نوع المستند : المقالة البحثیه

المؤلفون

1 * دانشيار گروه زبان و ادبيات عربي، دانشگاه رازي ـ کرمانشاه.

2 دانشجوي دکتراي رشته زبان و ادبيات عربي، دانشگاه رازي ـ کرمانشاه.

المستخلص

تلعب الحواس الخمس دوراً مميزاً في تشکيل الصّور البلاغية في الشّعر وتضفي عليها أبعاداً فنية تساهم في تعميق الرؤية التي يسعى الشاعر لنقلها. من هذا المنطلق، إنَّ انهيار الحواجز النفسية والمعنوية بين الحواس، يتيح للشاعر مجالاً في استثمار إيحائي في حاستين أو أکثر، ويسمح له أن ينقل مشاعره من مستواها المألوف إلى المستوى الانزياحي الغريب؛ أي أنَّ الحواس الخمس في النصّ الشعري تغادر أحياناً وظائفها المعهودة إلى الأخري ليحقّق الشاعر ما يريده و هو الذي تعجز عن توصيلها التراکيب العادية في اللغة. فيحاول هذا المقال دراسة ظاهرة «تراسل الحواس» أو «التوظيف المجازي للحواس» عند الشاعر الإيراني «مهدي أخوان ثالث» والشاعر العراقي «سعدي يوسف» کأداة بنائية في عالمهما الشعري، والأسئلة التي تطرح هنا هي:
1- کيف وظف الشاعران آلية تراسل الحواس في شعرهما؟  
2- ما مدى تطوّر الحواس الخمس في توجيه المعنى المجازي ضمن تجربة الشاعرين؟
نتيجة هذه الدراسة تدلّ على أنَّ العدول عن المعيار والنزوع إلى الانزياح الدّلالي لدى مهدي أخوان ثالث وسعدي يوسف يبرز مقدرتهما الخيالية في توظيف الطاقة التعبيرية الکامنة في اللغات العادية التي تحيد عندهما عن منطقيتها في کثير من الأحيان، وتدخل في اختراق السّياق المألوف.
 

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Deconstructing Language and its Fantasy Implications in Mehdi Akhavan Sales and Saadi Youssef’s poetry (A Comparative Analysis)

المؤلفون [English]

  • Ali Salimi 1
  • Reza Kiany 2

1 Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Razi

2 ** PhD student- Arabic Department-University of Razi.

المستخلص [English]

the poetry and give it artistic dimensions and contribute to the deepening of vision which the poet seeks to transfer. The senses’ consensus allows the poet to convey his feelings from its usual form to strange and deviated level. This means that the five senses help the writer make figurative effects and images which are different from the original meanings and concepts of the five senses. From this standpoint, in this study we are trying to investigate the use of figurative language by the Iranian poet Mehdi Akhavan Sales and the Iraqi poet Saadi Youssef as a structural tool in the construction of their poetic worlds. They try to manipulate the senses and transfer from one sense to another. The questions addressed in this study are summarized as follows:
1) How have the two poets used Correspondence technique (figurative language) in their poetry?
2) To what extent do the five senses help the poets realize metaphorical meaning within the experience of these two poets?
The results indicate that deviating from the standard language and deconstructing language helps the two poets realize their fantasy meanings. In this way, the expressions miss their usual, logical meanings and deviate from their usual style.
 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Semantic deviation
  • Correspondance
  • Converted images
  • Mehdi Akhavan Sales
  • Saadi Youssef

1.المقدمة

یستخدم الشّعراء المعاصرون الأدوات التقلیدیة والمستحدثة فی التشکیل الجمالی لنصوصهم الشّعریة، فالنصّ الشّعری الجید هو الذی یستطیع مبدعه أن یخلق من هذه الأدوات صورة متکاملة حیّة تتّسق مع الفکرة والعاطفة. فی سبیل هذا، یکون «الانزیاح» أو «العدول عن المألوف» من المؤثرات الهامة فی طریق استخدام الأمثل للغة الشعریة ویقوم بالدور الأساسی فی فهم هیکلیة الشعر.

فی ضوء الانزیاح وفضائه الدّلالی فی الشّعر الحدیث، تتحول الصّور الحسیة بأنواعها الخمسة: البصریة، والسّمعیة، واللمسیة، والذّوقیة، والشّمیة إلى أدوات ذات وظائف جدیدة امتلکت القدرة على إدراک الروابط المفقودة بین الأشیاء، وخلق العملیة الإبداعیة الفنیة من خلال امتلاکها الفاعلیة التعبیریة فی تشکیل الصّورة الشعریة؛ فیُسمّى هذا اللّون التصویری «تراسل الحواس» أو «تزامن الحواس» أو «توافق الحواس»، وهذا الأسلوب الذی یکثر عادة فی القصائد الرمزیّة یسیر على عکس التوظیف المألوف فی لغة التعبیر الفنی.

لقد وظف الشعراء تقنیة «تراسل الحواس» لتعمیق المعنى الشّعری الذی یرمون إلیه؛ فقاموا بالمزاوجة بین الحاستین أو أکثر، مما یجعل قصائدهم ترتقی بهذه الآلیة من الضیق والسّطحیة إلى التحلیق فی سماء الخیال، لذلک، فقد یرى الشاعر بأذنیه ویسمع بجلده ویشمّ بعینیه مثلاً؛ أی أنّه بخیاله الواسع، یعطی للأشیاء التی تدرکها حاسة السّمع صفات الأشیاء التی تدرکها حاسة البصر ، ویصف الأشیاء التی تدرکها حاسة الذّوق بصفات الأشیاء التی تدرکها حاسة الشم، وقس على ذلک.

ومن الملاحظ أنَّ «التبادل بین الحواس الخمس» أو «تراسل الحواس» یتیح للشاعر علاقة لغویة خاصّة غیر خاضعة لمنطق العقل. وهذه العلاقة المتنافیة مع المنطق علاقةٌ رؤیویةٌ تدلُّ على تطلّع الشاعر إلى ماوراء الحقیقة ورغبته فی إیجاد نوع من التراسل بین العالم الروحی وبین العالم المادی. لذلک، إنَّ التعابیر الرمزیة التی تستعمل فی هذا المسار، تتخذ اتجاهاً لغویّاً یحوّل وظیفة اللغة فی ظاهرة عمل الحواس وتبادلها سعیاً لتسخیر هذه الحواس فی إکساب ترکیبات جدیدة غیر مألوفة، وهذا ما یعرف بـ«التوظیف المجازی للحاسة».

من هذا المنطلق، یعتبر الأدب المقارن من الدّراسات التی تکشف اللثام عن المشابهات الموجودة بین الشعراء بالرغم من الفواصل الزّمنیة أو المکانیة. وفی هذا الشأن، اتکأ الشاعران مهدی أخوان ثالث[1] وسعدی یوسف[2] فی نصوصهما الشّعریة على ظاهرة «تراسل الحواس» بوصفها وسیلة بلاغیة ساهمت فی تحقیق المراد فی إبراز تجربتهما الإبداعیة. تتناول هذه الدّراسة جانباً مهماً فی الانتاج الأدبی ضمن تجربة هذین الشاعرین، حیث یرکز البحث على الفضاء الدّلالی عندهما، ویتخذ هذا الجانب محوراً للدراسة ممثلاً فی ظاهرة «العدول» أو «الانحراف» ودوره فی مزج الحواس المختلفة.

فالمنهج الذی ینسجم مع فحوى هذه الدراسة هو المنهج التوصیفی ـ التحلیلی فی المدرسة الأمریکیة التی لا تشترط وجود علاقات تاریخیة فی الأدب المقارن، ولکنها تعنی بدراسة التشابهات والتخالفات بین الآداب المختلفة، لإبراز ما فیها من مواطن الجمال والتمیز من خلال تحدید ظاهرة «الانزیاح الدلالی» لدى مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، والکشف عن القواسم المشترکة التی تبلور من خلال شواهد من تقنیة «تراسل الحواس» التی اکتظت بها نصوصهما الشعریة.

وأمّا الدلیل على اختیارنا الشاعرینِ مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف من بین الکثیر من الشعراء الإیرانیین والعراقیین هو:

1. وحدة الظروف السیاسیّة والاجتماعیّة بینهما، کما ویشترکان إلى أقصى حدّ فی ذهنهما المبدع لخلق تصاویر الشعریّة المتنوّعة التی هی نابعة من وعی وتفکیر واحد.

2. الکفاءة العالیة فی ترسیمهما الصّور الانتزاعیّة (=غیر الواقعیّة البعیدة عن الذهن)، حیث یمیّز هذه الصفة کلّ من یدقّق فی أشعارهما.

