الفهم الجهلَ؛ فالمغترب غالباً ما یکون على مستوىً عالٍ من الفهم والشعور والثقافة، بل القصد هو عدم استیعاب الإنسان لما یجری حوله؛ لأنّه لا یتناغم مع ذاته ومتبنیاته الفکریة، ومن ثمّ فإن الاغتراب یعنی عدم مشارکة الإنسان فی التخطیط لحیاته ومستقبله، وعدم مشارکته فی إدارة شؤون مجتمعه، وقضایا واقعه الذی یعیشه، مما یترتب علیه أن یأتی ناتج جهده عفویاً، أو متعارضاً مع اهتماماته، أو مع إمکانیاته، أو مع مصالحه المنشودة. وعلى أساس ذلک یمکننا القول بنسبة ما: إن کل مجتمع من البشر لابد أن یشهد مَن تنطبق علیه مقولة الإنسان المغترب فی مرحلة ما، أو فی عصرٍ معقّد الأهداف، کما هو حال عصرنا الراهن: عصر العولمة والإفقار لنسبة کبیرة من البشریة (سلیم، 2004م، ص 1).

یشعر الإنسان المغترب ـ بهذا المعنى ـ أنّه موجود فی دائرته وغیر موجود، وکذلک فی مجتمعه ووطنه،وبناءً علیه فلا یعود ناتج جهده إلیه، بل قد یذهب إلى غیره ویشعر دوماً بالخیبة والإحباط وفقدان الأمل واللاجدوى، فلا ینتظر من بیئته ووطنه سوى المزید من الحرمان، والغصّة، والقنوط، مع العلم أن عینیه تریان ما فی العوالم الأخرى من تقدّم وارتفاع لمستوى الحیاة، وخیاله یملک کافة المدرکات.(داود، 2005م، ص  2).

وقد یکون بمعنى شعور الإنسان بالغربة، وهو یعیش فی موطنه ومسقط رأسه. فکلّ شئ حوله غریب لا یشارکه أفکارَه وتطلعاتِه وآماله. فهو یحمل فی رأسه أفکاراً یرى أنّها أسمى من أفکار الآخرین، وأن الآخرین لا یکادون یفقهون حدیثه، کما هو الحال بالنسبة للعباقرة الذین سبقوا أزمنتهم، وما وجدوا من یشاطرونه أفکارَهم وتطلعاتِهم.

جاء فی الروایة أن الإسلام ظهر غریباً وسیعود غریباً، وذلک لعدم سموّ الإنسان العربی آنذاک لمستوى الإسلام ورسالته الحضاریة، ولانسلاخ الناس عنه، واتجاههم إلى أفکار وضعیة غیر سماویة، لظنّهم أنّ نجاتهم فیها (السابق، ص 3).

وظاهرة الاغتراب هذه عاشها الأنبیاء مع ما أُمروا به من الاصطبار على الأذى، والتحمّل فی سبیل النهوض بالإنسان إلى کماله الإلهی؛ کما عاشها رسول الله حتى قال %: «ما أوذِیَ نبیٌّ مثلما أوذیتُ»؛ وعاشها من بعده أمیر المؤمنین 4، حیث تفوح رائحة الاغتراب بشدة من طیّات خطبه وکلماته فی نهج البلاغة؛ منها قوله لقومه الذین أذاقوه مرارة التمرّد والنفاق:

«لَوَدِدْتُ أنّی لم أرَکُمْ ولم أعرِفْکمْ معرفةً ـ واللهِ ـ جَرَّتْ نَدَماً، وأَعْقَبَتْ سَدَماً، قاتَلَکُمُ اللهُ! لقدْ مَلأتُمْ قلبی قَیْحاً، وشَحَنْتُمْ صَدْری غَیْظاً، وجَرَّعْتُمُونی نُغَبَ التَّهْمامِ أنْفاساً، وأفْسَدْتُمْ عَلَیَّ رأیی بِالعِصْیانِ والخِذْلانِ» (الصالح، 1992م، ص 70).

حتى آل أمره فی أواخر حیاته المبارکة إلى تصریح خطیر:

«مَلَکَتْنی عَینی وأنا جالسٌ، فَسَنَحَ لی رسولُ اللهِ %، فقلتُ یا رسولَ اللهِ: ماذا لَقِیتُ مِن أُمَّتِکَ مِنَ الأَوَدِ واللَّدَدِ؟ فقالَ: اُدْعُ عَلیهِم. فَقُلتُ: أبدَلَنی اللهُ بِهِمْ خَیراً مِنهُم، وأبدلَهُمّ بِی شَرّاً لَهُمْ مِنّی» (السابق، ص 99). فهو غریب یدعو الله أن یتوفّاه إلیه؛ لأنّ القوم جرّعوه الغُصَص.

