نوع المستند : المقالة البحثیه

المؤلف

استاديار گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه کاشان

المستخلص

حياة دعبل الخزاعي زاخرة بالأحداث والمواقف الأدبية والعلمية والتأريخية، ويعدّ شاعرنا الخزاعي في نتاجه الأدبي أحد عمالقة الشعر العربي في القرن الثاني والثالث الهجريَّين. إنه عاصر خمسة من ملوک بني العباس، کما التقى عشرات الأمراء والأدباء، وفي هؤلاء قال الشيء الکثير من المدح والهجاء. وقد وجدنا في سيرته أنه قصد جهات کثيرة، ورحل إلى بلدان عديدة آنذاک، وإن سفراته ورحلاته امتدت إلى أکثر من سبعة عقود من الزمان. وله في کل بلد زاره أو رحل إليه نتاج أدبي رفيع، لکن من المؤسف جدّاً أن البحوث والدراسات التي هي بأيدينا حول دعبل لم تتعرّض لنتاجه الأدبي ذاک. من هنا حاولت في هذا البحث أن أساهم نتاجات من سبقني لإکمال تلک الدراسات الأدبية، وأبحث عن سفرات الشاعر، وبالخصوص سفره إلى مناطق شرق العالم الإسلامي والمتمثلة في بلاد العجم، وما قاله دعبل فيها من شعر.
وإنني أخص بالذکر من تلک المناطق: بلاد العجم والدينور وبلاد سمنجان من أعمال طخارستان التابعة لخراسان وبلاد الري وبلاد جرجان وبلاد نيشابور وبلاد خراسان، ثم قم وشهرزور.
أما منهج البحث الذي اتبعته في هذا المقال، فهو ذکر البلد أولاً، والتعريف به من حيث الموقع الجغرافي بشيء من الاختصار ثانياً، والإشارة إلى المصدر الذي استقيت منه تلک المعلومات المقتضبة ثالثاً. بعد ذلک ذکرت أهم حدث صادفه شاعرنا الخزاعي عند نزوله ذلک البلد، وما قال فيه من شعر.
فالبعد الجغرافي في شعر دعبل إنما هو استقراء عام في نتاج الشاعر ـ في تلک المناطق والبلدان ـ وحلقة من حلقات سيرته وحياته المفقودة.

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

A Geographical Dimension in the Poetry of De’bil Al- Khozaee

المؤلف [English]

  • Abdul Rasoul Ghaffari

* Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Kashan

المستخلص [English]

In this article, we attempt to study De'bil Al-Khozaee's poetry. We find him a person who travelled a lot around the west and the east of Islamic world. In his journey, he acquired knowledge, belles-letters, morals and also wealth. What is important for us in this research is the geographical dimension, namely the countries and cities he visited. We, thus, study his journey to Iraq (Kufa, Baghdad, Basrah and Samerra'); Hijaz, i. e. sacred lands; Egypt (as the ruler of Aswan city); Syria (Damascus and Hems); then to the east of Islamic world, i. e. Persian lands including Deynur, Samanjan, Rey, Gorgan, Neyshabur, Khorasan, Qum and Shahrezur;  to the west of the Islamic world, i. e. Morocco; his return to Iraq and finally his journey from Kufa to Basrah, and to Ahwaz and then to the city of Shush where he is buried now.
 

الكلمات الرئيسية [English]

  • De'bil Khozaee
  • poetry
  • belles-letters
  • Arabic Literature
  • geographical dimension

المقدمة

من الکوفة بیئة الشاعر ومهده الأوّل

یُعدّ دعبل بن علی الخزاعی أعجوبة عصره، وفرید دهره، ورحّالة زمانه. جاب العالم الإسلامی شرقاً وغرباً، وزار العدید من المدن والأمصار، وتعرّف على النوابغ من الشعراء والوزراء والکتّاب والقضاة والولاة، واستفاد الکثیر فی رحلته هذه من النوادر والأخبار.

ولأسفاره تلک أسباب ودواع عدیدة یمکن أن نجملها بالنِّقاط الآتیة:

أولاً. کانت أسفاره تعد ضرباً من التبلیغ السیاسی فی الدعوة لأهل البیت 7؛

ثانیاً. استعمل الشعر وسیلة فی نشر فضائل أهل بیت العصمة <؛

ثالثاً. جعل وسیلته الأولى شعره وهدفه الأسمى هو تعریة ملوک الجور وفضحهم على رؤوس الأشهاد؛

رابعاً. جاب البلدان متحدّیاً ملوک بنی العباس حاملاً خشبته على کتفه منذ خمسین سنة ـ على حدّ مقولته الشهیرة ـ فهو مستمیت فی الولاء للأبرار الأولیاء، وهذا یعنی أنه کان صلب العقیدة راسخ الإیمان قوی الجنان؛

خامساً. الودّ والألفة ومرافقة الأحبّة جعلته یلبّی دعوات إخوانه، ویفد علیهم ـ وهم فی تلک الأمصار ـ کما هو ماثل لدینا فی سفره إلى الشام وإلى مرو وإلى طخارستان حیث فی الشام کان العلوی الذی طلب الوفادة إلیه، وفی مرو وطخارستان کان الفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعی، وفی جرجان کان صدیقه مسلم بن الولید، وفد علیه رجاء رفده ونواله...؛

سادساً. کانت بعض أسفاره تمثّل منهجاً ووسیلة للفرار من ید الغدر التی تطاولت علیه؛ کسفره إلى المغرب الأقصى، وسفره إلى أسوان ـ ثانیة ـ هروباً من المعتصم العبّاسی، وسفره إلى الأهواز ثم السوس هروباً من مالک بن طوق التغلبی وإسحاق بن العباس؛

سابعاً. لم تکن أسفار دعبل وتطوافه فی البلدان لأجل التکسّب بشعره ـ کما یصوّره لنا الأصبهانی ـ ولم تکن رحلاته تلک وشعره لإخافة الناس، کما یدّعیه صاحب الأغانی، حیث نقل عن أبی خالد الخزاعی الأسلمی قوله لدعبل: «ویحک! قد هجوت الخلفاء والوزراء والقوّاد ووترت الناس جمیعاً، فأنت دهرَک کلّه شریدٌ طرید هارب خائف. فلو کففت عن هذا وصرفت هذا الشّرّ عن نفسک!» (الأصبهانی، د. ت، ص 125)، بل کانت أسفاره وما جادت به قریحته هنا وهناک من هجو إنما لفضح خصومه. انظر إلى جوابه لأبی خالد الخزاعی:

إنی تأملت ما تقول، فوجدت أکثر الناس لا یُنتفع بهم إلّا على الرَّهبة، ولا یبالی بالشاعر وإن کان مُجیداً إذا لم یُخَف شرُّه. ولَمَن یتّقیک على عرضه أکثرُ ممن یرغب إلیک من تشریفه. وعیوب الناس أکثر من محاسنهم. ولیس کلّ من شرَّفته شَرُف، ولا کلُّ من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ـ ولم یکن ذلک فیه ـ انتفع بقولک. فإذا رآک قد أوجعت عِرض غیره وفضحتَه، اتّقاک على نفسه، وخاف من مثل ما جرى على الآخَر... (السابق).