 

2. سوابق البحث

قد کتبت دراسات کثیرة حول الانزیاح وأسالیبه فی الشعر الفارسی والعربی المعاصر خلال السّنوات الأخیرة، منها:کتاب «از زبان­شناسى به ادبیّات» لکورش صفوی، وکتاب «الانزیاح فی الخطاب النقدی والبلاغی عند العرب» لعبّاس رشید الددة، وکتاب «الانزیاح من منظور الدّراسات الأسلوبیة» لأحمد محمد ویس، ورسالة تحت عنوان «الشعر العربى بین سلطة المعیار ولذة الانزیاح» للتجانی بولعوالی.

قد ­حفلت هذه الأبحاث والدّراسات بالعدید من الملاحظات والاستنتاجات النقدیة العامّة، ولکن مما لاریب فیه أنَّ دراسة «الانزیاح الدّلالی» من خلال تقنیة «تراسل الحواس» ضمن تجربة الشاعرین تکشف عن عمق التعبیر المجازی للحواس الخمس، وتضعنا على مقربة من الظاهرة المهمة فی الدراسات الأسلوبیة الحدیثة التی تدرس النصّ الشعری. لذلک، یمتاز هذا البحث بخصوصیة فریدة لم یزاوله أحدٌ من الباحثین، ویکون مغایراً إلى حدّ ما لما ألف من دراسات أخرى.

 

3. الانزیاح والخروج عن المعیار الدّلالی

جاء فی تعریف «الانزیاح» فی لسان العرب: «نزح: نزحَ الشیء ینزح نزحاً ونزوحاً: بَعُدَ، ونزحت الدَّار فهی تنزح نزوحاً، إذا بعدت، إنّما جَمْعُ منزاح وهی تأتی إلى الماء عن بعد، ونزح به وأنزحه، وبعد نازح، ووصل نازح: بعید» (ابن منظور،1997م، ص614)؛ فیبدو أنَّ ابن منظور قد ذهب فی تعریفه وإیضاحه لکلمة الانزیاح إلى أنها تعنی بعد أو بعید، والانزیاح هو الابتعاد عن المعنى الأصلی والمعجمی.

وأمّا فی تعریف الانزیاح اصطلاحاً، اختلفت الآراء حول تحدید مفهومه باختلاف المذاهب والتیارات، بل واختلفت باختلاف تصوّراتهم، وهذا ما جعلنا نجد صعوبة فی الاختیار والتحدید، ومهما یکن، فـ«إنَّ الانزیاح ظاهرة أسلوبیة جمالیة یعمد إلیها الکاتب أو الشاعر باعتبارها وسیلة لأداء غرض معین؛ إذ نجد هذه الظاهرة قد انتشرت بصورة کبیرة فی العصر الحدیث، وخاصة فی القصائد النثریة، وهذا لا ینفی وجود إشارات نقدیة لها عند نقادنا القدماء من خلال عدّة صور» (صالح،2011م، ص4).

یذهب بعض النقاد المعاصرین إلى أنَّ الشعر لیس إلاّ کسر نمط اللغة العادیة والمنطقیة (ینظر: شفیعی کدکنی،1389هـ.ش، ص240)، والأسلوب انحراف أو خروج عن الأنماط العادیة للغة (شمیسا،1375هـ.ش، ص32)؛ فالإبداع فی الشعر هو النظر إلى الأشیاء المألوفة بطریقة غیر مألوفة، والشاعر المبدع هو الذی «یمتلک القدرة على إدراک الروابط المفقودة بین الأشیاء، واستکشاف العلاقات، ثمَّ تفکیکها وإعادة صیاغتها بروابط جدیدة لها العلاقة الأوثق بنفسیته وطریقته المتمیزة فی تناول الأمور، بحیث تبدو للآخرین وکأنها ترى لأول مرة» (غنیم،1998م، ص12).

فی ضوء هذه التنظیرات، نستطیع أن نقول: إنَّ الانزیاح هو «استعمال المبدع للغة مفردات وتراکیب وصور استعمالاً یخرج بها عمّا هو معتاد ومألوف بحیث یؤدی ما ینبغی له أن تتّصف به من تفرّد وإبداع وقوة وجذب وأسر» (ویس،2005م، ص49)، فالانزیاح یعدُّ تصرّفاً فی الکلام ویدلُّ على الانحراف عن النسق المألوف فی سیاق أدبی یجعل اللغة غایة لتحقیق الجمالیة فی الشعر؛ لأنّه «یبرز إمکانات المبدع فی استعمال الطاقة التعبیریة الکامنة فی اللغة، لإیصال رسالته إلى المتلقّی بکلّ ما فیها من القیم الجمالیة، فینزاح الأسلوب عن نمط الأداء المألوف المعتاد، لیحقّق ما یریده من أهداف یعجز عن توصیلها الترکیب العادى» (مرادی وقاسمی، 2012م، ص105).

هناک أشکال مختلفة للانزیاح، فقد قسّم الباحث الإنجلیزی جیفری لیج[3] الانزیاح إلى ثمانیة أقسام: اللغوی، والنّحوی، والصّوتی، والکتابی، والدّلالی، واللهجی، والأسلوبی، والزّمنی (ینظر: صفوی،1390هـ.ش، ص58-51).

من هذا المنطلق، ینظر إلى «الانزیاح الدلالی» فی العصر الحدیث نظرة متقدمة تخدم التصور النقدی القائم على أساس اعتبار الصورة الشعریة صورة تتأتّى من خرق القانون الذی یسود على الصور البلاغیة فی الکلام؛ فإنَّ لغة الشعر أو لغة النثر على حد سواء تزخر بالألفاظ والکلمات فی استثمارها العادی، ولکن عندما تخرج هذه الألفاظ والکلمات عن نمطها الاعتیادی، فإنّه یدخل علیها ما یُعرف بـ «الانزیاح الدلالی» أو «الانحراف التصویری». فإنَّ ظاهرة «الانزیاح الدلالی» عبارة عن کسر نظام الاستعمال المتعارف للمفردات أو التراکیب التی بها تتکوّن الجمل بهدف زیادة عدة الدلالات الممکنة، وهذه الظاهرة تُعدُّ من الظواهر المهمة فی الدراسات الأسلوبیة الحدیثة التی تدرس النصّ الشعری على أنه أسلوب مخالف للمألوف والعادی. فالانزیاح الدلالی فی الشعر الحدیث یحاول أن تستعیض من خلال التعبیر بالصور الغریبة وقد تجلت مظاهرها من خلال التوظیف غیر المألوف للاستعارات والمجازات والکنایات والتشبیهات وغیرها.

 

4. التّمازج فی التّفاعل الحسیوتقنیةتراسل الحواس

إنَّ الحواس الخمس هی حلقة الوصل الواقعیة بین الإنسان وطبیعة أطرافه إذا نظرنا إلى هذه الحواس ضمن وظیفتها المنطقیة، إلاّ أنّها فی کثیر من الأحیان تتجاوز وظیفتها المرجعیة إلى صور أخرى ذات دلالات غریبة تنتمی إلى عالم الخیال، وهذا ما یسمى بـ­ «التوظیف المجازی للحواس الخمس»؛ بعبارة أخرى، أنَّ المقصود بالتوظیف المجازی للحاسة هو «استدعاؤها لمحسوسات لا تنتمی منطقیاً ولا وظیفیاً إلى طبیعتها العضویة. أمّا المقصود بالتوظیف الواقعی هو استخدام آلیة عمل الحواس کما فی صورتها الواقعیة المرجعیة وتوظیفها فی البناء الشعری، لکن بالقدر الذی یحقق للنص وظیفته الفنیة الجمالیة» (الخطیب،2010م، ص157). 

فی إطار هذا التوجه الخاصّ الذی یرقب توظیف الحاسة من الواقعیة إلى الرومانسیة، یمکننا أن نقول:

«إذا کان عمل الحواس فی الواقع هو استدعاء المحسوسات من ضمن الطبیعة الحاسة نفسها، على سبیل المثال، فإنَّ حاسة الأنف لا تستقطب سوى المشمومات من الروائح المختلفة، والأذن لا تسمع سوى الأصوات المختلفة، وهکذا الحواس الأخرى، فإنَّ عمل الحاسة ضمن وظیفتها الفنیة المجازیة یمثل تقاطعاً بین وظیفتها وعملها وما تستدعیه من محسوسات. بعبارة أخرى، إنَّ الحواس تغادر وظائفها المعهودة بها إلى وظائف أخرى جدیدة تتقاطع منطقیاً مع وظائفها المألوفة لینعکس هذا الانزیاح الوظیفی على شکل اللغة التی ینحرف بناؤها عن شکلها المرجعی» (المصدر نفسه، ص159).