وفی الأدب لا یُعدّ هذا الاغتراب جدیداً، بل إنّ الشعر العربی حافل بنماذج کثیرة من الاغتراب النفسیّ بأشکاله المختلفة ـ سلباً وإیجاباً ـ فالشنفرى مثلاً یعلن عن اغترابه الحادّ بقوله:

أقیموا بنی أمّی صدور مطیّکم
  وفی الأرض منأىً للکریم عن الأذى
  لَعمرُک ما بالأرض ضیقٌ على امرِئ
 
 

 

فإنّی إلى قوم سواکم لأمیَلُ
  وفیها لمن خاف القِلى متعزّلُ
  سرى راغباً أو راهباً وهو یعقلُ
                   
(الحاوی،   ص 355)

ولو أمعنّا فی الاغتراب بمفهومیه الثانی والثالث، لوجدنا أنهما قد یجتمعان فی الإنسان أحیاناً. فالشاعر یسمو على مجتمعه بأفکاره التی یحملها، والتی لا سبیل لإبدائها لما تُسبّبه له من المتاعب والأخطار السیاسیة، فیضطرّ إلى الهجرة والاغتراب عن الوطن. وهذا هو حال کثیر من الشعراء العرب الذین عُدّوا مهجریّین: ترکوا أوطانهم من أجل الحفاظ على عقائدهم وأنفسهم، بخاصّة شعراء العراق فی العقود الثلاثة الأخیرة. فالشاعر العراقیّ مغترب فی بلده لا یجرؤ على البَوح بمکنونات قلبه؛ لأنّها تعدّ تهدیداً لأمن المجتمع ومصالح الحکومة والحکّام. وقد وصل الحدّ به أنّه لم یجد من سبیل سوى انتهاج سبیل الهجرة إلى حیث یجد متنفَّساً فی الأرض یقیه شرّ أزلام النظام السیاسی (فضل الله، 1999م، ص 57).

 

الشعر المهجری الحدیث

إنّ معظم الشعراء العراقیین قد هجروا بلدهم لا لتحسین شروط المعاش والحصول على فرص عمل فی أوربا وأمیرکا وغیرها من دول الشرق الأوسط، وإنّما لتضییق النظام الحاکم الخناقَ على أبناء الشعب العراقی، وحشْرهم فی حروب لا طائل منها سوى الرضوخ لنـزوات طاغیة العراق.

ومن النادر بمکان أن ترى شاعراً مهاجراً عراقیاً دون أن تجد للاغتراب فی شعره أثراً؛ سواء بالمعنى الثانی أو المعنى الثالث، حتى أنّ کبیرهم محمد مهدی الجواهری (المتوفى 1998م) قد جمع ما لدیه من شعر الاغتراب فی دیوان أسماه برید الغربة.

والحنین إلى الوطن یطفح فی جانب کبیر من شعر المرحوم الشیخ أحمد الوائلی (المتوفى 2003م)، والمرحوم مصطفى جمال الدین (المتوفى 1999م) یصوّر اغترابه بشتى الطرق؛ جمع مشاعر الغربة هذه فی دیوانه فی فصل تحت عنوان «ألحان الغربة»، ومنها وصف لسبطه یقظانَ الذی وُلد فی صحراء نجد بالسعودیة، بعد أن اضطُرّت أمّه ـ بنت الشاعر ـ إلى الفرار من العراق بعد الانتفاضة الشعبانیة (راجع دیوان الشاعر).

وآخرون کثیرون ممّن تجمعهم هواجس الغربة والاغتراب، لا مجال لسرد أعمالهم أو آثارهم، لکنّ الاغتراب الذی عاشه الشاعر أحمد مطر یستوقفنا أکثر من أیّ شاعر آخر؛ لأنّه جمع بین الاغترابین الجغرافی والروحی فی آن واحد.

 

نبذة من حیاة أحمد مطر

ولد أحمد مطر فی مطلع الخمسینات فی قریة التنومة بجنوب العراق. بدأ یکتب الشعر، ولم تخرج قصائده الأولى عن نطاق الغزل والرومانسیة، لکن سرعان ما تکشّفت له خفایا الصراع بین السلطة والشعب، فألقى بنفسه فی فترة مبکّرة من عمره، فی دائرة النار کما یقول، حیث لم تطاوعْه نفسه على الصمت، وعلى ارتداء ثیاب العرس فی المأتم (العالم، 1987م: العدد 185)؛ وحین سُئل عن السبب فی ترکه لقصائد الغزل والحبّ، قال:

إذا ظنّ أحد أنّنی لم أعرف الحبّ، فهو مخطئ إلى أبعد حدود، وإذا اعتقد أحد أنّنی لا اُجید صیاغة الغزل، فهو أکثر خطأ من سابقه. وخلاصة الأمر أنّ لی قلباً مفعماً بالعواطف المشبوبة، لکنّه لا یعرف الکذب مطلقاً؛ ولذلک فإنّنی سأکون مستحقاً للعنته إذا حاولتُ إقناعه بضرورة إقامة معرض لصباباتی، فیما یرى بأمّ فؤاده أنّ بیتنا بمن فیه وما فیه سابح فی الحریق (عایش، 2006م، ص 13).

ولما طُلب منه بإلحاح أن یکتب شعراً غزلیاً، نظم مطر قصیدة «أعرف الحبّ.... ولکن» ردّاً على أولئک الملحّین بطلب قصائد الحبّ والغزل؛ جاء فیها:

رحمة الله على قلبکِ یا أنثى.. ولا أبدی اعتذارا

أعرف الحبّ... ولکنْ لم أکن أملک فی الأمر اختیارا

کان طوفان الأسى یهدر فی صدری.. وکان الحبّ نارا

فتوارى!

کان شمساً.. واختفى لما طوى اللیلُ النهارا

کان عصفوراً یغنّی فوق أهدابی.. فلمّا أقبلَ الصیادُ طارا!

آهِ لو لم یطلق الحکّام فی جلدی کلاباً تتبارى

آهِ لو لم یطبقوا حولی الحصارا

ولخبّأت «امرأ القیس» بجیبـی، ولألغیت «نزارا»!

ولأشعلت البحارا، ولأنطقت الحجارا

لتنـزّلتُ بأشعاری على وجد الحیارى (مطر، 2001م، ص 275).

