نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

استاديار گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه سمنان

المستخلص

في القرن الرابع الهجري تسللت الفنون البديعية إلى النثر بعد أن کانت منحصرة بالشعر، وظهر ما عُرف بالتصنيع الذي أصبح سمة القرن. وفي النصف الثاني منه ظهرت المقامات بحلتها الجديدة التي ألبسها إياها بديع الزمان الهمذاني، فقد جعل الهمذاني مقاماته تدور حول الکدية والمکدين وحيلهم، وجعل لها راوياً ثابتاً، وبطلاً ثابتاً کذلک، وأغرقها بالمحسنات اللفظية والمعنوية، وجعل هدفها الأصلي هو تعليم الناشئة أصول الکتابة الأدبية، أو ما نسميه اليوم بالنثر الفني.
وبعد مرور قرن ونيّف على ولادة الهمذاني، ولد في البصرة أبو محمد الحريري الذي اقتفى أثر الهمذاني وسار على خطاه، سواء في الأسلوب أو في الهدف والغاية، ولکنه کان الطالب الذي بزّ معلّمه وتخطّاه. وإذا کان التصنيع من سمات عصر الهمذاني، فإن التصنّع هو من سمات عصر الحريري، وإذا کان الهمذاني قد أغرق مقاماته بالمحسنات البديعية، فإن الحريري قد غالى في إغراق مقاماته بالبديع. وإذ يعترف الحريري ـ محافظاً على الأمانة العلمية ـ بتقليده للهمذاني وبفضله عليه، إلاّ أنه ـ في الواقع ـ أضاف إضافات أساسية إلى المقامة وألبسها حلّة جديدة تختلف کثيراً عن حلّتها القديمة، وإن حافظت على کثير من سماتها الأساسية. فقد نوّع الحريري موضوعاته ونظّمها، وأطال مقاماته وزوّقها واهتمّ کثيراً بمسائل التعقيد اللفظي والأحاجي اللغوية التي يعتبرها مهارة ومقدرة. ولعل هذا هو أهم ما يميّز مقامات الحريري عن مقامات الهمذاني، حيث إنها کُتبت في عصر التصنّع، فيما کُتبت الأخيرة في عصر التصنيع. ولقد اشتهرت مقامات الحريري في حياته، إذ أجاز بخطّه «700» نسخة منها، عدا ما لم يُجزه، وقد  وصلت إلينا کاملة، رغم قلتها عدداً (50 مقامة)، بالمقارنة إلى مقامات الهمذاني التي بلغت الأربعمائة، ولکن لم يصل منها سوى بضعة وخمسين مقامة. ولعلّ ما اتسمت به مقامات الحريري يفسر لنا شدة إقبال المختصين عليها آنذاک، بحيث نُسيت أو کادت، مقامات الهمذاني.

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Simulation and Contrivance in Hariri’s Maghamat

المؤلف [English]

  • Shaker Amery

Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Semnan

المستخلص [English]

In the fourth century after Hijra (A.H), many kinds of rhetoric arts became common and popular in literary texts. In that cultural atmosphere, the Maghamat emerged. Badi al-Zaman al-Hamadani was the first to write the Maghamat in Arabic literature in the second half of the fourth century (A.H). The principal recurrent subject of his Maghamat was mendicancy. Every Maghama (singular of Maghamat in Arabic) must have a Rawi (narrator) and a hero. The narrator and the hero are repeated in all of the Maghamat. Al-Hamadani wrote 400 Maghama, only 54 of which are now available. Nearly a hundred years later, al-Hariri al-Basri appeared in the literary scene and helped the development of this literary sub-genre. Al-Hariri admitted in the introduction to his book (Maghamat) that he imitated al-Hamadani in this genre. Hence, al-Hariri’s Maghamat are both similar to and different from those of al-Hamadani. He wrote 50 Maghama on several topics. His Maghamat were longer, better organized and included more rhetorical devices.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Maghamat
  • Rhetoric
  • narrator (Rawi)
  • hero
  • entanglement

المقدمة

الحمد لله حمداً لا أول لأولیته ولا آخر لآخریته، والصلاة والسلام على قادة البشر محمد وآله أولی النهى والعبر. وبعد فإن الکتابة عن مقامات الهمذانی والحریری مملوّة صعوبة ولا تخلو من متعة، فهو أمر یتطلب قراءة متمعّنة دقیقة لمقامات کل منهما. ومما لا شک فیه أن دراسة لمواضع الإبداع والتطور فی مقامات الحریری مقارنة بـ مقامات الهمذانی تحتاج إلى وقت وفیر، ومجال کبیر، وهو ما لا یتوفر فی مقالة واحدة. وإن الخوض فی هذا الأمر یشبه الخوض فی بحر لُجِّی لا یُرى له ساحل ولا یُدرک له قعر، فیه ظلمات ورعد وبرق، أمواجه کالجبال، والخروج منه بسلام محال. ولکننی ـ ومن باب ما لا یُدرک کله لا یُترک جله ـ قررت الاغتراف من لجّته غرفة بیدی، لعل ذلک یشفی بعض الغلیل.

لقد حظیت مقامات الحریری، التی انتهى من إنشائها عام «504هـ»، باهتمام المختصّین وأشهر من شرحها ثلاثة من کبار اللغویین القدماء، وتلک الشروح هی شرح المطرّزی (590هـ)، وشرح العکبری (616هـ)، وشرح الشریشی (619هـ). کما أنها تُرجمت إلى عدد من اللغات الحیّة، کالفرنسیة والإنجلیزیة والألمانیة والفارسیة وغیرها (الحریری، د. ت، ص 7).

ارتکزت المقالة على ثلاثة محاور:

  • التعریف بالمقامة ونشأتها؛
  • والتعریف بالهمذانی باعتباره المبتکر لها، وبالحریری باعتباره المطوّر لها؛
  •  وذکر عدد من مظاهر الإبداع لدى الحریری فی مقاماته.

والملاحظ هو أننی لم أذکر مظاهر التقلید لدى الحریری باعتباره واحداً من محاور المقالة وذلک بسبب کون مقامات الحریری بحدّ ذاتها تقلیداً لـمـقامات الهمذانی، الأمر الذی اعترف به الحریری وکرّرتُه کثیراً خلال المقالة. والله أسأل أن یوفقنی فی مسعای، إنه نعم المولى ونعم النصیر.

 

ما هی المقامة؟

جاء فی لسان العرب ما یلی:

والمَقام والمَقامة: المجلس. ومَقامات الناس: مجالسهم؛ قال العباس بن مرداس أنشده ابن بری:

فأیّی   ما وأیُّک کان شـراً
 
 

 

فقیدَ   إلى المقامة لا یراها؟[1]
 
 

ویقال للجماعة یجتمعون فی مجلس مَقامة؛ ومنه قول لبید:

ومَقامةٍ   غُلبِ الرِّقابِ کأنّهم
 
 

 

جِنٌّ،   لدى بابِ الحصیرِ قیامُ
 
 

الحصیر: الملک ههُنا، والجمع مقامات؛ أنشد ابن بری لزهیر:

وفیهم   مقاماتٌ حسانٌ وجوهُهُم
 
 

 

وأندیةٌ   ینتابُها القولُ والفعلُ[2]
 
 

ومقامات الناس مجالسهم أیضاً. والمقامة والمقام: الموضع الذی تقوم فیه» (ابن منظور، 1992م، مادة «قام»).

وقال فی المعجم الوسیط:

أقام (بالمکان): لبث فیه واتخذه وطناً». وقال فی موضع آخر: «المقام: موضع القدمین والمجلس والجماعة من الناس. والمقامة: الجماعة من الناس والمجلس والخطبة أو العظة أو نحوهما، أو قصة قصیرة مسجوعة تشتمل على عظة أو مُلحة کان الأدباء یُظهرون فیها براعتهم (مجمع اللغة العربیة، 1996م، مادة «قام»).

وجاء نحو ذلک فی المعجم المجمعی (بقّال، 1376هـ. ش، ج 5، ص 143). وجاء فی لغت‌نامة ما یلی:

مقامه: جاى نشستن. مجلس: من بر گوشه‌اى از آن هنگامه و بر طرفى از آن مقامه متفکر آن مقالت و متحیّر آن حالت بودم (مقامات حمیدی، چ اصفهان، ص 17) ... خطبه منظوم ومنثور. خطبه یا سخنان ادبى به نثر فنى ومصنوع توأم با اشعار و امثال و مشحون به صنایع بدیعى اعم از لفظى و معنوى، مانند مقامات بدیعى و مقامات حریرى در عربى و مقامات حمیدى در زبان فارسى. ج مقامات: این هر دو مقامه سابق و لاحق که به عبارت تازى و لغت حجازى ساخته و پرداخته شده است اگرچه بر هر دو مزید نیست، اما عوام عجم را مفید نه (مقامات حمیدی، چ اصفهان، ص 4) (دهخدا، 1383هـ. ش، مادة «مَقامَه»).

کما جاء فی موضع آخر منه ما یلی:

مقامات: ج مقامة ... حکایات عربیه، چنانکه مقامات حریرى و مقامات بدیعى و مقامات هندى و مقامات عربیه. (غیاث) (آنندراج). مکالماتى که داراى محاورات مجالس و محافل تازیان شد، مانند مقامات حریرى و مقامات بدیعى (ناظم الاطباء). خطبه‌هاى منظوم و منثور، مانند مقامات حریرى، و تسمیه کلام به مقامات از باب موضعى است که در آنجا گفتهمى‌شود (از أقرب الموارد). آن وقت که خواجه فقیه رئیس ابو عبد الله محمد بن یحیى به ریاست بیهق آمد فضلا مقامات انشاء کردند و یکى از این مقامات این بود که خواجه ابو عبد الله الزیادى ... گوید جعل الله ... (تاریخ بیهق). تا وقتى به حسن اتفاق در نشر و طى آن اوراق به مقامات بدیع همدانى و ابو القاسم حریرى رسید (مقامات حمیدی، چ اصفهان، ص 4) ... (دهخدا، 1383هـ. ش، مادة «مَقامات»).

