نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

استاديار گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه سمنان

المستخلص

إن کثيرًا من الوقائع التاريخية المنقولة يحتاج تصديقها إلى تفکر وتعمق أکثر، وذلک بالاستفادة من العقل والنقل کليهما، ولاسيما الأحداث التي ترتبط بالشخصيات المرموقة في الأدب والسياسة، ومنها الأخبار التي نقلت عن بشار بن برد، لأنه کان من الشعراء الذين قتلوا باتهام الزندقة، والحقيقة ليس کذلک لأسباب، منها:
1.  کونه من الشعراء الهجّائين، ولهذا حقد الخلفاء وکبار الدولة عليه.
2.  أشعاره التوحيدية تدلّ على أنه کان موحداً، وإن کانت أشعار طابعها الإلحاد والکفر، فهي منسوبة إليه.
3.  إن الإعدام کان من عقوبة الزنديق، ولکن بشاراً لم يعدم في بداية الامر، بل ضرب سبعين ضربة فمات.
4.  له أشعار تدلّ على استغفاره من الذنوب الماضية ـ إن کان له ذنب کما زعموا ـ والتائب حسب الشرع لا ذنب له.
5.  في اعتراف المهدي بندامته بعد قتل الشاعر دلالة واضحة على أنه لم يکن ملحداً أو زنديقاً، بل يمکن أن نقول إن قتله کان بسبب حقد الخلفاء وکبار الدولة عليه بسبب هجوياته، فقتله ليس بسبب الزندقة والالحاد ـ کما زُعِم ـ وما کتُب في کثير من الکتب ليس صحيحًا.
 

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Bashar b. Burd's Atheism: Reality or Politics?

المؤلف [English]

  • Seyyed Mohammad Javad Moosavi Bafrooi

Assistant Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Semnan;

المستخلص [English]

Many historical events demand more reflection. One of such cases is Bashshar b. Burd about whom there are different opinions. Some people believe that he was killed because of the accusation of being atheist. However, because of the following reasons, it seems that such a view could be far from reality: 1. He was one of poets that had satire style, so, the caliphs and other government members hated him because he satirized them too much; 2. his poems seemingly show that he was monotheist but there are some poems by him which suggest otherwise; 3. the punishment for atheism was execution but he died as a result of slash (his poses another question as to his death); 4. there are some poems by him asking forgiveness from Allah for his past sins. Even if according to some opinions he was a sinner, according to Islamic education, a penitent has no sin; and 5. the confessions made by the Abbasid caliph regarding his regret about killing the poet is another indication that Bashshar b. Burd was not killed because he was an infidel. Rather, it could be argued that he lost his life because of the hatred of the government members who were criticized by him.
 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Bashshar b. Burd
  • atheism
  • politics

من الظواهر المهمة التی ظهرت فی العصر العباسی الأول اتهام کثیر من الأدباء والشعراء بالزندقة، وقد استغلّت الزندقة فی أغراض سیاسیة؛ لأن الأدب کان أقوى جهاز فی الدعایة. وفهم الحوادث التاریخیة والثقافیة أمر مهم یحتاج إلى ممارسة کثیرة، ومطالعة کتب متعددة للوصول إلى الحقیقة ومحو المزالق والمغالط من الأخبار التاریخیة والثقافیة؛ لأن الاعتماد على النقل المجرد فی الروایات الکثیرة التی نقلها المؤرخون ورواة الحوادث، یمکن أن یحرّف الباحث ویسوقه إلى المزلّات؛ لهذا نجد کثیراً من العثرات فی الحکایات التی تکذب بعضها بعضاً للاعتماد فیها على مجرد النقل، ولاسیما الحکایات التی ترتبط برجال السیاسة أو الثقافة، وهذا الخلاف یوجد بسبب طول الزمن وتعصب الرواة والمورخین.