وسرعان ما وجد نفسه فی مواجهة مع السلطة المرکزیة فی العراق، وأنّ علیه أن یهجر مرابع صباه وأن ینجو بنفسه وفنّه الملتزم، فتوجّه إلى الکویت هارباً من مطاردة السلطة.

وهکذا عُرف أحمد مطر بشاعر المنفى منذ باکورة حیاته، فلقد حرمته قصائده لذة الوطن، وحرمته الحیاة فی مسقط رأسه الأول منذ وقت مبکّر من عمره، وفضّل ـ خلافاً لکثیر من الشعراء ـ أن یرکب سفینة المقهورین والمضطهدین على أن یسیر فی موکب الأمراء وأصحاب السلطان. فنحن إذاً بإزاء شاعر عصامیّ سخّر فنّه وشعره کلّه من أجل القضایا السیاسیة والاجتماعیة وحتى الاقتصادیة فی بلاد العرب. فبإمکانک أن ترى فی قصائده نبرة النقد والاستیاء من مظاهر التخلّف والاستبداد بکل وضوح.

وفی الکویت عمل محرّرا فی جریدة القبس، وتعرّف فیها إلى الفنّان الفلسطینی ناجی العلی. فکان أحمد یبدأ الصفحة الأولى بلافتة من لافتاته الشعریة، ویختمها ناجی العلی برسم کاریکاتیری ساخر(عایش 1: 17)؛ واللافتات فنّ من فنون الشعر العربی الحدیث ابتدعه أحمد مطر لا یکاد یتجاوز الصفحة أو الصفحتین، یمتاز بالوحدة الموضوعیة، ویُختم بشئ مفاجئ یلفت انتباه القارئ بقوّة. ومن هنا جاءت تسمیة اللافتات التی جمعها الشاعر فیما بعد لیجعلها فی سبعة من دواوینه الشعریة تحمل هذا الاسم. یقول فی وصف اللافتات:

أما کیف انتهیتُ إلى هذه الصیاغة، فینبغی أن أذکر أننی ابتدأت أولاً بالقصیدة العمودیة، من حیث الشکل، ودخلت المعترک السیاسی من حیث المضمون، من خلال مشارکتی فی الاحتفالات العامة بإلقاء قصائدی من على المنصة، الأمر الذی یقتضی الإطالة وشحن القصیدة بقوة عالیة من التحریض. وتلک الإطالة کانت تتطلب، بالطبع، الانتقال من موضوع إلى آخر، من خلال محور عام واسع هو موقف المواطن مما یعیشه إزاء سلطة لا تترکه لیعیش؛ إذ لیس من المعقول أن یکتب الشاعر موضوعاً واحداً بتلقائیة وعفویة خلال أکثر من مائة بیت. وهذه الحالة کانت بالنسبة لی عبئاً ثقیلاً، برغم ما تثیره تلک الإطالة من انفعال الناس وحماسهم وتصفیقهم. فعزمت على أخذ نفسی بالشدة، بحیث لا أتعدى فی القصیدة موضوعاً واحداً، وإن جاءت القصیدة کلها فی بیت واحد، وذلک لکی أخدمه جیداً من ناحیة الصیاغة، ولکی أشحنه بکل ما لدی من طاقة فنیة، تجعله سریع الوصول، سریع التأثیر، دائم الحضور فی الأذهان. وترافق هذا المسعى لدی مع تحولی إلى قصیدة التفعیلة.. لکننی لم أفرط فی کنوز القصیدة العمودیة، بل حملتها معی، وأعنی بذلک القافیة واتساق النفس الشعری، وسلامة المیزان، کما لم أتحلل من انتقاء اللفظة السهلة الدالة، والإبتعاد ما أمکننی عن الإلفاظ الصعبة الغریبة، والتعبیر الغامض. ولا أعتقد أنّ هذا کان بسبب اشتغالی فی الصحافة، فقد بدأ قبل ذلک، لکن یمکن القول بأن عملی فی الصحافة قد أعطى هذه الصیاغة ثباتاً واستقراراً، ومهّد لها أرضیة صالحة للنمو (العالم، 1987م، 46).

إنّ لافتات مطر ـ وخلافاً للصبغة التی یحملها الشعر الحرّ من التعقید والغموض ـ سهلة الفهم، ولا أثر للمفردات الغریبة فیها، یستأنس بها القارئ حتى وإن کان حدیث النشأة والعهد بالأدب العربی، لکنّها على استرسالها وانسیابها، تحمل فی طیّاتها أروع المعانی، وتستوقف الذهن اللبیب، خاصّة فی آخر مقطع فیها حیث المفاجأة. إلیک على سبیل المثال اللافتة التالیة:

قرّر الحاکم إصلاح الزراعة

عُیّنَ الفلاح شرطیّ مرور

وابنة الفلاح بیّاعة فول

وابنه نادل مقهى

فی نقابات الصناعة!

وأخیراً...