وقال فی موضع آخر فیه:

مقامة: جاى نشستن. ج مقامات (منتهى الارب) (آنندراج). مجلس و محل نشستن (ناظم الاطباء). مجلس. ج مقامات (أقرب الموارد). گروه از مردم (منتهى الارب) (آنندراج). جماعتى از مردمان (ناظم الاطباء) (از اقرب الموارد). بیان سرگذشت به شرح واقعه: المقامة فی معنى ولایة العهد بالأمیر شهاب الدولة مسعود وما جرى من أحواله ( تاریخ بیهقی، چ فیاض، ص 111) (دهخدا، 1383هـ. ش، مادة «مَقامة»).

وقال محیی‌الدین عبدالحمید (د. ت):

المقامة فی أصل اللغة المجلس یجتمع فیه الناس، ثم استعملها الأدباء فی الخطبة أو العظة، وکأنهم أرادوا أن الشأن فی هذین إلقاؤهما فی الأندیة والمحافل، ثم خصّوهما بالقصص التی یتحدثون بها على ألسنة قوم یسمونهم رواة ـ إن حقیقةً أو خیالاً ـ ویجیؤون فیها بالأغراض المختلفة (ص 10، الحاشیة).

والواقع ـ کما لاحظنا فی ما مرّ ـ أن معنى المقامة قد تطور من المعنى اللغوی للکلمة إلى المعنى الاصطلاحی. فهی فی الأصل موضع القیام، ثم استُعملت للمجلس، ثم للجالسین فیه، کما أن المجلس یُطلق على موضع الجلوس وعلى الجالسین فیه کذلک. وکذا أُطلقت المقامة على الأماکن التی تخصص للخطباء والقصّاصین فی المجالس والأندیة، کما یقال لها مجلس کذلک. وأُطلقت کلمة المقامة ـ والمجلس کذلک ـ على الخطبة وشبهها التی تُلقى فی المجالس. وبهذا نرى أن کلمة المجلس تُرادف کلمة المقامة، وهذا مجاز مرسل علاقته الکلیة، من باب إطلاق الکل وإرادة الجزء، إطلاق المقامة والمجلس وإرادة ما یُلقى فیهما. وهذا ما جاء فی شرح مقامات الزمخشری وإن لم یکن على الترتیب السالف الذکر. قال:

المقام والمقامة، کالمکان والمکانة: موضع القیام، فاتُّسِع فیهما حتى استُعملا استعمال المکان والمجلس، وقال الله تعالى: «خیرٌ مقاماً وأحسنُ ندیّاًª (مریم 19: 73). وقال نهشل بن جری الدارمی:

إنا نظرنا فی المَــقامةِ   مــالکاً
 
 

 

ونظرَ المسافرِ: أینَ ضوءُ الفرقـدِ؟[3]
 
 

وقال المسیّب بن غلس:

وکالمسکِ تُرْبُ مَقاماتِهم
 
 

 

وتُرْبُ قبورهم أطیبُ[4]
 
 

ثم قیل لما یُقام به فیها من خطبة أو شبهها مقامة، کما یقال له مجلس. ویقال مقامات الخطباء ومجالس القصّاص، کما یُسمى الجالسون فیها مقامةً أو مجلساً. قال زهیر:

وفیهم   مقاماتٌ حسانٌ وجوهُهُم
 
 

 

وأندیةٌ   ینتابُها القولُ والفعلُ
 
 

وقال مهلهل:

و نُبِّئتُ أن النارَ بعـدکَ أوقِدَتْ
 
 

 

واسْتَبَّ بعدَکَ یا کُلیبُ المجلسُ[5]
 
 

 (الزمخشری، 1987م، ص 16، الحاشیة)

وقال أنیس المقدسی نقلاً عن صبح الأعشى: «المقامات جمع مقامة، وهی اسم للمجلس أو الجماعة من الناس، وسمیت الأُحدوثة من الکلام مقامة لأنها تُذکر فی مجلس واحد یجتمع فیه الجماعة لسماعها» (المقدسی، 1979م، ص 360).

ولکن المقامات التی نحن بصددها أبعد من هذه المعانی لکلمة المقامة أو المجلس ـ وإن أشار الیها الدکتور محیی الدین عبد الحمید ـ فهی لا یشارکها فی معناها الجدید شیء آخر ولا یکون المجلس مرادفاً لها، إذ إن المقامة بهذا المعنى لها خصوصیات وممیزات کشفت عنها مقامات الهمذانی والحریری، أهمّها أن موضوعها المتکرر یقوم على الکدیة، وأن کل مقامة فیها تحتوی على راوٍ، هو عیسى بن هشام لدى الهمذانی، والحارث بن همام لدى الحریری؛ وبطلٍ، هو أبو الفتح الإسکندری لدى الهمذانی، وأبو زید السروجی لدى الحریری؛ واستخدام المحسنات اللفظیة والمعنویة بکثرة، وخاصة السجع، وهو سجع متکلَّف فی أکثره. أما إطلاق اسم المقامات على بعض المواعظ، کـمقامات الزمخشری، فهو لیس دقیقاً فی الواقع.

کیف نشأت المقامة؟

المقامة لم تنشأ من فراغ، ولم تکن مقطوعة عن غیرها من الفنون، ولا بمعزل عن حرکة الأدب وسیره العام، بل کانت امتداداً لها. کما أنها کانت استجابة طبیعیة لما فی عصرها من أسالیب لغویة ومدارس أدبیة. و«فی القرن الرابع أخذت الصناعة البدیعیة تشتد لکنها لم تقض على الأسلوب المتوازن الذی عرفناه فی الجاحظ ومن حذا حذوه من کتّاب ذلک القرن وما بعده. والواقع أن الأسلوب المسجّع لم تتم له السیادة فی التصنیف کما تمت له فی الترسّل والخطابة وما إلیها من ضروب الإنشاء الأدبی» (المقدسی، 1976م، ص 197).

من ذلک نرى أن التصنیع والتزویق اللفظی بزغ فی القرن الرابع الذی ظهرت المقامات فی النصف الثانی منه، واستمر مزدهراً حتى النهضة الأدبیة الحدیثة التی ظهرت أولى طلائعها بعد تسعة قرون تقریباً. وقد اختُلف فی نشأة المقامات والمبتکر لها، حیث یتحدث أنیس المقدسی عن هذا الموضوع فیورد بعض الآراء فی هذا الصدد، إذ یذکر أن بروکلمان یذهب إلى أن أقدم معانی المقامة یرجع إلى أیام الجاهلیة (المصدر السابق، ص 362). وینقل عن زکی مبارک أنه یعتبر ابن درید هو أول من ابتدع المقامات (السابق، ص 263).

یؤید ذلک ما نقله شوقی ضیف عن الحصری أن البدیع عارض بمقاماته أحادیث ابن درید التی سمّاها بالمقامات، ولکن موضوعاتها کانت متنوعة تدور غالباً حول حکایات عربیة قدیمة للتاریخ والحب فیها نصیب، بینما استقرّت مقامات البدیع على موضوع الکدیة، ولکن کلا المقامات تشترک فی هدف واحد، وهو تعلیم الناشئة اللغة (ضیف / 1، ص 248).

وحتى فکرة الکدیة لم تکن من اختراع بدیع الزمان، بل إن الأدباء السیّارین الذین کانوا یُسمّون بالساسانیین، کانوا یشغلون حیّزاً فی الحیاة الأدبیة فی القرن الرابع الهجری، وقد سمى الهمذانی إحدى مقاماته بالمقامة الساسانیة، کما أن أشعار الکدیة ووصف حیل المکدین کانت شائعة آنذاک، وأهم الشعراء فی هذا الصدد هو أبودلف الذی روى الهمذانی بعض أشعاره فی إحدى مقاماته، حیث عارض أبودلف هذا دالیة الأحنف العکبری التی شرح فیها حال المتکدین وحیلهم وطرائفهم ومصطلحاتهم (السابق، ص 248 و249).

ومهما یکن من أمر فإن المقامات التی اعتُبرت فناً من الفنون الأدبیة یعود الفضل فی إنشائها بشکلها الأدبی الذی شاع فی القرنین الخامس والسادس للهجرة إلى بدیع الزمان الهمذانی، فهو أول من اخترعها کقطعة فنیة لها خصوصیاتها التی تمیّزها عن غیرها من الفنون، وجعل موضوعها المتکرر هو الکدیة، کما اختص جمیع مقاماته براوٍ ثابت وبطل لا یتغیر. فلنرَ من هو الهمذانی؟

 

من هو بدیع الزمان الهمذانی؟

الهمذانی کاتب متمکن وعالم متبحر وأدیب بارع ولغوی قدیر، قال عنه محیی‌الدین عبدالحمید: «الکاتب المترسِّل والشاعر المجید، قدوة الحریری،مدانی؟

رعها وجعل موضوعها المتکرر هو الکدیة. وقریع الخوارزمی ووارث مکانته، معجزة همذان ونادرة الفلک، وفرید دهره روایةً وحفظاً، وغرّةُ عصره بدیهةً وذکاءً ...» (عبدالحمید، د. ت، ص 7).

وقال عنه أنیس المقدسی إنه «کان سریع الخاطر والحفظ، واسع المعرفة اللغویة والبیانیة، تطیعه الألفاظ والأشکال البدیعیة طاعة الأدوات للصانع الماهر، على أنه کان برغم کل ما وصفه به الثعالبی من خفّة الروح وحسن العشرة والخُلُق کثیر المیل للظهور، وظاهر الأنانیة والغرور» (المقدسی، 1979م، ص 375).

ولد أبوالفضل أحمد بن الحسین بن یحیى بن سعید الملقب ببدیع الزمان الهمذانی فی همذان[6]سنة «358هـ»، على أقرب الاحتمالات. درس العربیة والأدب وبرع فیهما على عدد من العلماء الأعلام فی همدان، ولکن ما لبث أن غادر همدان عام «380هـ»، وهو فی الثانیة والعشرین. ویذکر الدکتور حریرجی أن الری کانت أول مدینة قصدها الهمذانی، حیث انضمّ إلى جملة الأدباء والشعراء الذین کان یزخر بهم بلاط الصاحب ابن عباد، وما لبث أن أصبح أبرزهم. نال الهمذانی لدى ابن عباد منزلة رفیعة، حیث طالما مدحه بشعره. وحدث مرات ومرات أن حیّر الهمذانی الصاحب وجلساءه بسبب توقّد ذهنه وقوة ذاکرته وسعة بدیهته، حیث کان یأتی بکل ما کانوا یقترحونه من شعر فی أی معنى کان أو وزن أو قافیة، بل کان یترجم ما کانوا یعرضونه علیه من شعر بالفارسیة إلى العربیة شعراً حسب ما کانوا یطلبونه منه من البحور والأوزان دون تأمل أو تمهل (حریرچی، 1345هـ. ش، ‌ص 31 ـ 32).

