نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلفون

1 * استاديار گروه زبان و ادبيات عربي، دانشگاه تربيت مدرس

2 دانشجوي دکتراي رشتة زبان و ادبيات عربي، دانشگاه تربيت مدرس.

المستخلص

بعد اختلاط العرب بالعجم، وکثرة شيوع اللحن، حاول اللغويون أن يضعوا قواعد خاصة للغة العربية تسبب عصمة لغة القرآن وتيسير تعليمها. ولکن سرعان ما أدّت مسألة التقعيد إلى التعقيد؛ فأثقلت الاختلافات کاهل اللغة العربية فضاعت الغاية من وضع النحو، فقام بعض النحاة بتأليف کتب حول هذه الاختلافات.
من أهّم هذه الکتب وأشهرها کتاب «الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين: البصريين والکوفيين». قام ابن الأنباري بدراسة 121 مسألة من مسائل الخلاف المشهورة بين المدرستين فيه، وحاول أن يتّبع أصولاً خاصة في تأليفه والردّ على من لا يرى الحق بجانبه. فبذل قصارى جهده لکي يسلک طريق الإنصاف في حکمه. لکنّ وقوفه إلى جانب البصريين في أکثر هذه المسائل جعل الدارسين يشکّون في إنصافه ونزاهته إذ هم لا ينکرون قيمة هذا الکتاب.
تستهدف هذه المقالة على أساس المنهج الوصفي ـ التحليلي دراسة طريقة ابن الأنباري في تأليف کتابه هذا، ومدى إنصافه، واستقصاء أصوله الخاصة التي يعتمد عليها في ردوده. فنرى أنّه يؤلّف کتابه بأسلوب خاص أخرج النحو من الجفاف إلى المائية والتندية. فوضع فروعاً خاصة لکل أصل، واستدلالاته تتصف بالقوة والضعف أحياناً في حسم مسائل الخلاف.
 

الكلمات الرئيسية

عنوان المقالة [English]

Ibn Anbari‘s Principles and Style in the Book “Al-ensaf fi masael al-khelaf” Ibn Anbari‘s Principles and Style in the Book “Al-ensaf fi masael al-khelaf”

المؤلفون [English]

  • Eisa * Motaghi Zadeh 1
  • Majid Mohammadi 2

1 *Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, University of Tehran.

2 PhD student- Arabic Department-University of Tehran

المستخلص [English]

After combing Arabic language with non Arabic and expanding the issue of diction, linguists tried to preserve the Quran language, consequently they decided to legislate some special rules for facilitating the teaching of Arabic Grammar. Very soon, such issue of setting rules for Arabic language led to complex grammar. Meanwhile, it caused great differences in this case, so the aim of creating syntax was neglected. Some experts in syntax decided to write some books on current differences.
One of the most important and famous books in this regard is the book “al-ensaf fi masael al-khelaf.”  The author of this book, Inb Anbari studied 121 issues on differences between two schools of Al-Kufah and Basrah and tried a lot to follow some special rules in his book and also tried to justify the party who are not right. He did his best to follow the justice. But being on the side of Basrah’s people and confirming them caused some of researchers doubt in his justice and unbiasedness, although they neglected the value of such a book.
 The aim of this study is to examine the Ibn anbari’s method in writing the above-mentioned book, based on analytical-descriptive method and the amount of justice and morality in his responses. He moves the syntax from being tiresome to being interesting and pleasant and devises special branches for each principles. We can see that his arguments for solving the issues in most cases are reliable

الكلمات الرئيسية [English]

  • Al-Kufah andBasrah Schools
  • Ibn Anbary
  • justice in syntactic issues
  • syntax principles
  • al
  • Kufah andBasrah Schools

.   مقدمة

 اللغة العربیة کسائر اللغات مجموعة منظمة ومنسقة من القواعد. هذه القواعد تنبئ عن نظم اللغة وانسجامها وتدلّنا على أنّ اللغة ترتکز على أسس خاصة اکتشفها اللغویون والنحاة من بطن اللغة. هم تحمّلوا عناء السفر إلى البوادی لکی یسمعوا عن الذی نشأ فیها صیانةً للغة العربیة. زادت هذه المسألة أهمیة عندما اختلط العرب بالمولّدین، فکثر اللحن بینهم عامّة وبین فصحاء العرب خاصة. فضلاً عن مسألة اللحن، کانت تتطلّب مسألة تعلیم اللغة وضع قواعد لها لکی تتیسّر مسألة التعلیم للناطیقن بغیرها. فأحسّ اللغویون ما کان یهدّد کیان لغة القرآن، فشمّروا عن أکمامهم لکی یحقّقوا ما کان یتمنوه.

فوضع القواعد أدّى إلى حفظ اللغة العربیة وتنسیقها وعدم زوالها کبقیة اللغات التی ذهبت أدراج الریاح. لکن سرعان ما أدّت مسألة التقعید إلى التعقید. نشأت المدارس المختلفة من البصریة والکوفیة والبغدادیة وغیرها، کلٌّ منها سلکت أسلوبها الخاص فی استنتاج القواعد؛ إذ لا یمکننا غضّ النظر عن الحمیة العربیة السیاسیة التی أثّرت کثیراً فی مسألة التقعید، ویتجلّی أوجها فی المسألة الزنبوریة الشهیرة التی فشل سیبویه فیها مع أن الحق کان معه.