فالغرابة فی الشعر تعنی إلحاح الشاعر على إدخال أداة تعبیریة فی النصّ تبتعد عن المعهود، وهذا بذاته ما نجده فی الصّور التی ینأى الشاعر فیها عن الاستثمار المألوف للحواس الخمس. فی هذا الشأن، أنَّ تبادل الحواس لدى الشعراء فی إطار ما یسمى بـ «تزامن الحواس» أو «تراسل الحواس»[4] یعنی «أن نصف مدرکات حاسة من الحواس بصفات مدرکات الحواس الأخرى؛ فتعطی المسموعات ألواناً، وتصیر المشمومات أنغاماً، وتصبح المرئیات عطرة» (ینظر: الجنابی، د.ت، ص22). وإذا کان هذا التوافق الحواسی بمعناه العام یقصد أن «ینأى الشاعر عن السیاق المألوف للمفردة المعبرة عن ما یشعره فینقل إلیها مفردات حاسة أخرى» (الصائغ،1997م، ص136)، فإنَّ هذا یدلّ على اقتراب الصورة التراسلیة من الصورة الغرائبیة التی تغادر فیها الألفاظ مدلولات الأشیاء ومنطقها. فالغریب «هو ما یأتی من منطقة خارج منطقة الألفة ویسترعی النظر بوجوده خارج مقره» (کیلیطو،1997م، ص60)، فلذلک یکون «تراسل الحواس» أقرب ما یکون إلى الصّورة الغرائبیة غیر المألوفة فی ذهن المتلقی، ذلک لأنّه لا یقوم على العلاقة المرجعیة المنطقیة بین الحاسة ومدرکاتها. فهذا الانزیاح «یحدث نتیجة أمرین قال بهما الرمزیون، هما:

أوّلاً: إنَّ جوهر الأشیاء متشابهة؛ لأنها تحدث فی النفس انفعالات متشابهة وعلیه فکلّ ما فی الوجود وحدة لا تنفصل.

ثانیاً: إنَّ الأشیاء لا توجد إلاّ بنا» (ینظر: الخطیب، 2010م، ص159).

واللافت، أنَّ «هذا التوحد الوظیفی یجعل النصّ الفنی نتیجة تعاون کلّ الحواس وکلّ الملکات، وهذا یجعلنا نحدد ارتباط فعل الحاسة بالعالم الداخلی لشخصیة الشاعر» (المصدر نفسه، ص160-159)، لذلک، تعدُّ تقنیة «تراسل الحواس» إحدى المقوّمات الأدبیة والسّمات الأسلوبیة للشعر؛ إذ تُخرج اللغة المألوفة إلى المستوى الخیالی بالانزیاح الدّلالی، فتعطیها بُعداً إیحائیاً ودفقاً جمالیاً. ویتم بناء الصّورة المفردة عن طریق «تراسل الحواس»، «إذ تتداخل العناصر الحسیة بما تشتمل علیه من ألوان، وأشکال، وملمس، ورائحة، وطعم، فتشترک جمیعها لتشکیل الصورة الشعریة، کأن یقوم الشاعر بخلع صفة حاسة البصر على حاسة السّمع، فما یدرک بالبصر یصبح مسموعاً، والمسموع یصبح مرئیاً، وما حقّه أن یسمع یشم، و...» (ینظر: الصمادی،2001م، ص131)، «فتتحول مظاهر الطبیعة الصامتة إلى رموز ذات معطیات حیة ویوحی الصوت وقعاً نفیساً شبیهاً بذلک الذی یوحیه العطر أو اللون» (هلال، د.ت، ص419)، «مما یکشف عن تلک الوحدة الشاملة التی تربط بین نثریات الطبیعة وذلک المعنى المطلق الذی ترید إلیه الأشیاء» (أحمد،1978م، ص111). فالشاعر یلجأ إلى هذه التقنیة «رغبة فی إیجاد نمط جدید من العلاقات اللغویة ینبع من فکرة نقص نظام الحواس مما یستدعی مزج عملها، أو بتبادل معطیاتها، وهنا نجد مدرک حاسة ما یوصف بما یوصف به مدرک حاسة أخرى، فتتولد صورة ممتزجة بینهما تخالف العرف اللغوی» (نوفل، د.ت، ص165).

 

5. الصّور المتراسلة فی شعر الشّاعرین

اتّخذ النقد الحدیث فی الأدبین الفارسی والعربی مناهج مختلفة فی الدراسة الفنیّة والبنائیّة للشعر متجسدة بالصورة. فإنَّ الصّورة هی «تجسیم للأفکار والخواطر النفسیة والمشاهد الطبیعیة حسیّة کانت أم خیالیّة على أساس التآزر الجزئی، والتکامل فی بنائها والتناسق فی تشکلها والوحدة فی ترابطها والإیحاء فی تعبیرها» (صالح،1990م، ص435).

وإذا ما حاولنا تتبع هذه الإشارة النقدیة من خلال شعر الشاعرین مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، وجدنا أنَّ الصّور الشّعریة عندهما  قد توزعت بین الصّور الحسیة والذّهنیة المتکئة على حرکة الحواس الخمس الأدبیة لفعل الخلق فی المیدان الشعری. فی سبیل هذا، لقد شکلت «الصّور المتراسلة» مساحة واسعة من نصوصهما الشعری وأدّت إلى تولید علاقات جدیدة استطاعت أن تملأ الهوّة بین الواقعی والمثالی.

فـ «الصّور المتراسلة» أو «التّراسلیة» أو «المحوّلة» أو «المتجاوبة» کلّها اصطلاحات تحمل دلالة واحدة، و«هی الصّور التی تصف مدرکات حاسة من خلال حاسة أخرى، فتعطی المسموعات ألواناً، وتهب الألوان أنغاماً، وتصیّر المرئیات عاطرة، وتجعل المشمومات ألحاناً» (الیافی،2008م، ص158). وبالتالی «تنشأ علاقات متداخلة بین معطیات الحسّ المختلفة، وتکون النتیجة وحدّة فی الحواس» (ملوک،2008، ص109)، بحیث «تتفاعل جملة الحواس البشریة فی بوتقة الإحساس الفیاض الذی یستغرق الحالة الشعوریة ویضیء الدفقة التصویریة ویمدّها بطاقات من التنوع لیزید الصورة جمالاً ووضوحاً من خلال التفاعل بین الحواس المختلفة التی تشکل الوعی والإحساس» (أبوجحجوع،2010م، ص76).

فی الواقع، أنَّ تقنیة «تراسل الحواس» قد أتاحت لـ­مهدی وسعدی الفرصة المناسبة لاستثمار الأمثل من الحواس الخمس فی خدمة مشاعرهما وأحاسیسهما، فهما یحاولان بذلک مداعبة خیال المتلقی کی یحلق بتصرّف فی سماء شعرهما دونما التزم بالواقع ومنطق الأشیاء. فاستطاع الشاعران فی قصائدهما أن یشکلا لوحات فنیة قائمة على التوافق الحسی یبوح بالعلاقة بین المفاهیم المجردة والمدلولات الحسیّة. 

ثمة نماذج کثیرة فی شعر مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف تشتمل على التبادل فی وظائف الحواس؛ فیمزج الشاعران بین الحواس المختلفة، ویتبلور هذا النّمط التصویری الذی یرتکز فی بنائه على أکثر من مدرک حسی فی أشکال مختلفة، یمکن تفصیله فی شعر هذین الشاعرین على النحو الآتی:

 

5. 1 الصّور الصّوتیة المحوّلة إلى البصریة

لقد احتلت الصّور الصوتیة التی تتحرک مسایراً للحاسة البصریة مساحة واسعة فی شعر مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف؛ فقد منحت هذه الصّور بعداً جمالیاً لشعر هذین الشاعرین وولّدت دهشة تؤثر فی نفسیة المتلقی من خلال الجمع بین حاستین لیس بینهما تآلف.

فمن الجدیر ذکره، أنَّ الشاعرین مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، یعتمدان على التزامن بین حاسة السّمع وحاسة البصر. وبذلک تتخلى الحاسة البصریة عن وظیفتها المرجعیة لتتحول إلى حاسة سمعیة تستفز وعی المتلقی من خلال إحداث خلل فی توقعه. والحقیقة أنَّ هذه الصور المحوّلة عند الشاعرین قد جاءت تبعاً لمشاعرهما العمیقة الذی یطلق للخیال العنان للوصول إلى ما یختلج فی ضمیرهما.

وفی إطار هذه الإشارة، یبعث الشاعر سعدییوسف، فی قصیدة «الشخص الثانی»، طاقة إیحائیة فی لغته، إذ یمیط اللثام عن حاسة البصر التی تقوم بدور حاسة السّمع فی عملیة إبداعیة تنأى عن المرجعیة: 

«أبصرتُ عینیه

عبر الزّجاج الرّطب، مبتلّتینْ

أبصرتُ فی عینیهِ أغنیّتینْ» (یوسف،1988م، ج1، ص395).

