نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 استاديار گروه زبان و ادبيات عربي، دانشگاه اصفهان.

2 کارشناس ارشد رشته زبان و ادبيات عربي، دانشگاه اصفهان

المستخلص

يعبر مصطلح "ما بعد الحداثة" عن مرحلة جديدة في تاريخ الحضارة الغربية تتميز بالشعور بالإحباط من الحداثة، ومحاولة نقد هذه المرحلة و البحث عن خيارات جديدة. وکان لهذه المرحلة أثر کبير في العديد من المجالات الإقتصادية و الثقافية و السياسية و منها الأدبية. وعرفت الکتابة السردية في مرحلة ما بعد الحداثة، تحولات جذرية على صعيد الشکل والمضمون.
بناء على ذلک، تهدف هذه الدراسة إلى بحث ظاهرة ما بعد الحداثة في رواية "براري الحُمّى" لإبراهيم نصرالله، بما أنها نصٌ أدبي قادر على استيعاب ملامح ظاهرة ما بعد الحداثة.
وقد تضمنت هذه الدراسة جانبين؛ الأول: الجانب التمهيدي الذي جاء فيه الحديث،باختصار، عن ظاهرة ما بعد الحداثة وظهورها في الأدب الروائي، والجانب الآخر: الجانب التطبيقي الذي يتناول دراسة أهم ملامح  ظاهرة ما بعد الحداثة في رواية "براري الحمى" والکشف عن دور أبرز عناصرها وهي المغالاة والإغراق في الخيال، والتعدد والتشتت عوض الوحدة والإنسجام، والتخلي عن الحبکة،واللابطل، والشعور بالحنق والرواية الوهمية، ونفي السببية.
وخلص البحث إلى أن  ظاهرة ما بعد الحداثة تبدو أکثر وضوحاً في هذه الرواية، وتجسد تياراً مسيطراً على معطياتها واتجاهاتها الفکرية والفنية. وخاصة أن الکاتب استطاع أن يمثل هذه الظاهرة المحورية مثالاً فنياً متميزاً ويجعلها علامة في الأدب ما بعد الحداثي.
 

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

The Manifestations of Post-modernism in the Novel “Barari Alhoma” By Ibrahim Nasr-Allah

المؤلفون [English]

  • Ahmad Reza Saedi 1
  • Aliyeh Jafari Zadeh 2

1 *Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Isfahan

2 M.A student- Arabic Department-University of Isfahan

المستخلص [English]

The word post-modernism expresses a new era in the history of western civilization, which is known by the feeling of disillusion with modernity and effort to criticize it and seek new authority, and it has significant effects in many grounds. The purpose of this research is to review the phenomenon of post-modernism in the novel “Barari Alhoma” by Ebrahim Nasr-Allah because it is a literary text and contains manifest characteristics of post-modernism and indicates the dominant features of post-modern works and trends of this phenomenon. This writer especially has remarkable ability to express these characteristics artistically and differently. In this research, firstly remarkable techniques of post-modernism in this novel are indicated including exaggeration and overstatement in imagination, multiplicity and plurality instead of unity, lack of a main topic, antagonist, feeling of wrath and being imaginary, denial of causality, etc. Then, we survey some pieces of the story according to the dominant characteristics of post-modernism.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Ibrahim Nasr-Allah
  • Post-modern novel
  • Barari Al_homa
  • Post-modernism

التمهید

بدأت السردیات الحدیثة تبحر فی محیطات واسعة وتستشرف آفاقاً کبیرة، ومن خلال هذه الأبحار، ومن خفایا هذا الإستشراف، تبلورت أقسام هذا العلم بوصفه «اختصاصاً له أسئلته وإجراءاته وله حدوده وآفاقه الّتی یعمل السردیون على طرحها وممارستها نظریاً وعملیاً فی مختلف بقاع العالم» (جینیت، 1989م، ص3).

والروایة کائن حیّ تتکون بذاتها وبغیرها، وهذا لا یعنی أنها مجرد کیفیة فقط، بل هی مکون جمالی حیوی له قدرة لا متناهیة على البقاء؛ فالروایة إذن مساحة إبداعیة واسعة النطاق تسکنها شخصیات متعددة ومتفاوتة، تغمرها فضاءات زمنیة ومکانیة متغیرة، تحرکها آلیات قصصیة متفرعة فتملأها بدلالات تبدوا لأول وهلة ذاتیة التکون لتعبر عن قابلیة تکونها بغیرها، فتعددت زوایا الکتابة فی الروایة من حیث هی جنس أدبی قائم بذاته، وله قوانینه الخاصة الّتی لم تعرف الثبات والإستقرار طیلة زمن تواجدها الممتدة من بدایة القرن السابع عشر إلى یومنا هذا.

فمن روایة عصر النهضة وقع انتقال إلى روایة عصر الحداثة لتلیهما الروایة المعاصرة. وما أکثر ما قیل حول الحداثة، بسبب علاقتها الوثیق بتقدم العلم وما أحدثه من ثورات على مختلف الأصعدة. والعصر الحدیث، هو عصر ظهور الآلة فی غیاب إنسانیة الإنسان الذی ترتکب ضد کل أشکال التعذیب الجسدی والنفسی فی شتّى بقاع الأرض.

ومن یمعن النظر فی فلسفة الآراء النقدیة المدروسة فی العصر الحدیث حول الأنواع الأدبیة، یتجلى له أن فلسفة الماضی تقوم على الوحدة والإنسجام والنقاء، فی حین تقوم فلسفة الحاضر على التدمیر والفوضى؛ إذ یری رولان بارت أحد مفکری الحداثة وما بعدها «أن الکتابة خلخلة، فهی تهشم کل بناء تصنیفی، ولا تنتج سوى النصوص. والنص لا یضعف، وحضوره یلغی الأنواع الأدبیة، بمجرد أن نغوص ممارسة الکتابة؛ فإننا سرعان ما نکون خارج الأدب بالمعنى البرجوازی للکلمة، هذا ما أدعوه نصاً. وأعنی ممارسة تهدف إلى خلخلة الأجناس الأدبیة فی النص، لا نتعرف على شکل الروایة، أو شکل الشعر، أو شکل المحاولة النقدیة» (بارت، 1986م، ص48).

وانتهت الحداثة بکل تیاراتها وجریاناتها منذ خمسین عاماً؛ فقد شهد النصف الثانی من القرن العشرین نمو ظاهرة جدیدة ربما لم یحدث لها نظیر من قبل فی الدراسات الإنسانیة، وهی نشوء علوم جدیدة وأیضاً المذاهب الأدبیة، مثل: ما بعد الحداثة. ویعد هذا المصطلح من أهم المصطلحات الّتی شاعت فی الخمسینیات، وقد اختلفوا فی تحدید مصدر هذا المصطلح، «فهناک من یربطها بالناقد الأمریکی "تشارلس أولس" فی الخمسینیات، وهناک من یصلها إلى ناقد الثقافة "لیزلی فیدلر"، فی العام 1965م، بید أن البحث أفضى إلى إکتشاف إستخدامها قبل هذه التواریخ؛ فقد إستخدم "بون واتکنز تشابمان" مصطلح الرسم ما بعد الحداثی فی العام 1870م، وإستخدم "رودولف بانفتز" مصطلح ما بعد الحداثة فی العام 1917م» (الرویلی، ص317 و142). أما تحدید المصطلح کمفهوم نقدی، وفکری فقد «انتقل هذا المصطلح إلى مجال النقد الأدبی على ید الناقدین: "فیدلر، و إیهاب حسن" فی ستینیات، فأکسب المصطلح تداولا فی السبعینیات، وشمل العمارة والرقص، والسینما، والتصویر، والمسرح، والموسیقى» (الشیخ، ص11). لقد ساهمت التحولات السوسیولوجیة والتاریخیة الّتی عاش المجتمع الغربی فی ظلها بعد نهایة الحرب العالمیة الثانیة، أی منذ منتصف القرن الماضی، فی بروز أسلوب جدید فی العیش قوامه الإستهلاک والتبذیر، وهو ما دفع البعض إلى القول بأن: «الاستهلاک هو محرک المجتمع ما بعد الحداثی» (سبیلا،2002م،ص68)؛ فقد دفع الإنسان الإقتصادی، الذی سعى التوجه الإقتصادی لخلقه إلى الاستهلاک، إلى جانب ذلک تنامت وتفاقمت، وتسارعت حرکات التجدید مما أفضى إلى قواعد موضة جدیدة قائمة على خلط، فهی «مزیج من الأذواق والموائد والأطعمة العالمیة، وخلیط من الألبسة التی تندغم فیها الخیاطة الراقیة بالفلکور، وخلیط من الموجات الغنائیة» (سبیلا،2002م، ص69). وظهر میل إلى إلغاء الذات الموحدة واعتبرت «حکایة خرافیة» (إنجلتون، 2000م، ص74) لا أساس لها من الصحة؛ فالذات ما بعد الحداثة ذات حرة وإستهلاکیة ومبعثرة وفصامیة.

 یکمل التیار ما بعد الحداثی النقد المحطم للنموذج العقلانی الذی بدأه فلاسفة وعلماء من أمثال مارکس، نیتشة وفروید؛ فإن الظروف الّتی رافقت نشأة وبروز ما بعد الحداثة متعددة ومتشعبة، فجاءت کمحصلة للتحول التاریخی الذی شهده الغرب. وکذلک نشأ فی الأدب النثری العربی فی الخمسینیات جیل جدید؛ فتشابه ظروف نشأة تیار ما بعد الحداثة فی الأدب العربی مع ظروف نشأة تیار ما بعد الحداثة فی الأدب الغربی، تعود إلى حدوث تغییرات عمیقة وإنقلابات فی الحیاة الغربیة فی جوانبها الإجتماعیة والفکریة والعالمیة، وما صاحب ذلک من مخترعات علمیة وتصنیع، وتعود کذلک إلى تعاظم نفوذ الدولة وإزدیاد تسلط موسساتها البیروقراطیة على حیاة الفرد؛ فجعله یعیش داخل القالب الذی صنعته له المؤسسة البیروقراطیة، متخلیاً بذلک عن تفرده وفردیته بل ووجوده.