وبعد أن أقام مدة فی الری،  قدم جرجان وأقام بها مدة فی کنف جماعة الإسماعیلیة. وما لبث الهمذانی أن غادر جرجان إلى نیسابور التی وردها عام «382هـ»، وفیها أنشأ مقاماته وظهر فضله وعلمه وعلا هناک قدحه وراش سهمه. وفی طریق نیسابور أغار لصوص على بدیع الزمان وأخذوا ما کان معه من أموال ومتاع (السابق، ص 32).

وقد اختلف الهمذانی مع الخوارزمی الشهیر الذی لم یکن أحد یجرؤ على مناجزته أو مبارزته، فکان له معه مراسلات ومناظرات. وبعد وفاة الخوارزمی، خلا الجو للهمذانی، فعلا ذکره، وحسنت حاله، وسبّح الناس بحمده، وتمنّى الملوک مجالسته والرؤساء منادمته، فتجول فی کافة بلدان خراسان وسجستان. وفی سجستان نال جاهاً لدى أمیرها خلف بن أحمد الذی کان عالماً فاضلاً. ومن الممکن أن یکون هذا الأمر سبباً لأن یضیف الهمذانی ست مقامات إلى مقاماته لیتحدث فیها عن کمال ذلک الأمیر وعلمه. ولکن بدیع الزمان لم تطل به الإقامة فی سجستان کثیراً، حیث ترکها قاصداً هرات التی کانت تابعة لدولة السلطان محمود الغزنوی. وقد کان یرید عن طریق ذلک أن یصل إلى السلطان الذی اشتهر بفتوحاته الکثیرة، وأن یکون من خواصه. وفی هرات صاهر بدیع الزمان أبا علی الحسین بن محمد الذی کان من أعیانها العلماء، فرفه فیها حاله مع ما کان علیه قبلها، ولکنه لم یهنأ بذلک طویلاً، حیث إن المنیة عاجلته وهو فی الأربعین من عمره، فتوفی عام «398هـ» (عبدالحمید، د. ت، ‌ص 7 ـ 8).

ولد الهمذانی ونشأ فی عصر کان التصنیع ـ أی استخدام الزخارف اللفظیة ـ فیه هو المثل الأعلى والمیزة المُثلى، فکان ذلک منهجه وغایة جهده وسعیه. وأول من بدأ حرکة التصنیع فی الکتابة هو الصابی فی کتابه التاجی فی أخبار بنی‌ بویه، ثم تبعه الآخرون من مؤلفی التاریخ، وخاصة العتبی فی کتابه الیمینی (ضیف، آ د.ت، ص 228).

یعتمد الهمذانی فی تصنیعه على السجع القصیر الفقرات، فلم تکن سجعاته عبارات، بل کانت بعض الأحیان کلمات، وهو یعتمد الجناس فی تصنیعه، بینما اعتمد الخوارزمی المعاصر له الطباق، وهما یشترکان فی العنایة بالتصویر. واهتم البدیع بلون لم یأبه به الخوارزمی، وهو مراعاة النظیر بین ألفاظه وکلماته. وهناک ظاهرة تختص بها رسائل البدیع هی ظاهرة القصص (السابق، ص 241)؛ وقد کان البدیع یکثر استخدام الأمثال فی نثره، والاقتباس من القرآن الکریم فی کتابته، وتضمین الشعر فی رسائله، حیث یضطره السجع والجناس إلى إیراد الغریب من الألفاظ (المصدر السابق، ص 244). ولقد کانت مقاماته خیر مثال لتصنیعه وتصنعه الذی وصل ذروته على ید الحریری. ولکن الدکتور حریرجی یقول إن سجع الهمذانی لطیف لا یُرى فیه تکلف (حریرچی، 1345هـ. ش، ص 58)؛ یؤید ذلک حنا الفاخوری، حیث یقول: «والتنمیق یقوم بنوع خاص على السجع؛ والبدیع یلتزمه إلا نادراً، وهو عنده خفیف، رشیق، قریب إلى الطبع، بعید عن التکلُّف، وفواصله شدیدة الحیویة تتوالى فی سرعة وانطلاق» (الفاخوری، 1995م، ص 630).

ومن أمثلة تصنع الهمذانی شغفه باللعب بالألفاظ الذی وصفه الخوارزمی بالشعوذة، بینما یعدّه هو مقدرة لغویة وموهبة أدبیة، من ذلک ادعائه أنه یستطیع کتابة رسالة لیس فیها حرف منفصل (راء، دال، واو، ... الخ)، أو رسالة أول سطورها کلها میم وآخرها جیم، أو رسالة خالیة من الألف واللام، أو رسالة إن قُرِئت من البدایة إلى النهایة کانت خطاباً، وإن قُرِئت بالعکس؛ من النهایة إلى البدایة، کانت جواباً، وغیر ذلک من الألاعیب (السابق، ص 245).

 

من هو الحریری؟

ولد الحریری فی البصرة عام «464هـ»، ولم یخرج منها حتى وفاته عام «516هـ». کان صاحب دیوان الخبر فی البصرة من قبل الخلیفة وتوارثه من بعده أولاده وأحفاده. وکان موسراً ثریاً ولکنه کان دمیماً قبیح الخلقة.  قال عنه حنا الفاخوری:

هو أبو القاسم بن علی الحریری. ولد فی قریة مشان من ضواحی البصرة، ثم انتقل إلى البصرة وأقبل على علوم اللغة والنحو یتنمّق فیها، ثم تقلّب فی وظائف الدولة. وقد أشار علیه الخلیفة المستظهر أن یضع مقاماته، فوضعها وکافأه الخلیفة علیها شدید المکافأة. ولما توفّی المستظهر، ترک الحریری بغداد ورجع إلى البصرة فعُیِّن فیها صاحب الخبر أی ما یشبه صاحب مصلحة الاستعلامات إلى أن توفّی سنة 516 هـ (الفاخوری، 1995م، ص 636).

کان الحریری غایة فی البلاغة والفصاحة والفطنة والذکاء مع شیء من کان اً ثریاً ولکنه کان دمیماً قبیح الخلقة.وفاته. الظرف والدعابة. وقد ادعى أنیس المقدسی أن تلک الدعابة قد نجدها فی حیاته ولکننا نفقدها فی مقاماته. ولکن هذا الادعاء قد لا یکون دقیقاً، حیث أن اثنتین من مقاماته؛ المقامة الخای ترتیبمقتة قد نجدها فی حیاته ولکننا نفقدها فی مقتماتهمسة (الکوفیة) والمقامة العاشرة (الرحبیة) هما من هذا النوع.

بدأ الحریری کتابة مقاماته سنة «495هـ» عندما کان فی الحادیة والثلاثین من عمره، واستمر بها حتى أتمّها فی بضعة سنوات تلت. وقد سلک الحریری فی مقاماته مسلک الهمذانی وحذا حذوه فیها، فجعل موضوعها الکدیة وسمّى لها راویاً یشیر اسمه (الحارث بن همّام) الذی هو عبارة عن صفتین إلى المؤلف الذی یدّعی أنه یحمل صفات الراوی. أما بطل مقامات الحریری فهو أبوزید السروجی الذی یدعی الحریری أنه شخصیة حقیقیة صادفها فی مساجد البصرة، ولکن الباحثین کبروکلمان یشککون فی ذلک ویردّونه، معتبریه خرافة (المقدسی، 1979م، ص 392). وکان هدف الحریری من مقاماته هو إظهار مقدرته الأدبیة واللغویة أکثر من سرد القصص والحکایات وإن کان ذلک مهمّاً، فقد رویت له رسالتان التزم فی الأولى منهما حرف السین فی کل کلمة من کلماتها، وفی الثانیة حرف الشین. وأورد فی إحدى مقاماته المسماة بالرقطاء رسالة کل کلمة من کلماتها أحد حروفها خال من النقط والآخر منقوط، وسیرد لاحقاً مزید من هذه المسائل مشفوعةً بالأمثلة.

ولا عجب أن یتصرف الحریری کذلک ویحاول إثبات مقدرته اللغویة وتبحره فیها بهذا الشکل، فهو خریج مدرسة التصنع، بل کان إماماً فیه. ویعلّق شوقی ضیف على تلاعب الحریری بالألفاظ وباللغة بقوله:

وما من ریب فی أن ذلک یدلنا على أن الحریری کان یبحث عن وسائل جدیدة یوشّی بها عمله، ولکنه حین اتجه هذا الاتجاه، ضل سبیله، فوقع فی هذه الطرق الغریبة من التصنع لشوارد اللغة أو شوارد الأمثال أو مسائل النحو أو مسائل الفقه أو غرائب الکنایات» (ضیف، آ د. ت، ص 302).

 

الحریری بین التقلید والإبداع

یعترف الحریری فی مقدمة مقاماته بفضل بدیع الزمان وتقدمه علیه وأنه کان له فضل السبق والریادة فی ابتکار المقامات وإنشائها، وتحریرها واختراعها، وأنه هو لم یأت بجدید سوى تقلید الهمذانی واقتفاء أثره، وأن مقاماته لم تکن ـ رغم قیمتها الأدبیة ـ سوى محاکاة لقدیم، وسد لفراغ، واستجابة لالتماس. یقول فی مقدمة مقاماته: «فأشار من إشارته حُکم، وطاعته غُنم[7]، إلى أن أُنشئ مقامات أتلو فیها تلو البدیع، وإن لم یدرک الظالعُ شأوَ الضّلیع ...» (الشریشی، د. ت،  ص 16 ـ 17).