هذه الاختلافات أثقلت کاهل اللغة العربیة، وزادت الطین بلّة، فنرى بعض المحدثین قاموا بمحاولات تجدیدیه لتیسیر تعلیم اللغة العربیة، إذ إنّ بعضهم أخطأوا فی فهم التجدید. فقاموا بما یؤدی إلى التهدیم[1] فضاعت الغایة من وضع اللغة العربیة. فقام بعض النحاة بتألیف کتبٍ حول هذه الاختلافات. من أهّم هذه الکتب وأشهرها کتاب «الإنصاف فی مسائل الخلاف بین النحویین: البصریین والکوفیین». قام ابن الأنباری بدراسة 121 مسألة من مسائل الخلاف المشهورة بین المدرستین فیه وحاول أن یتّبع أصولاً خاصة فی تألیفه، والردّ على من لا یرى الحق بجانبه.

هذه المقالة تستهدف دراسة هذا الکتاب القیّم، وتحاول الإجابة على الأسئلة التالیة من خلالها:

-ما هی أهم الأصول التی اعتمد علیه ابن الأنباری فی کتابه؟ وکیف استخدم هذه الأصول فی الردّ على من لایوافقه؟

-ما هی أهمّ خصائص أسلوبه اللطیف فی هذا الکتاب؟

-ما هو مکتبه النحوی؟ وهل استطاع ابن الأنباری أن یلتزم بعهوده، ویفی بوعوده، ویراعی جانب الإنصاف فی کتابه؟

-لماذا لم یتّخذ النحاة واللغویون کتابه قولاً فصلاً لحسم الخلاف بین المدرستین؟

ففی البدایه ألقینا نظرة عابرة إلى ترجمة حیاة ابن الأنباری، وتألیفه، وعلة تألیف هذا الکتاب، وطریقته فیه محاولین تعیین مکتبه النحوی ومدی إنصافه. ثم دخلنا الفصل الرئیس، ودرسنا أصوله وفروعه المتعلقة بها واستدلالاته.

 

 

 

 

2. ضرورة البحث

إنّ ضرورة البحث تکمن أوّلاً فی أنّنا لم نجد مقالة مستقلة قد رکّزت على کتاب الإنصاف وحده؛ وثانیاً ترجع ضرورة البحث إلى أهمیة هذا الکتاب فی حقل الصرف والنحو؛ لأنّه لایمکننا الاستغناء عن الصرف والنحو فی اللغة العربیة مع کلّ صعوباتهما وشواذهما التی تسبّب إملال القارئ بعض الأحیان، فلذلک دراسة الکتب التی حاولت دراسة مسائل الخلاف ومن ثمّ الحکم فیها  کالإنصاف، تزوّدنا بمعرفة عن هذه الکتب وأدلة قویة فی قبول مسألة أو رفضها، فهذه الکتب تمهّد الأرضیة لکی نقوم بعملیة التجدید فی النحو بشکل لن یؤدّی إلى التهدیم.

 

3. سابقیة البحث

 هناک دراسات حول ابن الأنباری وجهوده النحویه فی العالم العربی، منها:

-«أصول النحو: دراسة فی فکر الأنباری» لمحمد سالم صالح، وهو کتاب یفوق سائر الدراسات؛ لأنّ الکاتب قد اعتمد فی تألیفه على سائر الدراسات التی تناولت ابن الأنباری، وإنّ الکاتب بذل من الجهد ما کان یملکه لکی لایفوته شیء  وهو یستحق التقدیر. ولکنه جاءت بالشواهد أکثر من البیان وأسرار العربیة، ولم یرکّز على الإنصاف فی فصل خاص. لذلک أنّ المیزة التی تتمیّز بها هذه المقالة هی ترکیزها علیه لکی یصدر القارئ  عنها بتصویر شامل عن هذا الکتاب الهام  وأسلوب ابن الأنباری فیه.

-«ابن الأنباری وجهوده فی النحو» لجمیل إبراهیم علوش، وهی رسالة الدکتوراه بجامعة القدیس یوسف فی بیروت. فهی دراسة واسعة لأکثر کتبه التی تمّت بصلة إلى النحو. فنرى أنّه یغرق فی التفاصیل بحیث یخصص حجماً واسعاً من رسالته إلى أوضاع العصر الذی کان یعیش فیه ابن الأنباری. ویجعل فصلاً خاصاً منها لکتب الخلاف، منها الإنصاف. لکنّه یدرس هذا الکتاب بصورة عابرة مشیراً إلى المسائل التی لم تطرح فیها، ویشیر إلى المسائل الکلیة بالنسبة إلى أسلوبه، دون أن یحلّل ما ورد فی هذا الکتاب من الأصول النحویة والاستدلالات والاقیسة.

-«أبو البرکات ابن الأنباری ودراساته النحویه» لفاضل الصالح السامرائی الذی وفّق فی دراسته  أکثر من جمیل علوش؛ لأنّه قد خصّص فصلاً خاصاً لاستدلالات ابن الأنباری فی کتابه الإنصاف، وحاول أن ینقد آرائه. لکن الکتاب یتّصف بما اتّصف به رسالة علوش من سعة حدودها. فنرى أنّه فی کتاب واحد یدرس عدّة کتب، منها: «أسرار العربیة»، «لمع الأدلة»، «الإغراب فی جدل الإعراب»، و«البیان والإنصاف».

-«الإنصاف فی المسائل الخلاف بین البصریین والکوفیین لابن الأنباری تصنیفه ومسائله وطریقته فی تصنیفه» مقالة للسامرائی، نشرت فی مجلّة کلیة الآداب بجامعة بغداد (1970م، العدد13). یبدو أنّ هذه المقالة مأخودة من الکتاب الآنف الذکر. یتعرّض الکاتب فیها لمقدمة الإنصاف. ثمّ نجد أنّه یذکر المسائل الخلافیة التی لم یدرسها ابن الأنباری بشکل إحصائی دون أن یقوم بتحلیل الکتاب.