من هذا النص یتّضح أن دعبل یجنح إلى الکنایة، فیکنّی عن ذوی السلطان والقوّاد والوزراء بقوله: «وعیوب الناس أکثر من محاسنهم، ولیس کلّ من‏شرَّفته شرف... إلخ». فهو وإن لم یُسمِّ أحداً منهم إلّا أن قصْده هو تلک الشریحة المتسلّطة على رقاب الناس.

إذا عرفنا حقیقة هذه الأسفار وما انطوت علیها من أسرار، استطعنا أن نعطی صورة متکاملة الأبعاد عن دعبل بن علی الخزاعی، والنشاط السیاسی الذی مارسه آنذاک.

بدأ شاعرنا یتألّق نجمه فی سماء الکوفة، معقل التشیّع ومهد الحضارة والأدب، ومرکز الأحزاب والمذاهب، ومنشأ الخصومات والمنازعات، وموطن القبائل العربیة من قحطانیین ونِزاریین، قبائل هاجرت من الحجاز والیمن.

إنها الکوفة التی کانت فی الأمس قبلة العالم الإسلامی، وعاصمة الخلافة الراشدة فی زمن أمیرالمؤمنین علی بن أبی طالب والإمام الحسن 6. فی هذه البیئة المتمیّزة بمناخها ومائها وشیوخها وعلمائها وعقائدها نشأ وترعرع دعبل الخزاعی، حتى ساد أقرانَه من الشعراء والأدباء، وعُرف بوحید دهره; وحقاً لو قیل: «إن الشعر خُتم بدعبل» (الأصبهانی، د. ت، ص 125).

 

دعبل فی بغداد

کانت الکوفة المهد الأول للشاعر، حیث أمضى فیها أیّام شبابه، وترعرع بین أقرانه من الأدباء إلى أن قال:

أین الشبابُ   وأیّة سلکا
 
 

 

لا، أین یطلب؟ ضلّ مَن هلکا
 
 

إلى آخر الأبیات.

وقد سمعها الرشید، فطرب لها وتعلّق بناظمها قبل أن یراه؛ فسأل عنه، فقالوا: شاعر من خزاعة اسمه دعبل. فأرسل غلامه إلى الکوفة یستقدمه، وقد حمل إلیه هدیة نفیسة ونقوداً.

دعبل الشاعر ـ وهو العالم بأیام العرب وطبقات الشعراء، ثم کان من أبرز شعراء عصره ـ إذا استثنینا أدبه وشعره، وجدناه عالماً من علماء الکلام والتاریخ واللغة والنقد... وقد اتّصف بجرأة وحماسة وعقیدة صلبة لا یساوم علیها مهما کانت الإغراءات والدوافع؛ لذا تراه یصرّح بمذهبه الولائی ونزعته تجاه أهل البیت، فیقول:

أنّى یکون   ولیس ذاک بکائن
 
 

 

یَرِث الخِلافةَ فاسقٌ عن فاسقِ
 
 

إن کانَ   إبراهیمُ مضطلعاً بها
 
 

 

فلتصلُحَن مِن بعده لِمُخارقِ
 
 

ومخارق، هو أبو المهنإ بن یحیى الجزار، أستاذ الغناء فی عصره، وکان من أحسن الناس صوتاً. وقد اُعجب به الرشید العباسی حتى أقعده مرّة على السریر معه وأعطاه 30 ألف درهماً. کان مملوکاً لعاتکة بنت شُهدة بالکوفة، وهی التی علّمته الغناء والضرب على العود وباعته. فصار إلى الرشید، فأعتقه وأغناه وکنّاه بأبی المهنإ.

وفی البیتین تعریض بإبراهیم بن المهدی الخلیفة العباسی المخلوع الذی تصدّى للخلافة العباسیة ببغداد لمّا کان المأمون بخراسان، وقد عهد البیعة إلى الإمام علی بن موسى الرضا 4.

احتلّ دعبل مکانة سامیة ببغداد عندما استوطنها[1]. فقد کان مقرّباً للرشید فترة غیر قصیرة من الزمان، وبها تعرّف على کبار الوزراء والقوّاد والأمراء والقضاة، کما شارک فی مجالسهم وطربهم، ومدح الکثیر منهم وهجا طائفة أخرى، متّخذاً مذهب أهل البیت درعاً واقیاً له وحصناً یلوذ به.

وفی بغداد اهتدى إلیه شعراء کأبی نواس ومسلم بن الولید ـ صریع الغوانی ـ وأبی تمّام وأبی الجنوب بن مروان بن أبی حفصة وأخیه أبی السمط، وطائفة من شعراء آل أبی أمیة. هؤلاء وغیرهم من الکتّاب والوزراء کالمبرّد ومحمد بن عبد الملک الزیات أَنِسُوا بالشاعر الخزاعی وکسبوا ودّه، ورفعوا من منزلته واستفادوا من أدبه وأخباره.

ولدعبل أخبار وطرائف کثیرة وهو ببغداد. منها ما جرى بینه وبین أبی سعد المخزومی ببغداد:

روى علی بن أبی عمرو الشیبانی قال: جاءنی إسماعیل بن إبراهیم ابن ضمرة الخزاعی، فقال لی: إنی سألت دعبلاً أن أقرأ علیه قصیدته التی یناقض بها الکمیت. فقال لی إسماعیل: قال لی دعبل: یا أبا الحسن! فیها أخبار وغریب، فلیکنْ معک رجل یقرؤها علی وأنت معه، فیکون أهونَ علی منک. فقلت له: لقد اخترتُ صدیقاً لی یقال له علی. فقال: أمِن العرب هو؟ قلت: نعم. قال: من أی العرب؟ قلت: من بنی شیبان. قال: شیبانُ کندة؟ فقلت: بل شیبانُ ربیعة. فقال لی: ویحک! أتأتینی برجل أُسمعه ما یکره فی قومه؟ فقلت له: إنه رجل یَحتمل، ویحب أن یسمع ما له وعلیه. فقال: فی مثل هذا رغبةٌ، فأتنی به.