وإن کانت هناک رغبة للباحث الذی یرید متابعة الحوادث والوقائع التاریخیة، فلابدّ له أن یتّکل على أکثر من نقل واحد، وعلى تحلیل هذه الوقائع باستمرار، بمساعدة العقل إضافة إلى النقل، لکی یهتدی إلى کشف العوامل فیها وکیفیة وقوعها، وعلى کل طالب أن یراجع عقله أیضًا فی تصدیق الروایات المختلف نقلها لیتمکن من استنباط صحیح.

هذه المقالة تحاول أن تثبت أن قتل بشار بن برد ـ وهو من أکثر الوقائع التاریخیة المشکوک فیها ـ لم یکن بسبب الزندقة. وتهتمّ المقالة بتبرئته من هذا الاتهام معتمداً على تاریخ الزندقة وبأشعار الشاعر نفسه، واعترافات غیره التی تدلّ على براءته، وتقوم بتحلیل هذه المعطیات وتفسیرها.

 

بشار والزندقة

من هذه الحوادث التی نجد فی الکتب التاریخیة والأدبیة، اتهام بشار بن برد، شاعر العهد العباسی، بالزندقة وقتله بسبب هذا الاتهام. ونحن فی هذا الصدد نرید أن نبحث هذا الموضوع الذی یؤکده کثیر من الکتب بمساعدة النقل والعقل، حتى یثبت أنه لم یکن زندیقاً، وأن قتله لم یکن بسبب زندقته فی الواقع، بل کان لأسباب أخرى؛ ولهذا نکتب عن حیاته الأدبیة والسیاسیة، وتاریخ الزندقة حتى نستنبط عوامل قتله فی ذاک العصر بصورة صحیحة.

 

حیاته

ولد بشار فی البصرة أکمه سنة «91هـ» فی الأغلب، وأصله من طخارستان فی أقصى خراسان، ونشأ بین الأعراب البدویین الفصاح وهو فقیر. فراح یکتب فی فیافی الحیاة محروماً من وسائل الکفاح، ویستعیض عن بصر العین بنور ذکائه.

وفی العصر الأموی لم ینل حظوة لأنه کان من الموالی، ولم یبلغ مبلغ الشعراء الرسمیین فی ذاک العصر، ولکن لَمّا جاء العصر العباسی، نال شعره حظوة فی زمن البرامکة الذین کانوا متنفذین فی الدواوین الحکومیة (فروخ، 1985م، ص 93).

 

شعوبیته

المعاملة السیئة للموالی فی العصر الأموی ساعدت کثیراً على انتصار العباسیین وسقوط الدولة الأمویة. وبذلک نفذ الفرس فی الدواوین الحکومیة، واستطاعوا أن یسیطروا على مقالید الحکم بصورة واضحة. هذا الحدث الخطیر أعطى الفرس مکانة رفیعة کانت سبباً فی بروز نزعة الشعوبیة، وهی نزعة کانت تقوم على مفاخرات الفرس بحضارتهم وثقافتهم وما إلى ذلک، على العرب وصفاتهم الجاهلیة من الخشونة والجهالة وعدم عرق حضارتهم. وبما أن وزراء العباسیین کانوا من الفرس ویحبون الثقافة الإیرانیة کثیراً، یشجّعون الذین یخطون خطوات بنّاءة واسعة فی هذا المجال.

ومع أن الحرکة الشعوبیة کانت على أساس التعصب، لکنها على الأقل تدافع أیضاً عن الأصول الإسلامیة، وتؤمن بالعقیدة الإسلامیة وتدافع عنها (مطهری، د. ت، ص 71).

ونجد فی هذه الحرکة بشار بن برد الشاعر المتطرّف الذی أوقد نیران الخصومة مع العرب، وافتخر بفارسیته کثیراً فی أشعاره (ضیف، 1996، ص 215 و 216). وقد کان انتصار العباسیین بمساعدة الفرس عاملاً قویاً لتشجیعه على الثقة بالنفس والشعور بعظمة الفرس. ولبشار طریقة خاصة بارزة فی الهجاء لم تکن حتى ذاک الزمن، وصار مشهوراً بشاعر الشعوبیة (فروخ، 1985، ص 93)، وکان یطعن على الخلفاء وکبار الدولة، ویهجوهم دون حذر أو تحفظ، فلذلک لم یکن هناک شک فی أن خصومته الواضحة معهم کانت سبباً لحقدهم علیه خفاءًا حتى بلغ من سوء نیتهم تجاهه أن حاولوا تقبیحه فی المجالس المتعددة التی کان یرتادها.

