نوع المستند : المقالة البحثیه

المؤلفون

1 * استاديار گروه زبان و ادبيات عربي، دانشگاه يزد.

2 ** کارشناس ارشد رشته زبان و ادبيات عربي، دانشگاه يزد.

المستخلص

للأدب والأديب علاقةٌ وثيقة بالمجتمع والأحوال الاجتماعية  والسياسيه. والأدب لا يکون أدباً إلاّ في ظلّ ظروف اجتماعية مُحَدّدة؛ فإنّ الأدب بهذا المعنى لا يؤدّي الوظيفة المُنوّطة به إلاّ إذا کان مرآةً تنعکس فيها الحياة الاجتماعية بمختلف أبعادها؛ وأن يُحرّض النّاس على إصلاح المجتمع واستخدام قُواهم لمحاربة الفقر، والجهل، والاستعمار، وإقامة العدالة الاجتماعية والحرية. فإنّ الأدب القصصي، ومن أنواعه الرّواية ذو مجالٍ واسع جدّاً لعرض الأفکار بکافّة أنواعها، الفلسفية منها، والسياسية، والاجتماعية، والثّقافية، وغيرها. ولاشکّ في أنّ رواية «ليلُ وقُضبان» من الآثار الخالدة لنجيب الکيلاني؛ الکاتب الرّوائي والمفکّرالإسلامي المصري  في الأدب العربي المعاصر، ولذلک تُرجمَت إلى اللّغات الأجنبية الکثيرة في العالم، وأنتجت منها أفلام في بعض البُلدان العربية. أمّا رواية «ليل وقُضبان» فتدور وقائعها في السِّجن، ومحيط خارج السّجن. وفي الواقع إنّ هذا السّجن هو رمزٌ للمجتمع الّذي يعکس من خلال حوادثه وقائعَ ذلک المجتمع بأکمله. يتکلّم نجيب الکيلاني في هذه الرّواية عن بعض وُجوه الحياة في مصر، لاسيّما السّجن بما فيه من المظالم، وصُور القهر والتعذيب، وانقلاب الإنسان إلى الوحش. واستطاع أن يُقدّم في صورة دقيقة، المشاعر الّتي تضطرم بها جوانحهم؛ الآمال الضائعة، والأحلام الميتة، والآلام النفسيّة الّتي تطحنهم طحناً، وما يُعانيه السُّجناء من صنوف الذلّ والمهانة، وما يصدر عن المساجين من الشغب على الحياة داخل المُستعمرة الکئيبة. کذلک استطاع الکيلاني أن يُصوّر الحياة داخل السّجن، بجانبها المادّي والنفسي بحيث أشعرنا أنّنا نعيش فعلاً مع المَساجين. فإنّ موضوع السجن بکُلّ ما فيه من الحوادث، والشخصيات، والصور النفسية والإنسانية، والمشکلات الفکرية والاجتماعية والسياسية، کان من الموضوعات الّتي استأثرت باهتمام الکاتب. وأمّا المضامين الاجتماعية الّتي تحتلّ مکاناً واسعاً في روايته فهو موضوع تحرير المرأة، وحقّها في التعليم، وحرّيتها في اختيار الزّوج والطّلاق. وعلى عکس هذا، نري في الرواية قد صوّر الکيلاني المرأة على أنّها ماکرة وهي في الحقيقة الشيطان الجميل. تسعى هذه المقالة أن تُرسم تصويراً موجزاً من حياة نجيب الکيلاني، وأفکاره، وآثاره، وأهمّ وجوه المضامين الاجتماعية في روايته «ليل وقُضبان»، ومعالجة بعضها على قدر المستطاع.

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Investigating Social Issues in Naguib Kylany’s Laylon wa Quzban Novel

المؤلفون [English]

  • Mohammad Mehdi Semati 1
  • Samaneh Naghavi 2

1 Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Yazd

2 M.A student- Arabic Department-University of Yazd

المستخلص [English]

Literature and the artist are closely related with society and the social and political issues.  Literature has played its role very well in conditions which reflects the life of the society and encourages people to reform their society, and when it fights poverty, ignorance, exploitation and develops social justice and freedom. Fiction and in this case novel, used in has been widely used for the development of philosophical, social, political, and cultural thought.
The novel " Laylon wa Quzban " is the memorable work by Kylany which has been translated into various languages, and in some Arabic countries appeared on screen. The novel recounts the events that happened in the prison and out of it Prison is the Symbol of the society in which the author lives and its events.
Najib Kylany describes features of the Egyptian people, especially those who were under oppression, torture, and rebellion against the ruling regime. He also had a clear picture of repressed feelings, aspirations, pains and sufferings of the prisoners who were under colonial domination. Kylany draws such a clear picture of the atmosphere of the prison that gives the reader the ability to make sense of things as he/she has been in prison.
The prison and the events, the people who were imprisoned, spiritual, mental problems, as well as social and political issues attracted the attention of the author.
Among the social issues that have a special place in his novels are freedom of women, education, freedom of choice in marriage, and divorce. On the other hand, he shows woman as a beautiful evil. Other issues considered in Kylany’s novel are sexual perversion, lie and hypocrisy, humanity and brotherhood, corruption, freedom and tyranny, colonialism, oppression, equality, ignorance and imitation.
This article tried at the beginning to talk about Kylany‘s life, thoughts, and works. Then, the most important social issues in the novel, "Laylon wa Quzban" has been reviewed and considered.

الكلمات الرئيسية [English]

  • social issues
  • Najib Kylany
  • novel
  • Laylon wa Quzban

مقدمة

«الأدب مرآةٌ یعکس لنا الحیاة والطبیعة وما تُثیرانه فی النفس البشریة من خوالج وأفکار. وبدیهیٌّ أنّ الطبیعة الجامدة قلّما یمُسّها هذا التطور المُستمر، فالبحر، والجبل والرّوض والوادی والمطر والغابة والصحراء وسواها من المشاهد الطبیعیة هی مُنذ أقدم الأزمنة إلى الآن وقد عرفها الإنسان القدیمُ کما عرفها الحدیث، وإنّما یتفاوتان فی التقرّب منها، والنظر إلیها، والتلطّف بمُناجاتها، وفهم آیاتها. أمّا الحیاة الإنسانیة أو البیئة العُمرانیة فسریعة التطوّر، لا تستقرّ على شکل واحد أو نظام واحد، ومن البین أنّ اختبار الإنسان فی القرن العشرین غیر اختباره فی القرون الغابرة، کما أنّ الحیاة فی لندن ونیویورک وباریس، غیرها فی بادیة نجد أو غابات السودان. فالأدب، من هذه الناحیة، متطوّر ومتغیر؛ لأنّه یعکِس لنا العوامل الفعّالة فی النهضات العُمرانیة السائرة فی سبیل التطور العام. وعلى ذلک نرى فی آداب العُصور المُختلفة ظواهر ینفرد بها عصرٌ دون عصرٍ کما ینفرد مثلاً العصر الجاهلی عن العصر العبّاسی أو الأندُلسی. من هنا منشأ هذا الاختلاف بین القدیم و الجدید» (المقدسی، 1988م، ص11).

«مهما کان الأدب وجدانیاً أو شخصیاً، فإنّه لا ینحصرُ فی ذات صاحبه، ویبقى هناک بمعزل عن کلّ الحرکات الفکریة والاجتماعیة الّتی تنشأ فی بیئته وتَمُسّ حیاته، ولیس الأدیب دودة الحریر الّتی تنسج حول نفسها قبراً ترقد فیه؛ بل هو لوحة حساسة یرتسم علیها ما  یحیط به من مؤثّرات فتمزج بنفسه ثمّ تظهر للناس رسوماً ذات روعة وتأثیر.

فالشعب هو المعین الّذی یزوّد الأمّة، وهو ثروة معنویة عظیمة وکنزٌ ثمینٌ. الشعب الیقظ الفطن والمُثقّف، حریصٌ على منفعته، هو الّذی یوجّه الأمّة فی مجموعها وُجهة صحیحة نحو الرُّقی، لا یسمح لأحدٍ أن یعبث بمصالحه أو یتغفّله أو یبرم أمراً لا یرضیه» (الدّسوقی، 1973م، ج1، ص189).

و«الفصل بین فنیة الأدب واجتماعیته شذوذ فی منطق الحیاة والفن معاً. واقعیة الأدب لیست تسجیلاً للواقع، وانحصاراً فیه، وتبریراً له، أو تزویراً فیه؛ بل هی موقفٌ فکری حرٌّ للأدیب من ذلک الواقع وانطلاق به إلى وجودٍ أفضل، وأفقٍ أرحب» (بنت الشاطیء،1970م، ص231 و233).

إنّ الأدب القصصی ذو مجالٍ واسع جدّاً لعرض الأفکار بکافّة أنواعها؛ الفلسفیة منها، والسیاسیة، والاجتماعیة، والثقافیة. والأدب القصصی یشمل أنواعاً عدیدة، منها: القصّة، والأقصوصة، والقصّة القصیرة، والرّوایة.

«فالرّوایة هی فنٌّ أدبیّ مستقل، له خصوصیته وذاتیته؛ إذ هو فنّ یتّسع لدراسة العلاقات المُتشابکة والمُتشابهة داخل المُجتمع، فیَفرز لنا النماذجَ البشریةَ فی شکلٍ نقبله، إذا تمثّلت فیه ملامحُ الخیر والبُطولة، والدعوة إلى الإصلاح. على ذلک، فالفنّ الرّوائی یجنح غالباً إلى التهذیب والإصلاح، ویُقدّم العلاج الأمثل للتغلّب على حلّ المشاکل الاجتماعیة، والأمراض الناتجة عن التردّی فی هُوّة التخلّف والتقهقر الاجتماعی والأخلاقی» (أحمد عبدالخالق، 2010م، ص26).

والرّوایة هی من الأعمال الممیزة فی الأدب العربی المعاصر.  وهناک الکثیر من الکتّاب ظهروا فی مجال کتابة الرّوایة فی البلاد العربیة، مثل: طه حسین، وجرجی زیدان، ومحمود تیمور، وتوفیق الحکیم، ومحمّد حسین هیکل وغیرهم. وقد تأثّرت الروایة العربیة منذ نشأتها وتطوّرها بالرّوایة الغربیة؛ إذ أنّ العدید من مُثقّفی العرب کانوا یتردّدون إلى أوروبا، فتأثَّر الکثیرُ منهم بثقافة تلک البُلدان فأقبلوا على کتابة القصّة والرّوایة. کانت مصرُ رائدةً فی کتابة القصّة والرّوایة فی العالم العربی. وظهر کبار الرّوائیین فی هذا البلد، ومنهم نجیب الکیلانی (1931-1955م) رائد الرّوایة العربیة، والمُفکّر الإسلامی الّذی استطاع أن یُقدّم صورة للأدب الإسلامی المنشود الّذی هو وثیقُ الصلة بواقع الحیاة، بالموضوعات الّتی تستحقّ أن یتوقّف عندها الدارس. إنّها تُشیر إلى کثیر من القضایا الفکریة والثقافیة والاجتماعیة والسیاسیة الّتی مرّت بها البلاد العربیة على مدى قرنٍ أو أکثر. ویؤمن بأنّ حقوق الإنسان لا تُصان إلاّ إذا التزم الإنسان بشرع الله واحتکم إلى کتابه. کذلک اهتمّ الکیلانی بمُشاکل السُجون بما فیها ما یختصّ بالسجناء والسجّان، والمظالم، واللمحات الإنسانیة، وصُور القهر  والتعذیب، وانقلاب الإنسان إلى وحش أو أدنى درجةٍ من الوحش، حین یتخلّى عن إنسانیته، أعنی حین ینکبّ عن طریق الهدى ویُمعن فی الضلال. روایة «لیل وقُضبان» هی فی الحقیقة قصّة المُجتمع الّذی تدور وقائعه فی السّجن ومحیط خارجه. وقد جعل الکیلانی السجنَ رمزاً لهذا المجتمع. والرّوایة تَحکی ما یُعانیه السُجناء من صُنوف الذُلّ والمهانة، وسُلطة الاستعمار والاستبداد الّتی سیطرت علیهم وتُبعدهم من الحریّة والعدالة الاجتماعیّة، وکلُّ منهم یَجتهدون فی استیلاء حقوقهم وتحقُّق العدالة الاجتماعیّة. موضوع السّجن بکُلّ ما فیه من حوادث، وشخصیات، وصور نفسیة وإنسانیة، ومشکلات فکریة واجتماعیة وسیاسیة، کان من الموضوعات الّتی استأثرت باهتمام الکاتب فی روایته لیل وقُضبان. وهو جدیر أیضاً بالدراسة والمُتابعة بسبب أهمیة المجتمع وتأثیره فی الأدب والأدیب. فلذلک عالمُ القصّة عند الکیلانی ملیء بالموضوعات الّتی تستحقُّ أن یتوقّف عندها الدّارس من القضایا الفکریّة والثقافیّة والاجتماعیّة والسیاسیّة الّتی مرّت بها البلادُ العربیّة على مدى قرنٍ أو أکثر، ومنها: موضوع المرأة المصریة والمُجتمع المصری، تحریر المرأة، حقّها فی التعلیم، حرّیتها فی اختیار الزّوج والطّلاق، وتصویر المرأة على حقیقتها، بأنّها هی العفیفة تتمسَّک بالأصول الأخلاقیة أم هی الخدّاعة وتمیل بطبعها إلى الخیانة واللُّیونة الناعمة مثل القطّة الّتی تتظاهر بالضّعف والنُّعومة بینما هی فی الحقیقة الشیطان الجمیل والماکرة. وکذلک البحث عن المضامین الاجتماعیة الأخرى وهی موجودة فی المجتمع الحالی، کظاهرة الشذوذ الجنسی فی المجتمع، والتزییف الاجتماعی والنّفاق، والاتّجاه الإنسانی والإخاء، والرّشوة، والخدعة، والحریة والاستبداد والاستعمار، والظّلم، والمساواة، والجهل، والتقلید، والسّجن.