فصرنا إلیه، فلمّا لقیه قال: قد أخبرنی عنک أبوالحسن بما سُررتُ به: أن کنت رجلاً من العرب تُحب أن تسمع ما لک وعلیک لکیلا تغبن.  فقرأنا علیه الشعر حتى انتهینا فی القصیدة إلى قوله:

من أی ثنیّة طلعت قریشٌ
 
 

 

وکانوا معشراً مُتَنبِّطینا
 
 

فقال دعبل: معاذ الله أن یکون هذا البیت لی! ثم قال: لعنه الله وانتقم منه! ـ یعنی أبا سعد المخزومی ـ دسّه والله فی هذا الشعر. وضرب بیده إلى سکّین کانت معه، فجرّد البیت بحدّها ـ أی حکّه ـ، فمحاه من القصیدة. ثم قال لنا: أحدّثکم عنه بحدیث طریف:

جاءنی یوماً ببغداد أشدَّ ما کان بینی وبینه من الهجاء، وبین یدی صحیفة ودواة، وأنا أهجوه فیها، إذ دخل علیّ غلام لی فقال: أبو سعد المخزومی بالباب. فقلت له: کذبتَ. فقال ـ وهو عارف بأبی سعد ـ: بلى والله! یا مولای.

فأمرته برفع الدواة والجلد الذی کان بین یدی، وأذنت له فی الدخول، وجعلت أحمد الله فی نفسی، فأقول: الحمد لله الذی أصلح بینی وبینه من هتک الأعراض وذکر القبیح، وکان الابتداء منه.

فقمت إلیه وسلّمت علیه وهو ضاحک مسرور. فأبدیت له مثل ذلک من السرور به، ثم قلت: أصبحتُ والله حاسداً لک. قال: على ماذا یا أبا علی؟ فقلت: بسبقک إیای إلى الفضل. فقال لی: أنا الیوم فی دعوىً عندک. فقلت: قل ما أحببت. فقال: إن کان عندک ما نأکله، وإلّا ففی منزلی شیء مُعَدّ. فسألتُ الغلمان، فقالوا عندنا: قِدر أُمسیة. فقال: غایة واتفاق جید. فهل عندک شیء نشربه، وإلّا وجّهت إلى منزلی، ففیه شراب مُعدّ؟ فقلت له: عندنا ما نشرب.

فطرح ثیابه وردّ دابّته وقال: أحبّ ألا یکون معنا غیرنا. فتغدّینا وشربنا. فلما أن أخذ الشراب منا قال: مُر غلامَیک یغنّیانی. فأمرت الغلامین، فغنّیاه، فطرب وفرح واستحسن الغناء حتى سرّنی وأطربنی معه. ثم قال: حاجتی إلیک یا أبا علی أن تأمرهما بأن یغنّیانی فی هجائک لی ـ وکان الغلامان لکثرة ما یسمعانه منّی فی هجائی قد حفِظا منه أشیاء ولحنّاها ـ . فقلت له: سبحان الله! یا أبا سعد، قد طَفئتِ النائرة، وذهبتِ العداوة بیننا، وانقطع الشرّ، فما حاجتک إلى هذا؟ فقال لی: سألتک بالله إلّا فعلت، فلیس یشقّ ذلک علیّ، ولو کرهتُه لما سألتُه. فقلت فی نفسی: أتُرى، أباسعد یتماجن علیّ؟ یا غلمانُ، غنّوه بما یرید. فقال: غنّوه:

یا أبا سعد قوصَرة  
 
 

 

زانی الأخت والمرة  
 
 

فغنَّوه، وهو یحرّک رأسه وکتفیه، یطرب ویصفّق.

فما زلنا یومنا مسرورین. فلما ثمل، ودَّعنی وقام فانصرف. وأمرت غلمانی، فخرجوا معه إلى الباب، فإذا غلام منهم قد انصرف إلی بقطعة قرطاس وقال: دفعها إلی أبوسعد المخزومی، وأمرنی أن أدفعها إلیک. قال: فقرأتها، فإذا فیها:

لِدعبلٍ منّةٌ یمنّ بها
  أدخلَنا بیته
فأکرمَنا
 
 

 

 

فلستُ حتّى الممات أنساها
  ودسّ بامرأته فَـ نـِ
کـْ نـ اها
 
 

فقال: ویلی على ابن الفاعلة! هاتوا جلداً ودواة. قال: فردُّوها علیّ. فعُدت إلى هجائه، ولقیته بعد یومین أو ثلاثة، فما سلّم علی، ولا سلّمت علیه (الأصبهانی، د. ت، ص 167).

أقول: مهاجاة دعبل لأبی سعد المخزومی وأخبارهما فی بغداد کثیرة، وقد نقل أبو الفرج الأصبهانی جملة منها.

ثم لدعبل أخبار اُخر وشعر فی عبد الله بن طاهر ببغداد. من ذلک قوله فی عبد الله:

جئت بلا حُرمة   ولا سبب
  فاقضِ ذِمامی فإننی رجلٌ

 
 

 

 

إلیک إلّا بحرمة   الأدب
  غیرُ مُلحّ
علیک فی الطّلب
 
 

قال أبوحفص النحویّ مؤدِّب آل طاهر: فانتعل عبد الله، ودخل إلى الحرم، ووجّه إلیه بصُرّة فیها ألفُ درهم، وکتب إلیه:

أعجلتنا فأتاک عاجل برّنا
 
فخذ القلیل وکن کأنک لم   تسل

 

 

ولو انتظرت کثیرَه لم   یقلِلِ
 
ونکون نحن کأنّنا   لم نفعلِ
 
 

 (الأصبهانی، د. ت، ص 184).

هذا طُرف من أخبار دعبل فی بغداد بروایة الأصبهانی، ولا یخفى ـ إن صحّت ـ أنها کانت تمثّل حیاة الشباب، ودور عنفوان الشاعر ورشده الأدبی، ولکن ینبغی أن نشیر إلى أنّ هذه الروایة و أمثالها لایمکن أن تکون صحیحة؛ لأن الإمام الرضا 4 قال لدعبل: «مرحباً بناصرنا بیده ولسانه» (القمی، 1359هـ، ص 444)، وأجلسه إلى جانبه فی مدینة طوس (المصدر نفسه)، فهل یمکن أن یقول الإمام الرضا لشارب الخمر: «ناصرنا»؟!

