نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 دانشيار گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه بوعلي سينا همدان

2 دانش‌آموختة کارشناسي ارشد زبان و ادبيات عربي دانشگاه بوعلي سينا همدان

المستخلص

إن ابن‌خفاجة أديب الأندلس وشاعرها وهو صنوبري الأندلس، وبما أن الشعر إلا أقلّه راجع إلى الوصف، فهو من  أعلام الشعراء؛ إذ کان رأس الشعراء الوصّافين. ودراسة أسباب نجاحه في فن الوصف ورمز جودة الوصف تقدّم للآخرين منهجاً واضحاً قد يتّبع. و«التصوير الحرفي» مصطلح وضع ليدل على أدق الأشعار الوصفية وأفضلها وأجودها. وبعبارة أخرى قد يمکن تحويل قصائد الوصف إلى صور مرسومة لکن الأفضل والأجود من هذه القصائد هي التي تکون أقرب من لوحة مرسومة وأسهل في الرسم.
و«التصوير الحرفي رمز جودة الوصف عند ابن خفاجة» مقالة تتناول موضوع الوصف، ثم تذکر عناصر کالعناصر المکونة للوصف، وهي الخيال، والملکة، والشعور، والحوار المفکر؛ کما تذکر ثلاثة عوامل کالعوامل المولدة والمسببة للوصف وهي فطرية الوصف، والطبيعة الساحرة، والحياة اللاهية. وحاولت المقالة کي تقدم دراسة تحليلية عن رمز جودة الوصف عند ابن‌خفاجة الأندلسي.
 

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Graphic Description: The Mystery of Ibn Khafaja's Success in Description

المؤلفون [English]

  • Ali Bagher Taheriniya 1
  • Javad Ranjbar 2

1 Associate Professor, Bu Ali Sina University of Hamadan

2 M.A. in Arabic Language and Literaturer, Bu Ali Sina University of Hamadan

المستخلص [English]

Ibn Khafaja is one of the poets and men of letters in Spain. He is titled to Sanobari of Spain. He is one of the masters of description. Hence, the analysis of successful techniques he has used in the descriptive art could illuminate the way for others. Al-Taswir al-harfi (graphic description) is a term which denotes the highest and most detailed poems. On this basis, the best descriptive poem is one which is closer to a painting. He has used some elements called conforming elements of description which contain: imagination, feeling, faculty, and dialogue as well as three other elements: to be inborn in description, enchanting nature and convenient life. This article is going to give an analysis of the reasons for Ibn Khafaja’s success in description and portrait making.
 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Ibn Khafaja
  • poetry
  • Description
  • portrait

إن تاریخ الأدب العربی یشتمل على عهود تاریخیة أدبیة مختلفة، منها الأدب العربی فی الأندلس أو عهد الأندلس، وهو عهد طال أمده لأکثر من ثمانیة قرون، ووقع موقع الدراسة من قبل الدارسین والباحثین، وانتهت دراسة أغلبیة الباحثین إلى أنها طور تقلید ومحاکاة للشرق والمشارقة. فهؤلاء یرونه عهداً مستقلاً عن تاریخ الأدب العربی، ومن ثم یثبتون له میزة التقلید والمحاکاة. هذا وإنه یبدو عضواً  لهیکل الأدب العربی؛ فلا یقاس العضو مع الهیکل، بل یحلّل دوره ومکانته. فمن أراد أن یقارن الأدب الأندلسی، فلیقارن بینه وبین  عهد من عهود الأدب العربی فی المغرب حتى یصدر حکماً عادلاً.

إن الأدب العربی فی الأندلس یشهد على أن فن الوصف تطور وازدهر أثناء هذا العهد ازدهاراً یثیر الإعجاب ویلفت الأنظار. فکم یذکر اسم ابن‌خفاجة کرائد فن الوصف فی الأدب العربی خاصة فی الأندلس! وهو الذی نوّع فن الوصف وروّجه فی الأغراض الشعریة المختلفة.

مهما کان الأمر ومهما اجتمع من الأسباب، فإن ما أنشده ابن‌خفاجة فی فن الوصف احتلّ مکانة مرموقة فی الأدب العربی. فمن هنا یستحق الدراسة والتحلیل کی ینکشف رمز النجاح وسر الجودة فی هذه القصائد.