فقد قام الحریری بتقلید الهمذانی فی کل ما یتعلق بالمقامات ابتداءاً ببطلها وراویها الثابتین وقیامها على موضوع واحد یتکرر، وهو الکدیة، وانتهاءاً بإغراقها بالمحسّنات البدیعیة، اللفظیة والمعنویة، وخاصة السجع، والتشبیهات والاستعارات الکثیرة، والأحاجی والألغاز التی اعتبرها الهمذانی مقدرة وفناً، وتبعه الحریری فی ذلک وسار على نهجه ونسج على منواله. لکن الحریری لم یتوقف عند الحدود التی رسمها الهمذانی، بل تخطّاها وزاد علیها من عنده، ولکن إضافات الحریری لم تکن خارج الإطار الذی رسمه الهمذانی، بل کانت ضمنه وفی حدوده. فمن الأمور التی تشابهت فیها  المقامات الحریریة مع المقامات البدیعیة، على سبیل المثال لا الحصر، ما یلی:

  1. الراوی فی المقامة یحمل جمیع الصفات الإیجابیة. فهو رزین ذو شخصیة قویة، وثری جواد، وأخو ثقة لا یخون ولا یکذب، أما البطل، فهو على العکس من ذلک؛ ماکر مخادع، وفقیر قد خلقت ثیابه ولو کذباً، وذو عیلة ولو ادعاءً، ومتسوّل یسأل الناس إلحافاً، ومتکدّ یحتال فی کسب التافه من المال حتى لو کان یملک أموال قارون، ویتمتع فی الدنیا بملک هارون. وهذا الأمر نجده لدى الهمذانی والحریری على السواء.
  2. تشابهت مقامتان لدى الهمدانی والحریری فی الحوادث والموضوع والأسلوب، وحتى فی الاسم، فکلاهما سُمّی بالمقامة الکوفیة.
  3. یقول الحریری فی أولى مقاماته (المقامة الصنعانیة): «لما اقتعدتُ غارب الاغتراب، وأنأتنی المتربة عن الأتراب، طوّحت بی طوائح الزمن ...»، ثم قارن ذلک بقول الهمذانی فی أولى مقاماته (المقامة القریضیة): «طرحتنی النوى مطارحها».

وعلى کل حال، یجب حمل کلام الحریری السابق على التواضع للمعلم والاعتراف بالجمیل للسابق المتقدم، حیث اختلفت مقامات الحریری عن مقامات الهمذانی فی أمور وتخطّتها فی مسائل أخرى. وهذا ما یؤمن به هو نفسه، حیث أکّد الدکتور شوقی ضیف هذه الحقیقة بقوله: «على أنه ینبغی أن نعرف أن هذا التواضع الذی افتتح به مقاماته واختتمها، لم یکن صادقاً فیه کلّ الصدق؛ فقد کان مؤمناً بعمله، وقد أجرى على لسان أبی زید شهادات مختلفة تؤکد تفوّقه وإحسانه» (ضیف، ب د. ت، ص 53)؛ ویضیف: «فهو یقدّم أبازید على أبی‌الفتح الإسکندری، وبالحَرَى أنه یقدم نفسه على بدیع الزمان» (السابق، ص 54).

ویقول حنا الفاخوری: «ومقامات الحریری أشدّ رصّاً من مقامات البدیع، وهی أشدّ حبکاً وأکثر غرابة، وأشدّ اعتماداً للسّجع والتنمیق، والحریری أکثر مهارة فی اختیار الألفاظ وترکیب الجمل» (الفاخوری، 1995م، ص 638)؛

ویقول شوقی ضیف فی موضع آخر:

وبدیع الزمان هو الذی مهّد الطریق وعبَّدَه لظهور هذا الفن [المقامات]، وخلفه الحریری، فتبیَّن المعالم والصور بأوضح مما تبینّها سلفه، إذ کان أوسع ثقافة، وأحکم صیاغة، وأقوى تعبیراً، فإذا هو یصل بالفن إلى القمة التى کانت تنتظره، وإذا مقامته تصبح المعجزة الخارقة التی لا تُسبَق ولا تُلحَق على مر العصور. وکأنما کُتِب فی ألواح القدر أن یظل الحریری یتیمة الدهر وعبقریّه الفذ الذی لا یبارى ولا یجارى فی هذا الفن (ضیف، ب د. ت، ص 5).

ونستطیع الآن تسجیل بعض مظاهر الإبداع فی مقامات الحریری کما یلی:

  1. میل الحریری إلى النظم والتنظیم، وصولاً إلى وضع أصول ثابتة للمقامات لا یحید عنها من أراد تعلّم صنعة الإنشاء. ومن ذلک ما یلی:

1 ـ 1 ـ تنظیم المقامات بدایةً ونهایةً. یقول شوقی ضیف:

وبذلک تنتهی المقامات، وقد أهّل الحریری لنهایتها خیر تأهیل، کما افتتحها خیر افتتاح؛ فهو فی أولها یعرّف البطل براویته، وهو فی خاتمتها یفرق بینهما. وهو یعد للخاتمة بالمقامة الساسانیة ... وکل ذلک دلیل بیّن على أن الحریری صنع مقاماته بشکل بناء متکامل، له أول واضح وله آخر واضح (ضیف، ب د. ت، ص 53).

1 ـ 2 ـ لابد لکل مقامة أن تحتوی على بطل، وبما أنها قصة، فهی بحاجة إلى راوٍ یرویها، وهذا ما التزم به الهمذانی والحریری على السواء. فکان الراوی والبطل هما هما فی کافة المقامات لا یتزحزحان ولا یتزلزلان. ولکننا نشاهد بعض الأحیان أن البطل لدى الهمذانی قد تسنّم دوراً هامشیاً ثانویاً، کما جاء فی نهایة المقامة الأسدیة، وکأنه أُلحق بها إلحاقاً أو حُشر فیها حشراً، یؤیّد هذا ما قاله الدکتور شوقی ضیف فی کتاب المقامة، حیث قال:

ولا یختلف باحث فی أن هذا البطل من خیال بدیع الزمان، فلم یسبقه باسمه أحد، وإنما هو الذی وضعه لمقاماته، فهو یجری فی أکثرها، وإنما نقول أکثرها، لأن هناک مقامات لم یرد ذکره فیها مثل المقامة الغیلانیة والبغدادیة. وهناک مقامات لا یظهر فیها أبوالفتح إلا فی آخرها کالمقامة الإبلیسیة. ولکن الکثرة یتضح فیها منذ أول الأمر (ضیف، ب د. ت، ص 23).

بینما نستطیع القول إن البطل قد تطور لدى الحریری وتکامل؛ فإذا کافة المقامات تقوم علیه وتدور حوله وإن الذی یختلف من مقامة لأُخرى هو الدور الذی یؤدّیه البطل لا غیر. إنّ محافظة البطل على دوره الرائد لدى الحریری یدل على میله إلى النظم والتنظیم الذی یعتبر بحدّ ذاته تقدماً فی هذا المجال وتطوراً، کما یدل على رغبة الحریری فی وضع أصول ثابتة للمقامات لا یحید عنها من أراد الخوض فی هذا المیدان.

1 ـ 3 ـ ترقیم المقامات، حیث یعتبره شوقی ضیف دلیلاً على الترتیب والتنظیم. یقول: «غیر أننا إذا فحصنا مقامات الحریرى، وجدناه یرتبها ویرقمها؛ فتلک المقامة الأولى، وتلک المقامة الخمسون وکل مقامة بینهما تأخذ رقمها الخاص. وهذا معناه البناء المحکم ذو الحلقات» (ضیف، ب د. ت، ص 50).

1 ـ 4 ـ تتنوع موضوعات مقامات الهمذانی تنوعاً عشوائیاً غیر مقصود، بینما تتنوع بشکل عمدی مقصود لدى الحریری. فقد التزم الحریری أن تکون کل مقامة سادسة (أی السادسة والسادسة‌عشرة والسادسة والعشرون والسادسة والثلاثون)، أن تکون أدبیة أو ما نستطیع تسمیته بالتعقید اللفظی، وکل حادیة‌عشرة (أی الحادیة‌عشرة والحادیة والعشرون والحادیة والثلاثون، والحادیة والأربعون)، أن تکون زهدیة أو بالأحرى فی الوعظ والإرشاد، وکل خامسة وعاشرة هزلیة، وهذا دلیل آخر على إبداع الحریری ورغبته فی وضع قوانین لمقاماته تزیدها تنظیماً ورونقاً.

  1. إن قلة الإنتاج الأدبی النسبی لدى الحریری تدل على الرغبة فی الدقة والاعتناء بإخراج الأثر الأدبی متکاملاً خالیاً من النقص المحتمل، تماماً کما یفضّل الحطیئة الحولیّ المحکّک من الشعر. فقد ادّعى الهمذانی أن مقاماته بلغت أربعمائة[8] ـ وإن لم یصل إلینا سوى القلیل منها؛ـ بینما لم تتعدَّ مقامات الحریری الخمسین مقامة. واعتبر الدکتور حریرچی عدد مقامات بدیع الزمان «51» مقامة (حریرچی، 1345هـ. ش، ص 44)، بینما یؤکّد الفاخوری أن عددها هو «52» مقامة: «وضع منها أربعین؛ إذ کان معلّماً فی نیسابور، ثم وضع ستاً فی مدیح خلف بن أحمد صاحب سجستان وهو نازل عنده، ثم أضاف إلى ذلک کله ستّ مقامات أخرى کانت خاتمة الباب وفضلة ما فی الجراب» (الفاخوری، 1995م، ص 638).
  2. إن طول مقامات الحریری بالنسبة لمقامات الهمذانی یدلّ على أن الحریری کان یرید أن یجعل من مقاماته قصصاً متعددة الأغراض، وألا تکون محصورة بتعلیم الإنشاء فحسب، وإن کان هو الهدف الأبرز فیها، وقد یکون هذا هو أحد الأسباب التی أدّت إلى اشتهار مقامات الحریری بالرغم من قلة أسفاره أو عدمها، حیث إن هناک من یعتقد أنه لم یخرج من البصرة حتى وفاته، وکان الطلاب یقصدونه من الآفاق.
  3. صحیح أن من ممیزات المقامات استعمال المحسنات البدیعیة، وخاصة السجع، إلا أننا نلاحظ أن سجع الحریری أکثر تکلفاً، ولکنه فی المقابل جاء بکثیردى الهمدانی والحریری فی الحوادث والموضوع والاسلوب، وحتى فی الاسم، فکلاهما سمی بالمقامة الکوفیة.مة لأُى السواء،  من الاستعارات الجمیلة والکنایات اللطیفة. ومن أمثلة ذلک ما جاء فی هذا المقطع من المقامة الدیناریة من الاستعارات المکنیة، إذ قال: «إلى أن احتذینا الوجى، واغتذینا الشّجا، واستَبْطَنّا الجوى، وطوینا الأحشاء على الطوى، واکتحلنا السُّهادَ، واستوطَنّا الوِهادَ، واستوطأنا القَتادَ، وتناسَینا الأقْتادَ»[9]. وقال فی المقامة المَرَویّة:

قال: فقرّبه الوالی لبیانه الفاتن، حتى أحلّه مقعد الخاتن. ثم فرضَ له من سُیوب نیله، ما آذنَ بطولِ ذیله، وقِصَرِ لیله. فنهضَ عنه برُدنٍ ملآنَ، وقلبٍ جذلانَ. وتبعتهُ حاذیاً حذوَهُ، وقافیاً خطوَهُ. حتى إذا خرج من بابه، وفصلَ عن غابه. قلتُ له: هُنّئْتَ بما أوتیتَ، ومُلّیتَ بما اُولیتَ[10] (الحریری، 1992م، ص 334 ـ 335).