 

نشأته

لقد نشأ بشار بن برد فی مهد عربی، فأتقن العربیة وتمثل سلیقتها بکل مقوماتها، ولهذا کان یذهب إلى محافل المتکلمین وجمعیاتهم یستمع إلى محاوراتهم ومناظراتهم لأصحاب الملل والنحل. قال الجاحظ عنه: «کان شاعرًا راجزاً وسجّاعاً خطیباً وصاحب منثور ومزدوج، وله رسائل معروفة، وهو أطبع المطبوعین من الشعراء المولدین» (الجاحظ، د. ت، ص 51).

 

ابتکاراته فی الأدب العربی

1. إنه بسبب ذکائه ومهارته الجیدة فی إدخال فنون البدیع ـ اللفظیة والمعنویة ـ فی الأدب العربی صارت أشعاره مصدراً هاماً لتدوین علم البدیع.

2. أدخل الشاعر العادات والتقالید الإیرانیة فی الأدب العربی لأنه کان إیرانی الأصل؛ منها: المشاورة والتعاون فی أمور الحیاة الاجتماعیة والسیاسیة والثقافیة، کما نجد هذه البلورة فی الأبیات التالیة نموذجاً منه:

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى
 
 

 

ظمأت وأیّ الناس تصفو مشاربه؟
 
 

 (بشار بن برد، آ 1416ﻫ، ص 142)

وعن أهمیة المشاورة یقول:

ولا   تجعل الشورى علیک غضاضة
 
 

 

فریش الخوافی قوة للقوادم
 
 

 (السابق، ب 1416هـ، ص 593)

3. یعتبر بشار أول شاعر مولّد فی ذاک العصر، بسبب ذکر حالة معیشة الناس فی شعره، واستعمال الألفاظ التی لها معان جدیدة، مع اختیار الأوزان والقوافی المعبّرة موسیقیاً وعاطفیاً دون ضعف، حیث یقول مثلاً:

نور عینی! أصبت عینی بسکب
 
 

 

یوم   فارقتنی على غیر ذنب
 
 

کیف لم تذکری المواثیق والعهـ
 
 

 

ـد وما قلت لی وقلت لصحبی
 
 

(السابق، آ 1416ﻫ، ص 274)

 نجد فی هذه الأبیات تعبیراً عالیاً من الحبّ دون زیادة أو نقص، واستعمال الشاعر (نور عینی) جدید فی الحثّ على العاطفة.

 

الزندیق لغة واصطلاحًا

یقول الفیروز آبادی (1415هـ):

الزندیق: القائل بالنور و الظلمة، أو من لا یؤمن بالآخرة وبالربوبیة، أو من یُبطن الکفر ویظهر الإیمان، أو هو معرّب «زن‌دین» أی دین المرأة». وفی لسان العرب: الزندیق: هو القائل ببقاء الدهر، فارسی معرّب، وهو بالفارسیة «زند کره» أی یقول بدوام الدهر؛ والزندقة: الضیق؛ وقیل الزندیق منه، لأنه ضیّق على نفسه (مادة «زندق»).

ویقول الدکتور شوقی ضیف (1996م):

کلمة الزندقة لیست عربیة، إنما هی تعریب لمصطلح إیرانی [هو زند]، کان یطلقه الفرس على عمل من یؤوّلون أفستا ـ کتاب زرادشت ـ تأویلاً ینحرف عن ظاهر نصوصه، ومن أجل ذلک نعتوا به دعوة مانی ومن فُتنوا بها من الفرس، حتى شملت هذه الکلمة کل من استظهر نحلة من المجوس، و اتسعت أکثر من ذلک، فشملت کل إلحاد بالدین وکل مجاهرة بالفسق (ص 79).