بناءً على هذا إن هذه الورقة قد تکون وراء دراسة أسباب هذه الجودة والجمال، وبیان أسباب نجاح رأس شعراء الطبیعة الوصّافین. أما الذی قد بدا خلال البحث والدراسة، فهو ظاهرة سمیّت بـ«التصویر الحرفی» کرمز الجودة.

والتصویر الحرفی یعنی أن الشاعر قد امتاز بسبب أنه ینشد الشعر، وکأنه یحمل ریشته فی مدار الحروف ویرتبها کی یکمل رسماً رائعاً له مواصفات الرسم الفنی البدیع.

و«التصویر الحرفی» مصطلح لعله یصبح مصطلحاً أدبیاً نقدیاً بتکراره فی مثل هذه الورقة وما شابهها من الدراسات الأدبیة، ویقوم مقام الرسم بالکلمات ویجد مکانه من بین المصطلحات الأدبیة؛ إذ له دقة فی التعبیر وإیجاز فی الکلام وتلاحم فی البیان أکثر من «الرسم بالکلمات».

فهذه الورقة قد عالجت الموضوع بدراسة حیاة ابن‌خفاجة وأدبه، وأنواع الوصف وعناصره، کی ینتهی إلى نتائج أدبیة تدل على سرّ الجودة والجمال فی فن الوصف عند ابن‌خفاجة الأندلسی.

 

نظرة فی حیاة ابن‌خفاجة الأندلسی وأدبه

هو أبوإسحق إبراهیم بن أبی‌الفتح بن عبدالله خفاجة الهواری الأندلسی. ولد فی جزیرة «شقر» من أعمال بلنسیة، شرقیَ الأندلس سنة «450هـ»، وتوفی سنة «533هـ» (ابن‌خلکان، د.ت، ص 14؛ والزرکلی، 1979م، ص 57). وقیل لبلدته جزیرة لأن نهر شقر محیط به. وإذا کان لموطن الولادة والنشأة تأثیر فی تکوین الشخصیة، ولاسیما الجانب الذهنی منها، فلیس لنا أن ننکر أثر «شقر» ـ مولد ابن‌خفاجة ـ فی نزعته الأدبیة وخیاله الشعری. فقد کانت کما وصفها یاقوت أنزه بلاد الله وأکثرها روضة وشجراً وماءاً.

إن ابن‌خفاجة علَم من أعلام الشعراء العرب المجددین، وهو بحق شاعر الأندلس و«وصّافها وابن طبیعتها الساحرة» (الخفاجی، 1992م، ص 503).  وقال عنه المقرّی التلمسانی (1998م): «إنه أدیب الأندلس وشاعرها» (ص 231).

إن الشاعر مخضرم؛ إذ أدرک عصری ملوک الطوائف والمرابطین فی الأندلس «وإنهما أزهى عصور الأندلس حیث قامت دولة الأدب والشعر، وغصّت مجالس الأمراء بالشعراء» (الخفاجی، 1992م، ص 501).

إن ابن‌خفاجة قد جرّب عود نفسه فی إنشاد الشعر فی مختلف الأغراض الشعریة من المدح والعتاب والرثاء والشکوى والغزل إلى الوصف. «إنه عاش للفن وابتعد عن السیاسة» (فنون الأدب العربی، د.ت، ص 99)، فشغف بدیاره وفضّله على الدنیا کلّها، فأقبل على الطبیعة وعناصرها والتذّ بمشاهدها ملء العین والقلب حتى سبق القصب فی فن الوصف وأبدع فیه تعبیراً وتصویراً، وأدخل وصف الطبیعة فی المدح والرثاء ووصف المرأة والخمرة.

لقد امتاز أدب ابن‌خفاجة أولاً باستقلال فنون وصف الطبیعة. فمن أبرز مواصفات شعر الوصف عند ابن‌خفاجة هو الإکثار فی وصف الطبیعة ومن ثم استقلال فنون وصف الطبیعة. إن ابن‌خفاجة لم یکتف بوصف الطبیعة کصورة واحدة وکلّ لا یتجزّأ، بل أخذ یصف کلاً من مظاهر الطبیعة على حدّها، فمن ثمّ ظهرت النهریات والجبلیات والدولابیات والزهریات و....