ونلاحظ فی مقامات الهمذانی بعض الأحیان سهولة المأخذ وعدم التقید بالازدواج والسجع اللذین تقیّد بهما الحریری (المقدسی، 1979م، ص 382)؛ وهذا دلیل آخر على النظم والتنظیم لدى الحریری وتقیّده بالقانون الذی استنّه.

  1. طوَّل الحریری تشبیهاته واستعاراته وتمثیلاته طولاً یؤدّی إلى سأَم القارئ وملله؛ وخیر مثال على ذلک ما جاء فی مقطع من المقامة الحُلوانیة، فقد استخدم ستّاً من الجمل المختلفة والأسالیب المتنوعة لیؤدّی معنى واحداً لا غیر، ألا وهو سفر صدیقه أو مفارقته. قال:

إلى أن جدَحَتْ له یدُ الإملاقِ کأسَ الفِراقِ. وأغراهُ عدمُ العُراقِ بتطلیقِ العِراقِ. ولفظتْهُ مَعاوِزُ الإرفاقِ إلى مَفاوِزِ الآفاقِ. ونظمَهُ فی سِلکِ الرِّفاقِ خُفوقُ رایة الإخفاقِ. فشحذ للرِّحلة غِرارَ عزمته، وظعنَ یقتادُ القلبَ بأزِمَّته[11] (الحریری، 1992م، ص 24).

وکما یلاحظ فی النص السابق، فإن الحریری قد أغرق نصه بالجناس والسجع المتکلَّف والاستعارات والکنایات.

  1. اشتهرت مقامات الحریری أکثر من مقامات الهمذانی، فی حیاته قبل مماته؛ إذ أجاز بخطه فقط «700» نسخة منها سوى ما تمّ استنساخه دون إجازته. وأُعجب الناس بها أیما إعجاب، بل یمکن القول إن مقامات الحریری نسخت مقامات الهمذانی لدى الناس حتى نُسیت أو تُنوسیت. وهذا یدل على أن أهل الاختصاص قد وجدوا فی مقامات الحریری أموراً خلت منها مقامات الهمذانی، أو أنهم وجدوا فیها ضالّتهم؛ یقول شوقی ضیف:

ومهما یکن، فقد دوَّت شهرته فی العالم الإسلامى، وهو لا یزال حیّاً، ویقال إنه أعطى إجازة لسبعمئة طالب أن یرووا مقاماته عنه فی الناس. وهو عدد ضخم یدل على مبلغ عنایة معاصریه بعمله، ومدى ما تمتع به من مکانة أدبیة مرموقة فی عصره (ضیف، ب د. ت، ص 46).

  1. «لعل أهم جانب تفترق به مقامات الحریری عن مقامات بدیع الزمان هو أنها کُتبت فی ظلال مذهب التصنّع وعقده، بینما کُتبت مقامات البدیع فی ظلال مذهب التصنیع وزخرفه» (ضیف، آ د. ت، ص 300). والتصنیع هو استخدام البدیع وفنونه بکثرة وما یتبعه من تکرار المعانی، أما التصنّع فهو مرحلة متقدمة من التصنیع تعتمد علیه لتُخرجه بأداء صعب وتعقید لفظی واستحداث طرق تلاعب لغویة. ویسمیه شوقی ضیف فی موضع آخر بالعُقَد البلاغیة؛ یقول:

وشُغِف الحریرى بموضوع ... یتصل بالحیاة الأدبیة فقد تعقدت هذه الحیاة، وأخذ أصحابها یُعنون بالعُقَد البلاغیة. فلیست البلاغة الرائعة هى العبارة المنمّقة بالسجع والمحلاة بألوان البدیع، فذلک أمر یهون، وتستطیع الألسن کلها أن تصل إلیه، وإنما البلاغة الرائعة حقاً هى التى تتیح لصاحبها أن ینحاز جملة عن کل الطرق الطبیعیة فی الفن، وأخذ الحریرى یُثبت مهارته فی ذلک، وخصَّ به اثنتی‌عشرة مقامة، أرانا فیها ألعابَه الفنیة، وکأنها ألعاب بهلوانیة (ضیف، ب د. ت، ص 56).

  1. إن الوعظ هو من المواضیع الاجتماعیة التی عالجها بدیع الزمان والحریری على السواء، ولکن الحریری أوغل فیها أکثر من سابقه وخصّص کثیراً من مقاماته لهذا المهم. یقول الدکتور شوقی ضیف: «أما ما یشترک فیه معه [مع بدیع الزمان] فهو الوعظ، وإذا کنا قد لاحظنا أن بدیع الزمان عرض أباالفتح الإسکندری واعظاً فی مقامتین، فإن الحریری عرض أبازید واعظاً فی عشر مقامات، بل قد تزید» (السابق، ص 54).
  2. إذا کان البدیع قد قصد بمقاماته إظهار مقدرته الأدبیة فی قصص فیها شیء من الدعابة والطرافة، فإن الحریری ما کان یهتمّ بموضوعات مقاماته قدر اهتمامه بألفاظها وتنمیقها وزخرفها، وما کان یحرص على معانیها قدر حرصه على التلاعب باللغة والتزام ما لا یلزم من الألفاظ، وکل ذلک أوقعه فی تعقید لغوی ـ کما سمّاه شوقی ضیف ـ لم یبلغه البدیع وما کان شائعاً فی عصره أی القرن الرابع، بل هو من میزات القرن الخامس التی بهرت الناس وسحرتهم وما کان یُرضیهم سواها؛ ومن أمثلة ذلک ما یلی:
  • استخدامه بکثرة للکنایات بما یخرج عن المعقول؛ ففی المقامة النصیبیة یکنّی عن الموت بأبی یحیى، وعن الجوع بأبی عمرة، وعن الخِوان بأبی جامع، وعن الخبز الحواری بأبی نُعَیم، وعن الجَدْی بأبی حَبیب، وعن الخَلّ بأبی ثقیف، وعن الملح بأبی عون، وعن البَقْل بأبی جمیل، وعن السِّکباج[12] بأمّ القرى، وعن الهریسة بأمّ جابر، وعن الفالوذج[13] بأبی العلاء، وعن الطست والإبریق بالمُرجفَین (السابق، ص 301؛ والحریری، د. ت، ص 165 ـ 169).
  • حاول إظهار مقدرته اللغویة فی الشعر، إضافة إلى النثر، بما یعجز عنه الآخرون فی ما سمّاه الدکتور شوقی ضیف العقد البلاغیة، وقد تمثّل ذلک فی ما یلی:

أ‌)     کما یقول شوقی ضیف (ب د. ت):

التجنیس الخطّی بین الکلمات، بحیث لو حذفت النقط منها تراءت متماثلة تمام التماثل من مثل قوله:

زُیِّنَت   زینبٌ بقَدٍّ یَقُدُّ
 
 

 

وتلاهُ   ویلاهُ نَهدٌ یَهُدُّ
 
 

وکأن هذا الجناس لم یُبلغه کل أمنیّته، فذهب ینظم بیتین، تتجانس فیها فاتحتهما وخاتمتهما إذ یقول:

سِم سِمَةً تحسنُ آثـارُهـا
 
 

 

واشکُرْ لمن أعطى ولو سِمسمَه
 
 

والمکرُ مهما اسطَعْتَ لا تأته
 
 

 

لتقتنی      السؤدُدَ   والمکـرُمَه
 
 

فهو یضیق على نفسه فی اصطناع الجناس؛ إذ یلتزمه فی مطلع البیت وفی نهایته. کل ذلک لیدل على تفوّقه (ص 60).

ب‌)     التزام قافیة داخلیة إضافة إلى القافیة الخارجیة، یصعب تبیّنها دون إمعان نظر ودقّة ملاحظة، حیث إنها تنساب انسیاباً متناسقةً مع بقیة الکلمات ومتعاضدةً معها، مستعینةً بما للحریری من مقدرة لغویة، وملکة شعریة. وهو ما أکده الدکتور شوقی ضیف (ب د. ت)، إذ قال:

إن الحریرى لم یسمُج فی ذلک کله، فقد کان یحمیه طبع حادّ وإحساس دقیق باللغة. فمیَّز دائماً الخبیث من الطیب والجید من الردیء. فمهما لعب، ومهما أشکل بتمارین فی مقاماته، فإنه لا یثقل. ولعل من خیر الأمثلة على ذلک مقامته الثالثة والعشرون، وهى المقامة الشعریة، وعنوانها یدل على ما أراده بها من إعلان مقدرته فی النظم، وقد فکّر وانتهى به تفکیره إلى نظم هذه الأبیات:

یا   خـاطبَ الدّنـیا الدّنیّة إنّها
 
دارٌ متى ما أضحکت فی   یومها
 
غاراتُها مـا تنقضی  وأسیرُها
 
 

 

شَرَک   الرَّدى وقرارةُ الأکدارِ
 
أبکت غداً، بُعداً لـها من   دارِ!
 