أما تحدید السقف الزمنی لروایات ما بعد الحداثة، فقد حددته نبیلة إبراهیم بالعقود الثلاثة الأخیرة من القرن العشرین، وحدده أبو هیف فی کتابه "القصة العربیة الحدیثة والغرب " منذ عام1940م، وقد تمیزت بخصائص تجریبیة على مستوى السرد؛ لأن سمة هذه الروایات تنصب على هدم العلاقات بکسر التماسک وإستبداله بمنطق التفکیک والتشتیت.

ولایزال الخلاف قائماً حتى منتصف التسعینیات من القرن العشرین حول حدود کل من مصطلح الحداثة وما بعد الحداثة. وإن کانت الحداثة، مقصورة على الإشارة إلى إتجاه فنّی ثقافی، على حین یتضمن مصطلح ما بعد الحداثة، الإشارة إلى بعض ملامح المجتمع الحدیثة. و لکن الفصل بینهما نظریاً عسیر بسبب إختلاف آراء من کتبوا فی الموضوع «فیؤکد أندریاس هایش صعوبة تحدید ملامح ما بعد الحداثة، خصوصاً بسبب تداخله فی المفهوم مع تعریف عدد من النقاد للحداثة» (برادة، 1984م، ص12). وإن أقل ما یمکن قوله عن مؤلفات ما بعد الحداثة هو أنها کتبت على شاکلة مؤلفات الأدب القدیمة؛ فکثرت فیها الإستباقات والتضمینات والإشارات، وتفاوتت فیها اللغات وتداخلت الأجناس وتباینت المضامین. لعل فی ذلک تجاوز لمراحل الإلتزام التی عرفها الأدب فی فترات طویلة؛ فما بعد الحداثة هی نتاج تشکل حضاری واکب مراحل تطور الرأسمالیة بشکل خاص، أدت إلى ظهور تیارات وممارسات ثقافیة معینة، وأنتجت ما أنتجت الفنون والآداب التی اصطبغت بطابعها، وقد تمیزت المرحلة الراقیة لما بعد الحداثة.

إبراهیم نصرالله هو من موالید عمان من أبویین فلسطینیین أقتلعا من أرضهما عام 1948م. درس فی مدارس وکالة الغوث فی مخیم الوحدات، وأکمل دراسته فی مرکز تدریب عمان لإعداد المعلمین. عمل سنتین مدرساً فی المملکة العربیة السعودیة، ویعمل الآن فی الصحافة. ومنذ عام 1978م، دواوینه الشعریة: الخیول على مشارف المدینة، 1980 م ـ المطر فی الداخل، 1982م ـ نعمان یسترد لونه، 1984 م ـ  أناشید الصباح، 1984 م ـ  الحوار الأخیر قبل مقتل العصفور بدقائق، 1985 م ـ الفتى النهر والجنرال، 1987م ـ عواصف القلب، 1989 م ـ  حطب أخضر، 1991م ـ  فضیحة الثعلب، 1993م ـ الأعمال الشعریة، 1994م ـ شرفات الخریف، 1997م ـ کتاب الموت والموتى، 1998م ـ باسم الأم والابن، 1999م.

وأعماله الإبداعیة الأخرى: براری الحمى، 1885م (ثلاث طبعات) ـ  الأمواج البریة ـ سردیة، 1988 م (خمس طبعات)، عود، 1990م (طبعتان) ـ مجرد 2 فقط، 1992م (طبعتان) ـ  طیور الحذر، 1996 م (ثلاث طبعات) ـ  حارسالمدینة الضائعة، 1998م ـ بیروت طفل الممحاة، 2000 م.

نال الجائزة التقدیریة لرابطة الکتاب الأردنیین ثلاث مرات، وجائزة عرار الأدبیة عن مجمل أعماله، وجائزة تیسیر سبول، وجائزة سلطان العویس؛ کما ترجمت بعض أعماله الشعریة والروائیة إلى الإنجلیزیة، والألمانیة، والفرنسیة، والروسیة.

 

تجلیات ما بعد الحداثة فی روایة «براری الحُمّى»

وتمثل روایة "براری الحمى" لإبراهیم نصرالله نموذجاً سردیاً یجسد مسعى کاتبها الهادف إلى الاستفادة من بعض تقنیات ما بعد الحداثة، وأن إستثمار ابراهیم نصرالله لعناصر ما بعد الحداثة وتوظیفها فی روایته هذه، جعلها تتمیز عن نصوصه السابقة.

ونحن فی هذا المقال، نرید البحث عن هذه التقنیات التی جعلت هذه الروایة تختلف عن سابقیها. ومما سبب إهتمامنا بهذه الدراسة و فی هذه الروایة بالتحدید، أن ابراهیم نصرالله إستطاع أن یجسد بعض تقنیات ما بعد الحداثة تجسیداً متمیزاً یکشف من خلاله عن طبیعة العلاقة بین عالم الواقع وعالم الحلم لدى الشخصیات وکذلک قلة البحوث فی هذا المجال.  

وهنا نرید أن نتناول دراسة أهم ملامح  ظاهرة ما بعد الحداثة فی روایة "براری الحُمّى" وهی: قراءة فی العنوان، والسیرة الذاتیة الروائیة، والعجائبیة، والتعدد والتشتت عوض الوحدة والإنسجام، والتخلی عن الحبکة، واللابطل، والشعور بالحنق والروایة الوهمیة، ونفی السببیة.

 

قراءة فی العنوان

نبدأ بتحلیل عنوان روایة «براری الحمى» بما أنه یمثل العتبة الأولى لفهم مضمون الروایة، وإن الإهتمام بموضوع عتبات النص هو من أهم منجزات ما بعد الحداثة، ولکن تجدر الإشارة هنا إلى أنه لا یمکن أن تکون دراسة العنوان ذریعة لإهمال التحلیل الکامل للنص؛ فالعنوان «یمثل بطاقة النص التعریفیة، فهویته» (خالد، 2007م، ص303) والعلاقة بینهما جدلیة «إذ بدون النص یکون العنوان وحده عاجزاً عن تکوین محیطه الدلالی، وبدون العنوان یکون النص باستمرار عرضة للذوبان فی النصوص الأخری، وعلیه فإن العنوان کعلامة، أو أمارة تشیر إلى النص یکون أشبه بالهویة» (الطاهر، 1991م، ص15). وتأویل قیمة العناوین قد یدفع البعض إلى النظر فی دراستها وکأنها تمثل مثیلا تحدیثیاً. ویمکن دراسة العناوین فی انفصال تام عن النصوص التی هی سبب وجودها. وفی ضوء هذا المنهج لدراسة العنوان نبدأ بتحلیل عنوان الروایة:

بنیة هذا العنوان تتشکل من قسمین؛

الأول: براری، جمع مفردها بریة، وهی الصحراء، تدل على منطقة تتصف بممیزات مختلفة منها: الإمتداد، الحیوانات، الحرّ، و... .

والثانی: الحُمّى، وهی حالة مرضیة تتبین بظهور علامات معینة منها: إرتفاع شدید فی درجة حرارة الجسم، الصداع، الألم فی العظم و...؛

ویثیر هذا العنوان عدة أسئلة عند القاریء: ما الأمور التی تثیر عند قرائته لمصطلح براری الحمى؟ وهل هناک علاقة بین براری والحمى التی لم توضحها فی العنوان؟

ونبدأ بالإجابة عن السؤال الأول، کما قلنا إن العنوان یشیر لدى القارىء إلى الأبعاد الثقافیة والمعرفیة التی تتداعى مع قراءة العنوان، فعندما تذکر "براری" یتبادر إلى ذهن القارىء أموراً معینة مثل: الحرّ الشدید، الجفاف، الحیوانات، والصعوبات التی تسود العلاقات بین الناس و غیرها من المفاهیم المرتبطة بالصحراء.

والمراد بالصحراء (براری) هنا القنفذة، وهی مدینة تقع على شاطىء البحر الأحمر جنوب جدة فی المملکة العربیة... وتبعد عنها 600 کم؛ «کانت حقیبته قد استقرت فی منتصف سریره... منذ ذلک الیوم الذی أمضیتماه بین مدینتی جدة والقنفذة»(نصر­الله، 1999م،ص11).

وهنا نعود إلى السوال الثانی، وهو الشیء الذی سکت عنه الکاتب فی العنوان؛ فالبراری ملفوظ مادی، ملموس، وموجود باستمرار، و الحمّى ملفوظ عرضی وغیر متواجد باستمرار، وهما غیر متلائمین دلالیاً، بسبب التباعد الواضح فی الأصل، مما أدى إلى حدوث تنافر دلالی بینهما، وإکساب بنیة العنوان معنى مخالفاً لما هو مألوف، ومعروف، أسس غرابة العنوان، وإیحاء هذا العنوان بدأت بالحضور منذ مطلع الروایة حین حکی محمد حمّاد:

«یبدو أن أکثر من ید طرقت الباب... خمسة کانوا، هذه هی الحقیقة،خمسة بلا ملامح، الظلمة الحالکة، والمدی فراغ، صحراء تزحف باتجاه العتبة... مجرد أن قالوا لی: إننی مُتُّ، وعلیّ أن أدفع مئة ریال مساهمة فی نفقات دفنی... أن تکون المیت، فهذا لا یعفیک من أن تدفع، مادام المدرسون على امتداد هذا البر سیدفعون» (نصر­الله، 1999م،ص6).