اللافت فی هذه المقطوعة، أنَّ سعدی یحاول بخیاله الواسع أن یجسد الصّوت مرئیاً من خلال إسناد فعل «أبصرت» الذی یرتبط بحاسة البصر إلى لفظ «أغنیّتینْ» الذی یعود إلى حاسة السّمع. فالشاعر هنا شدید القلق على غربة صدیقه، وحینما تتراءى له خیال الصّدیق بعینیه المبتلّتین، ینتابه شعورٌ عمیقٌ، کأنَّه یسمع من قاع عینیه الحزینة نغمات الحزن ونبرات الألم؛ فحاسة البصر فی هذا النصّ تتدخل فی عملیة خلق الصّورة المجازیة التعبیریة عندما تضع یدها على معاناة الشاعر من فراق صدیقه، وتأخذ هذه الحاسة دلالة جدیدة من خلال تبادلها مع حاسة السّمع. وبهذا الأسلوب تخترق حاسة البصر الحدّ المألوف إذ إنها تقوم بدور حاسم فی إصغاء الأغنیة التی خیّمت على العینین مکان حاسة السّمع.

وقد أدّى التبادل والتزامن بین حاسة البصر وحاسة السّمع عند سعدی إلى الانزیاح الدّلالی الآخر فی قصیدة «من هور السّفطة»، حینما یشکو الشاعر من فراق أحد آخر من أحبته:

«مزقتَ قلبی

صوتُکَ الدَّامی یمزقه کخنجرکَ الصدیءْ

وحشیةُ الأعماقِ فیه، وزرقةُ الأوراق فیهْ»(یوسف،1988م، ج1، ص424).

یلاحظ هنا ما خلقه الشاعر من تداخل الحواس، حیث جمع بین حاستی «السّمع» و«البصر» من خلال توظیف ترکیب «صوتُکَ الدَّامی». فالمتلقی یستمع بذهول إلى هذا الترکیب الغریب لیدرک فی النهایة أن الانزیاح یکمن فی حزن الشاعر العمیق الذی یرى الصّوت دامیّاً، والشاعر بذلک یحول الأمر العادی إلى آخر مدهش ینبض بصورة جدیدة فی المیدان الشعری.

کذلک عندما ننتقل إلى شعر مهدی أخوان ثالث من نافذة التبادل والتزامن بین حاستی البصر والسّمع، نرى أنَّ الدلالات الإیحائیة لهاتین الحاستین قد جاءت عنده کـسعدی یوسف، مقترنة بالحزن والکآبة حینما یجمع بین الصّوت والدَّم فی قصیدة «در این همسایه»، أی: فی هذا الجار:

«چرا آوازِ تو چون ضجّه­ای خونین و هول­آمیز؟!

چه می­جویی؟! چه می­گویی؟!

چرا این­قدر دردآلود و حزن­انگیز؟!» (أخوان ثالث،1374هـ.ش، ص58).

الترجمة: لماذا یُضاهی غناؤک ضجّةً دمویّة مرعبة. تبحث عن أیّ شیء؟ ماذا تقول؟ ولِمَ تکون متألّماً حزیناً وقد تجاوزتَ الحدّ؟

فنسبة صفة «الدّمویّة» إلى «الضجّة» فی ترکیب «ضجّة دمویّة» تنتقل اللغة من دائرة المألوف إلى اللامألوف واللامتوقع. فقد انبثقت هذه الرؤیة الجمالیة للشاعر من خلال هذه الصّورة الصّوتیة المحوّلة إلى البصریة، ولأنَّ هذا الانزیاح أقدر على تجسید عواطف الشاعر الحزینة، فالمتلقی یفجأ عندما یرى هذا التوظیف المجازی للحاسة السّمعیة التی قد تحرکت مسایراً للحاسة البصریة.

کذلک، إنّ قراءة دقیقة للمفردات التی تشکلت منها قصائد مهدی أخوان ثالث، تعبر عن رؤیته العمیقة للوظیفة المجازیة لحاسة السّمع المحوّلة إلى حاسة البصر عنده، لذلک یرى الشاعر بعینیه النغمة بوصفها من معطیات حاسة السّمع  فی قصیدة «خوان هشتم»، أی: المائدة الثامنة ویقول:

«می­نیوشد گوششان در خواب پیش از ظهر

جیغ سبز و سرخ، یا اغلب، بنفش خواب بعد از ظهر مخمل را

و خموشانه فغان­های نیاز ـ طفلکی­هاـ استوا و قطب را با هم

و بلورین نغمه رؤیای طاووس حریر و شاخه­ گیلاس مومی را» (أخوان ثالث،1374هـ.ش، ص 68).

الترجمة: آذانهم تُصغی فی القیلولة إلى الصّرخة الخضراء والحمراء، أو فی الأغلب، النّوم البنفسجیّ فی العصر المخملیّ وتصغی إلى صرخات صمت الحاجة للقطب والاستوا -هذین المسکینین-وتصغی إلى النغمة الزجاجیة لحلم الطاووس الحریری و غصن الکرز الناعم.

کما نلاحظ فی هذه المقطوعة، إنَّ حاسة السّمع التی یتحدّث عنها الشاعر من خلال توظیف ترکیبی «الصرخة الخضراء والحمراء» و«النغمة الزجاجیة»، تأخذ بعداً دلالیاً تخترق فاعلیتها الواقعیة، وتتحرک ضمن وظیفتها المجازیة؛لأنَّ لغتی «الصّرخة» و«النغمة» اللتین ترتبطان بحاسة السّمع قد وظفتا على جنب «الخضراء والحمراء» و«الزجاجیة» اللتین ترتبطان بحاسة البصر.

کذلک، قد تحرکت حاسة السّمع متمشّیاً مع حاسة البصر وخرج الشاعر عن التعبیر السائد والمتعارف قیاساً فی الاستعمال، رؤیةً وصیاغةً وترکیباً فی قصیدة «پاییزی»، أی: الخریفی عندما یقول:

«پاییز جان! چه شوم، چه وحشتناک

رفتند مرغکان طلایی بال

از سردی و سکوت سیه خستند

وز بید و کاج و سرو نظر بستند

رفتند سوی نخل ، سوی گرمی

و آن نغمه­های پاک و بلورین رفت» (أخوان ثالث، 1373هـ. ش، ص50).                                                 

الترجمة: یا أیّها الخریف المحبوب! ماأشأم! ماأرْهَبَ! ذهبت الطیور ذوات الأجنحة الذهبیة! تعبت تلک الطیور من الهمود والصّمت الأسود. أغمضت تلک الطیور عیونها عن أشجار الصفصاف والشُّوح والسَّرو (=قطعت آمالها عن هذه الأشجار). ذهبت تلک الطیور نحو الدّفء، ونحو النخیل. وذهبت تلک النغمات الطاهرة البلوریة.

فیبدو الانزیاح جلیاً هنا عن طریق التراسل بین حاستی السّمع والبصر؛ لأنَّ الشاعر قد خرج فی ترکیب «النغمات البلوریة» إلى التعبیر اللامألوف واللامتوقع، إذ لیس من العادی أن تکون النغمة بلوریة، وفی هذا انحراف عن الأصل، فیجتاح الانزیاح حاسة السّمع وذلک من خلال ارتباطها بحاسة البصر أو بقول أدقّ، من خلال تعبیر الشاعر بالصورة الصّوتیة المحوّلة إلى البصریة، حیث وصف المسموع بصفات مرئیة. 

قصارى القول: إنَّ الشاعرین مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، بخیالهما الواسع یستخدمان حاستی «السّمع» و«البصر» للتعبیر عن حالتهما النفسیة المراد إیصالها للمتلقی أو لرسم صورة شعریة بهذین الحاستین. فلکلّ الشاعرین علاقة خاصّة تربط بحاسة السّمع حسب رؤیتهما للأشیاء المرئیة، والتی تجعل النصّ الشعری عندهما أکثر عمقاً فی المشهد الصوری وتأثیرها على المتلقی عبر خروجهما عن التعبیر السائد والمتعارف قیاساً فی الاستعمال، رؤیةً وصیاغةً وترکیباً. من هنا نستدل على أنَّ الانزیاح الدّلالی من خلال الصّور الصوتیة المحوّلة إلى البصریة یکون تکنیکاً تعبیریاً جدیداً فی تشکیل الصّورة الشعریة.