-«الانتصاف من الإنصاف» لمحمد محیی الدین عبد الحمید الذی ینشر مرفقاً بالإنصاف، وهو شرح لما جاء فی الإنصاف من الاستشهادات الشعریة، ونرى فی مواضع قلیلة ـ لا تعدو عدد الأصابع ـ ینقد ما یظنه خطأ.

-أمّا بالنسبة إلى إیران فیبدو أنّ الموضوع غیر مطروق، فما وجدنا ما یرتبط بدراسة هذا الکتاب بعد کدّ وبحث.

4.  ترجمةابن الأنباری (513-577 هـ )

«اشتهر بالنسبة إلى الأنبار من أعیان العربیة وعلماء النحو واللغة والآداب، ثلاثة أشخاص یلتبس على الکثیرین من الناس التفرقة بینهم ونسبة المصنفات إلیهم؛ فأولهم: أبو محمد القاسم بن محمد بشار الأنباری صاحب کتاب «خلق الإنسان وخلق الفرس وغریب الحدیث»؛ وثانیهم: ابنه، محمد المعروف بأبی بکر الأنباری صاحب کتاب «الأضداد»، وشارح «المفضّلیات»، و«السبع الطوال»؛ وثالثهم: أبو البرکات عبدالرحمن بن محمد بن أبی عبیدالله بن أبی سعید الأنباری الملقب بالکمال صاحب کتاب «الإنصاف فی مسائل الخلاف»، وهو هذا الکتاب الذی عنینا بتحقیقه» (ابن الأنباری، د.ت، ص3).

«ولد سنة 513هـ فی الأنبار کما یتضح من نسبه. قدم بغداد فی صباه وقرأ الفقه على سعید بن الرزاز حتى برع وصار معیداً للمدرسة النظامیة. ثم قرأ الأدب على أبی منصور الجوالیقی» (ابن العماد، 1931م، ج3، ص258 ). «ولازم ابن الشجری ولم یکن ینتمی فی النحو إلا إلیه» (القطفی، 2004م، ج2، ص170)، حتى برع وصار من المشار إلیهم فی النحو.

«کان إماماً ثقةً صدوقاً فقیهاً مناظراً غزیر العلم ورعاً زاهداً تقیاًعفیفاًلم یلتبس من الدنیابشیءٍ» (السیوطی، 1326هـ، ص301)، وتوفی سنة 577 للهجرة.

«یکون ابن الأنباری هذا، أکثر تلک الثلاثة تصنیفاً وتألیفاً وأشهرهم تفنناً بین علوم اللغة والأدب والنحو والتاریخ. وقد ذکروا أنّ له مائة وثلاثین مصنفاً» (ابن الأنباری، 1957م، ص11-12)، «ومنها المطبوعة والمخطوطة والمفقودة والمنسوبة إلیه» (راجع: صالح، 2006م، ص25-40)، وإلیک أهمّها: «أسرار العربیة»، و«الإغراب فی جدل الإعراب»، و«تفسیر غریب المقامات الحریریة»، و«الجمل فی علم الجدل»، و«حواشی الإیضاح»، و«شرح الحماسة ودیوان المتنبی»، و«البیان فی غریب إعراب القرآن»، و«نزهة الألباء فی طبقات الأدباء»، و«لمع الأدلة»، و«الإنصاف فی مسائل الخلاف»، وغیرها.

 

5. مکتبه النحوی

مسألة تعیین مکتبه النحوی مهمة جداً؛ لأنّ له تاثیراً بالغاً فی نزاهته فی صدور أحکامه. لکنّ الدارسین اختلفوا فی مکتبه النحوی؛ لأنه کان یعیش فی عصر نشأ فیه جیل من النحاة یحمل آراء مدرستی الکوفة والبصرة، ویُعنى بالتعمق فی مصنفات أصحابهما والنفوذ من خلال ذلک إلى کثیر من الآراء النحویة الجدیدة «وکان من هذا الجیل من یغلب علیه المیل إلى الآراء الکوفیة ومن یغلب علیه المیل إلى الآراء البصریة فاضطرب کتّاب التراجم والطبقات إزاءه» (ضیف، 1992م،ص245).

یعتبره شوقی ضیف من البغدادیین المتأخرین، ویستدلّ بـ«أننا نجد بین مؤلفات ابن الأنباری کتاب «حواشی الإیضاح» وهو من أهم مصنفات الفارسی، ومن جهة أخرى کان تلمیذاً لابن الشجری وبذلک یتصل نسبه النحوی بأبی علی الفارسی، ویعتبر الدارسون أبا علی الفارسی من أصحاب المکتب البغدادی» (المصدر نفسه، ص278).

وهناک من الدارسین من لا یقبل هذا الرأی فیرد علیه: «على أنّ من الدارسین من ینسب صاحبنا إلى المذهب البغدادی فیلحقونه بأبی علی الفارسی وابن جنی وغیرهما من النحاة الذین لا مسوغ لإلحاق هذه النسبة بهم إلاّ أنّهم سکنوا بغداد ... ولیس فی هذه النسبة أی دلالة على مذهب» (علوش، 1977م، ص354).

«ومن الدراسین من لا یدخله شکّ فی انتمائه إلى المذهب البصری؛ لأنّ أساتذته کانوا بصریین» ( ابن الأنباری، 1969م، ج1، ص9)، لکن هذا الاستدلال یتّصف بالضعف؛ لأنّه یمکن لإنسان أن یتتلمذ على مکتب خاص ویغیر مکتبه فیما بعد.