لا یُفتدى بجلائل الأخــطارِ
 
 

واستمر حتى أتم قصیدة طویلة. ولیس فی ظاهر الأبیات شیء، ولکن إذ أطلنا النظر فیها، لا حظنا ما ابتغاه منها؛ فإنه التزم فی داخلها قافیة غیر القافیة الخارجیة، بحیث یمکن أن تنشد القصیدة کلها على هذا النمط:

یا   خـاطب الدنـیا الدنیـ
 
دارٌ متى ما أضحکت
 
غاراتُها مـا تنقضی
 
 

 

یـة   إنها شَرَک الرَّدى
 
فی یومها أبکت غدا
 
وأسیرُها لا یُفتدَى
 
 

(ص 61)

  • أورد فی المقامة النجرانیة عشرة ألغاز، وقد ألغز شعراً ولیس نثراً ممهداً لذلک بقوله: «هلُمَّ إلى أن نُلغِز ونُحکِّم المبرِّز» (الحریری، 1992م، ص 442). والأمور التی ألغز فیها هی مروحة الخَیش؛ وحابول النخل، وهو لحبل یتم به صعود النخل؛ والقلم؛ والمیل، وهو المرود الذی یُکتحَل به؛ والدولاب، وهو دائرة عظیمة فیها آنیة لحمل الماء إلى الأعلى من البئر أو النهر عندما تدور؛ والمُزَمَّلة، وهو الجَرَّة؛ والظُّفُر؛ وطاقة الکبریت، وهی الحزمة منه؛ وحلب الکَرم، وهو الخمر، أو عصیر العنب؛ والطیار، وهو معیار الذهب لأنه على شکل الطائر (الحریری، 1992م، ص 443 ـ 448).
  • خصّص المقامة الملطیة للأحاجی فذکر عدداً منها، یبدأ کل أحجیة بقوله: «ماذا یماثل قولی: ...»؛ نورد هنا بعض النماذج: «جوع أمِدّ بزاد»: مثله طوامیر (طوى: جوع؛ ومیر: أمدّ بالطعام، من مار یمیر). و«ظهرٌ أصابته عین» مثله مطاعین (مَطا: ظهر؛ وعِین: أصابته العین). و«صادف جائزة» مثله الفاصلة (ألفى: وجد، تکتب بالألف إن کانت متصلة؛ وصلة: جائزة). و«تناولْ ألفَ دینار» مثله هادیة (ها: خُذْ، اسم فعل أمر؛ ودیة: ما یعطى لأهل القتیل، وهی ألف دینار ذهباً)، وهکذا.
  • أورد فی المقامة المراغیة رسالة إحدى کلماتها معجمة والأخرى مهملة. قال مقدِّماَ لها: «أوْ تُنْشئَ لی أمامَ ارتحالِک رسالةً تودِعُها شرحَ حالِک، حروفُ إحدى کلمتیها یَعُمُّها النَّقْطُ، وحروفُ الأخرى لم یُعجَمْنَ  قطّ»[14] (السابق، ص 61)؛ وجاء فی جانب منها:

وقالَ: ألقِ دواتک واقرُب، وخذ أداتَک واکتبْ: الکرمُ ـ ثبّتَ اللهُ جیشَ سُعودک ـ یزینُ، واللؤمُ ـ غضَّ الدهرُ جفنَ حسودک ـ یشین، والأروعُ یُثیب، والمُعوِرُ یَخیب، والحُلاحلُ یُضیفُ، والماحل یُخیفُ، والسَّمْحُ یُغْذی، والمَحْکُ یُقذی، والعطاءُ یُنجی، والمِطالُ یُشْجی، والدّعاءُ یَقی، والمدحُ یُنقی، والْحُرُّ یَجزی، والإلطاطُ یُخزی، واطِّراحُ ذی الحرمة غیٌّ، ومَحْرَمةُ بنی الآمال بَغیٌ، وما ضنَّ إلا غبینٌ، ولا غُبِنَ إلا ضَنینٌ[15] (السابق، ص 62).

—   ذکر فی المقامة المغربیة عبارات تُقرأ طرداً وردّاً، أی لا یغیّرها عکس حروفها. قال مقدِّماً لها: «إلى أن جُلْنا فیما لایستحیلُ بالانعِکاس، کقولِکَ ساکِبُ کاسٍ»[16] (السابق، ص 159)؛ قال فی جانب منها: «لُمْ أخاً مَلَّ... کَبِّرْ رجاءَ أجرِ ربّک... مَنْ یَرُبّ إذا برَّ یَنْمُ... سَکَّت کلَّ من نمَّ لک تکِسْ... لُذ بکُلِّ مؤمِّلٍ إذا لمَّ ومَلَکَ بَذَلَ»[17] (السابق، ص 160). ولم یکتف الحریری بالنثر فی هذا المجال، فألحق به النظم؛ قال:

اُسْ  أرملاً    إذا  عرا
 
 

 

وارعَ إذا المرءُ  أسـا
 
 

أسنِدْ  أخا    نبـاهةٍ
 
 

 

أَبِنْ  إخـاءً    دنسـا
 
 

اُسْلُ  جَنابَ غاشمٍ
 
 

 

مُشاغب إن جلسـا
 
 

اُسْرُ  إذا هبَّ    مِراً
 
 

 

وارمِ    بهِ  إذا رسـا
 
 

اُسکنْ  تقوَّ فعَسى
 
 

 

یُسعِفُ وقتٌ نَکَسا[18]
 
 

(الحریری، 1992م، ص 160)

  • أورد فی المقامة القهریة رسالة تُقرأ من أوّلها بوجه ومن آخرها بوجه آخر، حیث قدّم لها بقوله: «فقالَ: أتعرفون رسالةً أرضُها سماؤُها، وصُبحُها مساؤُها؟ نُسِجت على منوالین، وتجلّت فی لونین؛ وصلت إلى جهتین، وبدت ذات وجهین» (السابق، ص 169). ثم أورد تلک الرسالة، ونحن هنا نکتفی بمقطع منها على سبیل المثال. قال فی بدایة رسالته: «الإنسان صنیعةُ الإحسان، وربُّ الجمیل فعلُ النَّدب، وشیمةُ الحرّ ذخیرة الحمد، وکسبُ الشکر استثمارُ السعادة، وعنوانُ الکرم تباشیرُ البِشر، واستعمالُ المداراة یوجب المصافاة، وعقدُ المحبَّة یقتضی النصح، وصدقُ الحدیث حِلیَةُ اللسان»[19] (السابق، ص 170).
  • ذکر فی المقامة الطیبیة مائة مسألة فقهیة باستخدام التوریة، نورد هنا بعضاً منها:

قال: ما تقول فی من توضّأ ثم لمسَ ظهْر نعله؟ قالَ: انتقضَ وُضوءُهُ بفعله. * النعل: الزوجة * قالَ: فإن توضّأ ثم أتکأهُ البردُ؟ قالَ: یُجَدّد الوضوءَ من بعد. * البرد: النوم * قالَ: أیمسحُ المتوضِّئ أُنْثَیَیه؟ قالَ: قد نُدبَ إلیه، ولم یوجَب علیه. * الأنثیان: الأذنان * قال: أیجوز الوضوءُ ممّا یقذفهُ الثعبانُ؟ قالَ: وهل أنظفُ منهُ للعُرْبان؟ * الثعبان: جمع ثُعب وهو مسیل الوادی * (السابق، ص 332).

  • أورد فی المقامة الرقطاء رسالة أحد حروفها منقوط والآخر بغیر نقط، نورد ههنا شیئاً منها. قال: «وأنشأتُ رسالةً رقطاءَ، وهی: أخلاقُ سَیّدنا تُحَبُّ، وبِعَقوَتِه یُلَبُّ، وقُربُهُ تُحَفٌ، ونأیُهُ تلَفٌ، وخُلّتهُ نسَبٌ، وقطیعتُهُ نَصَبٌ، وغَرْبُهُ ذَلِقٌ، وشُهْبُهُ تأتَلقُ»[20] (السابق، ص 263).
  • أورد فی المقامة السمرقندیة خطبة خالیة من الإعجام. فی ما یلی مقطع منها کنموذج فقط، ونحیل القارئ الکریم إلى مقامات الحریری لیرى الخطبة کاملةً. قال: «ثُمَّ قامَ وقالَ: الحمد للهِ الممدوح الأسماء، المحمودِ الآلاء، الواسِع العطاء، المدعُوّ لِحَسم الّلأواء. مالکِ الأمم ومصوّرِ الرّمم، وأهلِ السَّماح والکرَم، ومُهلِکِ عادٍ وإرم»[21] (الحریری، 1992م، ص 285).
  • خصّص المقامة النحویة أو القطیعیة بالمسائل النحویة، ونحن هنا نکتفی بنموذج واحد منها. یبدأ الحریری مسائله ببیت شعر قائلاً:

فإنْ وصلاً ألذّ به فوصلٌ
 
 

 

وإن صرماً فصرمٌ کالطلاقِ
 
 

قالَ: فاستفهمنا العابث بالمثانی، لمَ نصبَ الوصلَ الأوَّلَ ورفعَ الثانی. فأقسمَ بتربةأبویه، لقد نطق بما اختاره سیبویه (السابق، ص 239).

وفی هذه المسألة أربعة وجوه إعرابیة ذکرها سیبویه، نذکر هنا الوجه الذی اختاره سیبویه وهو نصب «وصلاً» الأول باعتباره خبراً لکان المحذوفة بعد حرف الشرط، ورفع «الوصل» الثانی على اعتباره خبراً لمبتدأ محدوف بعد الفاء، وتقدیر الکلام: فإن کان الأمرُ وصلاً فهو وصلٌ. والأمر فی الشطر الثانی کما مرّ.