عُیّنَ المحراث فی القسم الفولوکلوریّ

والثورُ... مدیراً للإذاعة! (مطر، 2001م، ص 483)

 

الاغتراب فی شعر أحمد مطر

للاغتراب بمعناه الثالث أسباب عدیدة نذکر منها ما یلی:

1. الاغتراب السیاسی: لعلّ الاغتراب السیاسی هو أکثر أنواع الاغتراب فی شعر المهاجر العراقی على مدى العقود الثلاثة الأخیرة، فهو العامل الأساس فی هجرتهم واتخاذهم سبل الاغتراب والتشرّد من بلد إلى بلد آخر. وقضایا الاغتراب السیاسی متشابهة فی حالاتها بین الدول العربیة فی الغالب. منها:

أ) الحریة المصادرة: فالعرب قد صودرت حریاتهم، وکمّمت أفواههم، وحرموا أبسط حقوقهم فی التعبیر عن الرأی، فلیس لذوی الأقلام أن یعبّروا بحرّیة عن آرائهم... وإذا ما فعلوا ذلک، فإنّهم قد حرّضوا الناس على سفک الدماء، وکانت آراؤهم بمثابة الرصاصة التی تخترق جسد البلاد والعباد. انظر إلى المثال التالی:

جسّ الطبیب خافقی

لیسَ سوى قلمْ

فقلتُ: لا یا سیّدی

هذا یدٌ... وفمْ

رصاصةٌ... ودمْ

وتهمةٌ سافرةٌ.... تمشی بلا قدم !

وقال لی:

هل ها هنا الألمْ ؟

قلتُ له: نعمْ

فشقّ بالمشرط جیب معطفی

وأخرج القلمْ (السابق، 18)

والشاعر یلجأ أحیاناً إلى أسلوب تهکمی ساخر لیبیّن أنّ الناس فی بلاد العرب مجبرون على أن یفسّروا الأشیاء بما یحلو للحکّام والسلاطین لا بما تقتضیه الحقائق:

أیّها الناس اتقوا نار جهنّمْ

لا تسیئوا الظنّ بالوالی..

فسوء الظنّ فی الشرع محرّمْ

أیّها الناس أنا فی کلّ أحوالی سعید ومنعّمْ

ودمی غیر مباح وفمی غیر مکمّمْ

فإذا لم أتکلّمْ

لا تشیعوا أنّ للوالی یداً فی حبس صوتی

بل أنا یا ناس أبکمْ

قلت ما أعلمه عن حالتی

... والله أعلمْ ! (السابق، 27)

ویستمرّ الشاعر لبیان غربته، وغربة الشعوب فی بلاد یحار المرء فی تحدید رسم حدود المحظورات، إلى أیّ مدى یمکن للرجل أن یسترسل فی الکلام کی لا یعتبر کلامه تهمة تحریض بضدّ أمن الحکّام؟ هل یعتبر السلام على الآخرین حرکة یُدان من أجلها الإنسان؟ وهل الردّ على السلام جنحة لا تُغتفر؟

 شعرتُ هذا الیومَ بالصدمة

فعندما رأیت جاری قادماً

رفعت کفّی نحوَه مسلِّماً

مکتفیاً بالصمت والبسمة

لأنّنی أعلم أن الصمتَ

فی أوطاننا حکمة

لکنّه ردّ علیّ قائلاً:

علیکم السلام والرحمة

ورغم هذا... لم تسجّل ضدّه تهمة !

الحمد لله على النعمة

من قال ماتت عندنا حریة الکِلْمة؟! (السابق، 51)

ب) سیاسة القمع: ویبدو واضحاً لمن یتأمّل شعر أحمد مطر أنّه ینتقد بشدّة أسالیب القمع والمخابرات والمنظمات الأمنیة فی سبیل الحفاظ على أمن الحکّام والسلطات الحاکمة، حتى تصل الحالة بالمواطن أنّه یشعر بغربةٍ ما بعدها غربة، فقد وصل الحال بالمرء أنّه یخال کل من حوله مخبرین یعملون للسلطة، بل یتعدّى الأمر ذلک بأن لا یخلو زمان ومکان من مخبر یعمل لصالح الحاکم:

 تِهتُ عن بیت صدیقی

فسألتُ العابرینْ

قیل لی: اِمشِ یساراً

سترى خلفَک بعضَ المخبرینْ

حُدْ لدى أولهم

سوف تلاقی مُخبراً

یعملُ فی نصبِ کمینْ

اتّجه للمخبرِ البادی أمامَ المخبرِ الکامنِ

واحسبْ سبعةً... ثمّ توقّفْ

تجدِ البیتَ وراءَ المخبرِ الثامنِ

فی أقصى الیمینْ

أیّها الناسُ اطمئنّوا

هذه أبوابُکم محروسةٌ فی کلِّ حینْ

فادخلوها.... بسلامٍ آمنینْ! (السابق، 52)

وتستفحل الحالة لتصل بالمرء أن یشعر أنّ کلّ قطرة من دمه تتجسّس علیه للحاکم، ومن هنا فإنّه لا یوجد إنسان فی البلاد إلّا وله ملفّ عند السلطة. فهل یمکن للإنسان أن یعتبر نفسه عائشاً بین أهله وعشیرته والأقربین؟ إنّه لا شک فی غربة شدیدة:

 المرء فی أوطاننا

معتقل فی جلده... منذ الصغرْ

وتحت کلّ قطرةٍ من دمهِ

مختبئٌ کلبُ أثرْ

بصماتُه لها صورْ

أحلامُه لها صورْ

المرءُ فی أوطاننا

لیس سوى إضبارةٍ

غلافها جلد بشرْ

أین المفرْ؟ (السابق، 54)

وللشاعر مقارنة بین الإنسان فی بلاد المشرکین والإنسان فی بلاد المسلمین. ما الذی یدعو الناس إلى الاغتراب وترک بلادهم وتجشّم العناء وتحمّل وعثاء السفر؟ إنّها أجهزة المخابرات التی لا یروقها تزلّف الناس إلى الحکّام من دون استئذان:

فی بلاد المشرکینْ

یبصق المرء بوجه الحاکمینْ

فیُجازى بالغرامة!