فإذا ینبغی لسدّ هذا الخلاف فی تعیین انتمائه إلى إحدى المدرستین دراسة آرائه النحویة فی مسائل الخلاف، ثم نقرر بعد ذلک کونه بغدادیاً أو بصریاً أو کوفیاً. فکتاب الإنصاف خیر دلیل لنا فی تعیین هذا الانتماء؛ لأنّه یقوم بدراسة مسائل الخلاف. الملفت للنظر أنّ ابن الأنباری فی کتاب «الإنصاف» رجّح ـ کما سنلاحظ ـ مذهب الکوفیین فی سبع مسائل فقط.

لو أمعنا النظر فی هذا الکتاب، نرى أنّ موقف ابن الأنباری ینقسم إلى أربعة أقسام:

-مرة نراه یردّ على قول الکوفیین، وهذا هو أکثر الأقسام. (112مسألة)

-ومرة یرفض قول البصریین ویدعم الکوفیین، وهذا سبع مسائل: العاشرة، والثامنة عشرة، والسادسة والعشرون، والسبعون، والسابعة والتسعون، والواحدة والسادسة بعد المائة.

-ومرة یرفض قول بعض البصریین مع أنه یردّ على الکوفیین، کما نشاهد فی الواحدة والثمانین، والثامنة والتسعین.

-ومرة نراه یردّ على الکوفیین والبصریین، ویصرّح برأیه، کما نشاهد فی المسألة الخامسة، والرابعة، والثمانین. فنرى ابن الأنباری اجتهد فی هاتین المسألتین وهو یقول: «والتحقیق فیه عندی أن یقال: ...» (ابن الأنباری، 1961م، ج1، ص46 و ج2، ص608).

من جهة أخرى، «نرى أنّه فی استدلالاته وأصوله یقترب من البصریین. ومع أنه یؤثر السماع على القیاس ولکن یجعل للسماع شروطاً و معاییر خاصة ویحتاط فی أقیسته، فلا یدونها إلا بعد توفّر أسباب الاطمئنان علیها، ولا یقیس على الشاذ، ولا یستشهد بکل مسموع، ولا یعول على القیاس النظری عند انعدام الشاهد، وهذا الذی ذکرناه أهم ما یمیز البصریة عن الکوفیة» (الطنطاوی، 1973م، صص166-165).

«ولهذا لا أستطیع أن أتصور ألبتة ما ذهب إلیه بعض الباحثین من أن ابن الأنباری صاحب «الإنصاف» مثلاً  کان بغدادیاً وهو الذی ألّف کتابه المذکور آنفاً لتأیید البصریین ووافقهم فی عامة المسائل النحویة ولم یخالفهم إلا فی تسع مسائل من مجموع (121) مسألة. ولا أدری کیف یمکن أن یُعدّ مثل هذا الرجل بغدادیاً وآراؤه البصریة واضحة بینة» (السامرائی، 1969م، ص255).

 

6. علّة تألیفه وأسلوبه ومدى إنصافه

من حسن حظنا، أشار ابن الأنباری فی مقدمة کتابه القیّم إلى علة تصنیف هذا الکتاب قائلاً: «إن جماعة من الفقهاء المتأدبین والأدباء المتفقهین... سألونی أن ألخص لهم کتاباً لطیفاً یشتمل على مشاهیر المسائل الخلافیة بین نحویی البصرة والکوفة، على ترتیب المسائل الخلافیة بین الشافعی وابن حنیفة؛ لیکون أوّل کتاب صنّف فی علم العربیة على هذا الترتیب، وأُلّف على هذا الأسلوب؛ لأنه ترتیب لم یصنّف علیه أحد من السلف، ولا ألّف علیه أحد من الخلف. فتوخّیتُ إجابتهم على وفق مسألتهم...» (ابن الأنباری، 1961م، ج1، ص5).

إنّ هذه المقدمة تشتمل على عدة مسائل هامة منها:

-«إنّ هذا الکتاب لا یشمل جمیع المسائل الخلافیة بین البصریین والکوفیین وإنما یشمل مشاهیرها کما ذکر. فهناک مسائل خلافیة کثیرة نحویة ولغویة لم یتطرق إلیها المؤلف» (راجع: السامرائی،1970م، ص 420 – 417).

-«إنّ أسلوب هذا الکتاب یطابق مع أسلوب الکتب الخلافیة فی الفقه. فکما أشرنا فی سیرة المؤلف أنه کان فقیهاً وکان یدرّس النحو والفقه. فهذا التألیف أدّى إلى تقویة العلاقة بین النحو والفقه، وتوسیع مجالات الالتقاء والاتصال بین العلمین. کأنما یرید أن یُسخر علوم العربیة لعلوم الدین ویجعلها تبعاً له» (علوش، 1977م، ص116). ابن الأنباری یرى أن بین أصول النحو والفقه من المناسبة ما لا یخفى «لأنّ النحو معقول من منقول، کما أن الفقه معقول من منقول، ویعلم حقیقة هذا أرباب المعرفة» (ابن الأنباری، د.ت، ص89).

-إنّ المؤلّف ادّعى «أنّ هذا الکتاب أول کتاب صنّف فی علم العربیة على هذا الترتیب وأُلّف على هذا الأسلوب؛ لأنّه ترتیب لم یصنّف علیه أحد من السلف ولا ألّف علیه أحد من الخلف» (ابن الأنباری، 1961م، ج1، ص5). فأسلوب تألیفه أسلوب خاص یختلف عن الآخرین.