  1. إضافة إلى ما مرّ من عنایة الحریری بتنظیم مقاماته وترتیبها، اتبع الحریری کذلک أسالیب خاصة وذکیة لتنظیمها. ومن الأسالیب التی اتبعها الحریری لتنظیم مقاماته ما یلی:
  • توشیح مقاماته بالآیات القرآنیة. ومن ذلک قوله فی المقامة الحُلوانیة: «ولا ذو خِلال» (السابق، ص 27)، مأخوذ من قوله ـ تعالى ـ : «لا بَیْعٌ فیهِ وَلا خِلالٌª (إبراهیم 14: 31)؛ والخِلال جمع الخِلة، وهی المودة، أو الخُلّة وهی الخصلة. وقوله: «أو رکبِ طبقاً عن طبق» (الحریری، 1992م، ص 511)، أخذه من قوله ـ تعالى ـ : «لَتَرْکَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍª (الانشقاق 84: 19). وقوله: «وأضیقَ رزقاً من سمّ الخیاط» (الحریری، 1992م، ص 517)، أخذه من قوله ـ تعالى ـ : «حَتّى یَلِجَ الْجَمَلُ فی سمِّ الْخِیاطِª (الأعراف 7: 40). وقوله: «فلما صَدعَ برسالته الفریدة»، وقوله: «فاصدع بما تؤمر» (الحریری، 1992م، ص 174، وص 332)، أخذهما من قوله ـ تعالى ـ : «فَاصْدَعْ بما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلینَª (الحجر 15: 94). وقوله: «وعلّم آدم الأسماء» (الحریری، 1992م، ص 331)، أخذه من قوله ـ تعالى ـ : «وَعَلَّمَ آدَمَالأَسْماءَ کُلَّها ثُمَّ عَرَضََهُمْ عَلَى المْلائِکَةِª (البقرة 2: 31). وقوله: «ولم یزل الناس یدخلونَ فی دین الله أفواجاً» (الحریری، 1992م، ص 285)، أخذه من قوله ـ تعالى ـ : «إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتحُ * وَرَأَیتَ النّاسَ یَدْخُلونَ فی دینِ اللهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بحَمْدِ رَبِّکَ وَاسْتَغْفِرهُ إِنَّهُ کانَتَوّاباًª (النصر 110: 2). وقوله: «واضطرارهم إلى الصوم» (الحریری، 1992م، ص 169)، أی الإمساک عن الکلام، أخذه من قوله ـ تعالى‌ ـ : «إِنّی نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُکَلِّمَ الْیَوْمَ إِنْسیّاًª (مریم 19: 26)، أی سکوتاً.
  • زیّن مقاماته بالأحادیث الشریفة اقتباساً إعجاباً بها وترویجاً لسلعته، ومن ذلک:

أ‌)    اختیار اسم الحارث بن همام کراوٍ للمقامات مأخوذ من قوله %: «کلکم حارث وکلکم همام» (الحریری، 1992م، ص 13).

ب‌)     قوله: «وتکثیر سواد طالبیه» (السابق، ص 13)، مأخوذ من قوله %: «من کثّر سواد قوم فهو منهم».

ت‌)     قوله: «وقَدَعْتَ نفسَک، فهی أکبرُ أعدائِک» (الحریری، 1992م، ص 19)، مأخوذ من قوله % : «أعدى عدوّک نفسُک التی بین جنبیْک»؛ وقدعتها أی کففتها ومنعتها عن القبیح.

ث‌)     وقوله: «وهدرتْ شقاشقُ ارتجاله» (السابق، ص 18) مأخوذ من قول أمیر المؤمنین 4فی الخطبة الشقشقیة: «تلک شقشقة هدرت ثم قرّت» (نهج البلاغة، 1395هـ، ص 50)، والشقاشق جمع الشقشقة، وهی ما یخرجه البعیر من فیه إذا هاج.

  • الانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، قال فی خطبة الکتاب أو مقدمته: ِِ«وما قصدتُ فی الإحماض فیه إلا تنشیطَ قارئیه و تکثیرَ سواد طالبیه» (الحریری، 1992م، ص 13)، والإحماض مأخوذ من إحماض الإبل؛ أی: انتقالها من نبات حلو إلى مالح.
  • استخدام الأمثال، اقتباساً وتضمیناً. ونحن هنا نورد بعض النماذج، من ذلک قوله: «لقد استَسْمَنْتَ یا هذا ذا ورمٍ» (السابق، ص 28)، أی رأیت صاحب الورم سمیناً، وهو مثل ومعناه لقد استعظمت ما لیس بعظیم، وقال کذلک: «ونفختَ فی غیر ضَرَمٍ» (السابق)، هذا مثل یضرب لمن یضع الشیء فی غیر موضعه، والضرم النار أو الحطب السریع الالتهاب. وقال کذلک: «فَقُلتُ لَه: ویلکَ أبُطءُ فِندٍ، وصلودُ زندٍ» (السابق، ص 511)، وفند هو مولى عائشة بنت سعد بن أبی وقّاص، وکانت بعثته بالمدینة لیقتبس لها ناراً، فقصد من فوره مصر وأقام بها سنة. ثم جاءها بعد السنة ـ وهو یشتد ـ فتبدد منه، فقال: تعست العجلة. وکذا قوله: «وما أقبحَ الغربةَ والإقلال» (السابق، ص 514)، یضرب مثلاً لمن یفعل بعکس ما ینبغی أن یفعل، والإقلال أی القل بمعنى الفقر. ثم قوله: «فلا تضرِب فی حدیدٍ بارد» (السابق، ص 515)، مثل یضرب لمن یطمع فی غیر مطمع. وأیضاً قوله: «أنفٌ فی السماء واستٌ فی الماء» (السابق، ص 517)، یضرب هذا المثل لمن یکبر مقالاً ویصغر فعالاً. ویقول فی الصفحة نفسها: «وتعُقّ عقوق الهرّ»، وفی المثل: «أعقّ من الهرّة» وذلک لأنها تأکل أولادها کالضبة؛ کما قال: «یشکو إلى غیر مُصمت» (السابق، ص 518)، مثل یضرب لمن لا یکترث لشأن صاحبه ولا یعبأ باستمرار شکایته؛ لأنه لو أشکاه لصمت وأمسک عن الکلام. وقوله: «وانطلقَ هو وابنُه کَفرسَی رهان» (السابق، ص 522)، وهو مثل یضرب للمتسابقین. وقوله: «الإنسانُ صنیعةُ الإحسان» (السابق، ص 170)، هذا مثل یضرب لکل من انقاد إلى غیره لمعروفه. وقوله: «وینُسی سَحبان کلّما أبان» (السابق، ص 168)، للرجل البلیغ ویعرف بسحبان وائل. ولمزید من الأمثلة وشرحها راجع المقامة الحجریة (السابق، ص 511 ـ 523).

 

الخاتمة

إن الحریری، وإن کان مقلّداً فی مقاماته فی کافة أُصولها وأُسسها، وهو یعترف بذلک صراحة، ویعترف کذلک بفضل البدیع فی السبق والإجادة، إلا أنه لیس من العدل أن نغمط الرجل حقّه فنحصره فی دائرة التقلید فقط ـ وإن کان هذا هو الغالب على مقاماته ـ إذ قام الحریری بتقلید الهمذانی فی کل ما یتعلّق بالمقامات ابتداءاً ببطلها وراویها الثابتین وقیامها على موضوع واحد یتکرر، وهو الکدیة، وانتهاءاً بإغراقها بالمحسنات البدیعیة، اللفظیة والمعنویة، وخاصة السجع، والتشبیهات والاستعارات الکثیرة، والأحاجی والألغاز التی اعتبرها الهمذانی مقدرة وفنّاً، وتبعه الحریری فی ذلک وسار على نهجه ونسج على منواله. لکن الحریری لم یتوقف عند الحدود التی رسمها الهمذانی، بل تخطّاها وزاد علیها من عنده، ولکن إضافات الحریری لم تکن خارج الإطار الذی رسمه الهمذانی، بل کانت ضمنه وفی حدوده.

وقد أشرنا فی المقالة إلى بعض مظاهر الإبداع فی مقامات الحریری، کالترتیب والتنظیم للمقامات، والالتزام بأُصولها؛ والإکثار من المحسنات البدیعیة، اللفظیة والمعنویة، وخاصة السجع والتجنیس الذی ابتکر له فنوناً واخترع له ضروباً؛ واستخدام بعض الأسالیب البیانیة المحددة کالتشبیه والتوریة والاستعارة التی طغت على غیرها؛ والانتقال من أسلوب إلى آخر، والإغراق فی التصنع والتکلف، إذ أولع الحریری بمظاهر التصنع والتکلف الغریبة فی نثره، أو عُقَد بلاغیة أراد منها إظهار مقدرته فی نظم یعجز عنه الآخرون، الأمر الذی أوقعه فی تعقید لغوی ظهر فی ولعه بالألغاز والأحاجی اللغویة والنحویة وتلاعبه بالألفاظ، حیث کان ذلک من ممیزات الکتابة فی القرنین الخامس والسادس الهجریین، إذ عاش الحریری فی النصف الثانی من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس.



[1]. أیُّ شخصٍ منّا أو منکم کان من أصحاب الشر حتى یُقاد إلى المجلس معصوب العینین؟

[2].  یصف زهیر بن أبی سلمى مجالس قوم وأندیتهم بأنها ینتابها، أی: یجیئها نوبة بعد نوبة؛ القول ثم یتبعه الفعل، أی: إن القول الذی یلقى فی النادی یعقبه عمل به، ولا یبقى مجرد لقلقة لسان، أو حبراً على ورق. وقد وصف الجالسین فی النادی بصباحة الوجوه وحسنها، وهو قد یقصد المعنى الحقیقی لصباحة الوجه وحسنه، أو المعنى المجازی، أی: الکرم ودماثة الخلق وطلاقة الوجه.

[3]. فی المقامة: أی فی المجلس. وأین ضوء الفرقد، أی متسائلاً: أین ضوء الفرقد؟ یقول لقد بحثنا بأنظارنا فی المجلس عن مالک الذی له وجه منیر کأنه الفرقد فی السماء، کما یبحث المسافر فی المهامة لیلاً بنظره عن النجم القطبی الذی یهتدی به التائهون أو السائرون لیلاً، وکذا مالک، فهو یقود الآخرین ویهدیهم.

[4]. یصف الشاعر قوماً یحبهم، فیقول: إن تراب مجالسهم وأندیتهم عبق الرائحة کالمسک، وإن تراب قبورهم هو أطیب رائحةً.

[5]. استبّ: أصله استتبّ، حذفت إحدى تاءیه. قال فی المعجم الوسیط (مادة تبّ): «استتبّ الأمر: اطّرد واستقام واستقر؛ یقال: استتب الأمن، واستتب النظام». ومعروف أن الاستقرار هو لأهل المجلس بالضبط کما یقال: لمّا انتظم المجلس أو کمل، ... فهم یعنون: لما استقر الجالسون فی أماکنهم.

[6]. بالذال المعجمة، وهی الآن بالدال؛ ولا فرق ـ فی الواقع ـ بین الذال والدال فی العربیة، فکثیراً ما تسقط نقطة الذال، والشواهد على ذلک کثیرة فی القرآن. قال ـ تعالى ـ : «وَلَقَدْ یَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّکْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّکِرٍª، وهذه الآیة وردت أربع مرات فی سورة القمر 54، الآیات 17، 22، 32، و 40.