ولدینا نحن أصحاب الیمینْ

یبصق المرءُ دماً تحت أیادی المخبرینْ

ویرى یومَ القیامة

عندما ینثر ماء الورد والهیلِ بلا إذنٍ

على وجهِ أمیر المؤمنینْ ! (السابق، 25)

وینفرد الشاعر بوصف حالة مأساویة لا یکاد یصدّقها القارئ، لظنّه أنّ الشاعر یبالغ فی تصویر الکبت والبطش الذی تمارسه السلطات، لکنها حالة لم تشهدها أیّ من الدول العربیة، هی حالة طالما شهدها العراق الجریح إبّان حکومة البعثیین. أن ینکَّل بشخص لکونه ذا صلة سببیة أو نسبیة بمشبوه، فیخضع للتعذیب على أمر لا صلة له به!:

کنت أمشی فی سلامْ

عازفاً عن کلّ ما یخدش إحساس النظامْ

لا أصیخ السمعَ لا أنظرُ لا أبلعُ ریقی.

لا أرومُ الکشف عن حزنی وعن شدّة ضیقی

لا أمیط الجفن عن دمعی ولا أرمی قناع الابتسامْ

کنتُ أمشی... والسلامْ

فإذا بالجندِ قد سدّوا طریقی

ثمّ قادونی إلى الحبسِ... وکان الاتّهامْ:

أنّ شخصاً مرَّ بالقصر وقد سبَّ الظلامْ

قبلَ عامْ

ثمّ بعد البحث والفحص الدقیقِ

علم الجندُ بأنّ الشخص هذا

کان قد سلّمَ فی یومٍ

على جارِ صدیقی ! (السابق، 77 )

 ج) حکومة الأراذل وانقلاب الموازین: إنّ الأنظمة العربیة بشکل عام لم تأت إلى الوجود بالطرق الشرعیة قطّ. فلا انتخابات حرّة نزیهة، ولا للشعب دخل فی تقریر مصیره، ولا أمل فی الخلاص من سلطة الطواغیت إلا من خلال انقلاب عسکری قسریّ. وما من حاکم ترک السلطة طوع نفسه. وإن کان الأمر کذلک، لَیتهم کانوا یتحلّون بالمؤهلات التی تسمح لهم أن یرفعوا من مستوى الشعوب ویشرکوها فی تقریر مصیرها. فالأنظمة العربیة المتهرّءة لا تسود إلا بالتزویر والقهر والنهب.

الحاکم العربی لا یعوزه سوى إجراء انتخابات صوریة، سرعان ما تظهر نتائجها 99/99 % لصالحه، وأن یکون الإعلام من صحافة وإذاعات بیده هو لا غیر، وأن یجعل بعض الخطوط الحمراء التی لا یجوز تخطّیها، وأن تکون له أدوات القمع من قتل وسجن وإعدام وکلاب مخابرات مسعورة، یکفی ذلک کله لفرض سیطرته على الشعوب:

 أحضرْ سلّة

ضعْ فیها أربع تسعاتٍ

ضعْ صحفاً منحلة

ضعْ مذیاعاً، ضعْ بوقاً، ضعْ طبلة

ضعْ شمعاً أحمرَ، ضعْ حبلاً

ضعْ سکّیناً، ضعْ قفلاً... وتذکّرْ قَفْلَه

ضعْ کلباً یعقرُ بالجملة

یسبقُ ظلّه

یلمحُ حتى اللا أشیاءَ

ویسمعُ ضحکَ النملة !

واخلطْ هذا کلَّهْ

وتأکّدْ من غلْقِ السلّة

ثمّ اسحب کرسیّاً واقعدْ

فلقد صارتْ عندکَ.. دولة ! (السابق، 105)

والحکم بید أحقر الخلق وأخسّهم دوماً... فالشاعر یشکو تنکّر الزمان للمعاییر الإنسانیة والأخلاقیة، لقد صار کل دنیء ووضیع صاحب الرأی والقرار فی المجتمع، ألیس فی ذلک مدعاة للغربة؟

 رأیتُ جرذاً

یخطب الیوم عن النظافة

وینذر الأوساخ بالعقابْ

وحولَهُ... یصفّق الذبابْ ! (السابق، 11)

الحکّام أناس مخادعون، وما مقارعتهم للاستکبار سوى لمنح الذرائع لقوى الشرّ العالمی لاحتلال بلادنا وفرض سیطرتهم علینا:

بدعة عند ولاة الأمر صارت قاعدهْ

کلُّهم یشتم أمریکا

وأمریکا إذا ما نهضوا للشتم

تبقى قاعدهْ

فإذا ما قعدوا

تنهض أمریکا لتبنی قاعدهْ  (السابق، 50)

د) الوطن ومآسیه: الوطن مسند الإنسان وذخره وأصالته. کلّ إنسان إذا ما ترک بلاده، شعر بالغربة القاهرة، وأحسّ بالذلّة ما دام خارج الوطن. وما إن تطأ قدماه أرض الوطن حتى یشعر بالقوة والعزّة والشموخ. لکن ما شأن الإنسان الذی یرى فی وطنه مذلّة له وامتهاناً لهویّته؟ وما بال المرء لو رأى وطنه فریسة تنتهشها الذئاب الضاریة؟ نتیجة ذلک کلّه الاغتراب:

قالت أمّی مرّهْ:

یا أولادی عندی لغزٌ

مَن منکم یکشف لی سرَّه؟

( تابوت قشرته حلوى

ساکنه خشبٌ والقشرهْ

زادٌ للرائح والغادی )

قالت أختی: التمرهْ

حضنتها أمّی ضاحکةً

لکنّی خنقتنی العَبْرهْ

قلتُ لها: بل تلک بلادی ! (السابق، 12)

والشاعر یحبّ وطنه مهما کان. الوطن وإن جار على الإنسان عزیز، وأهله وإن شحّوا کرام. فهل یمکن للشاعر أن ینسلخ عن الوطن وهوهویّته؟ صحیح أنّه یشعر بالاغتراب فی الوطن، وصحیح أنّ الوطن جرّعه الغصص والمرارات إلا أنّه منه وفیه ولیس له غیره.