ثانیاً باصطباغ باقی الأغراض الشعریة بفن الوصف. إن الأغراض الشعریة تتنوع تنوع الأسلوب والمضمون وقلما تجتمع الأغراض فی قطعة واحدة. هذا وإن ابن‌خفاجة رغم الالتزام باستقلال الأغراض لم یلتزم هذا بالنسبة إلى فن الوصف، کأنه کان یرى الوصف أوسع من أن یحدد فی غرض خاص، بل شاملاً لجمیع الأغراض من المدح والفخر والرثاء و....

وبهذا السبب لم یمل عن الوصف فی موقف الرثاء والبکاء، ومزج البکاء بوصف رائع یلائم المقتضى، فصوّر الدموع الجاریة على الخدود کالمیاه الجاریة فی الأنهار، وشبّه حال أبدان المحزونین المضطربة بهزّة الأغصان، وأنینهم وإجهاشهم بالبکاء بصوت قنبرة نائحة:

فی کُل‌ِّ   نادٍ منکَ رَوضُ  ثَناءٍ
  ولِکلِّ ­شخصٍ هزَّةُ   الغُصنِ النَّدی
 
 

 

وبکلِّ   خدٍّ منک جدولُ ماءِ
  غِبَّ البُکاءِ ورِنَّةُ المُکّاءِ
 
 

(ابن‌خفاجة الأندلسی، 1994م، ص 16)

وأسلوبه یتجمع فیه قوة الخیال وسعته، وسلاسة العبارة مع میله أحیاناً إلى الألفاظ الغریبة وإلى المعانی الخفیة وإلى شیء من التکلف. وکان یعنى بالموضوع الذی یصوره وینظر إلیه نظرة فاحصة تساعده على دقة التعبیر عن معانیه، حتى سمی بشاعر شرقی الأندلس، کما سمی بالشاعر البستانی، ولقّبه المقرّی التلمسانی (1998م) بـ«صنوبری الأندلس» (ص 342)، لشدة اعتنائه بوصف الطبیعة.

 

الوصف وأنواعه

اختلف الأدباء فی تحدید فن الوصف وتعریفه تعریفاً جامعاً للأوصاف ومانعاً للأغیار، مع أن الکثیرین یرون أن الوصف إلى جانب الغزل والفخر والمدح و... فن من الفنون الشعریة له أسلوبه وتعابیره ومواصفاته، لکن هناک من قارن بین الوصف والفنون البیانیة من الاستعارة والتشبیه والکنایة کأنه من قبیلها.

یشیر ابن‌رشیق القیروانی (2002م) إلى الفرق بین الوصف والتشبیه قائلا: «الفرق بینهما أن الوصف إخبار عن حقیقة الشیء وأن التشبیه مجاز وتمثیل» (ص 439). وبهذه جعل القیروانی الوصف کطریق من طرق إلقاء المعنى الواحد لا فناً شعریاً یستخدم هذه الطرق البیانیة. ثم جاء غازی طلیمات (د.ت)، وأثبت هذا الرأی للقدماء وقال: «نظر الأقدمون فی الوصف فوجدوه یستخدم فنون البیان کالتشبیه والاستعارة والکنایة، ففرّقوا بین الوصف والأدوات الفنیة التی یستخدمها الشاعر» (ص 64).

مهما کان الأمر، فکاد الأدباء أن یتفقوا على أن الوصف فن وغرض شعری، وهو «إنشاء» یراد به إعطاء صورة ذهنیة عن مشهد أو شخص أو إحساس أو زمان للقارئ أو المستمع، وفی العمل الأدبی یخلق الوصف البیئة التی تجری فیها أحداث القصص (مجدی، والمهندس، 1984م، ص 432).

أضف إلى هذه الرؤیة المحددة لإطار الوصف ودلالته أن هناک من وسّع دائرة الوصف بحیث یشمل فنوناً شعریة متنوعة. فالوصف ـ على هذا الأساس ـ إن کان للحبیب وأوصافه فهو «الغزل»، وإن کان للممدوح وفضائله فهو «المدح»، وإن کان للمهجوّ وقبائحه فهو «الهجاء»، وإن کان للنفس ومفاخرها فهو «الفخر»، وإن کان للصید وأحواله فهو «الطرد»، وإن کان للطبیعة وعناصرها فهو «الوصف» المطلق. فبیت القصید «أن الشعر إلا أقلّه راجع إلى الوصف» (القیروانی، 2002م، ص 439).