ویعتقد الدکتور حجتی وزمیله فی مقال نشرته مجلّة کلیة الآداب بجامعة إصفهان (1382ﻫ. ش):

أن کلمة الزندیق لیس لها مدلول محدّد عند المسلمین، وکان معنى الزرادشتی والمزدکی والمشرک والمرتد والمنافق من أکثر المعانی التی تستعمل هذه الکلمة فیها، وکان بسب أدائها المعنی السلبی تطلق على کل مخالف فی المعتقد، مسلماً کان أو غیر مسلم (ص 2).

 

تاریخ الزندقة

یبدأ تاریخ الزندقة منذ أواخر العصر الأموی، وأخذ مدلول الکلمة یتّسع فی العصر العباسی فی الکوفة. ومن الأسباب التی ساعدت على ظهور الزندقة هی الواسطة بین المسیحیة والزرادشت (حسن، 1373ﻫ. ش، ص 121). وجدیر بالذکر أن الزندیق صار بمعنی الملحد واللادین، ویطلق الزندیک على من یعمل بأوامر ونواهی کتاب زند وپازند ومعرّبه الزندیق (دهخدا، 1372ﻫ. ش، «زندیق»). تطلق هذه الکلمة فی العصر العباسی على الذی یعتنق عقائد وسنن الإیرانیین، ثم على الذین لهم ولع کثیر بعقائد مانی، ویعتقدون بإله الشر. وصار المراد بهذا اللفظ الاعتقاد بعدم وجود الله تبارک وتعالى، أو الاعتقاد بعدم وحدانیته. ومما لا ریب فیه أن الزنادقة قتلوا على ید الهادی، لکن من أخطر الاضطرابات الشعبیة التی حدثت من قبل الزنادقة،کانت فی زمن الهادی العباسی (170 ـ 169هـ) وقیل إنهم أباحوا بعض المحرّمات والآداب الاجتماعیة، وبعدت تعالیمهم من الإسلام (حسن، 1373هـ. ش، ص 60).

ولهذا أمر المهدی بقتلهم؛ قیل عن المهدی إنه قال لابنه الهادی:

یا بنی! إن صار لک هذا الأمر، فتجرّد لهذه العصابة ـ یعنی أصحاب مانی ـ ؛ فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن کاجتناب الفواحش والزهد فی الدنیا والعمل للآخرة، ثم تُخرجها إلى تحریم اللحم ومسّ الماء الطهور وترک قتل الهوامّ تحرّجاً وتحوّباً، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنین أحدهما النور والآخر الظلمة...؛ فارفع فیها الخشب، وجرّد فیها السیف، وتقرّب بأمرها إلى الله لا شریک له؛ فإنی رأیت جدک العباس فی المنام قلّدنی بسیفین وأمرنی بقتل أصحاب الاثنین (الطبری، 1939م، ص 434).

وعرّفت الزندقة بأنها الثنویة المانویة الاعتقاد بأن العالم نشأ عن أصلین، هما النور والظلمة، ولکلّ منهما إلهه الخاص، وأن مصدر العالم امتزاج هذین العنصرین (ضیف، 1996م، ص 80 ـ 82).

 

بشار الزندیق

أطلق الزندیق على بعض الأدباء للعصرین الأموی والعباسی، کصالح بن عبدالقدوس وابن‌المقفع وبشار بن برد وغیرهم، ونجد فی کتب کثیرة بأنهم قتلوا بسبب آرائهم المسمّاة بالزندقة؛ فعلى سبیل المثال کتب فی أحد التواریخ: «کان بشار شعوبیاً زندیقاً یمیل إلى التفکیر الحر، ویأخذ بالشک والجبر، وکان مع فسقه مرحًا خفیف الروح حلو الحدیث» (فروخ، 1985م، ص 93). وفی کتب أخرى جاءت عبارات من هذا النوع، وقالوا له عقائد خاصة من زندقة الزرادشت ومانی. وقال بشار فی وصف الله ـ تعالى ـ بأنه ضریر، و... (حتّی، 1363هـ. ش، ص 519؛ وأبوالفرج الأصفهانی، ب 1992م، ص 135).