 

دعبل فی سمنجان

سمنجان بلدة من أعمال طخارستان وراء بلخ وبغلان، بها شعاب کثیرة، ونزحت إلیها قبائل عربیة فی أوّل الفتح الإسلامی، منهم عرب تمیم.

وکانت سمنجان تابعة إداریاً لخراسان. ولی دعبل سمنجان للعباس بن جعفر بن الأشعث الخزاعی، وکان العباس والیاً على خراسان من قبل هارون الرشید من سنة 173 إلى 175هـ. ثم ولی الفضلُ خراسان بعد أبیه، فعزل دعبلاً من سمنجان.

کان دعبل مؤدِّباً للفضل بن العباس ومعلّمه، وقد مدحه بقصائد عدیدة، ولکن لم ینصفه الفضل ولم یحسن إلیه، فما کان من الشاعر إلا أن یهجوه بمُرّ الکلام.

بعدما انفصل الشاعر من عمله فی سمنجان، عاد إلى وطنه ببغداد حتى وفاة الرشید، وما أن حدثت الفتنة بین الأمین والمأمون حتى ترک دعبل بغداد متّجهاً مع أخیه إلى الحجاز.

أدّى شاعرنا دعبل فریضة الحج، کما یظهر أنها حجّة الإسلام لمّا کان بصحبة أخیه رزین، ومن مکّة ذهبا إلى مصر حیث المطّلب یتولّا‏ها. وکان ذلک سنة 198 هـ، وهو عام الفتنة بین الأمین والمأمون والتی ذهب ضحیتها محمد الأمین على ید القائد طاهر بن الحسین الخزاعی.

عن الحسن بن أبی السری عن عبد الله بن أبی الشِّیص قال: حدّثنی دعبل قال: حججت أنا وأخی رَزین وأخذنا کُتباً إلى المطّلب بن عبد الله ابن مالک وهو بمصر یتولّا‏ها. فصرنا من مکّة إلى مِصر (الأصبهانی، د. ت، ص 159).

لم تذکر المصادر التی بأیدینا أکثر من ذلک؛ لذا إن المدة التی قضاها شاعرنا فی الحجاز لأداء حجّة الإسلام لاتتعدى الشهرین، کما هو المعروف فی تلک الأزمان.

 

دعبل فی الدینور

أدّى شاعرنا مناسک الحج، ثم سافر إلى مصر مع أخیه رزین، وبعدها قفل راجعاً إلى العراق، إلا أنّه لم یمکث طویلاً فی العراق حتى شدّ الرحال إلى بلاد الفرس ثانیة.

الدینور من أعمال الجبل، وللشاعر دعبل هنا أکثر من حکایة. وربما نزل فی هذه الأماکن مراراً؛ لکونها منازل یقف عندها المسافر القادم من العراق فی طریقه إلى خراسان.

وفی الدینور یصطدم الخزاعی دعبل مع بعض الزبیریین، فیشکوه إلى القاضی ویتعدّى علیه بفریة واضحة البطلان، فیسخر منه دعبل ویعنّف القاضی فی آن واحد.

عن ابن مهرویه قال: حدّثنی أبی قال: قدِم دعبل الدینور، فجرى  بینه وبین رجل من ولد الزبیر بن العوام کلام وعربدة على النبیذ. فاستعدى علیه عمرو بن حمید القاضیَ، وقال: هذا شتم صفیة بنت عبد المطّلب. واجتمع علیه الغوغاء، فهرب دعبل وبعث القاضی إلى دار دعبل فوکّل بها وختم بابه فوجّه دعبل إلیه برُقعة فیها:

«ما رأیت قطُّ أجهل منک إلّا مَن ولّا‏ک؛ فإنه أجهل. یقضی فی العربدة على النبیذ، ویحکم على خصم غائب، وهل یقبل عقلک أنی رافضی أشتم صفیة بنت عبد المطّلب؟! سخنت عینک! أفمِن دین الرافضة شتمُ صفیة؟!» قال أبی: فسألنی القاضی عن هذا الحدیث، فحدّثته، فقال: «صدق والله دعبل فی قوله، لو کنتُ مکانه لوصلته وبررته» (الأصبهانی، د. ت، ص 183).

 

الدینور جغرافیاً

ذکر أرباب المعاجم أن الدینور مدینة من أعمال الجبل قرب قرمیسین (الحموی، ب 1979م، 545). «وقرمیسین بلد جلیل من کور الجبل، بینه وبین آمد ثلاث مراحل... أصلها بالفارسیة کرمان‌شاهان، فعرّب» (المصدر نفسه). وبین الدینور وهمدان نیّف وعشرون فرسخاً، ومن الدینور إلى شهرزور أربع مراحل، والدینور بمقدار ثلثی همدان.

أما الجبل، فهو اسم یشمل البلاد الواقعة ما بین إصبهان إلى بلاد الری. وکانت هذه البلاد سابقاً تسمّى بـ«عراق العجم» والیوم تُعرف بـ«أراک»، وهی منطقة واسعة جمیلة تعتبر مصیفاً لما جاورها من البلدان، وکذلک ملجأ لمن أراد أن یتوارى عن السلطة حین یشتد علیه الطلب .

ولا یخفى أن اسم «الجبل» الذی یطلق علیه سابقاً یشمل المناطق الجبلیة والمدن الممتدة من الأهواز جَنوباً إلى کرمان‌شاه فهمدان، ثم أراک فقم، ثمّ الرّی... وهی المناطق الجبلیة الحدودیة التی تفصل بین العراق وإیران، وتسمّى هذه السلسلة بجبال زاگرس، وهی تمتد من أقصى الشمال والشمال الغربی فی إیران إلى أقصى الجنوب والجنوب الغربی منها.

وهذه المنطقة الجبلیة قد عرفها شاعرنا دعبل الخزاعی. فقد رحل إلیها مراراً، وقطن فیها مدّة، وتجوّل فی مدنها وربوعها فترة لیست بالقصیرة، حتى أصبح یعرف ساکنیها ومن رحل إلیها أو استوطنها من القبائل العربیة والشخصیات والقضاة . وکثیراً ما کان یلجأ دعبل إلى منطقة الجبل متخفّیاً فیها عندما تلاحقه السلطة العباسیة، وخاصة فترة حکم المعتصم العباسی .

 

دعبل فی شهرزور[2]

حلّ دعبل فی مدینة شهرزور فی أواخر حیاته وقد ناهز التسعین. روى الأصبهانی عن علی بن الحسن قال: حدّثنی ابن مَهرویه قال: حدّثنی أبو ناجیة ـ وزعم أنه من ولد زهیر بن أبی سُلمى ـ قال: کنتُ مع دعبل فی شهرزور، فدعاه رجل إلى منزله وعنده قینة محسنة. فغنّت الجاریة بشعر دعبل:

أین الشبابُ   وأیّة سلکا
 
 

 

لا، أین   یطلب؟ ضلّ مَن هلکا
 
 

إلى آخر الأبیات.  