فی طریقة کتابة المقالة هذه واجهنا بعض البُحوث الّتی تطرّقت إلى هذا الموضوع غیر مُباشرة، فی ثوب الکتاب أو المقالة أو الرسالة، ووجدناها بعد القراءة غیر مُشبعة إلى مقصدنا فما منعتنا عن مُواصلة الطریق؛ لأنّها نظرت إلى الموضوع نظرة عابرة غیر مُحلّلة؛ بل شوّقتنا أکثر من ذی قبل إلى الدخول فی هذا البحث الهام. من أهمها ما کتبته فاطمة شمسی،سنة 1428هـ، تحت عنوان «المضامین الاجتماعیة فی آثار أمین الریحانی» کرسالتها فی مرحلة الماجستیر للتخرّج من جامعة إصفهان. والثانی ما کتبه محمدرضا مزرعة، سنة 1431هـ، تحت عنوان «حیاة محمّدرضا شبیبی وآراؤه السیاسیّة والاجتماعیّة» کرسالته فی مرحلة الماجستیر للتخرّج من جامعة إصفهان. أما المقالتان؛ فالأولى ما کتبتها صفورا خدا رحیمی  تحت عنوان:«قراءة نقدیّة لروایة فی الظلام لنجیب الکیلانی» والتی تمّ نشرها فی العدد الثالث من مجلة التراث الأدبی سنة 1388هـ.ش؛ والثانیة ما کتبها صلاح الدّین عبدی وشهلا زمانیتحت عنوان «استعمار ستیزى در رمانهای اسلامی نجیب کیلانی، بررسی موردی عمالقة الشمال» والتی تمّ نشرها فی العدد الثانی من مجلة «انجمن ایرانی زبان وادبیّات عربی» سنة 1390هـ.ش.

أمّا البُحوث الّتی تُرید هذه المقالة أن تَصل إلیها فهی المضامین الاجتماعیّة الموجودة فی روایة «لیل وقُضبان» لنجیب الکیلانی وتبیین وجهة نظره فیها.

فی البدایة نرسم تصویراً موجزاً من حیاة نجیب الکیلانی،وأفکاره وآثاره، ثمّ نرتکز على النثر الاجتماعی ونشأته فی الأدب العربی المعاصر، وبعد ذلک نحاول أن نشرح ونعالج، على قدر المستطاع، أهمّ وجوه المضامین الاجتماعیة فی روایة لیل وقُضبان.

 

 1.  حیاته

«نجیب الکیلانی(1931ـ1995م) أدیب إسلامی مصری. وُلد فی قریة شرشابة التابعة لمرکز زفتی بمحافظة الغربیة بجمهوریة مصر العربیة. وکان أول مولود یولد لأبیه وأمّه، وعلى قرار عادة الرّیف فی هذا الوقت التحق نجیب الکیلانی بکتّاب القریة، وعُمره أربع سنوات، وظلّ به حتّى السابعة من عمره حیث حفظ معظم أجزاء القران. تعلّم القراءة والکتابة والحساب وقدراً من الأحادیث النبویة وسیرة الرّسول&، قصص الأنبیاء والقرآن، ثمّ التحق بمدرسة الأرسالیة الأمریکیة الإبتدائیة بقریة سنباط، وفی هذه المدرسة تعلّم اللغة الإنجلیزیة، وبعد أن أنهى دراسته الثانویة فی مدرسةٍ بطنطا، عاصمة محافظة الغربیة، التحق بکلیة طبّ القصر العینی (جامعة القاهرة) عام 1952م» (ar.wikipedia.org.www).

«أمّا فی السنة الرّابعة بالکلیة عندما سافر إلى قریته أواخر یولیو 1955م، فاعتقل ونقل إلى القاهرة وقُدّم هُناک للمحاکمة فی إحدى القضایا السیاسیة وحکم علیه بالسّجن فی إسیوط بعشر سنوات. وفی تلک الفترة جمع دیوانَه الشعری الأوّل «أغانی الغرباء». الکیلانی فی شعره لا یقلّ مرتبةً عن قصصه وروایاته؛ فهو شاعر "الأمل الطرید" الّذی یمتلک ناصیة الإیقاع والإبداع عبر دواوینه الثمانیة الّتی تنطق بالفنّ الأصیل عبر اللّفظة الموحیة والنغمة الربّانیة. أوّل مجموعة شعریة  له کانت تحت عنوان: «نحو العلاء» عام 1950م، وآخرها باسم «لؤلؤالخلیج». کذلک استطاع الکیلانی أن یُوظّف کثیراً من آلیات الفنّ القصصی فی شعره بما فیها: الرمز، والقناع، والحوار، والسرد، والارتداد (تذکر الماضی والرّجوع للوراء). فی هذا السّجن بدأت المرحلةُ الثانیةُ من حیاته؛ أی مرحلة کتابة الرّوایة فکتب هناک بالسجن سنة 1956م، روایته الأولى «الطریق الطویل» الّتی نالت جائزة وزارة التربیة والتعلیم سنة 1957م. فروایته التاریخیة الأولى «الطلائع الفجر»، ثمّ روایة «الیوم الموعود» عام 1960م، الّتی نالت بجائزة المجلس الأعلى لرعایة الفُنون والآداب بمصر. کذلک فی هذه السنة تزوّج نجیب الکیلانی من الأدیبة الإسلامیة کریمة شاهین، شقیقة الأدیبة الإذاعیة المصریة نفیسة شاهین، ورزق بثلاثة ذُکور، هم:  الدکتور جلال، والمهندس حسام، ومحمود المحامی، کما رزق بأنثى واحدة هی الدکتورة عزّة» (القاعود، 2007م، ص82).

«من روایاته الأخری: روایة فی الظلام، قاتل حمزة، نور الله، لیل وقُضبان، رجال وذئاب، حکایة جاد الله، مواکب الأحرار، الّذین یحترقون وغیرها. أیضاً له حقٌّ فی إبداع المسرحیة، فله فیها، حبیبتی سراییفو الّتی لم ینتبه إلیه القرّاء والنقّاد،  فلم یذکرها کاتب أو ناقد حتّى الآن وهی تُعالج الأوضاع المأساویة فی البوسنة والهرسک. تحوّل الکثیرُ من  أعماله الروائیة إلى أعمال فنیة حیث فاز فیلم لیل وقُضبان بالجائزة الأولى لمهرجان طشقند السینمائی عام 1964م،  کما تحولت روایة  اللیل والموعود، إلى مُسلسل إذاعیّ وتلفزیونی وقدّم فی شهر رمضان باسم یاقوتة ملحمة الحُبّ والسلام، عام 1973م.  وکثیر من أعماله تُرجِم إلى اللّغات الإنجلیزیة والفرنسیة والترکیة والروسیة والفارسیة والصینیة» (الإدریسی، 1996م، ص11).

«استطاع الأدیب الرّاحل نجیب الکیلانی أن یُقدّم صورةً للأدب الإسلامی المنشود أنّه وثیق الصلة بواقع الحیاة ویقف شامخاً فی مواجهة الآداب الأخرى. معروف أنّه الأدیب الذی خرج بالرّوایة خارج حدود بلده وطاف بها ومعها بُلداناً أخرى کثیرة متفاعلاً مع بیئاتها المختلفة فکان مع ثُوّار نیجریا فی «عمالقة الشمال»، وفی أثوبیا فی «الظلّ الأسود»، وفی دمشق «على أسوار دمشق»، وفی فلسطین «عُمر یظهر فی القدس».

 لدى الکیلانی إحساس عمیق بتکثیف الجمال الفنّی المرتبط بالغّموض أحیاناً فی بعض أعماله، إلاّ أنّه لا ینسى مسئوولیته  تجاه القاریء وخوفه من أن یقع فی براثن الفهم الخاطیء، فتراه فی جمیع أعماله ینبض بخیوط الوعی المتقیظ، الّتی تجعل من کتاباته الروائیة متعة خاصّة وقتاً مکتملاً. إنّ نجیب الکیلانی هو مُنظّر الأدب الإسلامی؛ ذلک لأنّ مُقوّماته النقدیة، وأعماله الروائیة والقصصیة تشکل ملامح نظریة أدبیة لها حجمها وشواهدها القویة الّتی عزّزتها دراسته حول «آفاق الأدب الإسلامی»، و«الإسلامیة و المذاهب الأدبیة»، و«الأدب الإسلامی بین النظریة والتطبیق»، و«مدخل إلى الأدب الإسلامی». یتّضح لنا أنّ کُلّ إنتاجاته الأدبیة ذات هادفیة مؤمنة وعمق وشفافیة متصوفة تبدو کومض الخاطر بین السطور وهو جادٌّ، وعمیق ومؤثرٌ ومتصل أوثق الاتصال بروح هذا الشعب ویمَلک التأثیر فی حیاة قومه الّتی کان واحداً من أفرادها المتفردین» (الندوى، 2005، ص13).

«لقد کان الدکتور الکیلانی یتلقّی کثیراً من الملاحظات والنقد على بعض روایاته بعد ما أصبح تیار الأدب الإسلامی واضحاً. وکان بدماثته وطیب خُلقه یصغی لکلّ نقدٍ ویناقش بالهدوء کلّ فکرة، وکان لهذه المُلاحضات أثرها فی نُضوج کثیر من الآراء والنظرات لدیه، حتى بات یعیش قضیة الأدب الإسلامی، ویعیش قضیة القصة الإسلامیة ولم یعُد یخاف من أعداء الإسلامیة من النُقاد والأدباء، فقد ترسّخت قدمه فی الفنّ، وأصبح علماً فی مجال القصّة. رجع الکیلانی  إلى موطنه طنطا؛ بعد عشرین عاماً، فاستمرّ بنشاطه الأدبی بعد عودته إلى مصر ولکن مرضه صار سبباً للحدّ من نشاطه الأدبی. أصیب بسرطان الکبد، دخل المُستشفى التخصّصی بالرّیاض فی الخامس من شوال 1415هـ ، الموافق للسادس من آذار 1995م. لقی  ربّه بعد عید الفطر المبارک بیوم واحد» (بریغش، 1416هـ، ص).