وهذا تعریف رآه صاحب معجم المصطلحات العربیة فی اللغة والأدب خیر تعریف للمصطلح، لکن لا یسعنا أن نشیر إلى کلمة «إنشاء» فی مطلع التعریف، حیث یذکرنا نوعی الأدب وهما الأدب الوصفی والأدب الإنشائی؛والأول یشمل تاریخ الأدب والنقد الأدبی وما إلى ذلک، والثانی یشمل الشعر والرسائل الأدبیة وما یشبههما. أما العبرة فی أن صاحب المعجم قد جعل الوصف من قبیل الإنشاء حیث قال بأن الوصف هو الإنشاء، مع أنه قسیمه المنطقی؛ حیث الأدب إما إنشائی وإما وصفی، والوصف الذی یقع قسیم الإنشاء یختلف عن الوصف الذی یکون قسماً منه.

والذی یبدو لنا کحلٍّ للمشکلة أننا نرى فن الوصف من قبیل الأدب الوصفی حیث له صورة حقیقیة فی الخارج؛ فلیس الإنشاء من لا شیء، بل محاکاة لشیء فی الخارج. ثم نراه من قبیل الأدب الإنشائی؛ إذ الشاعر خالق ومنشئ بقوة الخیال والموهبة. وقیل: «إن الوصف انطباع المشهد المحسوس فی النفس، وهو تمثله وتخیله والانفعال والتأثر به» (شامی، 1994م، ص 5).

ینقسم الوصف على أساس المستوى إلى ثلاثة أنواع وهی: «الوصف النقلی»، و«الوصف المادی»، و«الوصف الوجدانی». أما الأول فهو المرحلة الأولى من مراحل الوصف حیث یتنازع الشاعر الظاهرة لیفیض علیها فی حیز الألفاظ والصور، وهو ما یسمى «الوصف للوصف» (الحاوی، 1998م، ص 9)، کما یطلق علیه «الوصف الکلاسیکی». وأشعار الجاهلیین حافلة بهذا الوصف؛ نحو قول ابن‌خفاجة (1994م) فی وصف القوس وهو آلة رمی النبل:

عوجاءُ تُعطَفُ ثمّ تُرسَلُ تارةً
  وإذا انحنَت والسهمُ منها خارجٌ

 
 

 

فکأنما هیَ حیّـةٌ تَنسابُ
  فهی الهلالُ انقضَّ منه شهابُ

 
 

(ص 34)

والقوس عند جذبها لرمی السهم تکون نصف دائرة، فشبهها عند ذلک بالحیة عند انطوائها، والهلال قبل استکمال استدارته. انظروا، کیف أحسن تشبیه النبل عند خروجه من القوس حال انطوائها بالشهاب انقضّ من الهلال!

أما الوصف المادی فـ«هو الذی لا یقارن فیه بین مشهد وآخر، بل بین فکرة أو حالة نفسیة من جهة ومشهد حسی أو صورة مادیة من جهة أخرى؛ والصورة فی هذا النوع من الوصف تستقیم على وحدة التأثر النفسی بین فکرة فی الذهن والحواس» (الحاوی، 1998م، ص 9). فالوصف المادی انتقال من المعنویة إلى المادیة؛ نحو قول ابن‌خفاجة (1994م) واصفاً الأرق:

أبى البرقُ   إلا أن یحنَّ فؤادٌ
 
 

 

ویَکحَلَ أجفانَ المحبِّ سهادُ
 
 

(ص 79)

فشبّه الشاعر الأرق ـ وهو فکرة ـ بالکحل الذی هو شیء مادی حسی.

أما الوصف الوجدانی فـ«هو الذی یتخطّى الشاعر حدود الظاهرة ویُنیط بها مفهوماً شعریاً جدیداً هو امتداد من المفهوم العام أو تأویل له وهنا تغدو الظاهرة شبیهة برمز» (الحاوی، 1998م، ص 12)، وفیه یعبّر الشاعر عن ذاته من خلال المشهد، فهو تصویر على حدقة الخیال وشاشة الضمیر (السابق).