ونقل صاحب الأغانی،أبوالفرج الأصفهانی (ج 1992م) عن الجاحظ بأنه «کان یدین بالرجعة، ویکفّر جمیع الأمّة، ویصوّب رأی إبلیس فی تقدیم النار على الطین، وذکر ذلک فی شعره فقال:

والأرض مظلمة والنار مشرقة
 
 

 

والنار معبودة مذ کانت النار
 
 

 (ص 137)

وأنشد:

إبلیس خیر من أبیکم آدم
 
 

 

فتـنبّهوا یا معشر الفجّار
 
 

إبلیس من نار وآدم طینة
 
 

 

والأرض لا تسمو سموّ النار
 
 

 (بشار، ب 1416هـ، ص 412؛ والجاحظ، د. ت، ص 38)

 

اتهام بشار

لماذا اتهم بشار بن برد بالزندقة، أوصحیح هذا المدّعى أم لا؟ وهل یمکن التصدیق بهذا الموضوع أم لا؟

هذا سؤال مهم یمکن إجابته عقلاً ونقلاً، بأدلة مختلفة نذکرها فیما یلی:

اُتّهم کثیر من الأدباء والعلماء الذین یخالفون الخلفاء والوزراء والذین لهم شأن عالٍ عندهم بالزندقة، وشرب الخمر وغیرها؛ منهم ـ کما ذکرنا ـ صالح بن عبدالقدوس من شعراء بغداد، حیث صلبه المهدی لانتسابه إلى الزندقة؛ وابن‌المقفع، الکاتب الإیرانی الأصل المشهور بالفصاحة والخطابة، وهو کان یعمل فی دواوین الخراج للحجاج، وقُتل فی زمن المنصور العباسی بهذا الاتهام بشکل شنیع؛ وبشار بن برد قتل أیضاً بهذا الاتهام، و قُتل هؤلاء بعد مخالفتهم أو عداوتهم للرجال الکبار من الخلفاء والأمراء أو جلسائهم الذین ضغنوا علیهم من قبل، ولم یکن سبب قتلهم الزندقة فی الحقیقة والواقع.

نعم، یمکن القول بأنهم کانوا زندیقین من قبل، لکن قتلهم لم یکن بسبب الزندقة، وهذا اتهام لهم لکی یُقتلوا. فنرى أن بشار بن برد قتل بعد هجوه المهدی والرجال الکبار؛ لأنه کان من الشعراء الهجّائین المشهورین، ولم یکن یأبى أن یهجو خلیفة أو رجالاً آخرین، وعدّد معایب المنصور؛ ومنها ظهرت فی هذه الأبیات:

تجرّدت   للإسلام تعفو طریقه
 
 

 

وتعری   مطاه للّیوث الضراغمِ
 
 

فما   زلت حتى استنصر الدین أهله
 
 

 

علیک   فعاذوا بالسیوف الصوارمِ
 
 

فرم   وزرًا ینجیک یا ابن سلامةٍ
 
 

 

فلست   بناجٍ من مضیمٍ وضائمِ
 
 

لحا الله قوماً رأّسوک علیهم
 
 

 

وما زلت مرؤوسًا خبیث المطائمِ
 
 

أقول لبسّام علیه جلالة
 
 

 

جهاراً ومن یهدیک مثل ابن فاطمِ
 
 

 (بشار، ب 1416هـ، ص 502)

طعن الشاعر فی هذه الأبیات خلافة المنصور، وعابه ظاهرًا، ومدح الهاشمیین[1] الذین عدّهم المنصور عدوّاً لحکمه.