قال: فارتاح دعبل لهذا الشعر وقال: «قد قلت هذا الشعر منذ سبعین سنة» (الأصبهانی، د. ت، ص 127).

 

دعبل فی الرّی

 عن ابن مهرویه قال: حدّثنا محمد بن عمر الجرجانی قال: دخل دعبل بن علی الرّی فی أیام الربیع، فجاءهم ثلج لم یَرَوا مثله فی الشتاء. فجاء شاعر من شعرائهم، فقال شعراً وکتبه فی رقعة و هو:

جاءنا دعبل بثلج من الشعر
 
نزل الرّیّ بعدما سکن البردُ 
  ف
کسانا ببرده ـ لا کساه اللهُ! ـ
 
 

 

فجادت سماؤنا بالثلوج
 
وقد أینعتْ ریاض المروج
  ثوباً من
کُرسف[3] محلوج
 
 

قال: فألقى الرقعة فی دهلیز دعبل. فلما قرأها، ارتحل عن الرّی (الأصبهانی، د. ت، ص 137).

 

دعبل فی جُرجان[4]

تمرّ الأیام والسنون على شاعرنا الخزاعی ورفیقه مسلم بن الولید ـ أقرب الناس إلیه ـ وهما یشترکان فی العسر والفاقة طیلة أیام شبابهما ولمّا کانا فی الکوفة. وقد شاءت المقادیر أن یولّى مسلم على جرجان، فقصده دعبل رجاء نواله، فجفاه مسلم، وکان فیه  بخل ـ کما قیل ـ ، فهجره دعبل وکتب إلیه:

أبا مَخلدٍ إنّا عقیدَی   مودة
 
 

 

هوانا وقلبانا جمیعاً   معاً معا
 
 

إلى آخر الأبیات (الأصبهانی، د. ت، ص 158).

دعبل فی نیشابور[5]

لا یغرب عن البال أن طریق خراسان للعابر إلیها یکون مروره بنیشابور وبالعکس، ویبدو أن الشاعر فی إحدى سفراته إلى المأمون بخراسان قد أسمع الخلیفة هجاء مما هرب منه. ففی روایة أحمد بن عبید الله بن عمار ومحمد بن أحمد الحکیم أنهما قالا: حدّثنا أنس بن عبد الله النبهانی قال: حدّثنی علی بن المنذر قال: حدّثنی عبد الله بن سعید الأشقری قال: حدّثنی دعبل بن علی قال: لمّا هربت من الخلیفة، بتّ بنیشابور وحدی، وعزمت على أن أعمل قصیدة فی عبد الله بن طاهر فی تلک اللیلة. فإنی لفی ذلک، إذ سمعتُ  والباب مردود علیّ: السلام علیکم ورحمة الله! اُنج یرحمْک الله. فاقشعرّ بدنی من ذلک، ونالنی أمر عظیم. فقال لی: لا تَرُع عافاک الله!؛ فإنی رجل من إخوانک من الجن من ساکنی الیمن،طرأ إلینا طارئ من أهل العراق، فأنشدَنا قصیدتک:

مدارس آیات خلت من تلاوة
 
 

 

ومنزل   وحی مُقفر العرصات

 

فأحببت أن أسمعها منک.

قال: فأنشدته إیاها. فبکى حتى خرّ، ثم قال: رحمک الله! ألا أحدّثک حدیثاً یزید فی نیّتک ویُعینک على التمسّک بمذهبک؟ قلت: بلى. قال: مکثت حیناً أسمع بذکر جعفر بن محمد 6، فصرتُ إلى المدینة، فسمعته یقول: حدّثنی أبی عن أبیه عن جدّه أن رسول الله % قال: «علیّ وشیعته هم الفائزون». ثم ودّعنی لینصرف. فقلت له: یرحمک الله! إن رأیت أن تخبرنی باسمک فافعل، قال:أنا ظبیان بن عامر (الأصبهانی، د. ت، ص 142).

 

دعبل فی خراسان

من الأحداث السیاسیة المهمة فی تاریخ الدولة العباسیة هی ولایة العهد ومبایعة المأمون للإمام الرضا 4 بالخلافة من بعده. وفی ذلک أعدّ دعبل قصیدته التائیّة الخالدة، وقصد بها الإمام الرضا 4 بخراسان لإنشادها بین یدیه.

وفی کیفیة الوفود على الإمام وإنشاد القصیدة عدّة روایات، وکلها فی مضمون واحد. منها کما جاء فی أمالی المرتضى عن محمد بن یحیى الصولی قال: لما بایع المأمون لعلی بن موسى الرضا 4 بالعهد، وأمر الناس بلبس الخضرة، صار دعبل بن علی وإبراهیم بن العباس الصولی إلى الإمام الرضا 4، وکانا صدیقین لا یفترقان، فأنشده دعبل:

مدارس آیات خلت من تلاوة
 
 

 

ومنزل   وحی مُقفر العرصات

 

وأنشده إبراهیم بن العباس الصولی على مذهبهما قصیدة أوّلها:

أزالت عزاءَ القلب بعد التجلّد
 
 

 

مـصـارعُ   أولاد النبی محمد

 

قال: فوهب لهما عشرین ألف درهم من الدراهم التی علیها اسمه، وکان المأمون أمر بضربها فی ذلک الوقت.

فأما دعبل بن علی، فصار بالشطر منها إلى قم، فاشترى أهلها منه کل درهم بعشرة دراهم، فباع حصّته بمئة ألف درهم. وأما إبراهیم بن العباس، فلم یزل عنده بعضها إلى أن مات.

قال الصولی: ولم أقف من قصیدة إبراهیم على أکثر من هذا البیت.