[7] . قال فی الحاشیة: المراد به وزیر السلطان المسعود واسمه أنوشروان بن خالد، وقیل والی البصرة، وقیل هو الخلیفة، وقال بعض: غلام الخلیفة.

[8]. هذا العدد ورد فی إحدى رسائل الهمذانی ینتقد فیها إحدى قصائد الخوارزمی، وقد أثبت الحصری والثعالبی ذلک العدد، بینما ردّه الفاخوری معتبراً أن الهمذانی إنما ذکره تبجّحاً ومغالاة وتکبراً ومباهاة (الفاخوری، 1995م، ص 625).

[9] . احتذینا: انتعلنا. الوجى: رقة القدم من کثرة المشی. الشجا: عظم یعترض فی الحلق یمنع سهولة البلع. الجوى: شدة الوجد. الطوى: الجوع. السهاد: السهر. الوهاد: جمع وَهْدة، وهی ما انخفض من الأرض. استوطأنا: وطأنا. القتاد: الشوک. الأقتاد: جمع قَتِدَة کفَرِحَة، وهی فی الأصل الإبل تشتکی من أکل القتاد.

[10] . الخاتن: الذی یختن الصبی، وهو مثل یضرب فی فرط القرب. سُیوب: جمع سَیْب، وهو ما تُرِک لیذهب حیث شاء. نیله: النیل والنوال بمعنی العطاء. آذَنَ: أعلم. طول ذیله: کنایة عن الغنى وکثرة المال. قصر لیله: کنایة عن قصر همّه وکونه مسروراً. الرُّدن: الکُمّ، استعاره للید. حاذیاً حذوه: فاعلاً مثل ما یفعل. فصل: ابتعد وخرج. غابه: الضمیر یعود للوالی، ویقصد بالغاب مجلس الوالی، وأصله مأوى الأسد. مُلّیت: مُتِّعت. أُولیت: أُعطیت.

[11] . جدحت: خلطت ومزجت. الإملاق: الفقر. أغراه: أولعه به وحرّضه علیه. العُراق: جمع عِرق، وهو العظم الذی یؤخذ عنه العظم. العِراق: البلد المعروف، والمقصود به هنا مدینة حُلوان التی کانت قرب بغداد، من باب إطلاق الکل على الجزء. مَعاوِز: جمع مَعوز، اسم مکان من العَوَز، وهو محل الحاجة والاحتیاج. الإرفاق: النفع والإعانة. مفاوز: جمع مفازة، وهی الفلاة. الغِرار: حد السیف. الأزِمّة: جمع الزِّمام، وهو الخیط الذی یُشَدُّ الى البَرَة، وهی حلقة من صُفر أو غیره تجعل فی طرف أنف البعیر، أو الخَشاش، وهو عود فی أنف البعیر، ثم یوصَل بالمقود.

[12] . السکباج: طعام یعمل من اللحم والخل مع توابل وأفاویه، القطعة منه سِکباجة.

[13] . الفالوذج: حلواء تُعمل من الدقیق والماء والعسل، وتصنع الآن من النشأ والماء والسکر (بقّال، 1376هـ. ش، ج 5، ص 18).

[14] . أو تنشئ لی: أو بمعنى إلى أن. النقط: أی حروفها معجمة. لم یعجمن: بمعنى مهملة لا نقط بها.

[15] . ألق دواتک: أی أصلح الدواة ومدادها. أداتک: أی قلمک. الأروع: الماجد الجمیل الذی یروعک جماله. یثیب: أی یجازی. المعور: هو قبیح الفعل من العوار وهو العیب. یخیب: من الخیبة مقابل الفلاح. الحلاحل: بالضم السید الرکین الرزین. الماحل: الواشی المکار من محل به إذا وشى به ومکر. یخیف: أی یفزع. السمح: الجواد. المحک: البخیل اللجوج. یقذی: أی یکدر ویحزن. المطال: بالکسر والمطل عدم وفاء الدین ومدافعة الدائن. یشجی: أی یحزن ویغص. یقی: یکف. ینقی: أی یطهر. الإلطاط: ستر الحق وکتمانة من ألط الشیء إذا ستره. یخزی: أی یفضح. غی: أی ترک و إبعاد المحترم ضلال. بغی: ظلم. ما ضن إلا غبین: أی ما بخل، والضنة بالکسر البخل والغبن محرکة ضعف الرأی ورجل غبین ضعیفه والغبن بالسکون الخسران فی البیع فهو مغبون.

[16] . جُلنا: تفاوضنا ودرنا. لا یستحیل: لا یتحوّل ولا یتغیر. بالانعکاس: بالقلب وهو ردُّ الأول آخراً. ساکب کأس: السکب هو الصب والکأس القدح المملوء خمراً.

[17] . یربُ: أی یربی الصنیعة ویصونها. ینمُ: من النماء وهو الزیادة. نمَّ: من النمیمة. لُذ: اِلجأْ. مؤمّل: مرجى. لمَّ: جمع.

[18] . اُس ـ بضم الهمزة ـ : من الأوس وهو الإعطاء أی أعط. أرملاً: هو الذی نفد زاده وافتقر. عرا: أتى طالباً للرفد. ارعَ: أمر من الرعایة وهو الحفظ. أسا: من الإساءة. أسنِد: أی أعن وارفع. أخا نباهة: أی صاحب فطنة وشرف وعلو قدر. أبِن: أبعد واقطع. إخاء: مصدر کالمؤاخاة. دنسا: یروى یکسر النون وبفتحها مشددة من التدنیس وهو تلویث العرض. أسلُ: من السلو وهو الزهادة والترک. جناب: أی فناء بکسر الفاء. غاشِم: ظالم. مشاغب: مهیج للشر. أسرُ: بفتح الهمزة وکسرها مع کسر الراء أو بضمها فبضمهما معناه کن سریاً أی سداً رئیساً واجهد فی قطع المراء إذا ثار وبفتح الهمزة أو کسرها مع کسر الراء أمر من الإسراء والسرى أی اذهب عن محل المماراة. هبّ: هاج. مرا: جدال وقصره للضرورة. وارم به: ای انبذه واطرحه. رسا: ثبت. أسکن: أمر من السکون. تقوَّ: أصله تتقوَّ حذفت إحدى التاءین تخفیفاً وحذف حرف العلة للجازم لأنه واقع فی جواب الأمر. یسعِف: یساعد. نکسا: قُلِب.

[19] . ربّ: الرب مصدر معناه التربیة. الندب: الرجل الخفیف فی الحاجة. شیمةُ الحر: خلقهُ وطبیعته. عنوان الکرم: علامته. تباشیر البشر: أوله کما أن تباشیر الفاکهة أولها وتباشیر الصبح أوله والبشر طلاقة الوجه وبشاشته. المداراة: هی خداع القلوب بلطف الکلام ومداراة الناس معاملتهم بما یحبون. المصافاة: إخلاص الصحبة. عقدُ المَحبَّة: أی انعقادها بین شخصین. حلیةُ اللسان: أی زینته.

[20] . رقطاء: من الرقطة وهی السواد یشوبه نقط بیاض لأن أحد حروفها منقوط والآخر غیر منقوط. وبعقوته: أی بفنائه. یُلب: ألبَّ بالمکان أقام به. تُحَف: جمع تحفة وهی ما یستملح ویعجب. نأیُهُ: أی بعده من نأى عنه إذا بعد. خُلَّتُهُ: الخلة مصدر المحبة، ویقال للخلیل خلة أیضاً.   نَسَب: أی شرف. نصب: أی تعب. غربُهُ: أی حد سیفه. ذلق: أی حاد. شهبُهُ: یعنی بها مناقبه المشهورة. تأتلق: أی تلمع، من تألق البرق: لمع؛ أی تتضح؛ وللمزید تُراجع المقامة المذکورة.

[21] . الآلاء: النعم. حسم: قطع. اللأواء: الشدة. مصور الرمم: معید العظام البالیة. عاد: قوم هود. إرم: هو أبو عاد وقیل اسم بلدهم أو قبیلة منهم.

أ) العربیة

·      القرآن الکریم.

  • نهج البلاغة  (تحقیق صبحی الصالح). (1395هـ). قم: هجرت.
  1. ابن منظور، محمد بن مکرم. (1992م). لسان العرب. بیروت: دارصادر.
  2. بقّال، عبدالحسین محمدعلی. (1376هـ. ش). المعجم المجمعی (ج 5). طهران: مؤسسة الطباعة والنشر لجامعة طهران.
  3. الحریری، القاسم بن علی. (1992م). مقامات الحریری. بیروت: دار الکتب العلمیة.
  4. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (د. ت). مقامات الحریری. بیروت: دار صادر.
  5. الزمخشری، محمود بن عمر. (1987م). مقامات الزمخشری (تحقیق لجنة من المحققین). (ط 2). بیروت: دار الکتب العلمیة.
  6. الشرّیشی، أحمد بن عبدالمؤمن. (د. ت). شرح مقامات الحریری البصری (تصحیح محمد عبدالمنعم خفاجی). بیروت: المکتبة الثقافیة.
  7. ضیف، شوقی. (آ د. ت). الفن ومذاهبه فی النثر العربی (ط 11). القاهرة: دار المعارف.
  8. ـــــــــــــــــــــــــ . (ب د. ت). المقامة (ط 7). القاهرة: دار المعارف.
  9. عبدالحمید، محیی‌الدین. (د. ت). شرح مقامات الهمذانی. بیروت: دار الکتب العلمیة.
  10.  الفاخوری، حنّا. (1995م). الجامع فی تاریخ الأدب العربی (ط 2). بیروت: دار الجیل.
  11.  المقدسی، أنیس. (1979م). تطور الأسالیب النثریة فی الأدب العربی (ط 6). بیروت: دار العلم للملایین.
  12.  مجمع اللغة العربیة فی القاهرة. (1996م). المعجم الوسیط (ط 5). طهران: مکتب نشر الثقافة الإسلامیة.

 

ب) الفارسیة

  1.  حریرچى، فیروز. (1345هـ. ش). پارسیان عربى‌نویس: عبدالحمید کاتب ـ بدیع‌الزمان همدانى. تهران: ارژنگ.
  2. دهخدا، على‌اکبر. (1383هـ. ش). لغت‌نامه (مؤسسه لغت‌نامه دهخدا). (چ 3). تهران: دانشگاه تهران.