«فنجد أنّ ابن الأنباری یذکر موضوع المسألة ابتداءً ثمّ یعرض دعوى الکوفیین فیها ثمّ البصریین ثمّ یذکر احتجاجات الکوفیین یعرضها بوضوح ثمّ یعقبها بحجج البصریین کذلک ثمّ یردّ على الفریق الذی لا یرى الحق بجانبه. وهذا الفریق فی الغالب هم الکوفیون.

هذه المراحل ـ سرد الدعوى والأدلة بالبیّنات، والرد، والحکم ـ التی یتبعها المؤلف فی طریقة تألیفه تتداعى المحکمة» (الأفغانی، د.ت، ص155).

 «وحقّاً لم یضع ابن الأنباری نحواً جدیداً ـ نری أنّه اجتهد فی المسالتین فی الإنصاف فقط ـ وما کان یصعب علیه لو نشده ولکنه ألّف فی النحو بطریقة خاصة، أخذ المادة القدیمة وبناها بناء جدیداً وألبسها ثوباً جمیلاً عجیباً لم یشهده الناس من قبل.

فنراه أخرج أسلوب التآلیف النحویة من الیبس والجفاف الذی یؤدی إلى إملال القارئ فأضفى علیه المائیة والتندیة. فأسلوبه أسلوب ریاضی جمیل» (المصدر نفسه، ص156). فلا بدّ للمجددین فی القواعد العربیة أن یجعلوا هذا الکتاب نصب أعینهم ویستمدوا منه فی تآلیفهم النحویة.

استخدم ابن الأنباری فی بعض المسائل، الأمثلة إیضاحاً للمسألة، وإقناعاً للمخاطب واحترازاً من الإطناب. فتمسّک بالأمور الحسیة للدلالة على الأمور المعنویة. فاستخدام الأمثلة من أروع ما یکون فی هذا الکتاب وأمتعها بحیث یزیل جفاف الأسلوب وإملال القارئ.

على سبیل المثال:

«یعتقد البصریون أنّ المبتدا ارتفع بالابتداء وإن کان الابتداء هو التعرّی من العوامل اللفظیة؛ لأنّ العوامل فی هذه الصناعة لیست مؤثّرة حسیّة کالإحراق للنار والإغراق للماء والقطع للسیف، وإنّما هی إمارات ودلالات وإذا کانت العوامل فی محل الإجماع إنما هی إمارات ودلالات، فالإمارة والدلالة تکون بعدم شیء کما تکون بوجود شیء. ألا ترى أنه لو کان معک ثوبان وأردت أن تمیز أحدهما من الآخر فصبغت أحدهما وترکت صبغ الآخر، کان ترک صبغ أحدهما فی التمیز بمنزلة صبغ الآخر فکذلک هاهنا. وإذا ثبت أنّه عامل فی المبتدا وجب أن یعمل فی خبره قیاساً على غیره من العوامل نحوه کان وأخواتها و... فانّما لما عملت فی المبتدا عملت فی خبره فکذلک هاهنا» (الأنباری، 1961م، ج1، ص46).

هذه المسألة هی إحدى المسألتین اللتین اجتهد فیهما ابن الأنباری فیردّ على المثال بالمثال: «والتحقیق فیه عندی أن یقال: إنّ الابتداء هو العامل فی الخبر بواسطة المبتدأ؛ لأنّه لاینفکّ عنه، ورتبته إن لا یقع إلا بعده، فالابتداء یعمل فی الخبر عند وجود المبتدأ، لا به، کما أنّ النار تسخن الماء بواسطة القدر والحطب، فالتسخین إنما حصل عند وجودهما، لا بهما؛ لأنّ التسخین إنمّا حصل بالنار وحدها فکذلک هاهنا،  الابتداء وحده هو العامل فی الخبر عند وجود المبتدأ، إلّا أنّه عامل معه؛ لأنّه اسم والأصل فی الأسماء أن لا تعمل» (المصدر نفسه، ج1، ص46-47).

«فأراد هذا القاضی النحوى بأسلوبه الحکم بین الکوفیین والبصریین فی مسائل الخلاف، فادّعى فی مقدمة کتابه الاعتماد على سبیل الإنصاف، لا التصعب والإسراف مستجیراً بالله» (ابن الأنباری، 1961، ص5).

السؤال الرئیس الذی یشغل بال القارئ هو: إلى أی حد استطاع الأنباری أن یتمسّک بعهوده ویفی بوعوده فیلتزم جادة العدل والنزاهة فی هذا الخلاف الذی نصّب نفسه فیه حکماً ووقف فیه قاضیاً؟

سبق أن ابن الأنباری عند إصدار حکمه بعد عرض المسائل، وقف فی سبعة منها إلى جانب الکوفیین، واجتهد فی اثنین منها، وشایع البصریین فیما بقى. هذا العدد الکثیر الذی دافع ابن الأنباری عن البصریین یجعل الإنسان یشک فی إنصافه خاصة حیث نرى بعض الدارسین یحکمون بتحیّزه إلى جانب البصریین ومحاباته لهم، کما أشرنا إلیه فی مذهبه النحوی. فهذا التحیز ـ إن صح ـ یُخلُّ بکفاءة القاضی وصحة حکمه؛ فضلاً عن ذلک، یعتقد بعض الدارسین أن «عوامل البیئة والتربیة والثقافة تتحکم به حینما نصّب نفسه لهذا الموضوع، فأثرت فیه هذه العوامل بحیث لم یستطیع أن یجد منها مفراً ولا مناصاً» (علوش، 1977، ص244).

هذا الرأی یزداد قوة عندما نراه فی کتابه الإنصاف یرفض أکثر روایات الکوفیین ویشکّ فیما استشهدوا به من الأبیات وإن سلم یحملها على وجوه أخرى أو یعتبرها من الشواذ. ربما هذا الأمر سبب عدم اعتبار هذا الکتاب قولاً فصلاً لحسم هذه الاختلافات.