فشاعر الوصف الوجدانی یعبّر عن ذاته ویعطی الطبیعة الجامدة الحرکة والحیاة والنشاط. فالوجود عنده کائن حیّ له مواصفات الحیاة من الضحک والنطق والألم والفرح والطرب و...؛ نحو قول ابن‌خفاجة (1994م) واصفاً حسد السماء:

ألا یا حبَّذا ضَحِکُ الحُمَیَّا
  وأدهمَ من جیاد
ِ الماءِ  مُهرٍ
  إذا بدتِ الکواکبُ فیه غرقى

 
 

 

بحانتِها، وقد عَبَسَ المساءُُ
  تَنازعُ جُلَّه رِیحٌ رَخاءُ
  رأیتَ ­الأرضَ تحسُدُها السّماءُ

 
 

(ص 13)

نظر الشاعر إلى السماء فتأثر برؤیتها وانثنى لوصفها، فهو لم یعبّر خلاله عما رآه فحسب، بل عبر مما رآه إلى ما شعر به. فالضحک والعبس هما من ذات الشاعر، والحسد اندمج فی نفس السماء التی تحسد الأرض.

أما الفرق بین الوصف النقلی والوصف الوجدانی فهو:

أن الأول بحدقته یراقب الأشیاء، ویقدّر ما یبصره من شکلها وأوصافها تقدیراً شائعاً علمیاً، والثانی ینصرف إلى تأویل الظاهرة. ثم إن فضیلة الوصف النقلی هی فی دقته وصحة تشابیهه، بینما تبدو فضیلة الوصف الوجدانی فی نزعته الداخلیة وتوغّله فی ذات الشاعر وذات الأشیاء. فالأول یعنى بتجسید الشکل، والثانی بالمعنى وراءه (عید، 2006م، ص 839).

 

عناصر الوصف عند ابن‌خفاجة الأندلسی

الف) العناصر المولّدة

قبل أن أتناول تحلیل عناصر الوصف، لابدّ أن أشیر إلى أهم مصدر إلهام أوحى إلى الشعراء الأندلسیین موهبة الوصف، وجعلهم متمیزین فی هذا الفن الشعری. نعم، إن الطبیعة الأندلسیة هی مصدر الإلهام والإیحاء. «کان للطبیعة الساحرة أثرها الکبیر فی خصب عقول الأندلسیین ورفاهیة حسّهم ورقّة تصویرهم وسعة خیالهم. فالطبیعة الأندلسیة هی المعلم الأول الذی ألهم شعراءه هذه الصور البدیعة» (سلامة،1989م، ص 89). فللطبیعة أثرها فی الأخلاق والتذوق والمهارة حیث «المرء مسوق بحکم طبعه إلى التکیّف بالبیئة وعواملها» (الحاوی، 1998م، ص 225). ومظاهر الطبیعة الأندلسیة تثیر تلطّف الأذواق وتؤدی إلى التلذذ بمظاهر الجمال ومباهجه وصفاته، مع أن للطبیعة دوراً رئیسیاً فی ازدهار فن الوصف فی الأندلس، لکنها لم تکن هی السبب الوحید فی هذا المجال. فإن هناک أسباباً تتسبّب عن هذا الازدهار والتطور، وولدت قصائد وصف معجبة رائعة.

فکلمة السّرّ فی سبب شیوع فن الوصف فی الأندلس وازدهاره وتطوره تبدو فی وجود مثلث کامل الأضلاع والزوایا. فلو أصبح لأیّ مکان وفی أیّ زمان هذا المثلث المولد للوصف، لکان فی مرتبة الأندلس فی وصفه المتطور والمزدهر.