 

2.5 الصّور البصریة المحوّلة إلى الذّوقیة

هناک نمط آخر من الصّور المتراسلة، وهو ما یمکننا تسمیته بالصورة البصریة المحوّلة إلى الذّوقیة، وهی تلک التی توحی بالوظیفة المجازیة التی تقترن فیها حاسة البصر بـحاسة الذّوق لتتخلّى حاسة البصر عن دورها المرجعی ودلالتها الواقعیة ولیخرج الشاعر عن التعبیر العادی الذی العین متعودة على رؤیته إلى التعبیر اللامألوف واللامتوقع.

فی سبیل هذه الإشارة، تتصل الصّور البصریة بالصّور الذّوقیة من غیر تمییز بینهما فی تجربة الشاعرین مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، فقد یجعل الشاعران من البصریات طعاماً تأکله الجیاع أو ماءً تشربه العطاش، وهذا الأمر لیس مسألة اعتباطیة، بل هو کسر للغة المألوفة، والعدول بها عن مسارها المعهود والاتّساع فی توظیفها، وبالطبع قد اختبأت وراء هذا الانزیاح الدلالی غایات أو مقاصد ترقى بکلامهما إلى المستوى الخیالی.

والمتأمل لقصیدة «الماء» لسعدی یوسف، یدرک أنَّ التزاوج بین الصّورة البصریة والذّوقیة قد جعل من دخان القذائف ماءً یشربه الأطفال المظلومون فی «صبرا»:

«أطفال «صبرا»

یشربون دخانَ القذائفْ» (یوسف،1988م، ج2، ص273).

تکتسب «الدخان» فی هذه المقطوعة وهو من مدرکات حاسة البصر، صفات ذوقیة عندما یستعملها الشاعر مع فعل «یشربون» الذی یرتبط بـ­حاسة الذوق. فالنصّ توحی بمعانٍ رمزیة وخیالیة تتّسق مع حالة الشاعر النفسیة. فقد استعان سعدی یوسف فی هذا المقطوعة لتعمیق رؤیته بالتراسل الذی یوفر له لوحة فنیة لتصویر الجرائم التی ارتکبها العدو ضد الأطفال فی «صبرا»، وبذلک قد جسّد الشاعر مدى وظیفة الحاسة الأدبیة فی توجیه المعنى المجازی.

وقد تبلور آلیة التراسل بین الصّور البصریة والذوقیة عند سعدی یوسف بشکل أعمق من النّموذج السّابق فی قصیدة القنفذ حینما یقول:

«یکمنُ فی قارته القدیمةْ

منکمشاً بین تراب الشّمس والعشب المسائی

وحیداً

بطنه الأبیض مشدودٌ کجلد القوس

والعینان تشتفّان صوت النّمل» (یوسف،1988م، ج2، ص9).

واللافت أنَّ الشاعر یجمع فی هذا النصّ بین عدة انطباعات حسیة: الانطباع البصری (=العینان) والانطباع الذوقی (=تشتفّان) والانطباع السّمعی (=صوت النّمل)، وهی کلّها تخدم غایة واحدة، بیان جمال هذه المقطوعة، حتى إنّه فاق هذه المحسوسات على جمالها وأثرها فی نفس الشاعر. فلو أنعمنا النظر فی هذه الصورة نجد أنَّ الشاعر قد جعل للعینین شفتین، ولکن هذه الشفتین لا تشتفّان الماء بل تشتفّان صوتَ النّمل؛ بعبارة أخرى، قد جعل الشاعر الصّوت ماءً تشربه العین، فلذلک یمکننا أن نقول: تتصل الصور البصریة بـ­الصور الذوقیة من خلال عبارة «العینان تشتفّان» کما ترتبط الصّور الذوقیة بـالصور السّمعیة من خلال عبارة «تشتفّان صوت النّمل».

أمّا التحویل فمن المبصر إلى المذوق قد یجمع بین الانطباع البصری والذّوقی فی شعر مهدی اخوان ثالث، وفی ذاک التحویل انزیاح دلالی ترتقی الصورة الشعریة من السطحیة إلى التحلیق فی سماء الخیال؛ فیبوح الشاعر عن سریرة هذا الانزیاح حینما یقول فی قصیدة «ثمّ بعد الرعد»

«امّا نمی­دانی چه شب­هایی سحر کردم

بی­آنکه یک­دم مهربان باشند با هم پلک­های من

در خلوتِ خواب گوارایی» (أخوان ثالث،1360هـ.ش، ص40).

الترجمة: ولکن لا تدری کم من لیلةٍ قضیتُها للسحر دون أن تکون بین جفنیّ مودةٌ فی خلوة النوم الحلو.

یبدو التحویل فی هذه المقطوعة فی الانطباع البصری (=النّوم) إلى الانطباع الذوقی (=الحلو)، وهذا التحویل تمّ للشاعر ترکیبه بمساواة بین الانطباعین البصری والذّوقی. فقد جاء هذا التراسل لتعمق الانزیاح الذی وضع الشاعر إصبعه علیه فی عبارة «خلوة النّوم الحلو».

ویتکرر التحویل فی الصّورة البصریة إلى الصّورة الذّوقیة فی شعر أخوان ثالث المرتبط بالانزیاح والعدول عن المعیار فی قوله فی قصیدة ثمّ بعد الرّعد

«بر نطعِ خون آلود این شطرنجِ رؤیایی

و آن بازی جانانه و جدّی

وین مهره­های شکرین، شیرینِ شیرین­کار» (أخوان ثالث،1360هـ.ش، ص46).

الترجمة: على المائدة الدّمویة لهذا الشطرنج الخیالی وذلک اللعب الجدّی الحازم وهذه الفرزات الحُلوة السّکّریّة العذبة.

هذه المقطوعة ترصد إحساساً خاصاً یرتبط بسیکولوجیة الخیال عند الشاعر؛ لأنّه یستحضر صوراً مختلفة ترتبط بأحاسیسه المتباینة، وهذا الحشد للصور الحسیّة یمثل الحنین الذی یجبر خاطره الحزین، فقد جاء التراسل من خلال التشخیص الذی أعطى قوة لعبارة «هذه الفرزات الحلوة السّکّریّة العذبة»؛ فتداخل فی هذه العبارة الانطباع البصری (=الفرزات) مع الانطباع الذوقی (=السّکریة والحلوة) وتبادلت وظائفهما لتشکیل عبارة غیر مألوفة أسهمت فی تعمیق الانزیاح وتأثیره على المتلقی.

ویتخذ الشاعر مرة أخرى فی قصیدة «ارمغان فرشته»، أی: تحفة الملاک، من ترکیب «وجه الفلک الحلو» صورة غیر مألوفة من تبادل المدرک البصری والذّوقی حینما یقول:

«خنده کردم بر جبین صبح با قلبی حزین

خنده­اﯼ، اما پریشان خنده­اﯼ بی­اختیار

خیره در سیمایِ شیرینِ فلک نام ترا

بر زبان آوردم ای تابنده مه، جانانه یار» (أخوان ثالث،1387هـش، ص۲۹).

الترجمة: ضحکت على جبین الصّباح بقلب حزین ضحکة ولکنها تلقائیّة مضطربة. ذکرتُ اسمک یا قمراً مزهوّاً ویا أعزّ من روحی وکنتُ حادقاً فی وجه الفلک الحلو.

والملاحظ أنَّ الشاعر قد ربط حاسة البصر بالذّوق، وهذا الارتباط حلّق بالشاعر إلى سماء جدیدة من آفاق التعبیر لم یألفها من قبل. فالوجه الذی رجا منه المتلقی أن یُرى بالعین شبیه العسل الذی یدرک بحاسة الذّوق وهذا النّوع من الاتّساع فی توظیف الحاسة ینتعش روح الانزیاح الدّلالی فی النصّ الشعری.

على هذا الأساس، نفهم أنّ الشاعرین مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، قد برزا  فی قصائدهما دور کلّ من حاستی البصر والذّوق فی بلورة الترکیبات أو العبارات التی تهدف إلى الانزیاح من خلال الأداء الجمالی المتمیز، فنزع الشاعران إلى الجمع بین المدرک البصری والذّوقی مانحاً کلّ  لفظة من هذین المدرکین دوراً فی توجیة الانزیاح الدّلالی.

 

5. 3 الصّور الصّوتیة المحوّلة إلى الذّوقیة

إنَّ المفردات الصّوتیة التی تحوّل إلى الذّوقیة واحدة من أهمّ الأدوات التی یستخدمها الشاعران مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف فی بناء صورهما المتراسلة. فبواسطة هذه الاستراتیجیّة المشترکة بین حاستی السّمع والذّوق، یشکل الشاعران أحاسیسهما و أفکارهما فی شکل فنی محسوس، ویصوّران رؤیتهما الخیالیة للعلاقات الخفیة بین هاتین الحاستین، لذلک قد نجح الشاعران بهذه السّمة الفنیة الرائعة فیما یتعلق بالصّور الفنیة التی تقوم على أساس تراسل الحواس الذی یجعل قارئ أشعارهما یهیم فی خیالهما عبر سحر الکلمات الصّوتیة المحوّلة إلى الذّوقیة.