وإن عملیة القراءة تفترض أنها تتم بطریقة خطیة من البدایة إلى النهایة. فمازالت أکثر العتبات بشکل عام تقع فی بدایات النصوص؛ فإن القارئ یتأثر بها ویسرى هذا التأثیر على جمیع مراحل القراءة، دون أن تکون هناک حرکة ارتدادیة إلى الوراء. فبعد قراءة هذا العنوان، وبعد ما أثیر لدیه من أمور معینة، یصبح من الطبیعی أن تتحدث الروایة عن بعض العلاقات بین الشخصیات، وکأن الکاتب یرید أن یقول للقارئ إن ما تعرفه من الأمور التی تتصف بها "براری الحمى" موجودة فی روایتی.

 

السیرة الذاتیة الروائیة

 یلجأ الکاتب فی السیرة الذاتیة الروائیة إلى استعارة القالب الروائی؛ فیصوغ «سیرته الشخصیة فی ثنایاه، مفصحاً فی تصویره لقصته عن هدفه الذی ینصرف إلى تصویر حیاته فی شکل روائی، دون إلغاز أو محاولة للتخفی خلف الشخصیة الروائیة الرئیسیة، أو إنسیاق وراء عناصر الفن الروائی، وما یستوجبه هذا الفن من إهمال الخیال والتصویر لبعض الحقایق تصویراً یخل بالحقیقة التاریخیة، وحقیقة حیاته الخاصة»(عبدالدایم، ص82)،وترى یمنى العید أنّ السیرة الذاتیة «عمل أدبی قد یکون روایة، أو قصیدة، أو مقالة فلسفیة، یعرض فیها المؤلف أفکاره، ویصور إحساساته بشکل ضمنی، أو صریح» (العید، 1997م،ص13)؛ فلیس ممکناً فصل الکاتب عن ذاته فهو إنما یدوّن خلاصة تجاربه، ویسیطر مفاهیمه، وآراءه الفکریة، والسیاسیة، والاجتماعیة وغیرها؛ حتى یعتقد البعض أنّ إیضاح العمل الأدبی من خلال شخصیة الکاتب وحیاته یعتبر من أقدم مناهج الدراسة الأدبیة وأقواها.

 ویدخل فی جنس روایة السیرة الذاتیة «کل النصوص التخییلیة التی یمکن أن تکون للقارىء فیها دوافع لیعتقد، انطلاقاً من التشابهات التی یعتقد أنّه اکتشفها، أنّ هناک تطابقاً بین الشخصیة والمؤلف، فی حین أن المؤلف أختار أن لا یؤکده، وحسب هذا التحدید تشمل روایة السیرة الذاتیة روایات شخصیة (تطابق السارد والشخصیة)» (لوجون،1994م، ص35)، یعنی ذلک أنّ روایة السیرة الذاتیة لا تنسلخ عن حیاة صاحبها، وإن إحتل الخیال مساحة من الأحداث، وفیها یستعیر الکاتب عناصره الفنیة،لنکون أمام روایة «یرتکز محورها الرئیسی على تجربة سببت المعاناة للمؤلف، حیث کان بطلها، ومدار أهم أحداثها، وحیث کانت الأحداث تمثل جزءاً من حیاة البطل، أو صفحة من حیاته، کل ذلک بشرط أن یعبّر المؤلف عن تلک التجربة الشخصیة فی قالب روائی تتوفر فیه أهم عناصر الروایة» (هیکل، 1968م،ص143). و هی (السیرة الذاتیة) أیضاً تعتبر من أهم منجزات ما بعد الحداثة.

وبرزت هذه السمة فی روایة "براری الحمى" لإبراهیم نصرالله، التی صدرت فی الثمانینات. وتمثل إبراهیم نصرالله معلماً شاباً ذهب لیدرس فی منطقة نائیة منعزلة من الجزیرة العربیة؛ فهو یستعید تجربة مُرة بالغة الإیلام من الاغتراب والوحدة، وهو مصاب بالأوهام والمخاوف وأنواع الهلع والحرمان المحض، فعیشه فی واقع الأمر عذاب مطلق. وتبرز شخصیة محمد حمّاد، بطل الروایة، أستاذاً یتجه جنوباً إلى القنفذة إحدى قرى شبه الجزیرة، وقد هرب من منفاه القریب من الوطن المفقود إلى منفى أکثر جفافاً وبعداً. و فی المنفى الجدید یعیش محمد حماد حالة رعب، إذ یصطدم مع الموت منذ اللحظة الأولى لوصوله ویظل یطارده حتى نهایة السرد، ویصاب محمد حماد، بطل الروایة، بانهیار نفسی فی الصحراء، أفقده ذاته، وظل طیلة أحداث الروایة یبحث عن هذه الذات فی صورة أحلام وهلوسات ومناجاة؛ فالروایة ملیئة بأحلام أو کوابیس أو حالات هذیان أو مجموعة من الصور والمشاهد المرعبة، لإنسان فقد الاعتماد بنفسه والآخرین، ولم یستطع أن یمیز بین الحقیقة والوهم؛ لأنه لا یمتلک سوى الشعور بحالة الموت وترقبه «ما الذی یستطیع أن یصد کل هذا الموت عن جبین طیب، یجلله الصمت، وتطوقه العزلة،...کم من الکثبان الرملیة اللاهبة، سوف تدفع عن إمتدادک حتى تستطیع أن ترى السماء» (نصرالله،1999م،ص40)؛ فیستهل الکاتب الروایة بمقطوعة شعریة تصف المکان والزمان والشخصیات:

«جنوباً... جنوباً

 حیث البحر الأحمر

 وسمک القرش الأبیض

"والقنفذة"

جنوباً... جنوباً

 حیث طاولات المقاهی المتعبة...» (نصرالله،1999م،ص5).

 وتکشف عن حالة الفراغ والوحدة، وفی ظل ثنائیة المکان والزمان یعیش محمد حماد الوقایع التی تبدأ بالمواجهة مع الانتظار والموت.

وتبدأ الروایة فی ظلمة اللیل بکابوس یخیم على محمد حماد، ویتمثل له فی صورة خمسة رجال یأتون لأخذه، «خمسة کانوا، هذه هی الحقیقة الوحیدة، خمسة بلا ملامح، الظلمة حالکة والمدی فراغ. صحراء تزحف باتجاه العتبة»(نصر­الله، 1999م،ص6).

   ولقد استطاع إبراهیم نصرالله أن یبدع نصاً روائیاً تظهر فیه أسالیب السرد المختلفة من خلال شخصیة محمد حماد الذی یعبر عن ذاته بضمائر تختلف بین ضمیر المتکلم وضمیر المخاطب وضمیر الغائب، فتمتزج الضمائر فی حالة هذیان وکابوس.

 

 

 

تشظّی الزمن

یمثل الزمن محور الروایة وعمودها الفقری الذی یشدّ أجزاءها، کما هو محور الحیاة ونسیجها، وقد أکّد کثیر من الدارسین أن الروایة هی:«فن شکل الزمن بامتیاز؛ لأنها تستطیع أن تلتقطه، وتخصبه فی تجلیاته المختلفة: المیثولوجیة، والدائریة، والتاریخیة، والبیوغرافیة، والنفسیة» (برادة، 1993م، ص22)؛ فهو عامل أساسی فی تقنیة الروایة، لذلک یمکن إعتبار القصة أکثر الفنون التصاقاً بالزمن، فلو انتفى الحکایة،کونها فناً زمنیة.

ویعد الزمن محور الروایة وأساسها، کما هو محور الحیاة «فالأدب مثل الموسیقى، هو فن زمانی؛ لأن الزمان هو وسیط الروایة، کما هو وسیط الحیاة، وعبارة کان ما کان، فی قدیم الزمان، هو الموضوع الأزلی لکل قصة یحکیها الإنسان من حکایات الجن» (میرهوف، 1972م، ص9).

وأما أدب ما بعد الحداثة یرفض الزمن الأفقی أو التتابع الزمنی، وبناء الزمن متشظیٌ «فأبعاد الزمن تخضع للتشظّی والتکسّر، وتجاوز کل إشارة زمنیة یمکن أن تقود القارىء إلى التتابع. وقد تحولت روایة الزمن المتشظّی إلى شیء ما أشبه بالحلم والکابوس، حیث أبعاد الزمن تتجاوز کل ما هو منطقی وواقعی إلى حریة لانهائیة فی التشکیل، یصل إلى درجة التشظّی والتبعثر فی النص الروائی» (حسن القصراوی،2004م،ص111)، فلم یکن ثمة بدایة ووسط ونهایة، ونلاحظ بدایة جدیدة، ووسط جدید، ونهایة جدیدة، والأحداث تتلاحق وتتسارع، فتصل إلینا فی لحظة حدوثها، وهی لا تصل إلینا فی تتابع زمنی منطقی. إن المستقبل لم یعد مستقبلاً، ولم یعد ماضیاً؛ لأننا لازلنا نعیش آثاره، وهی آثار تتداخل فی حاضر جدید ومستقبل جدید، وهذا ما یسعى أن یفعله أدب ما بعد الحداثة. وبما أننا نعیش النص المفتوح، یجب علینا عند کتابة النص المفتوح أن تکون عباراتنا مفتوحة لا تنغلق على معنى معین، فلابد أن نکتب "لغة ما بعد الحداثة" لنصف روایة ما بعد الحداثة.