وفی شأنٍ آخر أنشد هکذا:

توعّدنی أبوخلف
 
 

 

وعن أوتاره ناما
 
 

بسیف لأبی‌صفر
 
 

 

ة لا یقطع إبهاما
 
 

کأن الورس یعلوه
 
 

 

إذا ما صدره قاما
 
 

 (بشار، ب 1416هـ، ص 594)

فی هذه الأبیات هجا بشار روح بن حاتم  ـ و«أبو خلف» کنیته أبیه حاتم، و «أبو صفرة» جدّه ـ الذی کان حاجباً للمنصور العباسی، وولّاه المهدی أیضاً ولایة السند. ثم نقله إلى البصرة، وبعد مدة إلى الکوفة. ولی حکم فلسطین فی زمن الرشید، وبعد مدة حکم القیروان (171هـ)، وتوفّی هنالک. یقال إنه کان متصفاً بالعلم والشجاعة والحزم (الزرکلی، 2005م، ص 34).

فبشار هجاه ولم یعتن به من هو، وهو رجل سیاسی متنفّذ فی الدواوین، ومن الواضح أنه کانت لهجوه عواقب سیئة.

وهجا فی أشعار أخرى شخصیة سیاسیة أخرى، هو یعقوب بن داود الکاتب، من أکابر الوزراء ووزیر المهدی العباسی:

یا أیها الناس قد   ضاعت خلافتکم
 
 

 

إن الخلیفة یعقوب   بن داود
 
 

ضاعت خلافتکم یا   قوم فالتمسوا
 
 

 

خلیفة الله بین   الزّقّ والعود
 
 

 (بشار، ب 1416هـ، ص 155)

وکما نجد فی هذه الأبیات، فقد هجا بشار یعقوب بن داود وزیر المهدی. وهجا أیضاً من الرجال غیر السیاسیین، منهم واصل بن عطا (م. 131هـ)، شیخ المعتزله الذی ولد بالمدینة، وکان خطیباً بلیغاً؛ وبما أن لبشار عقائد خاصة تختلف عن آراء واصل، خالفه بشدة وهجاه، وبما أنه شیخ المعتزلة، فقد حرّض الناس علیه وقال فیه:

کیف یبکی لمحبس فی طلول
 
 

 

من سیفضى لحبس یوم طویلِ
 
 

 (البستانی، د. ت، ص 26)

وإن کانت له أشعار تدل على الإلحاد والزندقة ـ على زعم الذین قالوا ـ کانت فی أوائل عمره، ولکن هذه الأشعار منتحلة؛ بسبب أن الکتب التی سجّلتْها تقول: یمکن أن تکون هذه الأشعار منسوبة إلیه؛ کما وجدناها فی دیوانه فی مکان أنشد أشعاراً فی فضیلة النار على التراب، ونحن کتبناها فی أول المقالة.

إضافة إلى ذلک إن له أشعاراً فی أواخر عمره تدل على إنابته إلى الله تبارک وتعالى، واستغفاره من ذنوبه الماضیة فی العقائد الدینیة. وإن کانت بعض الأشعار المنسوبة إلیه أو غیر منسوبة شاهد على إلحاده ـ على رأی بعضٍ ـ فبعض آخر یدل على أنه لم یکن ملحداً کما یزعمون؛ کالأبیات التالیة:

أتوب إلیک من   السیئات
 
 

 

وأستغفر الله من   فعلتی
 
 

تناولت ما لم   أُرد نیله
 
 

 

على جهل أمری وفی   سکرتی
 
 

ووالله والله ما   جئته
 
 

 

لعمد ولا کان من   همّتی
 
 

وإلا فمتّ إذن   ضائعاً
 
 

 

وعذّبنی الله فی   میتتی
 
 

 

 (بشار، آ 1416هـ، ص 423)

 فهذه الأبیات تدلّ على إنابته وتوبته إلى الله، وبما أن الاستغفار تکون عادةً بعد الشباب وریعان العمر، فیمکن إنشادها فی أواخر عمره، فأصبح مسلماً بالقطع والیقین. ونستطیع أن نقول أیضاً إن کانت عقوبة الزندیق أو الملحد فی ذلک العصر الإعدام، فلماذا لم یعدم فی بدایة الأمر، ولکن ضربوه سبعین ضربة حتى مات بسبب ضرب السیاط؟ وما کانت هذه العقوبة عقوبة حدّ الخمر، فکیف یمکن أن یقال: إن بشار بن برد قتل بسبب الزندقة؟ بل یمکن القول بأنه قتل بسبب تمرّده وهجائه الخلیفة وسعایة وزیره وحقده على بشار، حیث یقول للمهدی: «یا أمیر المؤمنین! إن هذا الأعمى الملحد الزندیق قد هجاک»، وفی آخر الأمر حرّضه على قتله، فأمر الخلیفة أن یضربه بالسوط سبعین ضربة حتى مات، ولَمّا ضربه المهدی، بعث إلى داره من یفتّشها، لأنه صار متّهماً بالزندقة، فوُجد فی منزله طومارٌ فیه:

بسم الله الرحمن الرحیم

إنی أردت هجاء آل سلیمان بن علی لبخلهم، فذکرت قرابتهم من رسول الله؛ فأمسکت عنهم إجلالاً له، على أنی قد قلت فیهم:

یا أیها الراکب   الغادی لطیته
 
 

 

لا تطلب الخبز   بین الکلب والحوتِ
 
 

دینار آل سلیمانٍ   ودرهمهم
 
 

 

کالبابلیَّـیْن[2] حُفّا بالعفاریتِ
 
 

لا یوجدان ولا   یرجى لقاؤهما
 
 

 

کما سمعت بهاروت   وماروتِ
 
 

فلمّا قرأهُ المهدی، بکى وندم على قتله وقال: «لا جزى الله یعقوب بن داود خیرًا! فإنه لَمّا هجاه، لفّق عندی شهوداً على أنه زندیق. فقتلتُه ثم ندمت حین لا یغنی الندم» (أبوالفرج الأصفهانی، آ 1992م، ص 246).

وهذه العبارات أیضاً دلیل آخر على أنه اُتّهم بالزندقة، ولکن قتله ما کان بهذا السبب، بل کان بسبب هجوه الخلفاء والوزراء وملامتهم.

الغرض من هذه الشواهد الشعریة التعریف بموقفه من الخلفاء ورجال الحکومة، وکلها لا تدلّ على زندقته بشکل ظاهر فی عصر العباسیین، ولو کان عمله شرب الخمر وإشاعة الغناء، فهذا الموضوع یتعلق بالمجون ولا یتعلق بالزندقة، ولوکان شارب الخمر أیضاً، نحن نجد کثیراً من الشعراء الشاربین الخمر؛کأبی‌نواس وغیرهم من المعروفین والمشهورین بشرب الخمر حیث لم یؤذهم الخلفاء، ویشرب الخلفاء أنفسهم الخمر وکذلک ندماؤهم بشهادة الکتب المعتبرة والروایات المتواترة.

ویقولون: أذّن بشار فی حالة السکر من شرب الخمر، ولوکان هذا الادعاء صحیحاً، فهذه جریمة لها حدّ، ولکن لا یکون هذا علة للزندقة فقط؛ لأن الخلفاء کما قلنا کانوا شاربین للخمر، ونحن نجد کثیرًا من أشعار بشار حول الدین ونبی الإسلام على حد أن قالوا بتشیعه (مشایخ فریدنی، 1371هـ. ش، ص 241).

ومن هذه الأشعار التی تدل على عدم إلحاده وزندقته، بل على اعتقاده بالإسلام بالقطع والیقین ما یلی:

أبناء ذی التاج   ذو رُعَینٍ ورهـ
 
 

 

ـطُ المصطفی لیس   فوقهم بشرُ
 
 

قوم لهم تُشرق   البلادُ إذا
 
 

 

راحوا ومدّت   علیهم الحجَرُ
 
 

 (بشار، ب 1416هـ، ص 287)

أو أنشد:

تُصرِّف اللیلَ   على حُکمِها
 
 

 

فهو على ما صرّفتْه   قدیرْ
 
 

 (بشار، ب 1416هـ، ص 398)

 

النتیجة

لقد تناولت هذه المقالة أهم حادثة فی حیاة بشار بن برد، وهی مقتله على ید المهدی العباسی. قیل إنه قتل لأنه صار زندیقاً، والزندقة تساوی الإلحاد والکفر، ولیس الأمر کذلک فی الحقیقة.