 

2.النثر الاجتماعی فی الأدب العربی

یُعرّف محمّد عبدالمنعم الخفّاجی، النثرَ الاجتماعی فی کتابه «دراسات فی الأدب العربی الحدیث ومدارسه» ویقول: «النثر الاجتماعی یطلب به تقریر حالة اجتماعیة أو مُحاولة إصلاح ناحیة من نواحی حیاة العامّة» (1992م، ص328). «یبدو أنّ الأدب العربی ما کان یعرف النثر الاجتماعی ـ النثر الّذی یقصد الإصلاح الاجتماعی ـ حتّى القرن التاسع عشر وکان الأدب مُنحصراً فی الوصف والمدح، والفخر، والهجاء وغیرها. لکنّ العرب لم یبق على هذا المِنوال، بل تغیر تغییراً تامّاً فی نهایة القرن التاسع عشر مع استیلاء نابلیون على مصر وازدیاد الأجانب فی مصر، ومحاربة الاستعمار، وکثرة نهضة الترجمة. إنّ استیلاء نابلیون  (1798م) على مصر أدّى إلى تعریف المصریین بمظاهر التمدّن الحدیث، کان من أبرزها: المجلس النیابی واستقباله المصری الّذی لم یقدّر فی بیان آرائه فی الحُکم؛ فلذلک نجد فی موضوعات النثر الاجتماعی، الدعوة إلى الأخذ بنظام الشورى فی الحُکم، والتصویت فی بعض المجالات الاجتماعیة. ثمّ ظهور جمال الدّین، الّذى کان یکتب مقالات کثیرة ضدّ الاستعمار، ما أدّت إلى إیقاظ الشُعور بالحُقوق القومیة والوطنیة فی البلاد العربیة، وظهور لونٌ من الألوان النثر الاجتماعی وهو مُحاربة الاستعمار وإثارة الحمیة الوطنیة فی نُفوس الشُعوب؛ ومن جانب آخر أدّت إلى الدفاع عن الشُعوب المظلومة الّتی کانت تحت نیر العُبودیة . ثمّ نهضة الترجمة الّتی قامت آنذاک بترجمة الکُتُب الأدبیة و الأوروبیة، القصص والمسرحیة وأدّت إلى توجیه الأدباء إلى السعی فی إصلاح المفاسد الاجتماعیة کالفقر، والجهل والخرافات؛ لذلک نجد أنّ أدباء العرب تأثّروا بالأدب الأوروبی بفضل نهضة الترجمة الّتی بدأت آنذاک. وحینما رأوا أنّ الأدباء الأوروبیین، یهتمّون فی کُتبهم بما یجری فی مجتمعهم من الأحوال الاجتماعیة، ویکتبون حولها، وینتقدون من المفاسد، ویسعون علاجها، حاولوا أن یترجموا القصص الغربیة؛ فرفاعة الطهطاوی رائد هذه الحرکة، ترجم «مُغامرات تلیماک» لفنلون وسمّاها «مواقع الأفلاک فی وقائع تلیماک». أمّا القصّة الاجتماعیة  الطّویلة الّتی بدأها هیکل فإنّها خطت خُطوات واسعة مع نهضتنا الأدبیة بعد الحرب العالمیة الأولى، ومن أهمّ من لمعت أسماؤهم فیها طه حسین مع قصّته الأیام، والمازنی. وأمّا فی سنوات الحرب الأخیرة فقد أغلق البحر الأبیض أمام أدبائنا، فلم تعد ترد إلیهم القصص الغربیة، فکفوا على أنفسهم أکثر ممّا کانوا یعکفون، وبذلک أصبح فنّاً عربیاً متوطّناً فی بیئتنا لا فنّاً غربیاً على أمثلته ونماذجه. کذلک نجد فی أوائل القرن العشرین، طائفة من کُتّاب العرب، وهم یبحثون عن مشاکل الأمّة، ویطلبون طُرق علاجها. وفی هذا المضمار نستطیع أن نُشیر إلى کتاب «حاضر المصریین وسرّ تأخّرهم» لمحمّد عمر، وکتاب «حدیث عیسى بن هشام» لمحمّد المویلحی، وکتاب «لیالی سطیح» لحافظ إبراهیم» (ضیف، د.ت، ص 208ـ212).

إنّ للنثر الاجتماعی أیضاً صلةٌ وثیقةٌ بالصحافة، والّذین خطوا خُطواتٍ واسعةٍ فی سبیل هذا النثر، وکتبوا فی هذا المضمار، کانوا من الّذین کتبوا للصُحف فی بادیء الأمر. والمیزة الغالبة على الصّحافة هی تصویر سریع عن أمرٍ واقع؛ لأنَّ قاریء الصُحُف لیس لدیه وقتٌ للتعمُّق فی المعنى، لهذا یضطرُّ الصُحفیون أن یبیتوا عن أمرٍ واقع مع الاعتماد على الأسلوب الذی یسوق القاریء إلى کُنه قصد الکاتب دون أی تعمّق. هذا الأسلوب الّذی استخدمه الصُحفیون فی بدایة الأمر أثّر تأثیراً عظیماً فی الکُتّاب الّذین کتبوا بعد ذلک فی میدان المضامین الاجتماعیة بحیثُ أنّهم حذوا حذو الصحُفیین فی اعتقادهم على تصویر سریع، فلذلک اجتنبوا عن السجع المُتکلّف حتّى لا یضیع المعنى تحت ظلّ هذا السجع، ولیفهم القاریء ما یریده الکاتب أن ینتقل إلیه، ولأجل هذه السرعة لم یشارکوا عُنصرَ الخیال فی کتابتهم، الخیال الّذی یسوق القاریء إلى الفکر والتعمّق.

یعتقد عمر الدسوقی أنّ: «النثر الاجتماعی یتطلّب صحّة العبارة وبالضرورة البُعد عن الزخرف والزینة، وُضوح الجُمل، وترک المُبالغات، وسلامة الحُجج وإجراءها على حکم المنطق الصحیح؛ لأنّ الغرض منه مُعالجة الأمر الواقع، فلا ینبغی استعمال الأقیسة الشرعیة ولا الخیال المجنّح، إلاّ فی المقامات الّتی تستقضی استفزاز الجماهیر، وإثارة عواطفهم وتحمیسها للإقلاع عن خلّة فاسدة؛ فإنّ الأغراض الاجتماعیة إنّما تجری فی حدود الحقائق الواقعیة على کُلّ حال» (الدسوقی، 1967م، ج1، ص 325).

 

3. تلخیص الروایة

القاصّ المتمکن من ناحیة فنّه، العارف بدقائق صنعته، هو الّذی یستطیع أن یمسک بخُیوط عمله جمیعاً، ببراعة وحذق، فلا یجعل خیطاً یفلت منه أو یختلط بخیطٍ آخر، فیحدث اللُّبس والاضطراب. نجیب الکیلانی قد استطاع فی روایته «لیل وقُضبان» أن یفعل ذلک بمهارة تدعو إلى الإعجاب وأن یُقدّم لنا کلّ هذا العالم المُضطرب بکلِّ ما فیه من أحداث مُتلاحمة وشخصیات متباینة المزاج، متفرقةُ السّلوک.

القصة تدور وقائعها فی السجن ومحیط خارج السجن. فی الواقع، السّجن رمزٌ للمُجتمع الّذی یعکس من خلال حوادثه وقائع المجتمع بأکمله، ویتمثّل فی هذه المجموعة من السجناء: فارس القاتل الذی أخذ ثأر أبیه؛ عبد الحمید تاجر المخدّرات، وهو الّذی یعرف الکثیر عن النساء، والّذی غدرت به امرأةٌ عشقته وعشقها وشارکت مع الرّجل الآخر؛ والشیخ السّلامة قاتل أخیه، فی قضیة الوراثة بإیعاز من زوجة أخیه وهو فی خلال القصة، هائم فی الملکوت، تتربّع على عرشه؛ ونبیهة بنت حسن عرفات الیهودیة الّتی تهب معها دائماً الخیانة والوباء والرّیح الصفراء والّتی هی وراء کلَّ مصائب العالم أجمع. والرّابطةُ الوُدیةُ بین فارس وعبد الحمید تبدو أکثر وُثوقاً.

نجیب الکیلانی استطاع أن یُقدّم فی صورة دقیقة، المشاعر الّتی تضطرم بها جوانحهم؛ الآمال الضائعة، والأحلام المیتة، والآلام النفسیة الّتی تطحنهم طحناً، وما یعانیه السّجناء من صُنوف الذلّ والمهانة، وجبروت السید المدیر هو عبد الهادی بک، وأداتُه الباشسجان الشلقامی، وما یصدر عن المساجین من الشغب على الحیاة داخل المُستعمرة الکئیبة. واستطاع نجیب الکیلانی أن یُصوّر الحیاة داخل السجن، بجانبها المادی والنفسی بحیث أشعرنا أنّنا نعیش فعلاً مع المساجین، نقطع معهم الأحجار، نأکل معهم الفول المُدمّس والعیش الأسود، ونثور معهم على الظلم داخل السجن، کعبد الراضی الّذی لم یستطع أن یتحمّل هذا الظلام والعذاب النفسی ثمّ قصد قتل الشلقامی وهجم إلیه بمعوله، أمّا هجومه فلم یصل إلى نتیجة مطلوبة. وهناک الخطّ المتمثّل فی أسرة عبد الهادی بک، مدیر سجن أبی زعبل فی إحدى سنوات ما قبل  الثورة الّتی تتکوّن منه ومن زوجته عنایات هانم، وخادمتها الصغیرة. الزوج المریض بمجموعة من الأمراض، والعاجز جنسیاً، والزوجة الشابّة ذات اثنین وثلاثین ربیعاً. عنایات هانم، هی التی عندما نالت البکالوریا أرادت أن تتمّ تعلیمها لکن أباها آثر أن یمضی فی إجراءات الزواج، فالمرأة فی نظره مکانها المنزل. ومن جهةٍ أخرى فقد کانت تمیل إلى شقیق زوج أختها المهندس، غیر أنّ مجلس العائلة آثر علیه عبد الهادی بک الّذی تشاء الأقدار أن یکون عاقراً، فتحرم من أن یکون لها أولاداً تناغیهم. ثمّ یدبّ بینهما نزاع عائلی فتسقط عنایات هانم فی أحضان الرذیلة فی الخفاء وتبدو فی مظهر الزوجة المحبّة لزوجها، المُتفانیة فی خدمته، الحریصة على شرفه و اسمه، بینما هی فی الخفاء تقوم بدور المرأة الخائنة کأبشع ما تکون الخیانة، وأشنع ما یکون السقوط فی العلاقة الآثمة الّتی تنشأ بین عنایات هانم حرم المدیر، وبین فارس السجین الذی ذات یومٍ جاء إلى منزل عبد الهادی البک لتصلیح أسلاک الکهرباء. أما خدعة عنایات وحبّ فارس إلیها فیسببّ خطیئة بینهما، أما القضیة فلا تُخفى بل یَنکشف أمرُهما تحت تأثیر الخمرة الّتی جرعتها إیاه عنایات، ویشیع الأمرُ فی السجن ویصل صداه إلى کلّ سمع وتفوح الرائحةُ ثمّ تصل إلى أنف البک مدیر السّجن الّذی یقذف یمین الطّلاق فی وجه زوجته، ویُدبّر لفارس جریمةَ القتل. سرعان ما تنکشف خُیوطها هی الأخرى فیوقف المدیر وأداته فی تنفیذ الجریمة الباشسجان الشلقامی، یحلّ بالسجن مدیر جدید وتبدأ حلقة من سلسلة حیاة المساجین. (تلخیص رّوایة لیل وقُضبان بقلم الکاتب).

 

4. المضامین الاجتماعیّة فی روایة لیل وقضبان

4. 1 قیمةُ المرأة فی المُجتمع العربی المعاصر

«المرأة والمُجتمع المعاصر هما المحوران اللّذان یدور حولهما مُعظم الإنتاج الأدبی للروائیین المصریین منذ نشأة الرّوایة العربیة الحدیثة. فمنذ نهایة القرن التاسع عشر، خاصّة بعد عودة المُبعثین المصریین من فرنسا وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوی (1801ـ1873)، ووعیهم بالفارق الشائع بین الوضع الاجتماعی للمرأة المصریة مُقارنة بالوضع الاجتماعی للمرأة الفرنسیة والأوروبیة، بدأ هؤلاء المفکرون ینادون بتحریر المرأة وبحقّها فی التعلیم، وأخذ الإمام شیخ محمّد عبده على عاتقه المناداة بحقّ تعلیم الفتیات الصغیرات وإرسالهنّ إلى المدارس الإبتدائیة لتحصیل العلم أسوة بالصبیان، وسرعان ما وجدت دعوته صدى لدى کبار رجال الأمّة المصریة فی ذلک العهد ابتداء بالزعیم الوطنی سعد زغلول، مُروراً بکبّار المفکّرین ورجال الأدب والقانون أمثال: لطفی السید، طه حسین وقاسم أمین. وکان هذا الآخر متُحمّس لقضیة تعلیم الفتیات فی سبیل تحریر المرأة» (العشماوی، 2005م، ص12).