فلهذا لجأت الروایات الحدیثة وما بعدها إلى إلغاء البعد الزمنی، ولکن لا یمکن أن نتحدث عن حدث سواء أ کان واقعیاً أم تخییلیاً، خارج الزمن، کما لا یمکن أن نتصور ملفوظاً أو شفویة أو کتابیة ما دون نظام زمنی. وهذا اللغو لیس من قبیل المصادفة ولعله من قبیل العمد.

 وفی "براری الحمى" یلغی إبراهیم نصرالله الزمن الکرونولوجی، ویحاول إلى تکوین زمن حلمی؛ لأن الحلم یقع خارج حدود الزمان، ویتکون من صور وتراکیب دون أی تسلسل زمنی؛ فهو زمن متشظّی ومتبعثر. وزمن الحلم فی النص لا تکمن أهمیته فی کمیته العددیة الّتی تصل إلى ساعة من زمن القصة و إنما یکمن فیما یحقق البطل نفسه من خلال تعاملها معه من المشاعر والانفعالات، وقد وصلت إلى سنة من زمن الخطاب، وتوسل البطل بزمن الحلم للهروب من زمن الحاضر فی ساعة من القصة یخطبها فی سنة على مساحة زمن الخطاب، ومن خلال إعلانه فی نص أنه فی زمن الحلم، وفی أحیان أخرى أنه فی زمن حقیقی، یخلق تشویشاً لدى القارىء ولا یحسم أمر هذه الفترة الزمنیة إلاّ فی النهایة.

 فالزمن فی روایة "براری الحمى" «هائل مر، ارتفع حتى السماء جداراً ولم یعد قادراً على تجمیع بعثرة الأیام فی هذه الصحراء الأزلیة أو تلک الأشرعة البعیدة الراحلة نحو کهوف الأبدیة» (نصرالله،1999م، ص153)، وقد لجأ إبراهیم نصر­الله إلى خلق حالة توحد بین الإنسان و زمنه؛ ومن یمعن النظر إلى روایة "براری الحمى " یلاحظ زمناً متبعثراً، لا یمکن للقارىء أن یتابع قراءة النص دون الشعور بمتاهة الوقائع؛ لأنه نصٌ حلمیٌ، والبعد الحاضر هو الزمن السائد بلا مستقبل، فهو زمن حلمی کابوسی مضطرب، یظهر متشظّیة فی أزمة محمد حماد. وهو یتوسل بزمن الحلم أو الزمن الأسطوری، وظل تأثیر هذا الزمن واضحاً على البطل فی الزمن الحاضر طوال مساحة النص.

یبدأ زمن الحاضر السردی فی عتمة اللیل بکابوس یسیطر على محمد حماد، ویتمثل له فی صورة خمسة رجال یأتون لأخذه،«خمسة کانوا، هذه هی حقیقة وحیدة، خمسة بلا ملامح ، الظلمة حالکة، والمدی فراغ، صحراء تزحف باتجاه العتبة»(نصرالله،1999م، ص6)، ویتکرر مشهد الرجال الخمسة فی نهایة الروایة «وللحظة. التفت خلفک، کان الخمسة یعودون باتجاه ثریبان، یحملون بین أیدیهم أحد المدرسین، کان یشبهک، یشبهک تماماً... » (نصرالله،1999م، ص162).

 وبین المشهد الاستهلالی والمشهد النهائی، تتقاطع وتتشظّى مدة زمنیة تجسّد حاضراً ساکناً لا حرکة فیه. وإن صراع البطل مع زمنه الحاضر،جعل البعد الزمنی الحاضر أکثر الأزمنة حضوراً واستمراریة فی النص؛ فلا یتجلد لنا الماضی کبعد زمنی فی بناءه المتسلسل، وإنما البعد الحاضر فی الروایة هو الزمن السائد بلا مستقبل، وهو زمن کابوسی مضطرب حیث یفقد محمد حماد اتصاله بالزمن الخارجی؛ فهو یعیش اللحظة الحاضرة فاقداً علاقته بالأبعاد الزمنیة الأخرى، فالماضی والمستقبل أسقطهم الراوی فی تشکیل الزمن النصی، وبدأت الروایة من مشهد الموت و انتهت بمشهد الموت؛ فیمتزج زمن الحکایة بزمن السرد الحاضر، ونجد القارىء یتابع حرکة محمد حماد فی اللحظة الزمنیة الراهنة، وغیاب الماضی وزمن الوقائع الحکائیة، یعود إلى انفصال ذات محمد حماد ودخوله فی حالة الحمى والهذیان، فجاء زمن السرد الحاضر أشبه بزمن الکابوس، ویتحول زمن النص إلى اللازمن.

 فإن روایة "براری الحمى"، فی الکشف عن مظاهر ما بعد الحداثة فیها، لم تخضع بصفة مطلقة لبنیة الزمن الکونی بتتابع الماضی، ثم الحاضر، ثم المستقبل، وإنما خرق لهذا التتابع الفیزیائی الذی اعتمده الروائی فی الروایة، فیفقد الزمن تحولاته وتغیراته وکأنه یثبت فی حالة من السکون وعدم الحرکة؛ فعدم إعطاء الروائی لخصائص زمنیة واضحة فی الروایة، دلیل على محاولته دمج الزمن الحلمی حیث تتجاوز الراهن إلى اللامتناهی، إن ما نستشفه من الزمن فی روایة "براری الحمى" کونه مفتوحاً غیر خاضع لحدود معینة حیث نجهل المدة الزمنیة، فالسارد لیس مجبراً على السرد الحرفی للوقایع.

 

العجائبیة

جاء فی تعریف للعجائبی أو الفانتاستیکی:

«هو جنس خطابی یتولد من التردد الذی یحصل للقارئ، والشخصیة عندما یفاجئ بحدث یخرق قوانین العالم کأن یظهر الشیطان أو الجان... فیقف القارئ من الظاهرة أحد الموقفین: إما أن یعتبر الخارق وهماً و خیالاً؛ فتظل قوانین العالم على ما هی علیه و یکون ما یمرّ به من قبیل الغریب. وإما أن یعتبر أن بالإمکان ظهور الشیطان، وأن فی حالات نادرة، فیکون للواقع، آنذاک، قوانین مجهولة تتحکم فیه. وبذلک یکون القارئ فی إطار العجیب» (تودوروف،1994م، ص7).

أشار النقاد والباحثون إلى عدد واسع من أنواع التحول الغریب، وذکروا «الحدث العجائبی والحدث الأسطوری، والحدث الخارق، والمسخ والتحول، والحدث الغیبی، والحدث الغامض، وغیرها» (أبو إصبع،1997م، ص67-68)، وکلها حالات مخالفة لنوامیس الطبیعة.

بغض النظر عن المفاهیم المحیطة بالعجائبی من غرائبی وأسطوری وخرافی و... یهمنا هنا التأکید على أننا نقصد به المظاهر الموجودة فی النص الروائی التی تحاول التغلب على معطیات الواقع بطریقة غیر منطقیة. والحدث فعل، وتأتی الأفعال مألوفة وعادیة فی الغالب، أما إذا خرجت عن مألوفیتها أصبحت مثیرة للعجب والغرابة، ویقع الحدث الغریب والعجیب على الإنسان والحیوان والمکان؛ فتتحول عن طبائعها، وصفاتها، وخصائصها المعروفة.

وقد راج الفانتاستیکی فی الغرب ردّ فعل مضادا على طغیان الوضعانیة والعلمویة . ولکن فی الأدب العربی انتشر فی الربع الأخیر من القرن العشرین؛ مما یجدر الإشارة إلیه هو أننا فی هذه المقالة لم نقصد دراسة هذا العنوان کجنس خطابی-أدبی، کما جاء فی تعریف له أعلاه، بل نرید دراسته کظاهرة ما بعد حداثیة فی روایة "براری الحمى" هذه.

وتتجلى غرابة الحدث فی روایة "براری الحمى" فی عدة صور نشیر إلى أبرزها: افتتاح الروایة بتقدیم محکی غرائبی «یبدو أن أکثر من ید طرقت الباب ... خمسة کانوا، هذه هی حقیقة وحیدة، خمسة بلا ملامح ، الظلمة حالکة، والمدی فراغ، صحراء تزحف باتجاه العتبة... مجرد قالوا لی: إننی مت، وإن علیّ أن أدفع مئة ریال مساهمة فی نفقات دفنی، أدرکت أن مؤامرة تحاک ضدی» (نصرالله،1999م،ص6).

 کیف یمکن أن یمیت شخصاً، و لکن علیه أن یشارک فی نفقات دفنه؛ فهذا حدث غیر ممکن وغیر محتمل. وقصد السارد من افتتاح الحکایة بإتیان هذا المحکی الغرائبی، وضع القاریء منذ بدایة المحکی فی الحالة المأساویة التی ألمت بمحمد حماد، وجعلته یشعر بأنه میت، وهو على قید الحیاة. وإن هذا الحدث الغریب ینتمی إلى عالم غیر المألوف، فاجأ محمد حماد وخلق وضع جدید یتسم بالاضطراب الذی هزّ کیانه، وإشعاره بغرابة هذا العالم اللامألوف، وأیضاً إحساسه بالحزن والخوف طوال الروایة بسبب انشطار شخصیته؛ إذ انشطرت إلى شخصین، حمل کل منهما الاسم نفسه (محمد حماد)، واحد غاب تارکاً أشیاءه الخاصة الدالة على عدم غیابه.