ثم قال: وکان السبب فی ذهاب هذا الفن من شعره ما حدّثنی أبوالعباس أحمد بن محمد بن الفرات، والحسین بن علی الباقطانی، قالا: کان إبراهیم بن العباس صدیقاً لإسحاق بن إبراهیم أخی زیدان الکاتب المعروف بالزمن، فأنسخه شعره فی علی بن موسى الرضا 6 وقد انصرف من خراسان، ودفع إلیه شیئاً بخطه منه وکانت النسخة عنده إلى أن ولی المتوکل وولی إبراهیم بن العباس دیوان الضیاع. وقد کان تباعد ما بینه وبین أخی زیدان. فعزله عن ضیاع کانت فی یده بحلوان وغیرها، وطالبه بمال وألحّ علیه وأساء مطالبته. فدعا إسحاق بعض من یثق به من إخوانه وقال له: امض إلى إبراهیم بن العباس، فأعلمْه أن شعره فی علی بن موسى بخطّه عندی وبغیر خطّه. والله! لئن استمر على ظلمی ولم یُزل عنی المطالبة، لأُوصلنَّ الشعر إلى المتوکل. قال: فصار الرجل إلى إبراهیم بن العباس فأخبره بذلک. فاضطرب اضطراباً شدیداً وجعل الأمر إلى الواسطة فی ذلک حتى أسقط جمیع ما کان طالبه به، وأخذ الشعر منه وأحلفه أنه لم یبق عنده منه شیء. فلما حصل عنده أحرقه.

قال الصولی: وما عرفت من شعر إبراهیم فی هذا المعنى شیئاً إلّا أبیاتاً وجدتها بخط أبی قال: أنشدنی أخی لعمّه فی علی بن موسى الرضا 4من قصیدة:

کفى بفعال امرئ عالم  
 
 

 

‏على أهله عادلاً شاهدا
 
 

أرى لهم طارفاً مؤنقاً
 
 

 

ولا یُشبه الطارفُ التالدا
 
 

یَمنُّ علیکم بأموالکم
 
 

 

‏وتُعطون من مئة واحدا
 
 

فلا حَمَد اللهَ مستبصراً
 
 

 

یکون لأعدائکم حامدا
 
 

فضلت قسیمک فی قعدد
 
 

 

کما فضّل الولدُ الوالدا
 
 

(الشریف المرتضى، 1907م، ص 130)

ولدعبل الخزاعی عدّة قصائد فی مدح الإمام الرضا 4؛ بعضها قیل فی محضر الإمام 4، وبعض آخر قیِلَ فی مناسبات مختلفة؛ کما أن بعض تلک القصائد حَمَلَ بین طیّات أبیاته هجاء بنی العباس الذین عاصرهم الشاعر، ابتداءً بالرشید، ثم المأمون فالمعتصم، ثم الواثق فالمتوکّل، بل إنه هجا کلَّ خلفاء بنی العباس وقوّادهم ووزرائهم، ورائیّته أدلّ شاهد; إذ رثى فیها الإمام الرضا 4 وهجا ملوک بنی العباس.

وقد استنشده إیّاها المأمون وهی:

تأسّفتْ جارتی لما رأت زَوَری  
 
 

 

‏و عدَّت الحلمَ ذنباً غیر   مُغتفَر
 
 

ترجو الصِّبا بعدما شابت   ذوائبُها
 
 

 

وقد جرت طَلَقاً فی حَلبة الکبر
 
 

أ جارتی، إنّ شیب الرأس أقلقنی
 
 

 

‏ذکر المعاد وأرضانی من القَدَر
 
 

إلى آخر الأبیات.

أقول: هذه القصیدة نظمها دعبل لمّا وصل إلیه خبر استشهاد الإمام الرضا 4 بالسّمّ على ید المأمون. وقد أورد القصیدة الشیخ الطوسی فی أمالیه بسنده إلى أحمد بن زید بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن یحیى بن اکثم أبو عبدالله، قال: حدّثنی أبو یحیى بن أکثم القاضی، قال: أقدم المأمون دعبلَ بن علی الخزاعی، وآمنه على نفسه. فلمّا مثل بین یدیه ـ وکنت جالساً بین یدی المأمون ـ فقال له: أنشدْنی قصیدتک. فجحدها دعبل وأنکر معرفتها. فقال له: لک الأمان علیها کما أمنتک على نفسک. فأنشده الأبیات المتقدمة (الطوسی، 1414هـ. ص 100).

یبدو من الروایات والأخبار التی بین أیدینا أن دعبلاً رحل إلى خراسان مرّات عدیدة. منها فی زمن ولایة العهد عندما کان الإمام بخراسان؛ ومنها بعد استشهاد الإمام، وقد مرّ علیک عزیزی القارئ خبر وفوده على الإمام 4. 

وأمّا بعد استشهاده، فذلک عندما تولّى طاهر بن الحسین الخزاعی ولایة خراسان للمأمون. قال فیه:

أیا ذا الیمینَین والدّعوتَین  
 
 

 

ومَن عنده العُرف والنّائلُ
 
 

أ ترضى لِمثلیَ أنّی مُقیم
 
 

 

ببابک مُطَّرحٌ خاملُ
 
 

(دعبل، 1382هـ، ص  258؛ ابن عبد ربّه، 1346هـ، ص  208)

ذوالیمینین هو طاهر بن الحسین، الخزاعی بالولاء، لقّب بذلک ـ کما قیل ـ عندما ضرب رجلاً بیساره فقدّه نصفین. انتدبه المأمون وهو فی مرو لقتال أخیه الأمین. فحاصر بغداد وقتل الأمین سنة 198 هـ. فولّاه المأمون الموصل وبلاد الشام والمغرب، ثم تولّى خراسان، حیث قصده دعبل ومدحه. توفی بمدینة مرو سنة 207هـ. وفیه یقول دعبل أیضاً:

طلعت قناتُک بالسعادة فوقَها  
 
 

 

معقودةً بلواء مُلکٍ مُقبل
 
 

تهتزُّ فوقَ طریدتین کأنما
 
 

 

تهفو فینصبُها جَناحا أجدل
 
 

رَبح البخیلُ على احتیالٍ عِرضَه  
 
 

 

بنَدى یدیک ووجهک المتهلّل
 
 

لو کان یعلم أنّ نیلَک عاجل
 
 

 

تهفو فینصبُها جَناحا أجدل
 
 

 (دعبل، 1382هـ، ص 226؛ ابن عبد ربّه، 1346هـ،ص 144 و315)

ولمّا توفی طاهر بن الحسین، خلَفه على ولایة خراسان ابنُه طلحة. وبقی سبع سنین والیاً للمأمون، ثم تُوفی، وولیها عبد الله بن طاهر للمأمون أیضاً، وبعث إلیه بیحیى بن أکثم یعزّیه عن أخیه ویهنّئه بولایة خراسان.