«فإنّ غایة الکمال الاجتماعی أن یکون الرّجل فی کفّة والمرأة فی کفة من میزان المُجتمع. وتلک هی السُنّة الّتی فطرنا علیها الله، والنظام الّذی فرضته علینا الطّبیعة، والواجب الّذی یتطلّبه منّا العدل. أمّا المُجتمع الأعرج الأشل البلید الخشِن فغیر جدیر بالسّباق ولا باللّحاق فی هذا العصر الطّموح الطائر. المجتمع بغیر المرأة هو ذلک المجتمع الأعرج الّذی یمشی على رجلٍ واحدةٍ، والأشلّ لأنّه یعمل بید واحدةٍ، بلیدٌ لحرمانه حدّة العواطف، خشن لفقدانه لطافة الأنوثة» (الزیات، 1972م، ج1، ص27). 

 «فإنّ الأمم الرّاقیة، لم تزل تنظر إلى المرأة نظر الإسلاف إلیها، فإنّهم کانوا ینظرون إلى المرأة نظرهم إلى الکنز الثمین. کان من عادتهم فی الکُنوز أن یدفنوها فی الأرض أو یحفظوها فی الخزائن» (المصدر نفسه، ص29).

 

4. 2 حقوق المرأة

«لقد سبق للحضارات البائدة والقائمة ـ غیر المسلمة ـ أن جحدت حقوقُ المرأة وتجاهلت دورها  الاجتماعی فی بناء الأمّة والمُجتمع. ولو أخذنا على سبیل المثال المجتمع الغربی ـ المسیحی أم الیهودی ـ لرأیناه أشدَّ المُجتمعات نقمةً على المرأة، فکانت حقوقها مهدورةً وکرامتُها مسلوبةً» (الغفّار، 1984م،ص 110).

ظلّت المسألة قُروناً عدیدة بین المدّ والجزر حتّى أساء ذلک المُفکّرین ورجال الإصلاح، ورأوا ما تُقاسیه المرأة من عذاب وهوان، واحتاجت المسألة إلى معالجة جدیة لقلب المفاهیم الصارمة، وتغییر وجهة التذمّر والتعسّف المُسیطرة على الأمّة، ذلک لأنّ المرأة تحسّست بظلم الکبّار ورجال الحکومة، لذا قامت تطلب بحقوقها المشروعة بعد الصیحات المتواصلة والصرخات المتعاقبة کما نرى هذه الصرخات والاعتراضات الحادّة من خلال شخصیة عنایات بسبب عدم استمتاعها بحقوقها الکافیة کبقیة الأنثى.

«تمنّت عنایات هانم فی تلک اللحظات أن تصرخ فی وجهه «أکرهک. أکرهک» لماذا یحاول مُغازلتها، إنّه أبعد ما یکون عن الرّجل الکامل، وهی لا تشعر أنها امرأة، ولا تستمتع بحقوقها کأنثی وزوجة إلاّ من شهرٍ لآخر» (الکیلانی، 2001م،ص17).

 

4. 3 التعلیم

«المرأة فی رأی الدین، إنسانة حُرّة کما أنّ الرّجل إنسانٌ حرٌّ، وهی تتمتّع بحقوق وواجبات، کما متعادلةٌ مع حُقوق وواجبات الرّجل. فإنّ الإسلام لا یُجبرُ المرأة على أن تسیر حسب قائمة أعمال  رتیبة تنحصر فی الحمل والرّضاع وما شابه ذلک. ولا یحتکر الثقافة والفکر للرّجل وحده وإنّما یترک للمرأة مجال التّعلّم، کما یقول الرّسول الأعظم&: «طلبُ العلم فریضة على کلّ مسلم ومسلمة». فلقد فتح الإسلام للمرأة أبواب العلم بجمیع أصنافه وأنواعه، کما فتحها للرّجل دونما تخصیص أو تمییز، فلم یحرمها من شیءٍ من العُلوم، وجعل العلم فریضةً على الرّجل، ودعاها أن ترتفع بعقلها کما ترتفع بجسدها وروحها من مستوى الحیوان» (الجمری، 1986م، ص175).

نجیب الکیلانی  کمفّکر إسلامی لا ینسى هذا الموضوع وقد أشار وصوّر هذه المسئلة من خلال شخصیة عنایات هانم التی تُحبّ أن تتمّ تعلیمها. أما أبوها فبسبب أفکاره البدویة انحصرها فی أمر الزواج. هذا تدلُّ على أنّ البنیة الاجتماعیة للمجتمع العربی، مازالت تؤمن وترى أنّ المرأة یجب أن تعود لبیتها لتُصبح ربّة بیت فقط، لا علاقة لها فی الشارع وما یجری فیه.

لذا تراها مشدودةً إلى الحیاة البیتیة من قبل أفراد مجتمعها بعد تخرّجها من المدرسة أو الجامعة. الکُل یریدها له شخصیاً ولا أحد یفکّر فی حاجة المجتمع والبناء الاجتماعی لها للاستفادة منها ومما حصلته من علم ومعرفة. فإنّ  تعلیم الفتاة فی المجتمع العربی هو المفتاح الرئیسی لحریتها الاجتماعیة أولاً، وحریتها العامة ثانیاً. کان واضحاً من الروایة أیضاً، أسرة عنایات قد رفضوا إکمال تعلیمها؛ لأنّ مستقبل البنت فی زواجها ولیس فی تعلیمها أو تربیتها.

«عنایات هانم، تشتهی أشیاء کثیرةً فی حیاتها، فمثلاً عندما نالت البکالوریا کانت تُرید أن تتمّ تعلیمها، لکن أباها آثر أن یمضی فی اجراءات الزّواج؛ لأنّ المرأة فی نظره مکانها المنزل» (الکیلانی، 2001م،ص35).

 

4.4 الزّواج

«إذا نظرنا فی شریعة الإسلام نجد أنّها تخالف القسر على الزّواج؛ إذ «منحت المرأة الحُریة الکاملة فی التمتّع بجمیع حُقوقها المشروعة والتصرّف فیما تملکه من الأموال. لم یعتبرها رقّاً لأبیها أو زوجها أو للدّولة، بل اعتبرها حُرّة تقرّر مصیرها بنفسها وتتصرّف فی شُؤونها، فلها الحقّ فی اختیار الزوج، ولایصحّ بحال إکراهها على رجُلٍ یختاره الأب أو الأخ أو غیرهما من الأقارب، ولا ینعقد الزّواج إلاّ برضاها» (الجمری، 1986م، ص185).

فنرى قد أشار إلیه الکیلانی بأحسن الصُور فی روایته، وقد أجبِرت عنایات بالزواج على الرّجل الذی لیس لها أی علاقة شخصیّة به، وأسلمت القضاء الإلهی مع علاقته الشدیدة إلى شقیق زوج أختها المهندس، وخضعت لحکم عائلته وذلک لعدم حریتها التعبیریة.

 «تدلّ على الحیاة العائلیة من حیث علاقة الآباء بالأولاد. وقد رأیناها فی القرن الماضی متأثّرة نوعاً ما بروح الإقطاعیة السائدة. فصاحبُ البیت کان سیداً فیه، إطاعته واجبة على الجمیع، أو هو بمثابة شیخ عشیرة یتصرّف بشؤونها کما یراه هو مناسباً لتقالید العشیرة أو مصلحتها. فلیس لأحد أن یحلّ شیئاً بدون رُخصة منه. ویزوّج الابنة لمن یشاء من الخطّاب، وعلیها القبول. فکان الإقطاعیة قدیماً لم تکن فقط نظاماً سیاسیاً عمومیاً یستخدمه الأمراء لحُکم رعایاهم، بل کانت أیضاً تقلیداً عائلیاً یحترمه الکبیر والصغیر» (النابلسی، 1992م، ص332).

«عنایات هانم کانت تمیل فی أمر الزّواج إلى شقیق زوج أختها المهندس، لکن مجلس العائلة الموقر فضّل علیه عبد الهادی بک وشاء القدر أن یکون زوجها عاقراً» (الکیلانی،2001م، ص35).

 

4. 5 الطلاق

«یقول رسول الله :& «أبغض الحلال إلى الله الطّلاق». و یقول بعض الحاقدون: إنّ الطّلاق تحکم فی مستقبل المرأة وتحطیمٌ لسعادته» (الجمریّ، 1986م، ص132).

أشار الکیلانی قضیةَ الطّلاق فی روایته، ورسمت بُغض الطّلاق وشدّته، حین جرى اسم الطّلاق على لسان عنایات وأبوها منعها عن هذه النُزعة الخطرة وتلوّثِ اسمه بین النّاس. وإنّ أباها لا یعرف شیئاً عن رجل وامرأة فی حُجرة واحدة یوشیها الشُحوب والبُرود والحرمان. ولا یعرف شیئاً عن قصرها الصغیر فی أبی زعبل. إنّه ـ فی نظره ـ بیت أنیق جمیل حولَه حدیقة رائعة تفوح منها رائحة الورود، و تصفی الأشجار على أرضها ظلالاً ساحرة، فساقها إلى بیت زوجها ومنع الطلاق منها وهذا فقط لکرامته وعُلوّه بین النّاس. على الرغم من أنّه یرى بنته فی الضیق والضیاع.

«تذکّرت عنایات أنّ هناک بعض الأمراض التی لا تشفى إلاّ بالاستئصال، أو بتر العضو الفاسد کُلیاً، وأنّه لا تغنی عن ذلک العقاقیر وهو العقیم.  والحقیقة الأکیدة  أنّی أکره هذا الرّجل.

قال أبوها وهو یلوّح بیده مُعترضاً:

-لا... لا... إنّها نُزعةٌ خطرة وشریرة، إنّ اسمی یجب ألاّ یتلوّث وکرامةُ الأسرة وسمعتها فوق کلّ اعتبار. وفتیات الأسرة جمیعاً عشن فی بیوت أزواجهنَّ مثالاً للوفاء النادر والطاعة العمیاء. یجب أن تفهمی أنّ الطلاق جریمةٌ، کما أرجو ألاّ تخطر هذه الکلمة على بالک مُطلقاً، إنّ مجرد تلفُّظی بها  یؤذی شعوری ویجعلک فی نظری ملطّخة بالأوحال، لا شیء سوى أن تعودی إلى زوجک وأن تقضی بقُوّة إرادتک وتقالید الأسرة العریقة على مثل هذه الخُزعبلات» (الکیلانی، 2001م، ص78-81).

 

4. 6 حریة المرأة

«شهدت بدایة القرن العشرین أولى الحرکات التی تدعو إلى تحریر المرأة من القُیود التی تُحیط بها، وقد تنادی العدید من الأدباء والشعراء لإخراجها من العُزلة التی فُرضت علیها. بعد نضال طویل، تکللّت جهودُهم بالنّجاح وحصلت المرأة فی مُعظم البلاد العربیة على حقوقها السیاسیة والاجتماعیة. کانت الانطلاقة من مصر، ثمّ تبعتها سوریا ولبنان والعراق وحطّت رحالها أخیراً فی المغرب العربی» (شهاب، 2009م، ص543).

«لقد بدأ الاهتمام فی طریق المطالبة بتحریر المرأة منذ عهد محمّد علی فی مصر، وتبعه إسماعیل، إذ ساعدته الظروف. والّذین عملوا فی میادین مختلفة وخاصّة الصحافة، من أمثال جمال الدّین الأفغانی، دعوا إلى حریة المرأة، کذلک دعوات قاسم أمین فقد لاقت قبولاً واسعاً فی الأوساط النسائیة، وتعاطفت المرأة المثقّفة مع دعواته فی کتابیه «تحریرالمرأة» و«المرأة الجدیدة» (علیان، 2001م، ص192).