 و تحول أحمد لطفی إلى حیوان (ذئب) حیث یسیر الحدث، إلى هذه الغرائبیة، فیتحول أحمد لطفی إلى ذئب یتصید مع جماعة الذئاب؛

«وحده أحمد لطفی وقف على باب غرفته متکئاً على الحجارة، التی لم تزل تختزن الکثیر من جحیم النهار.

ولا أحد یعرف من أین وقعت تلک الضربة علیه، لا أحد یعرف، ولکنها کانت الفاتحة للکثیر من العصی، التی بدأت تأکل جسده، وهو یفر أمامها کذئب تخلف عن قطیعه.

کانت الذئاب قد وصلت إلى أطراف القریة، وکان أحمد لطفی الذئب الأخیر فی هذا القطیع ولکنه ما لبث أن احتمى ببقیة الذئاب واختفى بینها،... أما أحمد لطفی فقد اختفى للأبد» (نصر­الله، 1999م، ص118).

 هذا الأمر یدل على تمکن الطبیعة الحیوانیة وتغلبها على الطبیعة الإنسانیة؛ فالتحول یأتی مفاجئاً، ولم یکن إشارات وعلامات تشیر إلى حدوثه. ویساند الغریب هنا، التحول، ویسنده لیغوص فی أعماق أحمد لطفی المتأکلة شیئاً فشیئاً، فیظهر صراعه النفسی الداخلی، ونقاط ضعفه التی حاول التلخص منها ومقاومتها، لکن المحاولات الذهنیة وأحلام الیقظة تبوء بالفشل، فیسیر أحمد لطفی إلد الحالة الذئبیة.

 وتختفی ابنة سعد وتصبح صوتاً هائماً فی البراری (تحول الإنسان إلى الصوت). نشعر بهذا الحدث الإبهام والتشویش، ولم تسهم غرائبیتها فی تفعیل الدلالات وإثراء الرموز، وربطها بواقع القریة التی تصورها الروایة، تعرض قضیتها وهمها، بل خلقت عالماً ضبابیاً مرعباً یصعب فهم دلالاته وغایاته.لقد جاءت غرابة الحدث فی روایة "براری الحمى"  فاعلة ومنسجمة مع عناصر الغرائبیة، فالفعل الغرائبی، حفزنا، وقام باستفزازنا لننظر فی مصائرنا، ونفکر فی حیاتنا، ونبه الضعفاء منا إلى الخطر الذی ینتظرهم وهذا ما نعتقد أن إبراهیم نصرالله أراد إنجازه.

الشعور بالحنق والروایة الوهمیة

تبدو الرؤیة عند الراوئیین الجدد، الرؤیة الکابوسیة، أو المضادة، ونادراً ما نجد روایة تعبر عن حالة فرح، أو بهجة، أو حالة إیجابیة من التواصل بین البشر، ولذلک فإن التوازن مفقودة، وهناک الخراب، والتمزق، والحالة الکابوسیة، وکل ذلک ینتج عن بنیة إخفاق فی الواقع وفی الذات، وهناک خیبة وإحباط تواجه الشخصیات، وکل ذلک یؤدی إلد رؤیة کابوسیة متشظیة لا تعد بشیء. ونجد فی الروایة هذه أن محمد حماد طوال الیوم یکثر من التعجب والذهول، وهویة ضعیفة وغیر معتمدة، یوضح لماذا أحس بذهول عندما فقد زمیله، «لاحت منک التفاتة إلى سریر المقابل...أصابتک هزة عنیفة ...أین ذهب؟... فمادام یرغب فی الفرار أو الرحیل، فلیس من الضروری أن ینسل بهذه الطریقة، ویضع حقیبته فی فراشه ...أبصرت دفتر الإقامة، یحتل منتصف الطاولة ... لا یرحل، ویترک دفتر الإقامة» (نصر­الله،1999م،ص10-12).

 ولم یغضب محمد حماد بسبب القلق على اختفاء صدیقه، أو بسبب حبه له بل بسبب ضرورة وجوده فی تلک الصحراء؛ لأن بدونه فإنه تائه؛ «کنت تود الخروج من جسدک، أن تترک ما تحمله من جمر یهوی معک، یهوی ... ثم یهوی ... ویهوی ... لتحلق فی أعماق الأرض ... لو أنه کان هنا ... لا أستطیع أن أجزم أنه میت، أو خارج حدود الأرض، ولکننی حزین ... حزین فقط ... عد الیّ لنرحل معاً، أنت بحاجة إلی، أعرف قد تعبر أکثر من حد، أکثر من حاجز، بلا هویة، بلا اسم ... بلا إقامة...»(نصر­الله، 1999م، ص39-40).

 إن هذا الکلام یجعلنا نشعر بالحنق والروایة الوهمیة، وربما تفسر هذه الرؤیة ما یتبعها من عزلة الشخصیات و إحساسها باللاجدوی، رغم بحثها عن الحب وانتظارها له، ومن اللافت أن الشخصیات غالباً تعبر عن رؤیاها الکابوسیة والوهمیة من دون إدانة لمسببات أو من دون الارتباط بمقدمات أو نتایج، وهی أیضاً من منجزات أدب ما بعد الحداثة. فهذا محمد حماد، بطل الروایة، یفقد ذاته الهاربه، کما یعتقد أنها ماتت و ترکته نهبا للحمّى والهذیان؛ إنه، فی الحقیقه، یصاب بانهیار نفسی فی الصحراء، أفقده ذاته، وظل طیلة أحداث الروایة یبحث عن هذه الذات فی صورة أحلام وهلوسات ومناجاة فی محاولة للوصول إلیها دون جدوى؛ فالروایة حلم أو کابوس أو حالة هذیان أو تشکیلة من المشاهد والصور لرجل فقد الإحساس بنفسه وبالآخرین وبالزمن فلم یعد قادراً على التمییز بین الحقیقة والوهم؛ لأنه لایمتلک سوى الإحساس بحالة الموت وانتظاره.

هذا وإن أدب ما بعد الحداثة هو أدب الصمت، والأدب الذی لا یقول شیئاً، والذی نحس عندما نقرأه بنوع من الحنق أو الإحتجاج، والروایة الکابوسیة أو نبوءة النهایة، نهایة کل شیء نهایة العلم نفسه. إنه بتعبیر آخر لا أدب، أو لا مادة، أو لا شکل، أنه باختصار صیحة إحتجاج، وتتضح الماهیة المشهومة للبطل کذلک من خلال عدم معرفته ماذا یقول لصدیقه الذی إختفى:

«قلت له: إننی بدأت التعود، لا... بل قلت له إننی فی طریقی لأن آلف الأشیاء التی تحیط بی هنا. کل ما بیننا بدأ یمیل إلى الصمت بعد ذلک، الکلام والظلام، ذلک الطریق الذی کنا نقطعه معاً حتى المدرسة، کان یجب على الواحد منا أن یصطدم بالآخر، لکی یقول له: مساء خیر، على الرغم من أنه لیس هناک ما یوحی بالخیر أبداً»(نصر­الله،1999م،ص51-52).

فإن إبراهیم نصرالله استطاع أن یصور الحیاة القاسیة والکابوسیة حیث الإنسان یشعر بنوع من الحنق والإحتجاج، خاصة أنه اختار الصحراء الحارة کالمکان الذی وقعت فیه الحوادث، والصحراء دائماً مملوءة بالرمل، والعواصف، والحرارة الشدیدة، والظلمة الحالکة،کل هذه الأمور یؤدی إلى شدة بروز هذه السمة.

تخلی عن الحبکة

 الحبکة، هی فن ترتیب الحوادث وسردها وتطویرها؛ «فهی تعتمد على منطقیة تتابع الأحداث» (أبوشریف،2000م،ص128)، وتهدف الروایة فی تعریفاتها الکلاسیکیة إلى نوع من وحدة الموضوع، أما الروایة الحدیثة وما بعدها، فکثیراً ما تتجاوز هذه الغایة؛ لأنها لا تبنی حکایة منظمة أو مرکزة، فإنها تنتهج نوعاً من التشویش، وغالباً ما یسهم غیاب الحدث المرکزی أو الشخصیة المحوریة فی إحداث هذا النوع من التشتیت، فإنها ترید إقلاق القارئ، و إصابته بالقلق والتساؤل والتردد، ولا ترید أن تترک فی وجدانه أثراً محدداً واضحاً. فإن روایات ما بعد الحداثیة تنصب على هدم العلاقات بکسر التماسک واستبداله بمنطق التفکیک والتشتیت، فتعد روایة "براری الحمى" روایة تتجه نحو التعدد والتشتت عوض الوحدة والإنسجام؛ لأنها تخلى عن الحبکة ولم یکن لها من البدایة إلى النهایة موضوع واحد، فالروایة هذه تتشکل من عدة أقسام یتحدث کل منها عن قسم خاص من حیاة محمد حماد فی الصحراء، ولایلقی کل هذه الأقسام موضوعاً واحداً للقارئ، وعلى هذا الأساس تشتمل هذه الروایة على التشظی.

 وفی القسم الأول من الروایة محمد حماد أصیب بهذیان ویتأرجح بین النوم والیقظة؛ و فی القسم الثانی یتحدث محمد حماد عن اختفاء صدیقه وتقطع البّر باتجاه سبت شمران، وباتجاه المخفر، وسؤال عن اختفاء إنسان ما؛ وفی القسم الثالث یدور الحدیث حول الوقایع التی وقعت فی المخفر؛ وفی القسم الرابع تتصف الروایة سبت شمران بکل ما فیها، و ذکر بعض الوقایع التی تتعلق بعبد الرحمن وأستاذ محمد؛ و فی القسم الخامس و السادس من الروایة یسترجع محمد حماد إلى اللیلة التی اختفى فیها صدیقه؛ و فی القسم السابع نواجه الجدید من الأشخاص منهم: أحمد لطفی، الدکتور، عمة الصالحة، وفاطمة و...، ومرة أخری تعود الروایة إلى المخفر و یدور الحدیث حول اختفاء صدیق محمد حماد، ونواجه بالوقایع التی ترتبط بأستاذ ولید وإبنة سعد، فتبتعد الروایة عن موضوعها الأصلی وتطرق على المواضیع الفرعیة، ویبدو أن للشخصیات الفرعیة أهمیة کبرى بالنسبة إلى محمد حماد. فیتبنّى إبراهیم نصرالله موضوعة أخرى ثم یعود إلى الموضوعة الأولى ویثبتها وهکذا على طول الروایة.