فی سبیل هذه الاستراتیجیّة، إنَّ القارئ لشعر سعدی یوسف یلمس براعة الشاعر العالیة فی بناء الصّورة الشّعریة عن طریق التبادل بین حاستی السّمع والذّوق. ومن أبرز لوحات الشاعر الجمیلة التی جاءت فی قصیدة «المسافر»، صورة «شرب الصّوت» التی قد تحول فیها المدرک السّمعی (الصّوت) إلى المدرک الذّوقی:

«معی کان فی 5/6

لقد کنتُ أشربُ صوتَهْ

وانباءَهُ واغترابی وصمتَهْ» (یوسف،1988م، ج1، ص423).

یُلاحظ أنَّ «الصّوت» مدرک سمعی و«الشّرب» مدرک ذوقی، فیعمل الشاعر من خلال التوافق أو التزامن بین حاستی السّمع والذّوق على إسقاط الحواجز النفسیة والمعنویة التی حجبت بین هاتین الحاستین، فلا یعود هناک فرق یذکر بینها.

وفی قصیدة أخرى للشاعر سعدی یوسف تحت عنوان «ثلاثة أصوات»، یشکل الشاعر صورته الشّعریة فی شکل یشبه بالصّورة السّابقة، حیث یتحول المدرک السّمعی إلى المدرک الذّوقی مرّة أخرى:

«سفینةٌ فی المطرْ

مهجورةٌ عاریةْ

قلوعُها البالیةْ

تشربُ صوتَ المطر» (یوسف،1988م، ج1، ص417).

حیث یُلاحظ هذا التبادل الحسی والتلاحم المعنوی بین المدرک السّمعی (=صوت المطر) والمدرک الذّوقی (=تشربُ)، فهذا الترابط والتراسل یجذب المتلقی ویمنحه لذة قائمة على الانزیاح الدّلالی؛ فنلاحظ انهیار الحواجز النفسیة والمعنویة الفاصلة بین هذینِ المدرکینِ حتّى أصبح الصّوت ماءً یُشرب.

هذا، وقد جمع مهدی أخوان ثالث کـسعدی یوسف بین حاسة السّمع وحاسة الذّوق للإیحاء بکثیر من إحساساته، فیمتزج السّمع بالذّوق عنده، ولکن، یبدو أنََّ أخوان ثالث لم یستعمل هذا التبادل والتزامن کثیراً فی شعره بالنسبة إلى یوسف. ومن اللوحات الرائعة التی نجده عند أخوان ثالث ما جاءت فی قصیدته «نغمه­ همدرد»، أی: نغمة المتعاطف، حیث یسقط الشاعر فیها الحواجز النفسیة والمعنویة الفاصلة بین المدرک السّمعی والمدرک الذّوقی، ویقول:

«شبنم زلف تو را نوشم و خوابم نبرد

روح من در گرو زمزمه­ای شیرین است» (أخوان ثالث،1387هـ.ش، ص25).

الترجمة: أشربُ ندى شعرک ولا أنام. روحی رهینةُ همسة حلوة.

تنطوی هذه المقطوعة على انزیاح دلالی ینتمی إلى الخیال أکثر من إنتمائها إلى الواقع؛ لأنَّ الشاعر هنا یقوم بخلع صفة الذّوق على حاسة السّمع فی ترکیب «هَمْسَة حُلوة»، وبذلک یستطیع أن یتبادل بین المدرک السّمعی والمدرک الذّوقی.

من خلال ما تقدّم، یتبین لنا أنَّ الشاعرین مهدی أخوان ثالثوسعدی یوسف، قد عمدا إلى انهیار الحواجز النفسیة والمعنویة بین المدرک السّمعی والمدرک الذّوقی، فإنّهما بذلک یشکلان ترکیبات جدیدة لا تعترف بالأعراف الموروثة. فیبدو لنا أنَّ سعدی یوسف أکثر عنایة من مهدی أخوان ثالث بالتبادل بین حاستی السّمع والذّوق من خلال تشکیل الصّور الصوتیة المحوّلة إلى الذوقیة.

 

5 . 4  الصّور الصّوتیة المحوّلة إلى الشمّیة

وظف الشاعران مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف تقنیة التبادل بین حاستی السّمع والشمّ فی بناء الصّور المفردة، وذلک من خلال نسبة الصفات الشّمیة على الصّوتیة، أو عقد المماثلة بین هاتین الحاستین، مما یشکل انهیاراً للفوارق بین الطرفین. فاستطاع الشاعران بهذا التبادل أن ینقلا الأثر الشعری من دائرة الحس السّمعی، إلى حیز حاسة الشمّ، مما یوقع المتلقی فی دائرة الحیرة، نتیجة الاقتران بین المدرک الصّوتی والمدرک الشمّی فی مستوى الانزیاح الدّلالی.

یسهم التراسل عند سعدی یوسف فی تحویل الأغانی التی تمثل نسقاً صوتیاً ملحناً یدرک بحاسة السّمع إلى حاسة الشمّ، فانتقل الصّوت عنده من الإدراک بحاسة السّمع إلى حاسة الذّوق. وخیر مثال على هذا النّمط فی شعره قد جاء فی قصیدة «ساحة إسبانیة» حینما یقول الشاعر:

«رائحةُ القیثار فی الساحةْ

والتَّبغُ والسّواحُ فی المقهى

لقد کنُّا هنا أمسِ

رقصتُ حتَّى مُزِّقَ الجوربُ، حتَّى مُزقتْ نفسی» (یوسف،1988م، ج1، ص410).

إنَّ الانزیاح الوارد فی هذا المقطوعة قد تبلور من خلال خرق نظام للغة المألوفة، حیث صارت القیثار بأغنیته المسموعة عبیراً یُشم، فنلاحظ بوضوح اختلال العلاقة المنطقیة بین عناصر الصورة فی ترکیب «رائحةُ القیثار»، حیث تخرج اللغة عن دلالتها الأصلیة لیضاعف التباعد متهجاً نحو الغرابة. فجمال الصّور الفنیة المتولدة من التراسل فی هذه المقطوعة یکمن فی النشاط اللغوی الذی یخرج المعنى من نطاقه الضیق إلى نطاق أوسع، حیث تستدعى فیه المخیلة فی محاولة لتفجیر الطاقات الکامنة بین علاقات اللغة فی حاستی السّمع والشمّ.

کذلک قد وردت عند مهدی أخوان ثالث نماذج متعددة من الصّور الشّعریة التی تعتمد على التبادل بین حاستی السّمع والشمّ یتکئ فیها الشاعر على التحویل من المسموع إلى المشموم. ومن استخدامات مهدی الانزیاحیة التی امتزج بها المدرک السّمعی والمدرک الشّمی، قوله فی قصیدة «خسروانى»:

«کسی در زمستان این شگفتی نشنید

آن مرغک آوازِ بهاری می­خواند

بویت اگر نشنید پس رویت دید» (أخوان ثالث،1374هـ.ش، ص228).

الترجمة: لم یسمع أحدٌ هذه الأعجوبة فی الشّتاء حیثُ یغنّی ذلک الطّیر غناءَ الرّبیع ولو أنّه لم یسمع رائحتک ولکنّه رأى وجهک.

قد یتخیل المتلقی هنا لأول وهلة التماثل الکامل بین کلمتی «رائحتک»، و«لم یسمع»، ولکن اجتماع کلّ منها قد أعطى المعنى آفاقاً أوسع ووضوحاً أکثر دقة. فعندما ینتظر المتلقی أن تکون الرائحة مشمومة، یعمل الشاعر على کسر توقع القارئ من خلال انهیار الحواجز النفسیة والمعنویة الفاصلة بین المدرک الشمی والسمعی، فلا یرى الشاعر هنا بخیاله الواسع فرقاً یذکر بین حاسة السّمع وحاسة الشمّ، وحاسة الشمّ عنده لا تلمس الاّ بحاسة السّمع.

ربّما أراد أخوان ثالث ضمن هذا الأسلوب الفنی إدهاش القارئ ولفت انتباهه إلى ضرورة تأمل مثل هذه الأسالیب غیر العادیة من خلال التزامن بین حاستی السّمع والشمّ، فیبدو أنَّ المدرک السّمعی الذی یستوعب المدرک الشّمی، یتسع کثیراً عند مهدی أخوان ثالث بالنسبة إلى سعدی یوسف، ففی قصیدة الورد، یمزج الشاعر بین هذین المدرکین لإبراز السُّخریة والدّعابة، ولیجسد أحاسیسه تجاه العلاقات الکامنة التی قد اختبأ وراء الأشیاء:

«هیچ مگویش مبویش

که او بوی چنین قصّه شنیدن نتواند» (أخوان ثالث،1373هـ.ش، ص42).