یصرّح «دریسمان» العالم الآلمانی على أنّ: «إعطاء محمّد المرأةَ حرّیتَها هو وحده السبب فی نُهوض العرب وقیام مدنیتهم، لهذا لمّا عاد أتباعه فسلبوا المرأة هذه الحریة انحطّوا واضمحلت مدنیتهم» (الغفّار، 1984م،ص119).

 فحریة المرأة فی الإسلام لیست حریة مُطلقة بحیثُ یفسدها ویخرجها عن حدود القانون والشریعة الإسلامیة، بل هی ضمن نطاق محدود. لذا حریةُ المرأة المُسلمة لا یمکن، بمثل زمیلتها الغربیة، أن تقبل الابتذال والتسکّع فی الشوارع کما ترى المرأة الأوروبیة الیوم، بل شخصیة المرأة المسلمة الصحیحة بعیدة من الهوان.

صوّر الکیلانی عدم حریة المرأة وهی کالسجینة فی بیتها ولا تستطیع أن تتمتّع بحقوقها الشخصیة وتعمل على ما تشاء، کما یصوّر بأنّ عدم الحریة تسبب تمرّد الشخص والاعتراض على ما حکم علیه القدر.

«ثمّ لماذا هذا الحرص الزائد الذی یدفعه لأن یجعلها کالسجینة فی بیتها ...یجب أن یأخذها ویتردد على القاهرة لینعم معها بأندیتها وزیارة أقاربها، والتسلّی فی ملاهیها، کثرة الضغط تولد الانفجار تماماً، کما حدث لذلک السجین المتمرّد فارس، لقد قبل الإهانة صابراً، استسلم للصفع على القفا، وصمّ أذنیه عن العبارات الجارحة، فی النهایة انفجر وحاول أن یفتک بالشلقامی» ( الکیلانی،2001م، ص24).

نجیب الکیلانی، من خلال شخصیة عنایات، صوّر عدم حریة المرأة فی المجتمع الذی لیس لها أی حقّ، ویرید أخذ الحریة للمرأة المُسلمة بأن تتصرّف کما یحلو لها وتشعر بحریتها وآدمیتها وتعمّق إحساسها بالحریة الذاتیة. من حقّها أن تأکل ما تشاء وأن تختار الطریق الذی یوائم مزاجها المُرهف ونفسها القلقة. لم یکن لها أیة سلطة حقیقیة أمام حصارها وقیودها أمام الرّجل.

«بعد الأیام الّتی انتهت من اقامتهما فی القاهرة عند عائلة عنایات هانم؛ قال هادی بک:

-آن أن نُسافر... الإجازة انتهت والعمل ینتظرنی. وأنتِ معی بالطبع،... أنت زوجتی ... أریدک معی...

-أجابت عنایات هانم: هذا عبث... لکن لی حقٌّ فی إجازة یومین... هل کتب علی أن أتبعکَ کظلّکَ؟؟ إنّی أشعر أحیاناً بالرغبة فی الانفراد بنفسی. أرید أن أتصرّف کما یحلو لی بعض الوقت... أشعرنی بحریتی وآدمیتی ولو لیومین... أرجوک...أرجوک...» (الکیلانی،2001م، ص58-60).

 

4. 7 الخدعة

«ظاهرة الکید والخداع موجودةٌ عند کلّ النساء، لکن بنسب مُتفاوتة. واللائی یفتقرن لهذه الظاهرة نزرٌ قلیلٌ، کما ولا أبعد تأثیرهنّ على الرّجال، فالکید والخداع إن وجد عند الرّجال فهو من النّساء بشکلٍ من الأشکال، لذا کان تأثیرُ النّساء على الرّجال من الآفات الکبیرة التی تؤدّی  إلى التهلکة وقد حذر النّبی  &الرّجال فقال: «أشدّ الحرب النساء». وقال &: «لولا النساء لعبد الله حقّ عبادته». لکن لا یمکن اعتبار الکید عندهنّ هو ما یجعلها أکثر تفکیراً وعقلاً من الرّجال والدلیل على ذلک إنّک واجد عجزها فی بقیة المجالات من التفکیر، فهی لا تستطیع أن تجد حلاًّ عندما تلتبس علیها أبسط الأمور، وقد أثبتت التجارب والإحصائیات ذلک؛ ومما یدعم ذلک، أنّ نسبة طالبات الفُروع الأدبیة فی أغلب البُلدان العالَم. لذلک نادراً ما تجد عالمات أو مُخترعات أو مُکتشفات بالمُقارنة مع الرّجال فی حقول الطبّ والصناعة والکیمیاء والفیزیاء والرّیاضیات و...» (الغفّار، 1984م، ص162).

 «أمّا الروائیون العرب الّذین نشروا روایاتهم بعد الدکتور محّمد حسین هیکل، فقد قدّموا شخصیات نسائیة من الرّیف والمُدن المصریة الکُبرى، ولکن المرأة کانت تبدو دائماً فی روایاتهم ضعیفة وخاضعة دائماً لرجلٍ یحمیها أو یستغلّها؛ أی أنّ المرأة لدیهم تکون دائماً تحت حمایة الرّجل الدائمة، وهذه الصورة للمرأة القاصر نجدها لدى کثیر من کبّار الکُتّاب الّذین کانوا یعادون المرأة، و لعلّ أکبر کاتب أطلق علیه عدُوّ المرأة هو عبّاس العقّاد. فقد صوّر العقّاد المرأة على أنّها ماکرة، خدّاعة تمیل بطبعها إلى الخیانة وإلى اللیونة الناعمة مثل القطّة الّتی تتظاهر بالضعف والنُّعومة بینما هی فی الحقیقة شیطان المکر والخدیعة. وأجمل مثال لهذا التصویر للمرأة الناعمة الخدّاعة هو شخصیة سارة کما صاغها وصوّرها العقّاد فی روایته الوحیدة المشهورة الّتی تحمل اسم البطلة الیهودیة الأصل سارة» (العشماوی، 2005م، ص21).

نرى خدعة المرأة وکیدها من خلال روایة الکیلانی، فهو ینظر إلى المرأة کالآخرین ویخاطبها الشیطان الجمیل وهی الّتی تُطری الرّجال وتضمر الشرّ وکذالک کالعفاریت الّتی تتشکل بأشکال عدّة. أمّا هذه النظرة إلى المرأة فهی خلاف أصل البیئة ولا یمُکن إصدار حکم مطلق بأن ّ النساء هنّ رأسُ المکاید والأعمال الملوّثة . نرى هذه العقیدة فی شخصیة عبد الحمید الّذی خانته امرأته وهو یُصوّر المرأة بأنّها ماکرةٌ وهذه صفةُ کلّ النساء. امّا وجهة نظر عبد الحمید فتدلّ على روح التشائم والجبر الحاکم فی مجتمعه علیه.

«عبد الحمید فی الزنزانة  یفکر عن أخبارٍ أکیدةٍ  بلغته عن تنکّر زوجته ومرافقتها لرجلٍ آخر، ومال فارس على أذن عبد الحمید هامساً:

-فیم تفکر!!

-فی السافلة الّتی خانت العیش والملح.

-لکنّها امرأة ککُلّ النساء» (الکیلانی،2001م،ص33).

کما یصوّر عبدالحمید فی هذه الفقرة بأن المرأة هی شیطانٌ یرسم لک الجمال ویقعک فی شبکته. بهذا الشکل دون أی تفهم تُهدیک إلى مطلوبها وهدفها غیر الإنسانیّ. کأمِّک الّتی تُّجبرک على قتل أعداء أبیک ولولا لطف الله تقع فی حبل المشنقة. فالمرأة تُغویک من حیث تشاء.

تنهّد عبد الحمید (الّذی یعرف الکثیر عن النساء، والّذی غدرت به امرأة عشقته وعشقها) وقال فی حسرةٍ:

-علّمتنی زوجتی أنّ المرأة شیطانٌ جمیل!! وأمّک (یا فارس) نفسها ألم تدفع بک إلى حبل المشنقة لولا لطف الله. المرأة تُطریک من حیث ترید أن تلعنک!!

ثمّ ترسم الکیلانی  فی شخصیة شیخ سلامة بأنّ المرأة لها أشکال متنوّعة، فی قالب الحیوانات المُختلفة؛ فهی مرّة على شکل سمکة وتعوم فی البحر هادئةً، وتارة کلبٌ مُهاجم، أو کالقطّة تظهر لک نُعومة ظاهراً وفی حملة شرسة تخلبک،  وهی  کالوباء آفةُ الجسد وتُفسد الجسم.

«ثم جاء صوت الشیخ سلامة من رکن الزنزانة:

-اللعنة على بنات حواء... اتّفقت معی على قتل زوجها. ثمّ شهدت ضدّی ...أیّها المُحلفون إنّها القاتلة... أقسم أنّها وباء أصفر، أنّها تُضمر الشرّ للحکومة، أنّها یهودیة بنت یهودی...!» (الکیلانی، 2001م، ص47-48). «هی الشیطان فی ثوب امرأة» (المصدر نفسه، ص75). «نبیهة بنت حسن عرفات کالعفاریت تتشکل بأشکال عدّة... تارة تظهر فی صورة کلبةٍ، أو قطّةٍ. تارة  أخرى سمکةٌ تعوم فی البحر. أو حمامة بیضاء تقف على ساریة السجن. وأحیاناً تبدو فی زی امرأة جمیلة رائعة الحسن کعنایات هانم» (المصدر نفسه، ص153).

 

5.  الشذوذ الجنسی فی المجتمع

الانحرافات الجنسیة یختلف مداها من بلدٍ إلى آخر حسب وضعه الاجتماعی؛ بمعنى أنّ هذه الجرائم قلّما نراه فی المجتمعات المُتطوّرة، وسببه أنّ للناس فی المجتمعات الصغیرة وظائف مُحدّدة سواء فی الاجتماع أو فی البیت، یتحکّم المُجتمع على تصرّفاتهم. قلّما یُتیح لهم الفُرصة للتمرّد على المبادئ الأخلاقیة، بخلاف المُجتمعات الکبیرة الّتی یصعبُ التحکّم على جمیع شؤون النّاس، کما یتعذّر تحدید وظائفهم (ینظر: أنصاری، 1387هـش، ص32).

وقد انتشر الشذوذ الجنسی فی المجتمع الإسلامی، على الرّغم من أنّ الإسلام حرّمه إطلاقاً ووضع حدوداً وعقاباتٍ على مُرتکبیه. جدیر بالذکر أنّ الفساد وما جرّه من البطالة والانهماک فی الشهوات، یعتبر أحد العوامل الرئیسیة فی اضمحلال الحُکومة. فرُبّما العوامل الدّاخلیة الّتی أفسدت الخلافة، والنّاس أشدّ تأثیراً من القُوى الخارجیة فی هذا الأمر.

نرى الجریمة الجنسیة فی قصّة نجیب الکیلانی وهی قد نشأت من شخصیة عنایات هانم. یؤکّد الکیلانی على لسان فارس السجّین، بعد خدعة عنایات هانم إلیه والخطیئة الّتی جرت بینهما، بأنّ النساء الجمیلات المتحلّلات اللاّتی یبعن أنفسهنّ للشیطان، ویستسلمن للخدم، وسائقی السیارة، وعسکری البوّابة، ومُتشرّدی الآفاق. الأساطیر الّتی تُروی عن أخوات أصحاب الجلالة، المعصومات اللاّتی لا یعرفن فی الحیاة سوى الخمر والمتع واختیار العشّاق. لا شکّ أنّ کلّ هذه الأساطیر حقائقُ وأنّ عنایات، مثل غیرها من بنات الطبقة الرّاقیة. وتداول ظاهرة الزنا تدلّ على المُجتمع الّذی لیس له حقیقة والمُجتمع الّذی هذا المُسیء مُتداولٌ فیه دون محدودیة، بُنیة الأسرة فیه واهن، والرّجولة، والغیرة، والعزّة والعفّة قد فقدت معناها الحقیقیة.