 سمیت هذه التقنیة بغیاب الحبکة التی تتصف بها الروایة ما بعد الحداثیة. ویعمل إبراهیم نصرالله على تفکیک السرد وتشتته، وهذا الأسلوب یضاعف حیرة القارئ و یعرقل عملیة فک الرموز مما یعزز اهتمامه بالواقعیة السردیة وإثارة فضوله فی الکشف عن خفایا النص، ویستمر هذا الأسلوب السردیة على طول نسق الروایة عمداً إلى زیادة فی إثارة الإیهام. وتضم الروایة وحدات سردیة صغرى، یمکننا أن نحصیها عن طریق تتبع مسار تطور هذه النصوص، إذ تعنی بتفاصیل الحیاة الیومیة لشخصیة محمد حماد فی الصحراء، فضلاً عن الأفعال المبثوثة بین الوقایع ویتم وصل هذه الوحدات أو المتوالیات، إحداهما بالأخری دون أن تکون مسببة فی وجود المتوالیة التابعة لها.

 

اللابطل

یقترب مفهوم البطولة بمعناها التقلیدی من مفهومها التاریخی، أو ما یمکن تسمیته بالواقعی؛ إذ إن البطولة فی اللغة، الغلبة على الأقران، وهی غلبة یرتفع بها البطل عمن حوله من الناس العادیین ارتفاعاً یملأ نفوسهم إجلالاً وإکباراً؛ فالبطل شخصیة عرفت منذ قدم بقوتها وشجاعتها وإقدامها و... والبطولة فی الثقافة العربیة بطولة «یرتفع فیها صاحبها عن الأشخاص العادیین من حوله بقوته، و بسالته، وإقدامه، وجرأته وتغلبه على أقرانه، وهو منهم، من ذات أنفسهم، لا من سلالة الآلهة وأنصاف الآلهة، بشر سوی لا یعلو على حدود البشریة الإنسانیة، و بطولته لذلک تتفجر من وجوده الإنسانی البشری، لا من ینابیع إلهیة أو سحریة غیبیة، بطولة إنسانیة تستمد من الواقع وحقائقه لا من الخیال وخوارقه» (ضیف،1984م،ص13). لذلک فإن واقع الحیاة ینعکس على شخصیة البطل فهو «فی حالة صراع مستمر، یحاول أن یحیی القیم الجدیدة، وأن یهزم القوى الشریرة فی المجتمع، التی تناهض تلک القیم وتحاول أن تدحر تقدم الإنسان» (الجیوسی،1978م،ص12). ولکن اتفق الدارسون والنقاد على تلاشی مفهوم البطل  فی الروایة المعاصرة، بعد أن ساد فی الروایات الکلاسیکیة السابقة، رومانسیة کانت أو واقعیة؛ فتغیر مفهوم البطل فی روایة ما بعد الحداثة، وسمی باللابطل باعتباره بدیلاً لوصف الأفعال الإنسانیة المتناقضة. هذا ویمکن أن نجد فی الروایة الحدیثة وما بعدها، ما یوحی ببقایا ملامح بطولیة تنتمی إلى بطولة الروایات الکلاسیکیة السابقة من حیث الاسم الشخصی والعائلی، شأن ما نراه فی روایة براری الحمى، وکذلک طبیعة العمل والقسمات المحددة، ولکننا نعرف، کما أسلفنا سابقا، أن المجتمع المعاصر یعانی من أزمات إقتصادیة، سیاسیة واجتماعیة، وحتى دینیة؛ حیث أصبحت سمة العصر فی القرن العشرین هی التفتیت و التجزئ، والضیاع الأخلاقی، بفعل المدخولات الفکریة والحضاریة. ونتج عنها خلخلة فی معاییر القیم والتقالید على مستوى الفرد والجماعة. ولذا تأثر البطل بالروح السائدة فی هذا العصر، وأصبح نتاجاً لهذه المتغیرات الاجتماعیة والعلمیة والفکریة والاقتصادیة. وقد ظهر هذا الخلل بشکل واضح فی روایة "براری الحمى"؛ فنجد البطل فی "براری الحمى"لم یفعل شیئا مما یفعل البطل فی الروایة التقلیدیة، ولم یحدد إبراهیم نصرالله فی نهایة الروایة عاقبة البطل، بل یغرقه فی بحر من التحیر والإبهام، ویطرح آراء مختلفة حول محمد حماد مما یمکن القارئ من اختیار المصیر الذی یراه مناسباً للبطل المعظل:

«فتحتَ الباب. خمسة کانوا. قلت أنت الأستاذ محمد. قال: الأستاذ محمد لا وجود له، لا یوجد غیرک هنا. حدقت فی وجوه الآخرین، لما تزل دائرة الضوء تحاصر وجه أولهم. قلت: أین وجدتموه؟ قالوا: هذا لیس الأستاذ محمد. صرخت: هذا أنت... أنت الأستاذ محمد. قال: لا أنت الأستاذ محمد فقط. بصوت واحد قالوا: لقد أعددنا کل شیء... النقود، التابوت، ولم یبق سوى شیء واحد... جثتک. –جثتی؟! قلت: ولکننی لم أمت. قالوا: أنت تقول ذلک ألم تبک حین غادرناک فی المرة الأولى... ، رکضت باتجاه أحدهم، أمسکت به. قلت: ها أنت تعود. رکضت باتجاه آخر، کان قادماً من ساحة السوق الترابیة. قلت: ها أنت أخیراً، ها أنت تعود. – هل جننت  یا أستاذ محمد... من الذی عاد. قلت: من الذی عاد؟ انت. أنا... ومضى... صرخت: کلکم غائبون، کلکم غائبون...، وللحظة... التفت خلفک، کان الخمسة یعودون باتجاه ثریبان، یحملون بین أیدیهم أحد المدرسین، کان یشبهک، یشبهک تماما، حتى أنک لم تعرف إن کنت أنت فعلاً، ام واحداً غیرک، أم واحداً منهم»(نصر­الله،1999م،ص157-162).

وتخیل محمد حماد أن ذاته ذهبت مع الرجال الخمسة، وجعلته یهذى فی بدایة الروایة،«وما أن ابتعدوا، حتى انتابنی الحزن فجأة علی، کنت عاریاً إلا من خوفی ووحیداً حتى حدود الغیاب، فبدأت فصلاً طویلاً من البکاء، وروعنی خبر موتی حین یصل نعمان، على الرغم من عدائی لضحکته المشاغبة. ومن بین دمعتین قاطعتین تساءلت: ما الذی ستفعله أمی» (نصر­الله،1999م،ص9).

فنجد الالتباس فی الروایة هذه؛ إذ تسیطر على رؤیة البطل التهویمات الذهنیة، والتخیلات المشوشة لامتزاج الحلم بالحقیقة، وکذلک نواجه بالشخصیات ذات مصائر مشوشة (عبد الرحمن، فاطمة، العمة صالحة، حنش، ابنة سعد، سعد و... ) یصور لنا إبراهیم نصرالله.وإن وجهة النظر التی یمکن فهمها من أفکار محمد حماد تتضح أثناء الروایة، الذی یعیش الحاضر بشکل مستمر ولیست لدیه ذکریات عن ماضیه، فقد فشل سریعاً محاولته فی تذکر ذکریاته، وعلى الفور یتضح أنه منقطع، لیس فقط عن ماضیه بل عن ذاته الحالیة کذلک عندما یسعى إلى إثارة أحاسیس معینة یظهر أنه غیر مسیطر على أحاسیسه.

ونجد أن إبراهیم نصرالله یقطع بطله عن أیة علاقة من شأنها أن یمنحه هویة خاصة به وتفسیر لوجوده، فإنه منقطع عن ذاته وعن الآخرین، وإن الواقع الغریب وأرجاء العالم منقطعة فی وجهه، فعندما أتهم محمد حماد بقتل رفیقه یحاول إخماد خوفه بواسطة اعتقاده بالله تعالى، کما أنه یبدو فی بدایة الروایة لا تناسب وصفه بالقتل:

«قال: إنی ألقی القبض علیک... وأشار بأصابعه إلیک... رافعاً یده کأنه یصوب مسدساً بین عینیک.

 لماذا؟

 بتهمة قتل رفیقک حماد.

 وهل وجدتم جثته؟

 هل وصلتم إلى ثربیان.. بالطبع لم تصلوا.

 لا

 هل حققتم فی الأمر.

 لا... ولکن الشبهات تدور حولک.

 لن تلصق بی هذه التهمة بکل هذه الهدوء.

 أنا لا ألصقها بک، لقد قتلته، الرئیس یقول لابد أنک أخفیت جثة رفیقک.