وفی ولایته قصده دعبل، وقال فیه مدحاً، ثم هجاه. و من ذلک قوله:

یا جَوادَ اللسانِ من غیر فعلٍ  
 
 

 

لیت فی راحتَیک جودَ اللسان
 
 

عینَ مِهرانَ قد لطمتَ مراراً
 
 

 

فاتّقِ ذا الجلالِ فی مهرانِ
 
 

عُرتَ عیناً فدع لمهران عیناً
 
 

 

لا تدَعْهُ یطوف فی العُمیان
 
 

 (دعبل، 1382هـ، ص 299؛ ابن عبد ربّه، 1346هـ، ص 192 و250)

قوله: «عین مِهران لطمت...»، هو مثل یضرب للرجل الذی یکذب فی حدیثه،فیقال: «هو یلطم عین مِهران»[6].

ومن الحقّ بمکان أن یهجو دعبل آل طاهر وبالخصوص عبد الله بن طاهر؛ لانه تقوّل على دعبل وافتعل الأخبار ورماه بشتّى التهم، وهو الذی ألّب المأمون على دعبل. فابن طاهر لا یقلّ فی عداوته عن إبراهیم بن المهدی ـ ابن شکلة ـ وأبی سعد المخزومی ومالک بن طوق وأبی خالد ویحیى بن أکثم... إنهم ـ جمیعاً ـ استاؤوا من هجاء دعبل فیهم، وأعلنوا سخطهم وعداوتهم للشاعر.

وعبد الله بن طاهر هو الذی اتّهم دعبلاً بأنه مدخول فی نسبه. وصریحُ عداوته لدعبل حدیثُه لمحمد بن موسى الضبّی ـ وقد تقدّم ذکره مختصراً وإلیک تفصیله لما فیه من الفائدة ـ وکان ندیماً لعبد الله بن طاهر؛ قال: بینما هو ذات لیلة یذکّرنا بالأدب وأهله وشعراء الجاهلیة والإسلام، إذ بلغ إلى ذکر المحدثین حتى انتهى إلى ذکر دعبل. فقال: ویحک یا ضبّیّ، إنی أرید أن أحدّثک بشیء على أن تستره طول حیاتی. فقلت له: أصلحک الله! أنا عندک فی موضع ظنّة؟ قال: لا، ولکنّی أطیب نفسی أن توثق لی بالأیمان لأرکن إلیها، ویسکن قلبی عندها، فأحدّثک حینئذ. قلت: إن کنتُ عند الأمیر فی هذه الحال، فلا حاجة إلى إفشاء سرّه إلی. واستعفیته مراراً، فلم یُعفنی. فاستحییت من مراجعته وقلت: فلْیرَ الأمیرُ رأیه. فقال: یا ضبّیّ، قل والله! قلت: والله! فأمرّها علی غموساً مؤکدة بالبیعة والطلاق وکل ما یحلف به مسلم. ثم قال: أشعرت أن دعبلاً مدخول النسب؟ وأمسک. فقلت: أعزّ الله الأمیر! أفی هذا أخذتَ العهود والمواثیق ومُغلظ الأیمان؟ قال: إی والله! فقلت: ولِمَ؟ قال: لأنی رجل لی فی نفسی حاجة، ودعبل رجل قد حمل نفسه على المهالک، وحمل جذعه على عنقه، فلیس یجد من یصلبه علیه، وأخاف إن بلغه، أن یقول فیّ ما یبقى علىّ عاره على الدهر. وقصارای إن ظفرتُ به وأسلمتْه الیمنُ ـ وما أراها تفعل؛ لأنه الیوم لسانُها وشاعرها والذابّ عنها والمحامی لها والمُرامی دونها ـ فأضربه مئة سوط وأثقله حدیداً، وأصیّره فی مطبق باب الشام. ولیس فی ذلک عوض مما سار فیّ من الهجاء وفی عقبى من بعدی.

فقلت: ما أراه یفعل ویقدم علیک. فقال لی: یا عاجز، أهونُ علیه مما لم یکن. أتراه أقدمَ على الرشید والأمین والمأمون وعلى أبی ولا یقدم علیّ؟! فقلت: فإذا کان الأمر کذا، فقد وُفّق الامیر فیما أخذه علیّ.

قال الضبّیّ: وکان دعبل صدیقاً لی. هذا شیء قد عرفته، فمِن أین قال الأمیر إنه مدخول النسب؟ وهو فی البیت الرفیع من خزاعة لا یتقدمهم غیر  بنی أهبان. فلم یُجبه عبد الله بن طاهر بجواب مقنع سوى قوله: إنه کان أیّام ترعرع خاملاً لا یؤبه له، وکان ینام هو ومسلم بن الولید فی إزار واحد، لا یملکان غیره (الأصبهانی، د. ت، ص 179).  یرید بهذا ان دعبلاً کان فقیراً خامل الذکر، ولکنه لا یخفى على ذوی النباهة والتحقیق أن هذا الافتراء والادعاء فی نسب الشاعر لم یرد إلّا فی کتاب الأغانی وعن عبد الله بن طاهر فحسب، فالناقل والمنقول عنه ینفخان فی رماد، وإلّا فدعبل خزاعة کلها، وقد طار ذکره فی جمیع البلدان، وإنه من خزاعة لا یشک فیه اثنان إلّا المرجفون والحانقون من أمثال ابن طاهر.

وممّا یتاکّد لنا أنّ دعبلاً قصد خراسان فی زمن الرشید، ذلک أنّ بعض الاخبار اللافتة تنصّ على أنه مدح العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعی، لکن متى؟! وإذا تحقق صدق أخبار کهذه فنقول: إن العباس ولی خراسان سنة 173 هـ للرشید ـ وکان من قبلُ على الخراج ـ وهذا مما یلزم القول إنّ شاعرنا الخزاعی مدح العباس فی زمن ولایته على خراسان؛ أی قبل أن یعهد المأمون للإمام الرضا 4 بأکثر من عشرین عاماً. ولا ضیر فی ذلک؛ فإن الشاعر قد یمّم خراسان مراراً عدیدة.

وإذا لم یحتفظ لنا التاریخ بمدائحه فی العباس، فهناک أبیات فی ذمّه منها قوله:

أما فی صُروف الدّهر أن ترجع   النّوى
 
 

 

بِهم ویُدال القربُ یوماً من   البُعد
 
 

بلى، فی صروف الدهر کلُّ الذی أرى
 
 

 

ولکنّما أغْفلن حظّی على عَمْد
 
 

فو اللهِ ما أدری بأیٍّ سهامها
 
 

 

رمَتنی وکلٌّ عندنا لیس بالمُکدی[7]؟!
 