یا وطنی ضقتَ على ملامحی... فصرتَ فی قلبی.

وکنتَ لی عقوبةً وإنّنی لم أقترف سواکَ من ذنبِ !

لعنْتنی.. واسمک کان سُبّتی فی لغة السبِّ !

ضربْتنی  وکنتَ أنتَ ضاربی... وموضعَ الضربِ!

طردْتنی فکنتَ أنتَ خطوتی... وکنتَ لی دربی !

وعندما صلبتَنی.. أصبحتُ فی حبّی معجزةً

حین هوى قلبی... فدى قلبی !

یا قاتلی... سامحک الله على صَلْبی !

یا قاتلی... کفاک أن تقتلنی

من شدّة الحبِّ ! (السابق، 31)

الوطن رغم ما له من مکانة عزیزة لدى الشاعر، إلا أنّه أهمّ مظهر لاغتراب أحمد مطر. فتصل به الحال أحیاناً لشتم الوطن والاستهزاء بأولئک الذین یتبجّحون بالوطنیات:

( أبی الوطن )

( أمّی الوطن )

( نموتُ کی یحیا الوطن )

أی وطن ؟!

الوطن المنفیّ... أم منفى الوطن؟

أم الرهین الممتَهن؟

 ( نموت کی یحیا الوطن )

کیف یموت میّتٌ؟

وکیف یحیى ما اندفن؟

خذه وأعطنی به.. صوتاً أسمّیه الوطن.

قطرة إحساس أسمّیها الوطن.

کسرة تفکیرٍ بلا خوف أسمّیها الوطن.

یا سیدی خذه بلا شیءٍ فقط..

... خلّصنی من هذا الوطن ! ( السابق، 192)

2. الاغتراب الاجتماعی: لم تقتصر غربة أحمد مطر على القضیة السیاسیة... إنّما هو غریب فی مجتمعه الذی لایراه على مستوى المسؤولیة. المجتمع الذی تعجّ به مظاهر الفساد بشتى أنواعها. المجتمع الذی تسیطر علیه قوى النفاق والتخلّف واللاإرادة. المجتمع الذی قلّب الأمور رأساً على عقب، فالسیادة للأوغاد والقتل والنفی والتشرید للنخبة من أبنائه. وهاهنا تتجلّى عدّة أمور برزت فی شعر أحمد مطر لتمثّل اغترابه الاجتماعی:

أ) المجتمع الذلیل: یرى الشاعر المجتمعَ قد جاوز الحدّ فی ذلّته وتحمّله للامتهان، ولا سبیل لإصلاحه سوى أن تنبت الأرض خلقاً آخر یرأب ما أثْأتْ ید الغفلات حتى یصل اغترابه إلى اعتقاده أنّ المجتمع لو کان سلیماً، لکفاه نبیّ واحد لإصلاحه:

 فصیحنا ببّغاءْ

قویّنا مومیاءْ

ووضعنا... یضحَکُ منه البکاءْ

یا أرضنا... یا مهبط الأنبیاءْ

قد کان یکفی واحدٌ.. لو لم نکن أغبیاءْ

یا أرضنا لا تطلبی من ذلِّنا کبریاءْ

قومی احبلی ثانیةً... وکَشّفی عن رجُلٍ

لهؤلاء النساءْ! (السابق، 35)

والیأس والإحباط اللذین یحسُّ بهما الشاعر فی مجتمعه، یصلان إلى حدّ القنوط، فالشعوب فی غفوتها لاتحرّک ساکناً.

ب) الجهل والتخلّف: یعزو الشاعر حالة المجتمع هذه إلى الجهل والتخلف والغفلة التی تعیشها الشعوب العربیّة فی ظلّ تخدیر الأنظمة لهم. فأبناء المجتمع کمتفرجین دخلوا المسرح، ولا دخل لهم فیما یجری، وینفّذ من سیناریوهات أمامهم. والممثّلون أیضاً لا یمارسون أدوارهم بإرادة، بل ینفّذون ما یرسم لهم ویخطّط، وویل للممثّل الذی یحاول التغییر فی قصّة المسرحیّة!... إنّه سرعان ما یستبدل بآخر غیره:

 مقاعد المسرح قد تنفعلُ

قد تتداعى ضجراً قد یعتریها المللُ

لکنّها لا تفعلُ

لأنّ لحماً ودماً من فوقِها.. لا یفعلُ

عودوا إلى بیوتکم.. فهولاء مثلکمْ

ما ألّفوا، ما أخرجوا، ما دقّقوا، ما غربلوا

وفی فصول النصِّ لم یعدّلوا

لکنّهم قد وضعوا الدیکور والطلاء... ثمّ مثّلوا!