 

7. أصول النحو

    «ثمة مفهومان لأصول النحو عند النحاة. الأول: القواعد الأساسیة فی النحو والثانی: الأصول المنهجیة والأدلة الإجمالیة التی قام علیها علم النحو» (شعبان، 2006، ص17).

والذی یعنینا فی هذه الدراسة هو علم أصول النحو الذی یدرس الأصول المنهجیة التی قام علیها النحو، وقد عرّفه ابن الأنباری بأنه «أدلة النحو التی تفرّعت منها فروعه وفصوله کما أن أصول الفقه أدلة الفقه التی تنوعت عنها جملته وتفصیله» (ابن الأنباری، 1957م، ص80). هو یبین فائدته قائلاً: «التعویل فی إثبات الحکم على الحجة والتعلیل، والارتفاع عن حضیض التقلید إلى یفاع الإطلاع على الدلیل، فإنّ المخلد إلى التقلید لا یعرف وجه الخطأ من الصواب ولا ینفکّ فی أکثر الأمر عن عوارض الشکّ والارتیاب» (المصدر نفسه، ص80).

قسّم ابن الأنباری أصول النحو إلى ثلاثة أقسام: النقل والقیاس واستصحاب الحال. خلافاً لابن الجنی الذی یعتبر أدلة النحو ثلاثة هی: «السماع والإجماع والقیاس». فنرى ابن الأنباری سمّى السماع النقل، ویزید استصحاب الحال ولم یذکر الإجماع، مع أنه ـ کما سنرى ـ  قد أکّد فی کتابه الإنصاف علیه.

«فمعرفة السماع والقیاس وغیرها من أصول النحو تجعل النحوی على وعی بأسس التعقید النحوی وضوابطه، وتجعل له فکراً متمیّزاً قائماً على مبادئ ذلک العلم مبتعداً عن التقلید والجمود من ناحیة أخرى، وهذا ما قصده الأنباری من التشدد فی النقل والقیاس» (صالح، 2006م، ص149).

 

7. 1 مسألة السماع وابن الأنباری

السماع هو أول أصول النحو وأکثرها أهمیة. یقصد به کل ما ورد من الأسالیب الفصیحة المنقولة نقلاً صحیحاً عن العرب وقد سمّاه الأنباری «النقل»، وعرّفه بأنه «الکلام العربی الفصیح المنقول النقل الصحیح الخارج من حد القلة إلى حد الکثرة» (ابن الأنباری، 1975م، ص81)، مع أن البعض یعتقد أنّ «النقل أعم وأشمل من السماع؛ لأنّ المنقول یشمل ذلک المسموع مباشرة من الأعراب وکذلک المنقول عن طریق الروایة عنه» (صالح،2006م،ص151)، وعلى حد رأی السیوطی، «السماع یشمل کلام الله تعالى وهو القرآن، وکلام نبیّه &، وکلام العرب قبل بعثته وفی زمنه وبعده إلى أن فسدت الألسنة بکثرة المولدین» (السیوطی، 2006م، ص74).

للسماع أو النقل أهمیة کثیرة فی إثبات القواعد النحویة، بحیث نرى النحاة یستدلون بالنقل متقدماً على القیاس ویوردون من کلام العرب ما یدلّ على صحة ما یدّعون فیکتفون به.

نرى الکوفیین یعتقدون فی مسألة 31 (القول فی تقدیم الحال على الفعل العامل فیها) بعدم جواز التقدیم، نحو «راکباً جاء زیدٌ»؛ لأنّه یؤدی إلى الإضمار قبل الإظهار، فانظر کیف یردّ ابن الأنباری بجمیع أنواع النقل على الکوفیین تعریضاً لهم: «أما الآیة: «فأوجَسَ فی نَفْسِهِ خِیفةً موسىª.

أما الشعر: من یلق یوماً على علاته هرماً         یلق السماحة منه والندى خُلُقاً

ومن کلامهم: فی أکفانه لُفّ المیتُ، ومن أمثالهم: فی بیته یؤتى الحکم» (ابن الأنباری،1961م،ج1، ص251-252).

 فضلاً عن هذا التعریض الذی یدلّ على عدم استقصاء کلام العرب من جانب الکوفیین نراه فی مسألة 45 (المنادى المفرد العلم معرب أو مبنی) التی ذهب الکوفیون إلى أن الاسم المنادى المعرف المفرد معرب یرفع بغیر تنوین بلا رافع (ینظر: المصدر نفسه، ص323)، یردّ علیهم صارخاً: «وکیف رفعتموه ولا رافع له؟! وهل لذلک قطّ نظیر فی العربیة و أین یوجد فیها مرفوع بلا رافع أو منصوب بلا ناصب أو مخفوض بلا خافض؟ وهل ذلک إلا تحکّم محض لا یستند إلى دلیل» (المصدر نفسه، ص327).

من جهة أخرى کما أن النقل یعتبر دلیلاً لإثبات القواعد أو ردّها، فعدم النقل أو السماع یعتبر دلیلاً.

فهذا ما یصرّح به ابن الأنباری فی مسألة 25 (القول فی زیادة لام الإبتداء فی خبر لکن) عندما یشیر إلى اختلاف «إنّ» و«لکنّ» رداً على الکوفیین: «الذی یدلّ على أن «لکنّ» مخالفة؛ لأنّ فی دخول اللام معها أنّه لم یأت من العرب فی کلامهم دخول اللام على اسمها إذا کان خبرها ظرفاً أو حرف جرّ نحو «لکنّ عندک لزیداً»، أو «لکنّ فی الدار لعمراً»،  کما جاء فی «إنّ»، فلما لم یأت ذلک شیء من کلامهم ولا نُقل فی شیءٍ من أشعارهم دلّ أنه لا یجوز دخول اللام فی خبرها» (المصدر نفسه، ص217).