الترجمة:لا تقُل له شیئاً، لا یشمّها أبداً؛لأنّه لا یستطیع أن یشمَّ قصّة کهذه.

واللافت فی هذه المقطوعة، أنَّ «القصّة» شیء معنوی غیر قابل للشّم إلاَّ أنَّ الشاعر استخدم أسلوباً غریباً یغلب علیه طابعاً عدولیاً ربط بین المدرک السّمعی والمدرک الشّمی؛ فیعنی هذا الأمر إکساب المجرد صفة التجسید، وبذلک استطاع أن یرسم لوحة فنیة قائمة على التوافق الحسی لتنشیط ذهن القارئ.

 

5.5 الصّور البصریة المحوّلة إلى الشّمّیة

قد تبلور من آنٍ إلى آخر فی شعر مهدیأخوان ثالث وسعدی یوسف، جمالیات التعبیر والتصویر الفنی المرتکز على «الشکل» أو «اللون» بوصفهما من معطیات حاسة البصر وتبادلهما مع حاسة الشمّ، فیما یُعرف برمزیة البصر والشمّ فی إطار تراسل الحواس؛ «فالشعر ینبت ویترعرع فی أحضان الأشکال والألوان، سواء أکانت منظورة أم مستحضرة فی الذهن، وهو بالنسبة للقارئ وسیلة لاستحضار هذه الأشکال والألوان فی نسق خاصّ، إنّه تصورات تستمتع  الحواس باستحضارها» (إسماعیل، د.ت، ص60-59)، فلا یغفل مهدی أخوان ثالث وسعدییوسف الوظیفة الجمالیة لـ«اللون» أو «الشکل»، وذلک بإسناد الألوان والأشکال إلى حاسة الشمّ لیخرج الشاعران من إطار الوظیفة المألوفة إلى إطار الوظیفة الرمزیّة.

وفی سبیل هذه الإشارة، یمزج الشاعر سعدی یوسف فی قصیدة الصّحو، بین حاستی البصر والشمّ، من خلال توظیف ترکیب «طراوة الأعشاب» الذی یرتکز إلى الشکل الذی یرتبط بحاسة البصر وإسناد هذا الترکیب إلى فعل «أشمُّ» الذی یکون منسجماً مع حاسة الشّمّ:

«دعنی أشمّ طراوة الأعشابْ» (یوسف،1988م، ج1، ص379).

لقد تحوّلت «طراوةُ الأعشاب» بوصفها صورة بصریة تُرى بالعین إلى صورة شمیّة تُشمُّ بالأنف؛ فتؤدی عملیة الانزیاح هذه إلى خلق عبارة جدیدة غیر مألوفة تخدم الغرض الذی یرید الشاعر إیصاله إلى المتلقی؛ أی أنَّ الشاعر یتوسل بهذا التراسل الغریب فی شعره لتعمیق معناه.

ویرتفع هذا الانزیاح الدّلالی إلى أقصى حالاته عند سعدی یوسف، فی قصیدة «الینبوع»، حیث یرتکز الشاعر بخیاله العمیق على اللون بوصفه صورة بصریة ویمزج هذه الصّورة بحاسة الشّمّ: 

«یهتفُ بی دمی

إنی إلى الأمواج أرجعُ

أحتوی عدناً بجیب قمیصیَ الصیفیّ

أحملُها کوردة ساحرٍ

وأقولُ للعشاق: هذی وردتی

فتقدموا للبحر

ان سَمِیَّهُ أحمرْ

وأن شمیمه أحمرْ» (یوسف،1988م، ج2، ص416).

إنَّ المؤشر الأسلوبی الذی تبدّى واضحاً فی هذه المقطوعة، والذی یلفت انتباه المتلقّی هو التوظیف المجازی للمدرک الشمی حیث تستخدم حاسة الشم فی خدمة البصر؛ لأنَّ شمیم البحر الأحمر یرى بالعین؛ بعبارة أخرى، إنّ حاسة الشم قد تحوّل إلى حاسة البصر، لذلک نستطیع أن نقول: إنَّ هذا النصّ الشعری غنیّ بالانزیاح الجمیل الذی انبثق عن عدم الملاءمة الإسنادیة بین کلمتی «الشمیم» و«الأحمر»، والخرق للسنن التی لا تلتقی فی العرف اللغوی.

قد وظف مهدیأخوان ثالث، فی قصیدة الأخضر، آلیة تراسل الحواس لإبراز طموحه إلى الطیران فی سماءٍ تفوح منها رائحة التّصوف، حین یقول:

«با تو دیشب تا کجا رفتم

تا خدا و آن سوی خدا رفتم

من نمی­گویم ملایک بال در بالم شنا کردند

با تو لیک ای عطرِ سبز سایه پرورده

تا حریم سایه­های سبز

تا دیاری که غریبه­هاش می­آمد به چشمم آشنا، رفتم» (أخوان ثالث،1360هـ.ش، ص70).

الترجمة: إلى أین ذهبتُ معک البارحة؟ إلى الله والأکثر. لا أقول أنا سبحتُ مع الملائکة جنباً إلى جنب، ولکنی یا عطراً أخضر احتضنته الظِّلال، مضیتُ إلى حریم الظِّلال الخضراء وإلى دیارٍ کأنّی کنت أعرف قاطنیها.

یأتی جمال هذه الصّورة الشعریة التی یصوع فیها الظِّل الأخضر برائحة العطر، من تحویل المدرک الشّمی إلى المدرک البصری؛ فهذا الظّل الأخضر برائحته العاطرة المُفرحة یجعل المتلقی أن یشمَّ شذاه الخیالی.

وفی قصیدة «خسروانى­ها»، نلاحظ أنَّ الشاعر یندمج بالأشیاء، ویخلع علیها مشاعره وأحاسیسه، فینتزع صوره من واقعه وإن کانت تبدو غیر واقعیة، حینما یقول:

«گل از خوبی به مه گویند ماند، ماه با خورشید

تو آن ابری که عطر سایه­ات چون سایه­ی عطرت

تواند هم گل و هم ماه هم خورشید را پوشید» (أخوان ثالث،1374هـ.ش، ص 228).

الترجمة: یقولون أنّ الورد یُضاهی القمر طیباً وجمالاً، والقمر یشبه الشّمس لذلک. أنتَ السّحاب الذی عطر ظلِّک یضاهی ظلّ عطرک، ویستطیع ظِلّک تغطیة کلٌّ من الورد والقمر والشّمس.

کذلک، فی قصیدة از «برخوردها» (أی: من المواجهات)، یصف الشاعر المرئی بصفات المشموم لیکشف عن صورة متجددة الشکل مرة أخرى:

«چاشتگاهی آفتاب روزی از مرداد

داغ داغ، آنسانک

لاشه­ی هر سایه، پای ذات خود بی­هوش می­افتاد

دشت روشن بود و در من آتشی نشناخته روشن» (أخوان ثالث،1374هـ.ش، ص236).

الترجمة: فی ضحى مشمسة من أیام شهر مرداد، ساخنة ساخنة، کما تتصوّر أنت، حشاشة کلّ ظلّ، کانت مُغماةً تقع على ذاتها، وکانت رائحة الفلاة تضیئ، وفی وجودی نارٌ غریبةٌ تضییء.

یُلاحظ أنّ الشاعر قد ارتکز على المزاوجات المجازیة بین المدرک البصری (=الضوء) والمدرک الشمی (=رائحة). فالانزیاح الذی أضافه تراسل الحواس هنا یترقى من المستوى اللغوی العادی إلى مستوى رمزیّ أرفع، فعبّر الشاعر عن المدرک البصری (=ضوء الفلاة) بالمدرک الشمی، متخذاً من هذا الانزیاح الدّلالی وسیلة أسلوبیة لإبداع المعنى وتجلیة الإحساس.

عندما ننعم النظر فی الصّور التراسلیة التی یلاعب بها الشاعران مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، خیال المتلقی، فإننا نجد الشاعرین یقرّبان بین حاستی البصر والشّمّ فی الصوّر البصریة المحولة إلى الشّمیة؛ لأنّهما یدرکان أنَّ التوسّع فی نقل الألفاظ من استعمالها القریبة إلى استعمالها الغریبة یثیر العجب والغرابة عند المتلقی.