«حین دخل فارس إلى منزل هادی بک لتصلیح أسلاک الکهرباء، قربت عنایات هانم وأشارت إلیه قائلةً:

-تستطیع أن تجلس.

-فهتف فی رعب: مُستحیل؛ لا تنسی یا سیدتی أنّنی سجّین ... مُجرم... أتعرفین؟... أنا عبد البک المدیر...

-لا تَذکر البک المدیر... إنّه فی القاهرة اللّیلة... وأنا وحدی... أتفهم؟ وحدی!!» (الکیلانی،2001م، ص95).

 

6.  التزییف الاجتماعی والنفاق

النفاق أمرٌ مهمّ فی حیاة الإنسان. وما به من أضرار وما یؤدّیه من بغضاء وعداوة، فجاء القرآن ووصف أولئک حتى کان الذّکر کالأنثى من حیثُ اللؤم والشرّ والحسد فقال# من قائل: «الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ یَأْمُرُونَ بِالْمُنْکَرِ وَیَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَیَقْبِضُونَ أیْدِیَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِیَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِینَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِینَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْکُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِینَ فِیهَا هِیَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِیمٌ ª(التوبة 9: 67-68).

«النفاق، هذا المرض الذی تبتلی به الشخصیات المریضة أخلاقیاً وتصبح خطراً یهدّد الحیاة والمُجتمع؛ لأنّ مثل هذه الشخصیات لا تملک القاعدة النفسیة السلیمة للسُلوک ولا یمکنها أن تحمی نفسها من الوقوع فی شرک النّفاق، النفاق الّذی یظهر فی مجالات التعامل الیومی عند هذا الصنف من النّاس، الّذین یعیشون بین الخوف من الضغط الاجتماعی ورضى الآخرین منهم. هذا الفرد یلجأ للنّفاق والرّیاء، لإرضاء الآخرین من سُخطهم وازدرائهم له، بتصنّع الأخلاق الفاضلة والسُلوک القویم وإظهار ما یوافق رغبة الآخرین ریاءً ونفاقاً منه، بُغیة کسبهم وتحقیق رضاهُم» (-، 1997م، ص181-182).

عالج الکیلانی ظاهرتی التزییف الاجتماعی والنّفاق وتغیّر نظرة النّاس إلى الأشیاء تبعاً لمصالحهم، کما یقول: فکم من مُذنبٍ أسبغوا علیه صفات البراءة، وکم من بریء عَدّوه فی زُمرة المُذنبین! وکم من مرموق تظاهر بالهدایة والصّلاح وهو فی حقیقة ملیء القلب بالظلالة والبُعد عن الرّشاد. کثیر من انخداع النّاس بالمظاهر یعود إلى عدم دقتّهم فی الأحکام وهم یقضون فی النّاس بما یسمعون، ویغضون أبصارهم عن الحقائق وهذا هو الباطل. المنافق الّذی له وجهین وهو یظهر شخصیته بتناسب موقعیته کما المسجونین بعد استماعهم بأن الشلقامی بضربة عبد الرّاضی لم یقتل ومع کراهتهم منه، تجمهروا حوله بالحفاوة.

«دقق عبد الرّاضی النظر إلىفارس وقال: یجب أن نکون رجالاً ونقتل الشلقامی (الّذی یعنف عُنفاً کثیراً على الزنازنة) أما فارس منعه من عمله الدهشة وقد کان عبد الهادی یعتقد بأنّنا ید الله الّتی تبطش بالأقدار، هجم علىالشلقامی وبعد دقائق کان الشلقامی ملقى على الأرض تنزف رأسه دماً أحمر. بسبب هذه الجریمة قُبِض علیه وأرسل إلى الزنزانة، بعد مدّةٍ انطلق صوت أجش طغى على کُلّ الأصوات:

-عاش  الجاویش الشلقامی. تردّد الهُتاف عاصفاً کالرعد القاصف، افترّ ثغر الشلقامی عن ابتسامة حقیقیة هذه المرّة، وتدفَّق الدم إلى وجهه الکالح، ورفع یدیه مُلوّحاً شاکراً وکأنّه زعیمٌ کبیر وتجمهر المسجونون حوله. هذا یصافحه فی حرارةٍ، وهذا یثب ویقبل وجنتیه، وآخر یُصرّ على عناقه وتطویقه بذراعیه.

کان فارس شاحب الوجه مُطرقاً برأسه، وإلى جواره عبد الحمید الّذی همس فی أذنه:

-أنظر کیف ینافقون!! کُلّ شیء هنا کاذبٌ، حقیرٌ، زائفٌ، والبلد کلُّها هکذا.

قال فارس فی سُخریةٍ:

-والشلقامی یعرف کیف یجبرهُم على احترامه والهُتّاف باسمه» (الکیلانی، 2001م، ص104-105).

 

7. الرشوة

مع الأسف الشدید، أنّ لفظة الرّشوة ومفاهیمها المُتداولة، من المظاهر السیئة فی المجتمع الإسلامی. فکثیراً ما نسمع هذه اللفظة أو ما یرادفها کالحقّ والحساب أو الهدیة. على کلّ حال، شُیوع البرطلة والارتشاء فی مجتمعٍ ما یدلّ على ضعف ذاک المجتمع. هذا ونحن لن نجد فی قاموس مجتمع کهذا، معنى للإیمان، والعدالة، والمحافظة على حقوق الآخرین؛ لأنّ العدالة مثلاً، لن تتحقّق والنّاس یرشون القُضاة لیغیّروا رأی المحکمة لصالحهم. ولهذا نرى فی مثل هذا المجتمع أنّ الرّشوة تضع القصر المجلّل فی مکانٍ والبیت المُخرّب فی مکان أخر (ینظر: حجّتی کرمانی، 1364هـش، ص308-309).

ظاهرة الرّشوة هی مما لا یستطع الکیلانی أن یغمض عینیه عنها، فهو یصوّر هذه الظاهرة من خلال المشاجرة الّتی جرت بین عنایات والمدیر بک. وهو یُعدّ هذه الظاهرة حقٌّ طبیعیّ لنفسه. ولیس هذا العمل السّرقة بل هی من إمتیازاته الأزلیة.

«-فقالت عنایات هانم: وما هی الجریمة فی رأیک؟ القتل،السرقة، النصب، هتک العرض، الاتجار فی المخدّرات،الخ... أعنی الأشیاء الّتی نصّ علیها قانون العُقوبات وهتفت :اعذرنی، قد أکون وقحة بعض الشیء، بماذا تسمی قبول الرّشاوی؟! وبماذا تُسمّی السمسرة من قوت المساجین؟؟ ألیست هذه جرائم؟ ثمّ ذلک العُدوان القاسی على المساجین العزل من کلّ سلاح، أهذا شیءٌ یکفلُه القانون، القانون إیاه؟» (الکیلانی، 2001م، ص129-130).

«هتف هادی بک دون مقدّمات وقد ارتمست على وجهه سمات الجدّ:

-أنتِ حالمة، أنا لا أسرق قوت المسجونین، ولا أتقاضی الرَّشاوی، أیتها الغبیة إنّها إمتیازات أزلیة» (المصدر نفسه، ص133).

 

8. الاتجاه الإنسانی  والإخاء

رسول الله& یقول:«روّحوا القُلوب ساعةً بعد ساعةٍ». فالتظاهر بالجدیة والتجهُّم فی الوُجوه بعیدٌ کُلُّ البُعد عن الدّین الإسلامی، ویقول رسول الله &:«تبسّمک فی وجه أخیک صدقةٌ» (موسى، 2005م، ص57).

البشاشة والابتسامة سمةٌ من سمات انجذاب النّاس. وإنّه بحاجة دائمة  إلى قهر عواطف الکراهیة والشرّ، وتربیة عواطف الخیر والحُبّ، لمواطینه خاصّة وللبشر عامّة. ومثل المؤمنین فی تواددهم، وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتکى منه عضوٌ واحد، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فظهر هذا الاتّجاه فی أدب عصر النّهضة؛ لأنّ مواجهة الغرب أثارت مشاکل عدیدة فی ساحة الأخلاق والفضائل الإنسانیة، فعمدوا الأدباء على بثّ المحبّة بین أبناء البشر والحبّ الطاهر، وتحریضهم على مُساعدة المظلومین، ومن هؤلاء نجیب الکیلانی الّذی صوّر مسئلة الحبّ وعدم الالتفات إلیها، وکذلک افتقار المجتمع إلى الحُبّ. وفی قالب شخصیة عنایات، تصوّر المجتمع الّذی یحرم من الودّ والإخاء، وهذه المشکلة، مسئلة شعبنا بأسره، والنّاس یقبلون على وظائفهم دون أی علاقة کما الزوجة تظهر العشق ویعلم الله ما فی قلبها. فهذا مُجتمع یفتقر إلى الحُبّ والإخاء.

«حین ذهبت عنایات مع زوجه إلى الجبال الشاهقة ورأت ضغط المسجونین، عکفت إلیه وقالت: یا عبد الهادی إنّه مجتمعٌ کریه بکلّ ما تحمله هذه الکلمة من معنی، لم أر لمحة حبّ واحدة فی المحاجر السوداء، ... السجّان عیناه تَبرقان فی حقدٍ وشراسةٍ، المسجون ترى الذلّة الغریبة الّتی تخفی وراءها کراهیة هائلة... حتّى الابتسامات فوق ثغور الجمیع ابتسامات مخیفة. الآن آمنتُ بأنّ ما ینقصنا هو الحبّ... الحبّ بمعناه الکبیر. لماذا لا یشعر السجّان والمسجون الوُدّ والإخاء؟ لکن ماذا أقول؟ إنّها  مُشکلة شعبُنا بأسره... لیس هناک حزبٌ یحبّ الآخر ... الموظّف یقبل على عمله فی ملل... لا یحبّ وظیفته... الزوجة قد تُداهن زوجها وتظهر العشق ویعلم الله ما فی قلبها... هو مُجتمع یفتقر إلى الحُبّ» (الکیلانی، 2001م، ص123-124).

 

9. الحریة والاستبداد

إنّ الحریة شیءٌ مُقدّس؛ لأنّها میزةُ الإنسان العاقل، ولأنّها تنبثقُ من ذات الإنسان. فالحریة طبیعیّ لکلّ إنسان. لا فرق بین أبناء البشر لإستحقاقه. والحُریة إلى قسمین: حریة الجسد، وحریة الضمیر. فحریة الجسد هی الّتی یسعى الإنسان أن ینقذ نفسه من قُیود العالم الخارج وهذا یرجع إلى ظلم الإنسان للإنسان، هذا النوع من الحریة یشتمل على أنواع أخری أمثال: الحریة السیاسیة، وحریة التعبیر، وحریة القلم، وحریة الاختیار. أمّا حریة الضمیر أو حریة الرّوح فهی ترجع إلى نفس الإنسان وظلم الإنسان لنفسه. إذا أراد الإنسان أن یکون حُرّاً بمعناه الحقیقی فلابُدّ أن یبعد عن هذا الطریق.

«إنّ الحریة لا تعنی الإباحة والفوضى والتحلل، بل هی فی صمیمها أمانة صعبة ومسئولیة باهظة وقُیود صارمة. أخطر ما تتعرّض له الحریة – فی أی مجال لها – هو الجهل بتبعاتها ومسئولیتها، واختلاط مفهومها بشوائب ضالّة من الفوضى والإفلات» (بنت الشاطیء،  1970م، ص240).

«الناس یولدون ویظلّون أحراراً ومُتساوین فی الحُقوق. وهذه الحقوق هی الحریة، والتملّک، والأمن، ومقاومة الجور» (الخوری،  1973م، ص13). «أمّاالاستبداد لغةً هو اقتصار المرء على رأی نفسه فیما تنبغی الاستشارة فیه؛ وبعبارة أخرى، الاستبداد أن یحکم الحاکم بأمره حسب هواه وأمیاله. وقد یستعملون فی مقام کلمة «استبداد» کلمات استعباد واعتساف وتسلّط وتحکّم. فی مقابلته کلمات شرع مصون، حقوق محترمة. ویستعملون فی مقام صفة «مُستبد» کلمات حاکم بأمره، حاکم مُطلق، ظالم وجبّار، یقابلها حاکم مُقید بقوانین وعادل. فالاستبداد صفة للحُکومة المُطلقة العنان الّتی تتصرّف فی شؤون الرعیة کما تشاء بلا خشیة حساب ولا عقاب محَقّقین» (المصدر نفسه، ص252-253). أسیر الاستبداد هو کالحیوان المملوک العنان، یقاد حیث یرُاد، ویعیش کالرّیش یهبّ حیثُ تهبُّ الرّیحُ، لانظام ولا إرادة. فأسیر الاستبداد الفاقد الإرادة هو مسلوب حقّ الحیوانیة فضلاً عن الإنسانیة؛ لأنّه یعمل بأمر غیره لا بإرادته.