أما الأول من الثلاث فهو فطریة الوصف کحب ذاتی یکمن فی وجود الإنسان، ویترصد فرصة یلبی نداء ذاته. «یمیل الإنسان فطریاً إلى أن یصف ما یثیر مشاعره وإذا کان مبدعاً یستطیع أن یقدم وصفه فی صورة فنیة» (آذرشب، 1382هـ. ش، ص 57). أما الثانی من الثلاث فهو الطبیعة الساحرة الفاتنة، وکما ذکرنا آنفاً أنه هو المعلم الأول الذی یوحی الشعراء موهبة الوصف ویلهمهم کیفیة خلق الصور المعجبة الفاتنة. والثالث هو الحیاة اللاهیة. وهذه هی الثالثة للأثافی التی تکمل مثلث فطریة الوصف والطبیعة الساحرة بحیاته اللاهیة. «لقد عکف الشاعر الأندلسی یصوّر الحب واللهو والخمر فی إطار الطبیعة مقدِّماً لنا لوحات رسم فیها الأصباغ والألوان» (سلامة، 1989م، ص 89؛ والخفاجى، 1992م، ص 131).

        إذن هذا هو المثلث الوصفی:                                                     فطریّة  الوصف

 

 

 

                                                             الطبیعة الساحرة                                              الحیاة اللاهیة

فما نراه من وصف رائع معجب فی شعر ابن‌خفاجة لیس إلا مولوداً لاجتماع الأسباب الثلاثة التی کوّنت مثلثاً فی عهد ابن‌خفاجة الأندلسی وذاته. فکلما لم یکمل المثلث فی عصرٍ ومصرٍ لا یزدهر فن الوصف الشعری بل یشکو فقد أرضیة لازمة للتطور والازدهار.

ب) العناصر المکونة للوصف المعجب

فلو وجد المثلث الوصفی سیکون الصور الوصفیة الممتازة عند وجود مربع العناصر الذی یساعد الشاعر فی خلق الرسم والصور الفنیة المثیرة والمؤثرة.

فالعناصرالمکونة للوصف هی:

عنصر الشعور، «وهو المحرک الأول للوصف الوجدانی» (عید، 2006م، ص 828)؛ فهذا عنصر یذکرنا بتسمیة الشاعر بالشاعر؛ إذ بشعوره یشعر ما لا یشعره غیره؛ فمشاعره أقوى، وتأثره أشد من غیره، تذیبه حرارة غموم الآخرین ویفرحه سرورهم. وابن‌خفاجة الشاعر الوصّاف لا یکتفی بالمشاهد الخارجیة، بل یعبر منها إلى البواطن والروح، فیرى بقلبه ویشعر بشعوره فیصور ما رآه القلب والمشاعر.

وعنصر الخیال، وهو العنصر الذی یفصل بین النظم والشعر کما یفصل بین النثر والشعر. و«الخیال هو الغرفة المظلمة التی تحول الظلال الشعریة المموهة إلى صورة ذات شکل وحدود ومعنى فهو یترجم الشعور ویجسده» (عید، 2006م، ص 838). فالشاعر بشعوره یرى ویتراءى له ثم یصور لنا ویجید ما رآه بقوة الخیال الواسع الذی یتمیز به الشعراء المتمیزون. فانظروا إلى الشاعر الفارسی کیف یستخدم الخیال والشعور کی یصور لنا حالة «کوز» ساذج قد لا یعجب فاقدی الذوق والموهبة الفنیة:

کان هذا الکوز مثلی عاشقاً
  وأرى عروتَه کانت یداً

 
 

 

والِهاً فی صدغ ظبیٍ   أغیَد
  طوّقتْ جیدَ حبیب أجیَد

 
 

(الخیام، 1989م، ص 93)

و«الملکة» (شامی، 1994م، ص 6) فی ملاحظة الأشیاء، والرؤیة النافذة فی المشاهد، والتأمل فی التفاصیل والحرکة والأوصاف. وکما ذکر آنفا رأینا أن الشاعر إن کان له ملکة وشعور إلى جانب الخیال سیرسم صورة معجبة تکشف عن البواطن والزوایا الکامنة.

و«الحوار الواعظ المفکر» (السعید، 1980م، ص 120)، وهو عنصر ینشئه الشاعر بقوة التشخیص حیث یعطی عناصر الطبیعة الحیاة والوجود ویجعل البیئة صدر أمّ حنون أو حضن حبیبة یشعّ محبة ووفاء.