مهزلةٌ مبکیةٌ... لا یحتویها الجدلُ

فالکلُّ فیها بطلُ

ولیس فیها بطلُ

عوفیتَ یا جمهور! یا مغفّلُ! (السابق، 44)

ویبدو هذا الاغتراب فی أوجه حین یشعر المرء أنّ جمیع من حوله موتى، وأنّه هو الآخر میّت لا فرق بینه وبین من تحت التراب:

 الموتُ فی بلادنا

خلاصة للموت فی مختلف العصورْ

لم یبقَ منّا أحدٌ

جمیعنا موتى.. وما من آخرهْ

جمیعنا موتى بلا نشورْ

فمیّتٌ یُزارُ من تحت الثرى

ومیّتٌ فوق الثرى یزورْ! (السابق، 191)

إنّ هذا الاغتراب جاء نتیجة شعور مریر مفاده أنّ الشعوب لیست بمستوى وعیه وإخلاصه لها، فهی لا تُجاریه فی تطلّعاته، والنتیجة فإنّ هذه الشعوب أشبه بالأنعام، بل هی أضلّ؛ وهذا هو الاغتراب القاتل والطاغی والذی لا نقبله من الشاعر مهما کانت تطلّعاته ومهما کان إخلاصه للشعوب:

الشعوبْ؟... ما الشعوبْ؟

أهی الشئ الذی أسکنتُه قلبی؟

وأوهمْتُ الدروبْ

أنّ فی قلبی ملایین القلوبْ؟

فإذا کلّ الملایینِ حَبَتْ فی ساعة الحرب

على جثّة حبّی.. واستقرّت فی الجیوبْ

جیبِ طاغٍ لعْبةٍ

أوجیبِ طاغوتٍ لعوبْ!

إنّها ذنبی.. وها إنّی من الذنب أتوبْ

الشعوبْ؟

لا.. کفى.. شکراً جزیلاً

هذه الأشیاء لا تصلُحُ إلاّ للرکوبْ! (السابق، 229)

ج) النخبة الخائنة: فی لافتات مطر تظهر بین الحین والآخر زفرات الشاعر یشکو ویتذمّر من النخبة التی باعت نفسها وفنّها وعلمها من أجل الفوز بحطام الدنیا. فالمفتی الذی یخدم السلطان والشاعر الذی یمدح السلطان. فإذا ما کان أبناء النخبة یقلّبون الحقائق ویزوّرون الواقع ویزوّقون الأمور بهتاناً وزوراً، فما بالک بسائر أبناء الشعب؟

فی أول اللیل رأیت شاعراً یناضلْ

یرقعُ بالعروض نعلَ الوالی

مستفعلن مستفعلن مفاعلْ!

فی آخر اللیل رأیت شاعراً یرسف فی السلاسلْ

مختنقاً بین جنود الوالی

رأیت ذلّ ماسةٍ فی وسط المزابلْ

مستفعلن مفاعلْ

عند الضحى تحوّلَ المناضلْ

کعباً لنعلِ الوالی

وبرعمَ الوردُ على السلاسلْ! (السابق، 39)

وهکذا الحال أیضاً بوعّاظ السلاطین:

حدّثنا الإمامْ

فی خطبة الجمعةِ عن فضائل النظامْ

والصبرِ والطاعةِ والصیامْ

وقال ما معناهْ

إذا أراد ربّنا مصیبةً بعبده ابتلاهْ

بکثرة الکلامْ

لکنّه لم یذکرِ الجهادَ فی خطبتهِ

وحینَ ذکّرناهْ... قالَ لنا: علیکم السلامْ

وعندما أذّنَ للصلاهْ

قال: نعم.. إلهَ إلاّ الله ! (السابق، 93)

د) الفقر الاقتصادی: بلاد العرب بلاد الثروات والخیرات، هکذا یقال عنهم، لکنّ الشعوب العربیة والشعب العراقی على وجه الدقّة، تعیش فقراً مدقعاً وتغالب الجوع والحرمان:

نزرع الأرض... ونغفو جائعینْ

نحمل الماء... ونمشی ظامئینْ

نخرج النفط... ولا دفء ولا ضوء لنا

إلا شرارات الأمانی ومصابیح الیقینْ

وأمیر المؤمنینْ

منصفٌ فی قسمة المال

فنصفٌ لجواریه ونصف لذویه الجائرینْ

وابنه وهو جنینْ

یتقاضى راتباً.. أکبر من راتب أهلی أجمعینْ

فی مدى عشر سنینْ! (السابق، 225)

ویصوّر الشاعر التردّی الأخلاقی الذی یقود إلیه الفقر والحاجة، حیث تضطرّ بعض النساء إلى التجارة بأعراضهن من أجل الحصول على لقمة العیش وقوت الیوم، فهو یقابل امرأة عربیة فی لندن تبحث عن رجل یدفع لها ما یسدّ رمقها ورمق عائلتها فی الوطن:

 أتفارقین بلادنا

لتهدمی شرف العروبةِ فی بلاد عدوّنا؟!

إنّی أهدمه

لأبنی فی بلادی، من حجارة عفتی

بیتاً لنا.. وبکتْ..فسال الکحل فی الدمعات.. لیلاً رابعاً

فأذابنا.. وأسالنا! (السابق، 205 )

3.  الاغتراب الروحی: عندما یخلو مطر إلى نفسه وما آل إلیه مآله من التشرّد والاغتراب، یطالعنا بلافتات بدیعة تکشف لنا مدى عمق مأساة الاغتراب هذه. تارة یصف غربته الروحیّة الناتجة عن القهر بأنها أضحت خلّه الوفیّ:

 طول عمری یرکض القهر أمامی وورائی

هو لی فی الصیف حمّارة قیظٍ

وهْو لی بردٌ شدیدٌ فی الشتاءِ

هو مائی.. وهوائی... وغذائی... وردائی

وفراشی وغطائی !