فی القسم الأوّل یصور الکیلانی حریة لشخصیّة فارس حین خرج من الزنزانه، ورأى السماء خارج الزنزانة. فهذه الحریة قیمة مهمّة فی حیاة النظام، وتعنی بمفهومها العام وجود حالة من التماثل بین أفراد المُجتمع، لذا لا یمکن أن تکون حیاة مع الإهانة والمذلّة، بل یجب آن تُرافقها الحریة والأمن، حیث تکمل هذه القِیم بعضها البعض الآخر وتُعطی الإنسان الحیاة الکریمة، الّتی تحرّره من التبعیة والقُیود.

«حین خرج فارس من الزنزانة لتصلیح توصیلة النور إلى منزل هادی البک تسلسل الرّضا إلى قلبه. سینزل فارس ویرى اللّیل والقمر والهدوء الصافی. وینظر إلى الزنانین ـ تلک الصنادیق الصغیرة المغلقة بالسواد ـ إنها أوّل مرّة یرى السماء فیها خارج الزنزانة» (الکیلانی، 2001م، ص34).

أمّا الاستبداد وعدم الحریة فنراه فی القسم الثانی، حین فارس السجّین بسبب السنوات العشرة الّتی قضاها فی الزنزانة، وحرّم من کلّ الأمور الشهیة، وقد أساه هذا الاستبداد والاستعباد فی قیود حکام الظلم. قد أیقظ روح الحریة فیه وانبلج الفجر إلى أیامه الحُلوة فی بؤرة قریته وأسرته.

فی حدیثه النفسی یقول: «عشر سنوات یا فارس وأنت تعیش فی الجحیم ولم تر وجه امرأة إلاّ وجه أمّک خلف السیاج السلکی الشبکی بتجاعیده وأساه، عشر سنوات عشتها بین رجال وصُخور سوداء وعتاة السجانین والأحادیث البشعة والأرق والهوان» (الکیلانی، 2001م، ص38). «وهو ینتظر انبلاج الفجر بعد سنة وشهورٍ قلیلة،  وبعدها یعود إلى قریته وأمّه وامرأة یتزوّجها... وحقول خضراء وحیاة حُلوة شهیةٍ حرمته الأقدار منه» (الکیلانی، 2001م، ص70).

 

10.الاستعمار

«إنّ تدخّل الاستعمار فی قدر العرب ومصیرهم، هو من أبرز العوامل الّتی حالت بین الأمّة العربیة وبین تجاوزها لعوامل التخلّف. فلقد أخضع هذا الاستعمار حیاة الأمّة العربیة لمطامعه الاستغلالیة، ووجه کلّ شیء فیها نحو خدمة مصالحه، وحاول أن یقیم فی بعضها استعماراً استیطانیاً یفقدها هویتها العربیة وتُراثها الإسلامی، کما أقام فی الوطن العربی، هیاکل اقتصادیة، ورأسمالیة، واحتکاریة، وکرّس التکوینات الإقطاعیة القدیمة؛  وعمل علی تمزیق وحدة هذا الوطن وجعله دُوَلاً بل دُوَیلات» (أبوحاقة، 1979م، ص348).

یرسم الکیلانی الحاکم المُستعمر فی قلب هادی بک الّذی قد یفرض العقاب، ویطلق الشتائم  على المستَعمرین. وهذا کان شیءٌ مألوف فی حیاته الضیقة وهو أیقن أنّ القسوة هی العلاج الوحید لمن یسمّیهم المُنحرفین والمُجرمین. والنّاس فی رأیه مجموعة الحیوانات لا تسیر إلاّ والسیاط مُعلّقة على رقابها. هذه العبارة تشیر إلى شعر المتنبی فی هجائه لکافور «لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه».

«لولا إحساسه (هادی البک) الداخلی بأنّه سیدً وحاکم المُستعمرة المُظلمة الّذی یتحرّک ویستطیع أن یفرض العقاب، ویطلق الشتائم، ویوقع على بعض الأوراق بإمضائه، ویتسلّم مرتبة آخر کُلّ شهر، لولا هذا، لبدّت حیاته الرتیبة الجافّة، شبه الفارغة کحیاة السُجناء تماماً» (الکیلانی، 2001م، ص 14-15).

 

11. المساواة

«إنّ أعظم المُقوّمات لصحّة السیاسة وإقامة الحقّ، هو مجرى شرائعها متساویة على کلّ أبنائها دون أدنى امتیاز بین الأشخاص أو تفریق بین الأحوال. فلا یجب الأخذ بید الکبیر ودفع الصغیر، ولا التفات إلى الغنی والإعراض عن الفقیر. لا مؤازرة القوی و مواراة الضعیف؛ بل یجب معاملة الجمیع على حدّ سواء کی لا یقع خلل فی نظام الحقّ؛ لأنّ کلّ فئة من النّاس لها منزلة فی طریق السیاسة تستدعی النظر إلیها» (خوری، 1973م، ص230).

«المساواة بین کافّة البشر وهی الّتی تعتبر رُکناً أساسیاً من أرکان  العقیدة الإسلامیة الّتی لا تعرف فرقاً بین الأسود والأصفر والأبیض، ولا فرق بین الغنی والفقیر ولا بین الحاکم والمحکوم» (موسى، 2005م، ص54).

«کما أیّد الحدیث النبوی هذا المعنى «لا فضل لعربی على أعجمی إلاّ بالتقوى، ولا لأبیض على أسود إلاّ بالتقوى. إنّ أکرمکُم عندالله أتقاکم». فمن المعلوم أنّ الإسلام ألغى الامتیازات بسبب اللّون أو الجنس، أو النسب أو الطبقة والمال وذلک إجلالاً بأصل الاعتقاد بوحدة البشر الّذین خلقهم من أصل واحد» (المبارک، 1974م، ص44).

إنّ الناس سواء أمام الوطن فی الحُقوق والواجبات. کما أشار إلیه الکیلانی فی روایته بأنّ الناس فی العقوبات کلّهم على التساوی ولیس أی فرق بینهم.

«مال أحد السجانة الممرّضین علی أذن طبیب السجن، وأسرّ إلیه بالنبأ الّذی انتشر وذاع (وذلک النبأ، الخطیئة الّتی ارتکبتها عنایات مع فارس السجّین). فما کان من الطبیب إلاّ أن هزّ رأسه دون مُبالاة وقال: الناس یخطئون دائماً.

-لکنّها زوجة المدیر یا سعادة البک.

-کلّکُم بشر ... عند تشریحی للجُثث لم أجد أی فارق عضوی بین عظیم وحقیر» (الکیلانی، 2001م، ص 162).

 

12. الجهل

«الجهل کما یظهر لأدنى نظر هو علّة العِلل فی اضطراب الأسرة، وانحطاط البیئة، وفساد المُجتمع. إنّ الشعب متى أدرک القدر المُشترک من المعرفة، قوی عقلُه فیعمل عمله برویة، ونضج رأیه» (الزیات، 1970م، ج2، ص101).

«عرف فارس نوعاً جدیداً من الأرق لم یذُق مثل طعمه من قبل. الدنیا فیها أشیاء کثیرة یا فارس،لکنّک دائماً محروم وتجهل أنّک محروم. هذه الدائرة الضیقة المُحاطة بالأسلاک والأسوار والسجانین قد حصرت هُمومک فی أشیاء تافهة، وأغلق قلبک عن  العالم الکبیر» (الکیلانی، 2001م، ص 50).

 

13. التقلید

«إذا فقد الشخص ثِقته بنفسه والاعتزاز بها، وتجاهل ما لدیه من قدرات وکفاءات، وهیمن علیه الشعور بالنّقص، فعند ذلک غالباً ما یتّجه إلى تقلید الآخرین. کلّ ذلک نستطیع أن نرده إلى الجهل؛ لأنّ الجهل هو الّذی یسدل غشاوة على بصیرة الإنسان ویصیره أعمى لا یبصر ما لدیه من مُعدّات ثقافیة وحضاریة أو مُعدّات تاریخیة. فلهذا تراه فی ظلمة الجهل یبحث عمّن یعوّضه ما فقد. ومن هنا تراه یقع فی ظلمة التقلید وهی أشدّ هلکةً من الّتی کان فیها. وهناک نوعٌ آخر من التقلید، هو التقلید الماضی أی تقلید الآباء والأجداد ونعنی به تقلید العادات والأمور السلبیة ولا الإیجابیة. فالمتبختر الّذی یفتخر بآبائه حاله کمثل الّذی هو خالٍ من صالح أعمالهم فهو بمنزلة الخلنج یقشر لحا من لحا حتّى یوصل إلى جوهریته. فهادی بک هو الّذی یفتخر بآبائه وأجداده ویردّ لهذا السبب الأعمال الشاقّة من نفسه» (مزرعة، 1431هـ، ص149).

امّا الحَسب والنَسب والبیئة والثروة کلّها جمعاء لیست میزان القیمة للأفراد. على حدّ قول السعدی الشیرازی:«ای بسا ابلیس آدم رو که هست». ربّما الّذین هم ذوو المال والحسب والنَسب والأسرة العریقة ولکن دون أی شخصیة عرفانیة صالحة. وعلى عکس هذا، ربّما أفراد دون أی مالٍ وحسب ونسب عریق ولکن لهم وُجهة عرفانیة ومذهبیة فی سُلوکهم الأخلاقیة.

«قالت عنایات فجأةً: سؤالٌ غریب!! أتستطیع ـ لا قدر الله ـ أن تمسمک معولاً وتقضی الساعات وتکسر الصخر تحت حرارة الشّمس القاتلة، وأن تتلقّی ـ لا قدر الله أیضاً ـ ضربات السجانة وشتائمهم المُقذعة ؟؟

قال هادی بک، وهو یضع ساقاً على  ساق: مثلی لم یخلق لهذا؛ لأنّی لستُ مُجرماً ولیست دماء أجدادی فیها تلک الجراثیم الخبیثة» (الکیلانی، 2001م، ص 129).

 

 

14. الظلم والعُنف

«العُنف کاد یصبح ظاهرة فی حیاتنا، ولا یخلو عصر أو مجتمع من عنف ولکنّه لم یکُن ظاهرة تتکرّر مع توالی اللّیل والنهار. وأنباء العُنف لا تنقطع نسمع عنها فی مجال السیاسة فی حکایات اغتیالات دامیة وفی مجال الأسرة نسمع عن قتلهم. لم یعُد العُنف استثناءً ولکنّه ظاهرة، بل یوشک أن تمرّ أخباره بدون إثارة تذکر وکأنّها لازمة من لوازم الحیاة الیومیة» (موسى، 2005م، ص156).

«بئس الزاد إلى المعاد ظلم العباد. وقیل: الظلم مرتعُه وخیم. وکتب عمر بن عبد العزیز' إلى عاملٍ له: إذا دعتک قدرتک على ظلم النّاس فاذکُر قدرة الله علیک» (اللحام، 1999م،ص9).

 تعتقد عنایات هانم، قد أیقن السید المدیر، أنّ القسوة هی العلاجُ الوحید لمن یسمّیهم المُنحرفین والمُجرمین. والنّاس فی رأیه مجموعة من الحیوانات لا تسیر إلاّ والسیاط مُعلّقة على رقابها.  لهذا السبب ترى صورة الظلم على وجه هادی بک.

«فقد استطرد هادی بک: دنیا (عنایات ) ما سمعتُ قطّ أنّ سجیناً أصیب بمرضٍ من هذه الأمراض. إنّهم یعیشون کالحیوانات، لا زاد غیر الفول المسوس وخُضروات البهائم، ونفایات من اللّحم والخُبز المسوس ومع ذلک ... آه ... هذا ظلم...