عنصر الحوار المفکر یعطی الصورة الحرکة والحیاة ومهما اشتدّ المیزة، تکثر الحرکة وتنشط الحیاة؛ نحو قول ابن‌خفاجة (1994م) عندما یصف الجبل یثبت له أوصاف الشیخ الوقور، والرجل المفکر فی العواقب، ویرى له النطق رغم الصمت والسکوت، فهو ینطق بلسانه فلیعتبر أولی الأبصار والاعتبار:

وقورٍ على ظَهرِ الفلاةِ کأنه
  أصَخت
ُ إلیه وهو أخرسُ صامتٌ
 
 

 

طوالَ اللیالی مُفکر فی العواقبِ
  فحدّثنی لیل
ُ السُّرى بالعجائبِ
 
 

(ص 48)

ثم یتکلم على لسانه ویحیی ذکریاته من کونه ملجأً وموطناً ومعبراً ومظلاً، وشکواه من لطم الریاح وزحمة البحار:

وقال ألا کم کنتُ ملجأ فاتکٍ
  وکم مرّ بی من مُدلجٍ ومؤوِّبٍ

 
 

 

وموطنَ أوّاهٍ تبـتَّلَ تائبِ
  وقال بظلّی ­من ­مطیّ  ومرکبِ

 
 

(السابق)

إن الجبل فی صورة ابن‌خفاجة یئنّ ویبکی مما یصیبه دائماً من ظعن الأصحاب وتودیعهم، وسهر اللیالی ومراعاة الکواکب:

ولاطَمَ من نُکَب الرّیاح مَعاطِفی
  فما کان إلا أن طوتهم یدُ الرّدى
  فحتى متى أبقى ویظعنُ صاحبٌ
  وحتى متى أرعى ­الکواکب­َ ساهراً

 
 

 

وزاحَمَ من ­خُضرِ البحارِ غَواربِی
  وطارت بهم ریحُ النّوى والنوائب
ِ
  أودِّعُ منه راحلاً غیرَ آیب
ِ؟
  فمِن طالع
ٍ، أخرى اللیالی وغاربِ؟
 
 

(السابق)

إنه یترحم مولاه متضرعاً ویمدّ إلیه ید العون والعنایة، ثم یتلقى عبرة یعبر عنها التجارب بلسانها، وأخیراً ینهی القصیدة بقوله «إنا مِن مقیم وذاهب»، ویعترف بأن القدر والمصیرة یسببان عن إقامة البعض وذهاب البعض:

فَرُحماک یا مولایَ، دعوةَ ضارعٍ
  فأسمَعَنی من وعظه کلَّ عبرةٍ
  فسلّى بما أبکى، وسرّى بما شجا
  وقُلتُ وقد نکَّبتُ عنه لِطِـیَّةٍ

 
 

 

یَمُدُّ إلى نُعماک راحةَ راغبِ
  یُترجمُها عنه لسانُ التّجارب
ِ
  وکان على عهد
ِ السُّرى خیرَ صاحبِ
  سلامٌ، فإنا من مُقیم
ٍ وذاهبِ
 
 

(السابق)

وعنصر الطبیعة هو المکوّن للتجارب الشعریة. لکل أحد تجارب فی حیاته، فلکل شاعر تجارب تختص به. التجربة الشعریة تمتاز بالدقة والشعور والعاطفة وتکون وراء التأثیر خلافاً للتجربة غیر الشاعریة التی تکون ساذجة بسیطة. فالطبیعة بعناصرها المختلفة من أهم عناصر الوصف فی الأدب الاندلسی. «الطبیعة کائن حی یحبّها الشاعر وتحبّه، یناجیها وتناجیه. بصحبتها تطیب الساعات، وبأفیائها تحلو رقائق العیش» (الحاوی، 1998م، ص 36).

فهذا مربع العناصر المولدة للصور الفنیة الشعریة المؤثرة والمثیرة:

                                                         الشعور                         الخیال  

 

                        

                                                          الملکة                          الحوار المفکر

 

 

أحسن الأوصاف وأفضلها

بناءاً على ما جاء فی المثلث الوصفی ومربع العناصر من الطبیعی أن نبحث عن معاییر تدلّنا على أحسن الأوصاف وأجملها. یقول ابن‌رشیق القیروانی (2002م): «أحسن الوصف ما نعت به الشیء حتى یکاد یمثله عیاناً للسامع» (ص 440). ورأى قدامة بن جعفر (د.ت):

إن الوصف إنما ذکر الشیء بما فیه من الأحوال والهیئات، ولما کان أکثر وصف الشعراء إنما یقع على الأشیاء المرکبة من ضروب المعانی کان أحسنهم وصفاً من أتى فی شعره أکثر المعانی التی الموصوف بها مرکب فیها، ثم بأظهرها فیه وأولاها به حتى یحکیه ویمثله للحس بنعته (ص 130).