-  ولکن هذه تهمة خطیرة تنقلنی إلى الرفیق الأعلى» (نصر­الله، 1999م، ص26)

وإن المؤلفة التی تنفی الهویة الذاتیة عن البطل تنفی إمکانیة أن تجد الخلاص فی أرجاء الکون الرحبة أو فی الحب، فهو یتواجد فی فراغ واهم وخیالی، وهو لا یمتلک الخیار، ویعیش فی غربة وبدون علاقة حقیقیة مع شخصیات أخرى تعترض طریق حیاته. ویبقی البطل وجود قابض للنفس، وشعور بعدم الراحة، والخوف من الموت، ومعرفة یقینیة بأن حیاته مهدمة:

 «تدلى الصمت من سقف الغرفة،... الصمت صحراء واسعة واسعة... کان علیک أن تخترقها قبل أن یداهمک الموت عطشاً... أو عزلة.

الجدران... الخفافیش... عصافیر الصعو والقرود... الصقور...  کلها اختلطت دفعة واحدة... فی جسد الصمت الهلامی.

...الصحراء واسعة، وأنت أعزل... مطارد... إلى أین تستطیع الوصول قبل أن یبلغک الموت، جبینک یحترق... أطرافک... والبعوضة...

لم یکن أمامک وقت لتلتفت خلفک أو فوق رأسک...اختلط العرق بالرمل، فتشت عن خلایاک، لم تجد منفذاً یقی خارجک من أیدی الموت المتقدم» (نصر­الله، 1999م،ص65).

 وکذلک تتضح فی شخصیة محمد حماد صورة البطل المتفرج الذی لا یشارک ولا یفعل ذلک البطل الذی یصاب بخیبة الأمل وهو ما یسمى باللابطل الذی یتسم به أدب ما بعد الحداثة، وذلک على عکس البطل المعظل فی الروایة الواقعیة.

«لست تدری الآن کیف التقیتما أول الأمر، ظاهرة نسیان الوجوه، وهروب الزمن، تسکنک بقسوة یوماً بعد یوم، کأنک تعیش، وکأنک میت فی نفس الوقت، کأنک میت، وکأنک تعیش بین الکابوس والصحو إلا کثر قسوة تقیم، تقیم مملکة اللاوجود، وحکایات أوشک أن تقال، عمراً أوشک أن ینحل، موتاً أوشک أن یصبح عمراً لکل شیء هنا...».( نصر­الله، 1999م،ص66).

 بإمکاننا أن نتصف روایة "براری الحمى" بروایة المضادة، بما أن البطل أصیب بخیبة الأمل، والروایة هذه دائما تعبر عن الحوادث المرة کأنّ البطل لم یعجبه أیّ حدث أو شخص و... فیشعر بالموت والألم؛ إذ لم یهتم بالحیاة والحوادث الموجودة فیها، والحدیث یدور حول التشاؤم، والخشونة، وعدم الراحة، والغربة، فمحمد حماد کبطل الروایة یغرق فی بحر الأوهام والوحشة القاتلة، ویترقب الموت بکل کیانه.

 

نفی السببیة

إن الروایة التقلیدیة تبنى على حبکة منظمة، تربط أشخاصاً بأحداث بحسب قوانین السببیة. و«تتمیز البنیة السردیة فی الروایة التقلیدیة بالتزام المنطق القائم على تعلیل الأشیاء وربط بعضها ببعض، إذ لا یمکن أن یقع فیها حدث ما، إلا ویجب أن یربطه بعلة ما، أو بحرکة ما، أو بعاطفة ما، أو بهوس ما، أو  بمبرر ما، أو بدافع ما...» (مرتاض،1998م،ص76)؛ فتخضع الروایات التقلیدیة إلى مبدأ السببیة، إذ یکون الحدث السابق سبباً للاحق، ویکون الحدث اللاحق نتیجة للسابق، وهذا ما یضفی على المتن الروائی الوحدة والتماسک وتآزر الأحداث، وشد بعضها البعض بقوة ومتانة. أما الروایات ما بعد الحداثة فإن سمتها الأساسیة تنصب على تهشیم العلاقات السائدة، و استبدال منطق التفکیک والتشتیت بمنطق التماسک المعروف فی الروایة التقلیدیة؛ فلا نجد تتابعا حدثیا. إنما یتشتت الحدث ویتفکک، ویصبح الرابط بین الأحداث مجرد خیط واه، وفی غایة الدقة، وتتناثر المادة الحکائیة فی الزمان، ویؤدی هذا بطبیعة الحال إلى تدمیر التسلسل المنطقی، وخرق البنیة الترکیبیة وانتهاکها، وتفکیک المتن الروائی بشکل عام.

 وتحکی الروایة عن محمد حماد، وهو معلم فی القنفذة، یوقظونه من نومه طالبین منه أن یدفع مشارکة فی تکالیف دفنه، وهو رجل ذو تناسب منقوص، وحین تعوزه المساعدة، لابد له من أن یعتقد بوجود شخص یشرکه فی اسمه، وخصائصه الممیزة، ومهنته، والغرفة التی یسکن فیها...، وهناک التوتر والخلاف فی الروایة دون سبب واضح، ولکن سرعان ما یتطور الوصف من واقعیة محسوسة إلى خیالیة غیر مفهومة، مثلاً، یشعر محمد حماد بتهدم حیاته ولکن لا یعرف السبب وراء تهدم حیاته «الأرض. مازلت تصر على أن تکون تحت قدمیک، وهی الیوم الأفق الوحید الذی یطوقک بأشجار الدوم البریة والشوک والصبار والغربان والعقارب والقرود، هی تسکنک الآن فلا تستطیع  أن تخلعها، هی حرب طویلة غیر معلنة، بینک وبینها، أیهما یدفن الآخر فی داخله کی یواصل الحیاة، أنت الآن لن تستطیع، لن تستطیع وحدک»(نصر­الله، 1999م، ص51).

 یمکن أن نفسر سبب التوتر والأزمة فی الروایة بأسباب متعددة: لم تکن الأحداث متتابعة؛ والحدث الثانی لیس نتیجة للحدث الأول وبالعکس؛ ولا تحیل السببیة فی هذه الروایات إلى فعل متکامل إنما نلتقط بعض الإشارات والتصورات المبثوثة فی أحداث الروایة. فإن هذه الروایة تصور واقعاً اجتماعیاً سلبیاً لأشخاص یعیشون هذا الواقع ویتواجدون فیه دون أن یکون لهم أیة جذور أو عمق، منهم العمة الصالحة استغلت حاجته لمکان یقیم فیه «ستقیم هنا شهرین، من أجل الدکتور سأوافق، ولکن ستدفع مئتی ریال کل شهر» (نصر­الله، 1999م، ص62) فإبراهیم نصرالله تصور هذه الشخصیات کما لو أنهم عدیموالأعماق النفسیة.

فینشأ بین الشخصیات حاجز من السخط والصمت ولم یکن هناک أی سبب منطقی لهذا النزاع الذی سیطر على الروایة کلها، وهو الأمر الذی یتصف به أدب ما بعد الحداثة فی أنه ینفی السببیة، فلیس فیه أی مجال للسببیة وفی مقابل ذلک فإنه ینهض على الصدفة، أو على مجموعة من الصدف، وهذا ما نجده فی هذه الروایة.

ونجد أمامنا روایة تعبر عن أزمة الحیاة فی الصحراء «اللیل طویل هنا، لا شیء أطول من اللیل هنا، والصحراء موحشة، لا شیء موحش مثلها، والوقت متصدع کالأرض التی لم تر الخصب منذ القرون، ولا شیء متصدع کالوقت هنا» ونمى إحساس محمد حماد بفقدان جمال الحیاة، وخاب رجاءه الاقتران بزمیلته المعلمة فاطمة التی تقول له «لم أعد احتمل خشونة الأیدی، ولا نعومتها، بین القنفذ والأفعى یعتصر جسدی، کل ما لدی من مال یستبعدنی...»(نصر­الله، 1999م، ص136 فقوی فیه الشعور بتدمیر حیاته، وإن هذا التأکید الخاص بالحیاة المدمرة «کنت تود أن تنشق الأرض وتبتلعک، أجل،...الأرض هی الوحیدة القادرة على استیعاب هذا الدمار، هذا الحریق المتجدد، هذا الحضور الغائب، هذا الوجود الذی لو یستطیع أن یکون شیئاً...» (نصر­الله، 1999م، ص39)، ولیس بالنزاع الشخصی عموماً، ولقد أحسن إبراهیم نصرالله أن صور فی روایته مسیرة نحو ماهیة الإنسان، ومن وراء الوقایع الیومیة دون الفائدة للمرحلة الأولى (من هو محمد حماد؟ هل یوجد له ماهیة خاصة به؟ و...) فإنه یصور الإلغاء التام لفکرة البطل، کما أنه فی هذه الروایة، یرید أن یرکز على کل المصادر التی من واجب الإنسان أن یستعین بها مغزى حیاته (کالتعلّم والتعلیم، والأمر المثیر هنا توجه الناس إلى تعلم الأولاد فی تلک الصحراء القاسیة التی تزعج الإنسان وتصعب الحیاة فیها)، ومن هنا فإن فکرة موت البطل هی من منجزات أدب ما بعد الحداثة.