ألف شکرٍ أیّها القهرُ على هذا الوفاءِ!

أنا لم ألقَ وفاءً مثله

عند جمیع الأصدقاءِ! (السابق، 178)

إنّ الشاعر یعیش فی زمان لا یشبه الزمان، ومکان لا یشبه المکان، ممّا یقوده إلى الشعور بالغربة والتفرّد والوحدة، حتى لو أقام بین أهله وفی أرض الوطن:

 بلدتی غربة روح وجسدْ

غربة من غیر حدْ

غربة فیها الملایین.. وما فیها أحدْ

غربة موصولة تبدأ فی المهدِ

ولا عودة منها... للأبدْ! (السابق، 483)

 یقول الشاعر فی مقابلة على شبکة الانترنت:

وأصارحک بأن حالنا کشعب یجرّعنی المرارة تکراراً بأشدّ وأقسى مما تجرّعنی إیّاها تلک الأنظمة الجائرة.. ذلک لأننی بالنسبة للثانیة أواجه عدواً صریحاً واضحاً، لا ثقة لی به على الإطلاق، أمّا بالنسبة للأوّل، فإننی أبنی جبالاً من الآمال، ولذلک فإنّ الألم یکسرنی عندما یتبدّى لی فی بعض الأوقات، أنّ هذه الجبال قائمة على الماء(الساخر، 2001).

qنتائج خلصت إلیها هذه الدراسة:

1. للاغتراب مدلولات عدیدة،أهمّها الاغتراب الجغرافی والاغتراب النفسی؛

2. الاغتراب ظاهرة قدیمة امتاز بها شعر الکثیر من الشعراء، إلا أنّها بتعقّد الحیاة البشریة أخذت طابعاً متمیّزاً فی الأدب الحدیث، وبخاصّة فی الشعر العراقی بالمهجر؛

3. إنّ الاغتراب لدى الشاعر العراقی المهجری ممزوج بالالتزام بوجه عامّ؛ إذ لیس بین شعراء المهجر من نشأ اغترابه من تفلّت دینی أو روج على التقالید الدینیة أو الأعراف الاجتماعیة؛

4. الشاعر العراقی المهاجر أحمد مطر امتاز بفنّ اللافتات الذی هو أبیاتٌ تفعیلیة قصیرة تمتاز بوحدة الموضوع، وبتضمّنها على عنصر المفاجأة فی نهایتها. وقد استخدم مطر هذا اللون من الشعر حفاظاً على الوحدة الموضوعیة فیه، وتناغماً مع الأهداف المرجوّة من هذا الفنّ، وملائمةً للعمل الصحافی الذی امتهنه؛

5. تطغى ظاهرة الاغتراب على شعر أحمد مطر، ومنشأها فی الأعمّ الأغلب سیاسیّ وإن ظهر أحیاناً بطابع اجتماعی وروحی.

القرآن الکریم.

•  نهج البلاغة  (تحقیق صبحی الصالح). (1992م). قم: دار الهجرة.

1. البستانی، بطرس. (1993م).  المجانی الحدیثة عن مجانی الأب شیخو. (ج 3). بیروت: دار المشرق.

2. جمال الدین، مصطفى. (1995م).  الدیوان. بیروت: دار المؤرخ العربی.

3. الحاوی، إیلیا سلیم. (1986م). فی النقد والأدب. بیروت: دار الکتاب اللبنانی.

4. حداد، لطفی. (2004م). أنثولوجیا الأدب العربی المهجری المعاصر. بیروت: دار صادر.

5. الخرسان، صلاح. (2001م). صفحات من تاریخ العراق السیاسی الحدیث. بیروت: مؤسسة العارف للمطبوعات.

6. داود، محمد. (2005م). «اغتراب الشخصیة العربیة». www.rasaeldawood.com

7. سلیم،عبدالله. (2005م). «أزمة الشباب المعاصر: دراسة فی حالة الاغتراب لدى شباب العراق». جریدة التآخی. بغداد.

8. عایش، محمد. (2006م). أحمد مطر شاعر المنفى. بیروت: دار الیوسف.

9. غنیم، کمال أحمد. (2004م). عناصر الإبداع الفنّی فی شعر أحمد مطر. قم: منشورات ناظرین.

10. فضل الله، سیدمحمد حسین. (1999م). الهجرة والاغتراب. (باهتمام عادل القاضی). بیروت: مؤسسة العارف للمطبوعات.

11. فهمی، ماهر حسن. (1971م). «شعر الاغتراب فی الأدب العربی». مجلّة مجمع اللغة العربیة. القاهرة.

12. مطر، أحمد. (آ 1987م). «مقابلة مع الشاعر أحمد مطر». مجلة العالم. العدد 185. لندن.

13. ـــــــــــــــــــــــــ (ب 2001م). الأعمال الشعریة الکاملة. لندن: دار الساقی.

14. ـــــــــــــــــــــــــ (ج 2001م). إجابات المتهم أحمد مطر، لقاء على الانترنت.  www.alsakher.com .

15. منشی، أحمد طیب. (2002م).  «الاغتراب بین الضرورة والضرر». مجلة الجزیرة الثقافیة. الریاض.