 

أ بالجید أم مَجْرى الوِشاح وإنّنی
 
 

 

لَاُتهِمُ عینَیها مع الفاحم   الجَعْد
 
 

 (العلوی، 1995م، ص 196)

وللشاعر هجاء فی الفضل بن العباس الخزاعی، وکان الفضل قد ولی بلخ[8] وطخارستان من کور خراسان  للمأمون. قال فیه دعبل:

ألا أیّها القطّاعُ، هل أنت   عارفٌ
 
 

 

لنا حُرمةً أم قد نکَرتَ   التّحرُّما
 
 

فهلّا بطوسٍ والبلادُ حمیدةٌ
 
 

 

تَعولُ اللیالی والمطیَّ   المرسَّما
 
 

وأسلَمتنی من بعدما صوّح الکَلا
 
 

 

وغاضَت بقایا الحسی والمُزن أنجَما
 
 

ستعلمُ إن راجعتَ نفسک أو سَخَت
 
 

 

عن الضَّفّ یوماً أیُّنا کان ألْوَما[9]
 
 

(دعبل، 1382هـ، ص 276)

و کان دعبل مؤدِّب الفضل هذا.

 

دعبل فی قم

أشرنا فیما تقدّم[10] إلى خبر وفود دعبل على الإمام الرضا 4 بخراسان، وإنشاده القصیدة التائیّة فیه. فأمر له الإمام 4 بعشرة آلاف درهم مما ضُرب باسمه. ثم إن دعبلاً استوهب من الإمام الرضا 4 ثوباً قد لبسه لیجعله فی أکفانه، فخلع جُبة کانت علیه، فأعطاه إیاها. وبلغ أهل قم خبرها، فسألوه أن یبیعهم إیاها بثلاثین ألف درهم، فلم یفعل. فخرجوا علیه فی طریقه، فأخذوها عنوة. ثم صالحوه على أن أعطَوه الثلاثین ألف درهم، وفَرْد کُمّ من بطانتها، فرضی بذلک.

ولدعبل فی أهل قم هجاء، قال فیهم:

تلاشى أهل قمّ واضمحلّوا
 
 

 

تَحُلّ المُخزیاتُ بحیث حلّوا
 
 

وکانوا شیّدوا فی الفقر مجداً
 
 

 

فلمّا جاءت الأموالُ مَلّوا
 
 

  (الحموی، د 1979م، ص 398؛ ابن عساکر، 2001م، ص 237)

وقال فیهم أیضاً:

ظلّت بقمَّ مطیّتی یعتادها
 
 

 

همّان: غربتها وبعد المُدلَج[11]
 
 

ما بینَ عِلج قد تعرّبَ فانتمى
 
 

 

أو بین آخرَ معرِب مُستعلج[12]
 
 

 (السابقان)

إذا استثنینا ذلک الموقف من دعبل تجاه أهالی قم، وهی حالة استدعت الشاعر أن یهجوهم؛ إذ قطعوا علیه الطریق وأخذوا منه جبّة الإمام الرضا 4 المهداة إلیه إلى أن ساومهم علیها فأعطَوه ثمنها،أقول: کان لدعبل صلات وزیارات متعددة إلى قم، وربما له فی کل سنة زیارة.

وعلیه، کان دعبل یجتاز بقم، فیقیم عند شیعتها، ویقسّطون له کل سنة خمسة آلاف درهم، ولا أدری ما هو وجه هذا المبلغ الذی کان یدفعه أهالی قم للشاعر؟! ربما تعلّق الأمر بالنقود ـ الدراهم ـ التی وهبها له الإمام الرضا 4، فباع الشاعرُ کلّ درهم بعشرة دراهم، أو ربما الأمر متعلق بالجبّة؛ لأنها ثمینة وصالحوه على أن یقسّطوا له کل سنة خمسة آلاف درهم.

ومرّةً ورد دعبل قم وکان له على أهلها رسم، فاتّفق أن جاءه شُعرور، فأخذ یناکده ویؤذیه، فازدرى به دعبل وزجره ـ کعادته مع المتطفّلین على الشعر أو المتشاعرین ـ وهجاه ببیتین (ابن المعتز، د. ت، ص 235).

 

خاتمة البحث (النتیجة)

بعدما سبرنا الغور فی مطالعة العدید من المصادر، وجدنا أنّ الشعر الذی یطالعنا فی الدیوان و غیره من الشعر الذی جادت به قریحة شاعرنا دعبل الخزاعی، فیه بُعد جغرافی قد شمل أرضاً واسعة من آسیا و إفریقیا؛ إذ رحل شاعرنا إلى ربوع تلک البلدان، و مرّ فی أشهَر مدنها، وساهم شعراءَ تلک البلدان و الأمصار، و سجّل هناک بعض دعواته وما له من میول تجاه أهل البیت 7 ومحبّته لهم. فجاء هذا البحث بهذا الشکل بعد استقراء شامل لعشرات المصادر.



[

المصادر والمراجع
 

1. ابن عساکر، علی بن الحسین . (2001م). تاریخ دمشق. (ج 5). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.

2. ابن عبد ربّه، أحمد بن محمد. (1346هـ). العقد الفرید. (ج 1). القاهرة: المطبعة الأزهریة.
3. ابن المعتز، عبد الله بن محمد. (د. ت). طبقات الشعراء.  القاهرة: دار المعارف.
4.  الأصبهانی، علی بن الحسین. (1995م).  الأغانی. بیروت: دار إحیاء التراث العربی.
5. الحموی، یاقوت بن عبدالله . (آ 1979م). معجم البلدان. (ج 1). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.
6. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (ب 1979م). معجم البلدان. (ج 2). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.
7. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (ج 1979م). معجم البلدان. (ج 3). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.
8. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (د 1979م). معجم البلدان. (ج 4). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.
9. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (هـ 1979م). معجم البلدان. (ج 5). بیروت:دار إحیاء التراث العربی.
10. الخزاعی، دعبل بن علی. (1382هـ). دیوان دعبل. (تحقیق عبد الصاحب الدجیلی وعبد الکریم الأشتر). النجف: مطبعة الآداب.
11. الطوسی، محمد بن الحسن. (1414هـ).  الأمالی. بیروت: دار الثقافة.
12. القمی، عباس. (1355هـ). سفینة البحار ومدینة الحکم والآثار.  (ج 1).  النجف: المطبعة العلمیة.
13. الشریف المرتضى، علی بن الحسین. (1907م). الأمالی. القاهرة: مطبعة السعادة.
14. المیدانی، أحمد بن محمد. (1342هـ). مجمع الأمثال. القاهرة: منشورات عبدالرحمن محمد.
15. العلوی، یحیى بن حمزة. (1995م). الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز. بیروت: دار الکتب العلمیة.