وبما أن أفکار البطل لیست هادئة تماماً، «یلزمنا أن نکون موجودین فعلاً فی الأماکن التی نسکنها، ونحن هنا غیر موجودین، فی أماکن لیست موجودة على الإطلاق»(نصر­الله، 1999م، ص49). ولذا عندما یتواجد محمد حماد بمفرده فإنه یفتقد هویته تماماً:

 «لست تدری هل اختفى حقاً، أم أنک کنت تکره أن تراه، فلم تعده إلی عینیک، لم تعد إلی مخیلتک، حتى ولو کان حلماً،... یحزنک... أعرف أن ذلک یحزنک... أن تلوح بیدک الآن، دون أن تلمح بشراً، لملم یدیک ... لست فی البحر، فالقطرات على جبینک واسع متخم باللهب وبالثلج وبالزحف، وبالطیران، وبالموت، وبالحیاة، بالحقیقة حین تسکن صورتین، أجملها طعنة الحمى ... أو هوة الهذیان» (نصر­الله، 1999م، ص55). بما أن محمد حماد، کبطل الروایة، لم یقدر على التفکر، ویملأه الشعور بالفقد والتحیر، فیعیش فی برکان لم ینج منه إلاّ بترک تلک الصحراء الخشنة لذا نجده کشخص تعطل جمیع أموره و یرى الحیاة عبثاً جداً. هناک الحوادث المختلفة انعکست فی الروایة ولکن لم یذکر سبباً لوقوعها، والقارئ یمکن أن یظن ظنوناً مختلفة فی سبب وقوع حدث.

 

النتایج

خلص البحث فی خاتمه إلى جملة من النتائج، یمکن أن نبلورها على النحو الآتی:

یعبر مصطلح "ما بعد الحداثة" عن مرحلة جدیدة فی تاریخ الحضارة الغربیة تتمیز بالشعور بالإحباط من الحداثة، ومحاولة نقد هذه المرحلة، والبحث عن خیارات جدیدة. وکان لهذه المرحلة أثر فی العدید من المجالات. وتمثل ما بعد الحداثة حرکة فکریة تقوم على نقد، بل ورفض الأسس التی ترتکز علیها الحضارة الغربیة الحدیثة، کما ترفض المسلمات التی تقوم علیها هذه الحضارة أو على الأقل ترى أن الزمن قد تجاوزها وتخطاها؛ ودعت هذه الحرکة إلى تأصیل النص وانفتاحه، وإنکاره للحد والحدود مما یجعله یقبل التأویل المستمر، والتأطیر المتغیر دائماً، وینجم  عن هذه الخصوصیة لا نهائیة النص، ولا محدودیة المعنی، وتعدد الحقایق بتعدد القراءات، فضلاً عن الغیاب والتشتیت وتحطیم القواعد الجاهزة. وعن بدایة ظهور هذا التیار فی الأدب، فلا یلتقی الباحثون عند تاریخ المعین لبدایة الحداثة، فالتحدید الدقیق لولادة الأفکار فی الأدب والفکر، یبدو أمراً صعباً بسبب تداخل الحقب الزمنیة، وما یحاول إلیه الدارسون هو تلمس التواریخ التقریبیة لظهور ما یؤرخون له.

 و روایة "براری الحمى" تعد علامة فی الأدب ما بعد الحداثی، وتمثل لإبراهیم نصرالله نموذجاً سردیاً یجسد مسعى کاتبها الهادف إلى الاستفادة من بعض ملامح ما بعد الحداثة، فتعد هی روایة تتجه نحو التعدد والتشتت عوض الوحدة والإنسجام؛ لأنها تخلى عن الحبکة ولم یکن لها من البدایة إلى النهایة موضوع واحد، فالروایة هذه تتشکل من عدة أقسام یتحدث کل منها عن قسم خاص من حیاة محمد حماد فی الصحراء، ولایلقی کل هذه الأقسام موضوعاً واحداً للقارئ، وعلى هذا الأساس تشتمل هذه الروایة على التشظّی.

إن الروایة الجدیدة تنهل من الفلسفات الفنیة الجدیدة، وتستند فی بنائها إلى جمالیات التشظّی والتفکک، والمفارقات والسردیة الغرائبیة. وإن هذه الروایة تصدم المتلقی منذ الوهلة الأولى بأجوائها الغریبة، وبهموم شخصیاتها المذهلة، فهی مدهشة بطریقة حکیها وعجائبیة عوالمها، من حیث أنها تصور واقعاً ملئیاً بالهلوسات والمحرمات ومشاهد الرعب، وتجعل القارئ یحتار فی درجة مطابقتها للواقع من جهة، ویتساءل عن احتمالیة هذه العوالم من جهة أخرى. فعمل ابراهیم نصرالله على تفکیک السرد وتشتته، وهذا الأسلوب یضاعف حیرة القارئ ویعرقل عملیة فک الرموز مما یعزز اهتمامه بالواقعیة السردیة وإثارة فضوله فی الکشف عن خفایا النص، ویستمر هذا الأسلوب السردیة على طول نسق الروایة عمداً إلى زیادة فی إثارة الإیهام.

 إن روایة "براری الحمى" لا تهتم بوجود البطولة أو الشخصیة المحوریة ذات سمات وملامح معینة، فالشخصیات فی هذه الروایة بلا أبعاد أو ملامح، ولیست سوى رموز، أو ضمائر بلا نهایة. ونجد أن ابراهیم نصرالله یقطع بطله عن أیة علاقة من شأنها أن یمنحه هویة خاصة به وتفسیراً لوجوده، فإنه منقطع عن ذاته وعن الآخرین، وإن الواقع الغریب وأرجاء العالم منقطعة فی وجهه فنجد الالتباس فی الروایة هذه، إذ تسیطر على رؤیة البطل التهویمات الذهنیة والتخیلات المشوشة لامتزاج الحلم بالحقیقة، وکذلک نواجه بالشخصیات ذات مصائر مشوشة وضبابیة یصورها لنا إبراهیم نصرالله. وهی ترفض الأسس الجمالیة والفکریة والإیدیولوجات السائدة وتسعد لصیاغة قیم التعدد وإرساء التیه والغموض والرؤیة اللایقینیة، ویصبح التمرد على السائد سمتها البارزة التی یصعب دفعها عنها أو تجاهلها.

المراجع والمصادر

  1. أبو إصبع، صالح. (1997م). الروایة الفلسطینیة فی المنفی. (ط1). الإمارات: اتحاد کتاب وأدباء الإمارات.
  2. أبوشریف، عبدالقاهر. (2000م). مدخل إلى تحلیل القصة. (ط2). مصر: دار الفکر للطباعة.
  3. انجلتون،تیری. (2000م). أوهام ما بعد الحداثة. (ترجمه: ثائر دیب). (ط1). سوریا: دار الحوار للطباعة والنشر والتوزیع.
  4. بارت، رولان. (1986م). درس السیمولوجیا فی الأدب. (ترجمة عبد السلام بن عبدالغالی). (ط1). الجزائر: دار توبقال للنشر، الدار البیضاء.
  5. برادة، محمد. (1984م). اعتبارات نظریة لتحدید مفهوم الحداثة.  مجلة فصول: الحداثة فی اللغة والأدب، الجزء الأول، المجلد الرابع، العدد الثالث. (10-38).
  6. تودوروف،تزیفیطان. (1994م). مدخل إلى الأدب العجائبی. (ترجمة الصدیق بو علام). القاهرة:دار شرقیات.
  7. جینیت، جیرار. ( 1989م). خطاب الحکایة. (ترجمة محمد معتصم وآخرون). (ط3). الجزائر: منشورات الإختلاف.
  8. الجیوسی، سلمى الخضراء. (1978م). البطل فی الأدب العربی المعاصر. مجلة الفصول الأربعة. السنة الأولى. العدد الثانی. الجماهیر العربیة اللیبیة.  (38-73).
  9. حسن القصراوی، مها. (2004م). الزمن فی الروایة العربیة. (ط1). بیروت: المؤسسة العربیة للدراسات النشر.

10. خالد، حسین د. (2007م).  فی نظریة العنوان (مغامرة تأویلیة فی شوون العتبة النصیة). (ط1). دمشق. دار التکوین.

11. الرویلی،میجان. والبازغی،سعد. (د.ت). دلیل الناقد الأدبی. المرکز الثقافی العربی. الدار البیضاء.

12. سبیلا، محمد. (2000م).  الحداثة وما بعد الحداثة. (ط1). دار توبقال للنشر. الدار البیضاء.

13. الشیخ، محمد. والطائری، یاسر. (د.ت). مقاربات فی الحداثة وما بعد الحداثة. بیروت: دار الطلیعة للطباعة والنشر.

14. الطاهر، راوینیة. (1991م).  الفضاء الروائی فی الجازیة والدراویش. المساءلة. إتحاد الکتاب العرب الجزائریین. العدد الأول.

15. ضیف، شوقی. (1984م). البطولة فی الشعر العربی. (ط2). القاهرة:دار المعارف.

  1. 16.  عبد الدایم، یحیى إبراهیم. (د.ت). الترجمة الذاتیة فی الأدب العربی الحدیث. بیروت: دار النهضة العربیة.

17. العید، یمنى. (1997م). السیرة الذاتیة الروائیة والوظیفة المزدوجة. مجلة فصول. المجلد الخامس عشر. العدد الرابع.

18. لوجون، فیلیب. (1994م). السیرة الذاتیة المیثاق والتاریخ الأدبی. (ترجمة: عمر حلمی). (ط1). بیروت: المرکز الثقافی العربی.

19. مرتاض، عبدالملک. (1998م). فی نظریة الروایة. الصفاة. الکویت: المجلس الوطنی للثقافة والفنون والآداب.

20. میرهوف، هانز. (1972م). الزمن فی الأدب. (ترجمة: أسعد رزوق). مراجعة: العوضی الوکیل. القاهرة/نیویورک مؤسسة فرانکلین للطباعة والنشر.

21. نصرالله، إبراهیم. (1999م). براری الحمى. (ط3). بیروت: الموسسة العربیة للدراسات الناشر.

22. هیکل، أحمد. (1968م).  الأدب القصصی والمسرحی فی مصر فی أعقاب ثورة 1919إلى قیام الحرب الکبرى الثانیة. مصر: دار المعارف.