هذه العبارات کـ«هذا ماله نظیر فی کلام العرب»، و«وهذا ما لا نظیر له فی کلامهم»، و«المصیر إلى ما له نظیر فی کلامهم أولى من المصیر إلى ما لا له نظیر»، کثیرة فی کتاب الإنصاف، وتدل على أن للنقل وعدمه أهمیة خاصة فی إثبات قاعدة أو ردّها.

أما أنواع السماع فی کتابه:

 

1.1.7 الآیات القرآنیة

تقدّم أنّ أهمّ عامل لوضع القواعد أو مسألة التقعید کان مسألة اللحن وحفظ القرآن وصیانته. فإنّ القرآن الکریم هو رأس الشواهد التی یستسقی منها النحاة واللغویون أحکامهم. ینصّ ابن الأنباری على أن القرآن أفصح أنواع النثر، فنرى أنّ القرآن نال حظوة کبیرة عنده وشغل حیزاً واسعاً من استشهاداته. یمکننا أن نقسم ما یتعلق بمسألة الاستشهاد بالآیات القرآنیة فی کتاب الإنصاف إلى ثلاثة أقسام:

 

1.1.1.7 مسألة حمل الآیات على وجوه إعرابیة أخرى

کثیراً ما نرى أن ابن الأنباری لا یسلم الوجوه الإعرابیة من قبل البصریین والکوفیین بل یحمل الآیة على وجوه أخرى أو یلجأ إلى التأویل.

على سبیل المثال، فی مسألة 18 (تقدیم خبر لیس علیها) التی یردّ على البصریین ویوافق الکوفیین فی عدم جواز تقدیم خبر لیس علیها، «یستشهد البصریون بقوله تعالى: «ألا یوم یأتیهم لیس مصروفاً عنهمª لصحة جواز تقدیم خبر لیس علیها بدلیل تقدیم «یومª معمول خبر لیس «مصروفاًª علیها ویستدلّون «لو لم یجز تقدیم خبر لیس على لیس لما جاز تقدیم معمول خبرها علیها؛ لأن المعمول لا یقع إلا حیث یقع العامل» (ابن الأنباری، ج1، ص162).

یرد علیهم قائلاً: «أما قوله تعالى «ألا یوم یأتیهم لیس مصروفاً عنهمª فلا حجة لهم فیه؛ لأنّا لا نسلم أنّ «یومª متعلق بمصروف ولا أنّه منصوب. وإنما مرفوع بالإبتداء، وإنما بنی على الفتح لإضافة إلى الفعل، کما قرأ نافع والأعرج قوله تعالى: «هذا یومَ ینفع الصادقین صدقهمª، فإن «یومª فی موضع رفع، وبنی على الفتح لإضافته إلى الفعل فکذلک هاهنا. وإن سلمنا أنه منصوب إلا أنه منصوب بفعل مقدر دلّ علیه قوله تعالى: «لیس مصروفاً عنهمª وتقدیره: یلازمهم یوم یأتیهم العذاب» (المصدر نفسه، ص163).

یستشهد الکوفیون فی المسألة 32 (هل یقع الفعل الماضی حالاً؟) بآیة «أو جاؤوکم حَصِرت صدورهمª (النساء، 90:4)، لجواز ذلک.

یردّ علیهم:

«فلا حجة لهم فیه، وذلک من أربعة أوجه:

 الوجه الأول: أن تکون صفة لقومٍ المجرور فی أول الآیة، وهو قوله تعالى: «إلا الذین یَصِلون إلى قومٍª.

والوجه الثانی: أن تکون صفة لقومٍ مقدّر ویکون التقدیر فیه: أو جاؤوکم قوماً حصرت صدورهم، والماضی إذا وقع صفة لموصوف محذوف جاز أن یقع حالاً بالإجماع.

والوجه الثالث: أن یکون خبراً بعد خبر. کأنه قال: أو جاؤوکم، ثم أخبر فقال: حصرت صدورهم.

والوجه الرابع: أن یکون محمولاً على الدعاء، لا على الحال، کأنّه قال: ضیّق الله صدورهم» (المصدر نفسه، ص254-255).

السؤال الذی یطرح نفسه هنا: هل حمل الآیة على وجوه أخرى دون تقدیم أی دلیل رداً للخصم یصح أم لا یصح؟ لأن کل فریق یمکنه أن یحمل الآیة أو الجملة على وجه یظنه صحیحاً. وهذا الحمل لا یزیل الاختلاف بل یزیده. ربما یقصد ابن الأنباری من حمل هذه الآیات على وجوه أخرى ذلک الأصل المشهور: «إذا جاء الاحتمال یبطل الاستدلال». فمهما کان قصده فهذا الحمل غیر المدعم بالاستدلال یتصف بالضعف ویثیر احتجاج الرقیب.

نرى بعض الأحیان أن ابن الأنباری لا یسلم حجة الخصم من جهة یسلمها من جهة أخرى لکنه یذکر موضع الخلاف فیه.

«یستشهد الکوفیون بآیات من القرآن لإثبات أن المبتدأ والخبر یترافعان، منها: «أیّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنىª، و«أینما تکونوا یدرککم الموتª» (المصدر نفسه، ص45).