فقد أثبتت المقالة بالأدلة المنطقیة بأن قتله کان بسبب هجویاته وطعنه على الخلفاء وکبار الدولة، ولهذا حقدوا علیه، وکانوا ینتهزون الفرصة المناسبة للإیقاع به وقتله، وهکذا فعلوا. فقتله بسبب الزندقة والإلحاد اتهام لا أکثر، وهو موحّد فی الحقیقة.

 



 

أ) العربیة

  1. أبوالفرج الأصفهانی، علی بن الحسین. (آ 1992م). الأغانی (شرح سمیر جابر). (ط 3). (ج 3). بیروت: دار الکتب العلمیة.
  2. ـــــــــــــــ . (ب 1992م). الأغانی (شرح سمیر جابر). (ط 3). (ج 6). بیروت: دار الکتب العلمیة.
  3. ـــــــــــــــ . (ج 1992م). الأغانی (شرح سمیر جابر). (ط 3). (ج 7). بیروت: دار الکتب العلمیة.
  4. البستانی، بطرس. (د. ت). منتقیات أدباء العرب فی الأعصر العباسیة. بیروت: دار نظیر عبود.
  5. بشار بن برد. (آ 1416هـ). دیوان (شرح حسین حمومی). (ج 1). بیروت: دار الجیل.
  6. بشار بن برد. (ب 1416هـ). دیوان (شرح حسین حمومی). (ج 2). بیروت: دار الجیل.
  7. الجاحظ، عمرو بن بحر. (د. ت). البیان والتبیین (تحقیق عبدالسلام هارون). (ج 1). بیروت: دار الجیل.
  8. الزرکلی، خیرالدین. (2005م). الأعلام (ط 3). (ج 3). بیروت: دار العلم للملایین.
  9. ضیف، شوقی. (1996م). تاریخ الأدب العربی (ط 14). (ج 3). القاهرة: دار المعارف.
  10. الطبری، محمد بن جریر. (1939م). تاریخ الأمم والملوک (تصحیح نخبة من العلماء). (ج 6). القاهرة: دار الاستقامة.
  11. الفاخوری، حنّا. (1986م). تاریخ الأدب العربی. بیروت: دار الجیل.
  12. فروخ، عمر. (1985م). تاریخ الأدب العربی (ط 5). (ج 2). بیروت: دار العلم للملایین.
  13. الفیروزآبادی، مجدالدین. (1415هـ). القاموس المحیط (تحقیق یوسف السباعی). بیروت: د. ن.

ب) الفارسیة

  1. حتّى، فیلیب خلیل. (1366هـ. ش). تاریخ عرب (أبوالقاسم پاینده، مترجم). (ط 2). تهران: آگاه.
  2. حجتى، سیدمحمدباقر، و بستانى، قاسم. (1382هـ. ش). «معناشناسی کلمه زندیق در فرهنگ اسلامی». مجله دانشکده ادبیات و علوم انسانى دانشگاه اصفهان، 32 و 33، 1 ـ 22.
  3. حسن، إبراهیم حسن. (1373هـ. ش). تاریخ سیاسی اسلام (ابوالقاسم پاینده، مترجم). (ط 8). (ج 2). تهران: جاویدان.
  4. دهخدا، على أکبر. (1372هـ. ش). لغت‌نامه (ج 8). تهران: دانشگاه تهران.
  5. صفا، ذبیح الله. (1363هـ. ش). تاریخ ادبیات فارسى (ط 6). تهران: فردوسی.
  6. مشایخ فریدنى، محمدحسین. (1371هـ. ش). «بشار بن بُرد». در: احمد صدرحاج‌سیدجوادى و کامران فانى و بهاءالدین خرمشاهى (ویراستاران)، دائرة المعارف تشیع (ج 3: ب ـ پیکار). (ص 240 ـ 241). تهران: بنیاد خیریه و فرهنگی شط.

مطهرى، مرتضى. (بی‌تا). خدمات متقابل اسلام وایران (ج 1). قم: جامعه مدرسین.