ورأى یحیى شامی (1994م) أن أفضل الوصف «ما کان إیحائیاً یسمو به صاحبه عن الواقع المادی المحسوس المنقول دون أن یغرق فی الابتعاد الکلی عن حقیقة الشیء لیقع فی اللاشیء» (ص 5)؛ لکن الذی خیر الکلام لِقلّته ودلالته هو «أبلغ الوصف ما قلّب السمع بصراً» (القیروانی، 2002م، ص 440)؛ وإذا کان أبلغ الوصف ما قلّب السمع بصراً فأحسن الوصف وأجمله ما قلّب القصیدة إلى لوحة رسم.

فابن‌خفاجة الأندلسی لنجاحه فی تقلیب السمع بصراً، أصبح رأس الشعراء الوصّافین فی الأدب الأندلسی والشرقی معاً؛ فهو رسّام یغمس ریشته فی حبر عناصر الطبیعة ویشبه ما یرى ویصوره؛ فالقصیدة هی اللوحة، والقلم هو الریشة، والحروف والکلمات هی الأجزاء والألوان والأطلال. قارنوا بین الأبیات التالیة والصورة المرسومة إلى جانبها کی یبدو مستوى المشابهة بین الرسم والتصویر الحرفی الذی یمثل خیر أنموذج للوصف الشعری:

                       

 

لله نهرٌ سالَ فی بطحاءِ
  متعطّفٌ مثلَ السوار کأنه
  قد رَقَّ­ حتى ­ظُنَّ­ قُرصاً مُفرغاً

 
 

 

أشهى وروداً من لمَى الحسناءِ
  والزهرُ یکنفه مَجر
ُّ سماءِ
  من فِضَّةٍ فی بردةٍ خضراء
ِ
 
 

(ابن‌خفاجة الأندلسی، 1994م، ص 12)

فالصورة المرسومة تصوّر لنا البیت الثانی فی جانبها الأیسر، والبیت الثالث فی جانبها الأیمن.

 

 

       

   
   

        

   
   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وغدت ­تحفُّ ­به­ الغصونُ­ کأنها
  والریحُ ­تعبَثُ ­بالغصون ­وقد جرى

 
 

 

هُدبٌ یُحفُّ بمُقلةٍ زرقاءِ
  ذهبُ الأصیلِ على لُجَینِ الماءِ

 
 

(السابق)

«إنما الشعر صناعة من النسج، وضرب من التصویر» (الجاحظ، 1988م، ص 131)، ولکنه یمتاز فی جوانب منها بأن الشاعر قد یذکر الکلام ویعبر عن أحاسیسه وإعجابه خلافاً للراسم الذی یرسم ولا یصرّح بالکلام والأحاسیس. أضف إلى ذلک أن التصویر الحرفی قد یحدث باستقلالیة الأبیات دون القصیدة بحیث یرى القارئ کلاً من الأبیات رسماً واحداً مستقلاً.

أخیراً قد جعلنا صورة حرفیة إلى جانب صورة مرسومة کی تسهل المقارنة للمخاطب؛ فلیدقق النظر ویرسل النظر إلى دقائق الصورتین: الصورة الحرفیة والصورة الرسمیة.

 

النتیجة

1 ـ أرضیة ظهور فن الوصف وشیوعه وازدهاره تبتنی على وجود المثلث المولد للوصف المعجب أعنی فطریة الوصف، والطبیعة الخلّابة الساحرة، والحیاة اللاهیة.

2 ـ عناصر الوصف أربعة تشکل مربعاً مکوناً للصور الفنیة الشعریة أعنی الخیال، والشعور، والملکة، والحوار المفکر.

3 ـ خیر أنموذج لأفضل وصف شعری هو الذی یمکن أن یطلق علیه بالتصویر الحرفی؛ إذ یسهل تحویله إلى لوحة رسم لها دقة وجمال، وهو الذی امتاز به الشاعر الأندلسی الوصّاف، ابن‌خفاجة الأندلسی.