 

النتیجة

ثمة مزاوجات خاصّة بین اللغات فی شعر مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، تتیح لهما المجال لاستثمار إیحاء فی حاستین أو أکثر، خرجت بها اللغة عن حدودها المألوف إلى اللامألوف، فیکسو الشاعران هذه اللغات ثوب الإبداع القشیب، وقد یتجهان فی مزاوجاتهما إلى وضع الحواس الخمس فی غیر موضعها المعهود مما یوقع المتلقی فی دائرة الحیرة. بعبارة أخرى، إنَّ التزامن بین الحواس المختلفة عند الشاعرین مهدی أخوان ثالث وسعدییوسف، ینزاح عن التراکیب اللغویة العادیة عبر إسناد وظیفة من وظائف الحواس الخمس إلى حقل غریب لا تنتمی إلیه، منها: الصّور الصّوتیة المحوّلة إلى البصریة، والصّور البصریة المحوّلة إلى الذّوقیة، والصّور الصوتیة المحوّلة إلى الذّوقیة، والصّور الصّوتیة المحوّلة إلى الشّمّیة،والصّور البصریة المحوّلة إلى الشّمّیة. فقام الشاعران بالمزاوجة بین هذه الحواس الخمس، مما یجعل قصائدهما ترتقی بهذه الآلیة من الضیق والسّطحیة إلى التحلیق فی سماء الخیال. لذلک، فقد یرى الشاعران بأذنیهما ویشمّان بعینیهما مثلاً؛ أی أنّهما بخیالهما الواسع، یعطیان للأشیاء التی یدرکهما بحاسة السّمع صفات الأشیاء التی یدرکهما بحاسة البصر، ویصفان الأشیاء التی یدرکهما بحاسة البصر بصفات الأشیاء التی یدرکهما بحاسة الشّم، وغیرها، لذلک یمکننا القول أنَّ العدول عن المعیار والنزوع إلى الانزیاح الدّلالی لدى مهدی أخوان ثالث وسعدی یوسف، یبرز مقدرتهما الخیالیة فی توظیف الطاقة التعبیریة الکامنة فی اللغات العادیة التی تحید عندهما عن منطقیتها فی کثیر من الأحیان، وتدخل فی اختراق السّیاق المألوف.

 وإذا کان دور الحواس الخمس بتوظیفها الواقعی عند هذین الشاعرین هو استدعاء محسوسات من ضمن طبیعة الحاسة نفسها، فإنَّ دورها المجازی یتقاطع منطقیاً مع دورها المألوف لتعمیق الصّورة الشّعریة من خلال کسر نمط اللغة العادیة. لذلک، إنَّ المقارنة بین الشاعرین تکشف بجلاء عن مدى عنایتهما بإدراک الروابط المفقودة بین الأشیاء ومدى استمدادهما من تقنیة تراسل الحواس فی الإبداع الشعری. وبهذا الاستراتجیة المشترکة بین الحواس المختلفة، تتجرد المحسوسات عند الشاعرین من حسیتها ومادیّتها وتتحول إلى مشاعر تثیر فی النفس معانٍ تنزاح بالدلالة عن مستواها المعیاری الطبیعی إلى دلالات مفاجئة توقع المتلقی. وهکذا یکون بوسعنا أن نقول، إنَّ التبادلات الحسیة المنبثة فی ثنایا قصائد الشاعرین، لیست منهجاً إجرائیاً لإزالة الوظیفة عندهما، ولا مجرد وسیلة جمالیة هدفها إثارة المتلقی فحسب، بل هی عملیة انزیاحیة أوجبتها طبیعة الإبداع التی ترتقی بالشعر من السّطحیة إلى التحلیق فی سماء الخیال وتعلو على الکیف الحسی للشعر، لیفصح الشاعران عن نفسهما فی أنماط مختلفة من الصور المتراسلة التی تتوزع على مختلف المحاور الفکریة وایدیولوجیة؛ فتراسل الحواس عند مهدیأخوان ثالث وسعدی یوسف، سمة بارزة وأسلوب منتهج، غایتها الکشف عن جوانب مهمة فی تجربتهما الشّعریة.

 

 õõõ



 
. ابن منظور. (1997م). لسان العرب. (ج10).  (ط6). بیروت: دار صادر.
2. أبوجحجوح، خضر محمد. (2010م) «البنیة الفنیة فی شعر کمال أحمد غنیم». رسالة ماجستیر، الجامعة الإسلامیة عمادة الدراسات العلیا، کلیة الآداب، قسم اللغة العربیة.
3. أحمد، محمد فنوح. (1978م) الرمز والرمزیة فی الشعر المعاصر. (ط2). دار المعارف.
4. أخوان ثالث، مهدی. (1360هـ.ش). از این اوستا. (چ5). تهران: انتشارات مروارید،.
5. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1373هـ.ش). آخر شاهنامه. (چ12). تهران: انتشارات مروارید.
6. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1374هـ.ش) سه کتاب: (در حیاط کوچک پاییز، درزندان)،(زندگی می­گوید امّا باید زیست) و (دوزخ امّا سرد). (چ6). تهران: انتشارات زمستان.
7. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1387هـ.ش) زمستان. (چ25). تهران: طیف­نگار.
8. إسماعیل، عز الدین. (د.ت). التفسیر النفسی للأدب. (ط4). القاهرة: دار غریب.
9. بوالعوالی، التیجانی (2006م). «الشعر العربی بین سلطة المعیار ولذة الانزیاح». رسالة ماجستیر، الجامعة الحرّة فی هولندا.
10. الجنابی، أحمد نصیف. (د.ت). فی الرؤیا الشعریة المعاصرة. بغداد: وزارة الإعلام الجمهورة العراقیة.
11. الخطیب، علی عزالدین. (2010م). «الحواس الخمس فی قصص لطفیة الدّیلمی: دراسة تحلیلیة لأدوار الحواس فی بناء العالم القصصی». فصلیة کلیة التربیة الأساسیة. جامعة واسط. العدد التاسع.
12. رشید الددة، عبّاس (2009م) الانزیاح فی الخطاب النقدی والبلاغی عند العرب. بغداد: دار الشّؤون الثقافیة العامّة.
13. شفیعی کدکنی، محمد رضا (1389هـ.ش). موسیقى شعر. (ط12). تهران: نشر آگه.
14. شمیسا، سیروس.  (1375هـ.ش). سبک ­شناسی. (ط4). تهران: فردوسی.
15. الصائغ، وجدان عبدالله. (1997م). الصّورة البیانیة فی شعر عمر أبی ریشة. لبنان: بیروت، دار مکتبة الحیاة، مؤسسة الخلیل التجاریة.
16. صالح، بشرى موسى. (1990م). الصّورة الشعریة فی النقد العربی الحدیث. بیروت: المرکز الثقافی العربی.
17. صالح، لحلولی. (2011م). «الظواهر الأسلوبیة فی شعر نزار قبانی». مجلة کلیة الآداب واللغات. جامعة محمد خیضر بسکرة (الجزائر). العدد الثامن.
18. صفوی، کورش (1390هـ.ش). از زبانشناسى به ادبیّات. (ج1). (ط3). تهران: سوره­ مهر.
19. الصمادی، امتنان عثمان. (2001م). شعر سعدی یوسف: دراسة تحلیلیة. الأردن: دار الفارس للنشر والتوزیع.
20. غنیم، کمال أحمد. (1998م). عناصر الإبداع الفنی فی شعر أحمد مطر. القاهرة: مکتبة مدبولى.
21. کیلیطو، عبدالفتاح. (1997م). الأدب والغرابة: دراسات بنیویة فی الأدب العربی. (ط3). بیروت: دار الطلیعة.
22. مجموعة مؤلفین. (2008م). مختارات من الشعر الإیرانی الحدیث. المترجم: موسى بیدج. الکویت: المجلس الوطنی للثقافة والفنون والآداب، سلسلة إبداعات عالمیة.
23. مرادی، محمد هادی، ومجید قاسمی. (2012م). «الرّد على منظری إنزیاحیة الأسلوب: رؤیة نقدیة». إضاءات نقدیة (فصلیة محکّمة)، السنة 2. العدد 5.
24. ملوک، رابح. (2008م). «بحث فی بنیة الصورة الشعریة وأنماطها عند الماغوط» رسالة دکتوراه، جامعة الجزائر.
25. نوفل، یوسف حسن. (د.ت). الصّورة الشعریة والرمز اللونی. القاهرة: دارالمعارف.
26. ویس، محمد أحمد. (2005م). الانزیاح من منظور الدّراسات الأسلوبیة. بیروت: مجد.
27. هلال، محمد غنیمی. (د.ت). النقد الأدبی الحدیث. القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر.
28. الیافی، نعیم. (2008م). تطوّر الصورة الفنیة فی الشعر العربی الحدیث. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.
29. یوسف، سعدی. (1988م). دیوان سعدی یوسف. (ج 1-2). بیروت: دارالعودة