وطنّت کلمة «الظلم» فی رأسها، وتطلّعت إلى التاج الذهبی فوق کتفه وإلى وجهه المُکتنز المتوثّر، والبلادة الّتی تشی بها حرکاته، وغمغمت فی أسى: أجل ... ظلم ... » (الکیلانی، 2001م، ص 17).

وقد رسم ظلم الجبابرة على المظلومین وهذا أشدّ الظلم فی نظره. یشمل هذا الظلم الشتائم المُقذعة، وصفع المسجونین کما یقول فی روایته: «ضاق المسجونون ذرعاً بالشلقامی. لقد بدأ یومه بالسباب والشتائم المُقذعة، وکان أبشع ما فعله الشلقامی فی ذلک الیوم هو اعتداؤه على رجلٍ واهی القوى یزحف نحو الخمسین، لقد صفعه فوقع  السجین على الأرض ونظر الیه السجّین  بعینٍ دامعة وقال: یابنی ... فی عرضک... أ لیس فی قلبک رحمة؟» (الکیلانی، 2001م، ص 66-67).

 

15. السّجن

«لقد کثُرت صرخات الضجر والانهیار عند الأدباء المساجین، نظراً للواقع المریر الّذی کانوا یعیشون فیه، لم تکن تلک الصرخات، إلاّ انعکاساً للأوضاع النفسیة الّتی کانوا یعانونها، ممّا دفع بعضهم إلى المُجاذفة بحیاتهم، بعد نفاذ صبرهم وقدرتهم على احتمال هذا الواقع» (الصمد، 1995م، ص80). «ینقطع السجّین عن العالم الخارجی وینطوی على أحزانه، فتتوالد عنده الهُموم والآلام،والحنین، والأشواق. تترجح نفسه بین الأمل والرّجاء، بین القُنوط والیأس. فیبثّ ذلک فی أدبه مُعبّراً عمّا یجیش فی نفسه من جوانب عاطفیة» (المصدر نفسه، ص214).

قد راع قلب الکیلانی الحساس ما رآه من حال السُّجناء، فصوّر لنا أوضاعهم وحیاتهم المادیة والنفسیة.

«فی داخل السّجن بدا کلّ شیء کئیباً ... البنایة الصفراء ذات النوافذ الصغیرة، المطبخ البدائی ذو المدخنة الّتی تتقیأ دُخانّاً أسود کالحقد، حتى  حوض الأزهار الصغیر خلف مکتب المدیر تقف زهراته فی جُمود یثیر الأسى، والضوضاء المُنبعثة من ورشة النسیج، والنّجارة والسمکرة ضوضاء قاتلة وکأنّها أجراس مبحوحة فی سوق للرقیق ...وهؤلاء الّذین یروحون فی فناء السّجن لا توحی مظاهرهم الشاحبة بغیر الضیاع والجفاف والوجوم» (الکیلانی، 2001م، ص9) .

«کلُّ مسجون له عشرات الأحوال إنّه یضحک ثمّ یبکی ویغنی ثمّ ینتحب کأنثى فقدت عزیزاً لدیها، ویسن فی ارتیاح ثمّ تُفاجئه نوبة صرع قاسیة، أغلب المسجونین هکذا ...یعیشون حیاة متقلّبة متغیرة تُثیر العُجب ...» (الکیلانی، 2001م، ص 102).

 

 

 

 

خاتمة

لا شکّ أنّ الأدب فی کلّ عصر هو مرآة تنعکس فیها الأحوال الاجتماعیة. والرّوایة فنٌّ أدبیٌّ یتّسع لدراسة العلاقات المتشابکة والمشابهة داخل المجتمع فیفرز لنا النماذج البشریّة فی شکل نقبله. الفنّ الروائی یجنح غالباً إلى التّهذیب والإصلاح للتغلّب على حلّ المشاکل الاجتماعیّة والأمراض الناتجة عن التردّی فی هُوّة التخلّف والتقهقر الاجتماعی والأخلاقی. الرّوایة کحیاة معقّدة؛ أی أنّها مرتبطة بمشاکل الحیاة وأمورها، فلا تستطیع أن تنعزل الرّوایة عن حیاة الفرد أو الجماعة الّتی یعالج فیها المؤلّف موضوعاً کاملاً أو أکثر زاخراً بحیاة تامّة واحدة. نجیب الکیلانی هو الأدیب والمفکّر الإسلامی، الّذی لا یستثنی من هذه القاعدة، بل إنّه ککثیر من الأدباء، أقبل على التحدّث عن العاهات الاجتماعیة الّتی استولت آنذاک على الإنسان. لا غرو أنّ الظروف الاجتماعیة والسیاسیة المسیطرة على البلدان العربیة آنذاک، والفقرُ السائد والجهلُ الشامل والعصبیة الّتی صنعت الاتّحاد والإخاء والتفاهم وإقامة الدول الاستعماریة  فی البلدان العربیة، ساقت الکیلانی إلى التحدّث عن مشاکل مجتمعه، والنظر إلى الفساد الّذی سیطر على هذا المجتمع بعیونه الیقظة. فی روایة «لیل وقُضبان» قد ظهر السّجن مرفوضاً مُحتقراً من قبل الشخصیّات السجّینة. واستطاع الکاتب أن یُوظّف المکانَ بکُلّ مُفرداته وعناصره. فالزنزانة والجبل وفقدان الحریّة تُعدّ من أبرز مفردات هذه الرّوایة. لعلّ صدقَ التجربة عند الکاتب وبراعته فی توظیف عنصر السّجن وما فیه، یرجع إلى معاناته الشّخصیّة، حیث أُعتُقِلَ مرّتین وعانى حیاة السّجن والحرمان، ویعدّ فی روایته رمزٌ للخلل الإداری والاجتماعی فی مصر؛ إذ یلجأ دائماً إلى الرّبط بین السّجن وحیاة أفراده، وبین المجتمع الخارجی. وقد استطاع الکیلانی أن یُقدّم ما یُعانیه السُّجناء من صُنوف الذلّ والمهانة  وجبروت السیّد المدیر هو عبدالهادی بک وأداته الباشسجان الشلقامی، وما یصدر عن المساجین من الشّغب، وردود فعل هذا الشّغب على الحیاة داخل المُستعمرة الکئیبة، وتصویر الحیاة داخل السّجن، بجانبها المادّی والنفسی فی صورةٍ ناطقة بحیثُ أشعرنا أنّنا نعیش فعلاً مع المساجین، نقطع معهم الأحجار والعیش الأسود، ونثور معهم على الظّلم داخل السّجن. والواقع أنّ الکیلانی قد استطاع أن یرسم صورةً واقعیّةً دقیقةً لکلّ من البیئة المادیّة والنفسیّة على السواء. لکنه لم یَکتف بتصویر حیاة المساجین بل انتقل إلى داخل مسکن المدیر الخاص، حیث یعیش هو وزوجته عنایات هانم وخادمتها واستطاع أن یرسم صورة واضحة لهذه الحیاة، بحیث أشعرنا أنّه لا فرق بین الحیاة فی هذا المنزل وبین الحیاة فی داخل السّجن، لا فرق بین هؤلاء وأولئک. الجمیع مسجونون. هؤلاء داخل أسوار سجنهم الصمّاء، وهؤلاء داخل أسوار نُفوسهم المُعتمّة. على هذا المثل یُصوّر المرأة على حقیقتها، بأنّها هی العفیفة تتمسَّک بالأصول الأخلاقیة أم هی الخدّاعة وتمیل بطبعها إلى الخیانة واللُّیونة الناعمة مثل القطّة الّتی تتظاهر بالضّعف والنُّعومة بینما هی فی الحقیقة الشیطان الجمیل والماکرة. یخاطبها الشیطان الجّمیل وهی الّتی تُطری الرّجال وتضمر الشرّ وکذالک کالعفاریت الّتی تتشکل بأشکال عدّة. أمّا هذا النظر إلى المرأة فهو خلاف أصل البیئة ولا یمُکن إصدار حکم مطلق بأن ّ النساء هنّ رأسُ کلّ المکاید والأعمال الملوّثة.

 أمّا القاصّ المتمکّن من ناحیّة فنّه، العارف بدقائق صنعته، هو الّذی یستطیع أن یمسک بخُیوط عمله جمیعاً، ببراعة وحذق. فلا یجعل خیطاً یفلت منه أو یختلط بخیط آخر فیحدث اللّبس والاضطراب. کذلک الکیلانی لا یقبل على النقد فی روایته، ولیس لسانه لاذع بل یتکلم ببیان خفیّ دون تفوّه بأی کلام وقح قذر. وهذا بسبب شخصیته الإنسانیة والإسلامیة الّتی تُرشده إلى الطریقة الفضلى فی بیان أفکاره وآرائه الاجتماعیة. فیستخدم الألفاظ القریبة بالأذهان حتّى لایواجه القاریء فی فهمه بمُشکلة ولا یترک القاریء فی الغُموض الّذی ینصرفه عن المطالعة، بل یرید أن یدرک القاریء ما یقوله بأیسر وأسهل شکل ممکن وأن ینقذه من المشاکل الاجتماعیة.

المصادر و المراجع
أ. العربیّة
-القرآن الکریم
1. أبو حاقه، أحمد. (1979م).  الالتزام فی الشعر العربیّ. بیروت: دار العلم للملایین.
2. أحمد عبدالخالق،نادر. (2010م).  الشخصیة الروائیة بین علی أحمد باکثیر ونجیب الکیلانی. کفرالشیخ: العلم والإیمان للنشر والتوزیع.
3. البریغش، محمّد حسن. (1416هـ.ق). نجیب الکیلانی رائد القصّة الإسلامیة المعاصرة. مجلة البیان. العدد 94. ص62-67. المجلة مثبتة  على الموقع: www.noormags.com
4. بنت الشاطیء، عائشة عبدالرّحمن. (1970م).  قیمٌ جدیدة للأدب العربی القدیم والمعاصر. القاهرة: دارالمعارف.
5. الجمریّ، عبدالأمیر منصور. (1986م).  المرأة فی ظلّ الإسلام. (ط4). بیروت: دار مکتبة الهلال.
6. الخفّاجی، محمّد عبد المُنعم. (1992م).  دراسات فی الأدب العربی الحدیث و مدارسه.  بیروت: دار الجیل.
7. خوری، رئیف. (1973م).الفکر العربی الحدیث؛ اثر الثورة الفرنسیة فی توجیهه السیاسی و الإجتماعی، الطبعة الثانیة، بیروت. ـــ.
8. الدّسوقی، عُمر. (آ 1967م).  فی الأدب الحدیث، (ج1). (ط6). لبنان: دارالفکر.
9. ـــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1973م).  فی الأدب الحدیث، (ج2). (ط7). القاهرة: دار الفکر.
10.الزیات، أحمد حسن. (آ 1972م).  وحی الرّسالة؛ فصول فی الأدب والنّقد والسّیاسة والاجتماع.  (ج1). (ط9). بیروت: دار الثقافة.
11.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (ب 1970م).  وحی الرّسالة؛ فصول فی الأدب والنّقد والسّیاسة والاجتماع والقصص. (ج2). (ط7). بیروت: دار الثقافة.
12.شهاب، خدیجة. (2009م).  حقوق الإنسان فی روایات عبدالرّحمن مُنیف. بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات والنشر.
13.الصمد، واضح. (1995م). السجون وأثرها فی الآداب العربیة؛ من العصر الجاهلی حتّى نهایة العصر الأموی. بیروت: المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر والتوزیع.
14.ضیف، شوقی. (1984م). الأدب العربی المعاصر فی مصر. (ط10). القاهرة: دارالمعارف.
15.عبدالحسن الغفّار، عبدالرّسول. (1984م).  المرأة المُعاصرة. (ط2). ــــ.  
16.العشماوی، فوزیة. (2005م). المرأة فی أدب نجیب محفوظ؛مظاهر تطوّر المرأة فی مصر المُعاصرة من خلال روایات نجیب محفوظ (1967-1945).  قاهرة: المکتبة الأسیرة (الهیئة المصریة العامّة للکُتّاب).