ویرد ابن الأنباری:

«أما ما استشهدوا من الآیات فلا حجة لهم فیه من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنّا لا نسلم أن الفعل بعد «أیّاً ما» و«أینما» مجزوم بـ«أیّاً ما» و«أینما»، وإنما هو مجزوم بإن، و«أیّاً ما» و«أینما» نابا عن إن لفظاً وإن لم یعملا شیئاً.

والوجه الثانی: أنّا نسلم أنها نابت عن إن لفظاً وعملاً، ولکن جاز أن یعمل على واحد منهما فی صاحبه لاختلاف عملهما ولم یعملا من وجه واحد، فجاز أن یجتمعا ویعمل کل واحد منهما فی صاحبه، بخلاف ما هنا.

الوجه الثالث: إنما عمل کل واحد منهما فی صاحبه؛ لأنّه عامل فاستحق أن یعمل، وأما هاهنا فلا خلاف أن المبتدأ والخبر نحو: «زید أخوک» اسمان باقیان على أصلهما فی الاسمیّه، والأصل فی الأسماء أن لا تعمل، فبان الفرق بینهما» (ابن الأنباری، 1961م، ج1، ص48).

فنجد بوناً شاسعاً بین هذه الاستدلالات التی تقنع المخاطب، وبین ما تقدّمت منها. فکان یجدر بابن الأنباری الذی نصّب نفسه قاضیاً منصفاً فی هذا الموقف أن یسلک هذا الطریق فی الرد على المتخاصمین.

 

2.1.1.7 الاستشهاد بالآیات القرآنیة لإثبات ما یقرّره

مرة نجد ابن الأنباری یتمسک بالآیات القرآنیة لتقریر ما یقصد دون أن یلجأ إلى بیان وجوه إعرابیة فیها.

ذهب الکوفیون فی مسألة 22 إلى أن «إنّ» وأخواتها لا ترفع الخبر، ثم استدلوا «و الذی یدل على ذلک أنّه إذا اعترض علیها بأدنى شیء بطل عملها واکتفى به، کقولهم: «إنّ بک یکفُلُ زیدٌ» کأنها رضیت بالصفة لضعفها، وقد روی أن أناساً قالوا: «إنّ بک زیدٌ مأخوذٌ» فلم تعمل «إنّ» لضعفها.

یرد علیهم: «والذی یدل على فساد ما ادّعیتموه من ضعف عملها أنها تعمل فی الاسم إذا فصلت بینها وبینه بظرف أو حرف جر، نحو قوله تعالى: «إن لدینا أنکالاًª وإن فی ذلک لآیة وما أشبه ذلک» (المصدر نفسه، ص 178-177).

نرى أنّه فی بعض الأحیان یکثر من إیراد الآیات القرآنیة لکی یرتدع الرقیب عمّا ادّعى، فیردّ على الکوفیون الذین یعتقدون أنّ النداء لا یکاد ینفکّ من الأمر أو ما جرى مجراه ولذلک لا یکاد یوجد فی کتاب الله $ نداء ینفکّ من أمر أو نهی قائلاً: «بل یکثر مجیء الخبر والاستفهام مع النداء کثرة الأمر والنهی» (المصدر نفسه، ص120)، ثم یستشهد بعشر آیات من القرآن الکریم فیستنتج: «فإذا کثر مجیء الخبر والاستفهام کثرة الأمر والنهی فقد تکآفا فی الکثرة، فلا مزیّة لأحدهما عن الآخر» (المصدر نفسه، ص121).

نرى الکوفیین فی هذه المسألة یتناسون القرآن ویتمسکون بالأقوال المختلفة. والعجب العجیب أنّ ابن الأنباری لایشکّ فی صحة روایتهم مع أن الکوفیین قالوا: «قد روی أن أناساً قالوا»، بل یقول: «وأما قولهم «إن بک یکفل زیدٌ»، و«إن بک زیدٌ مأخوذٌ» بالتقدیر فیه: «إنّه بک یکفل زید»، و«إنّه بک زیدٌ مأخوذٌ» (المصدر نفسه، ص185-179)، ثم یستشهد بستة أبیات لإثبات هذا التقدیر.

 

3.1.1.7 مسألة القراءات

القراءات المختلفة للقرآن الکریم تؤدی إلى اختلاف الإعراب، واختلاف الإعراب یؤدی إلى اختلاف المعانی. ونرى النحاة استدلوا بالقراءات المختلفة لکی یدعموا قواعدهم المستنبطة من النص القرآنی بها.

لا یخلو کتاب الإنصاف من الإشارة إلى هذه القراءات وبیان ضعفها وقوتها، صحتها وعدم صحتها. یمکننا تقسیم ما جاء من وجوه القراءات وموقف ابن الأنباری فی کتابه إلى ما یلی:

ألف) لابدّ أن تکون القراءة متواترةً لکی تنال درجة القبول عند ابن الأنباری، فإذا تفرّد بها أحد القراء فهی مردودة.

یستدل الکوفیون فی مسألة 94 (هل تدخل نون التوکید الخفیفة على فعل الاثنین وفعل جماعة النسوة) بقراءة ابن عامر «لا تتّبعانª بنون التوکید الخفیفة لصحة مذهبهم، وهو جواز إدخال نون التوکید الخفیفة على فعل الاثنین وجماعة النسوة» (ینظر: ابن الأنباری،1961م،ج2، ص651)، یرد ابن الأنباری علیهم: «أما قراءة ابن عامر «لا تتّبعانª بالنون الخفیفة فهی قراءة تفرد بها، وباقی القراء على خلافها، والنون فیها للإعراب علامة الرفع؛ لأن «لا» محمول على النفی، لا على النهی والواو فی «ولا» واو الحال، والتقدیر فاستقیما غیر متبعین» (المصدر نفسه، ص 667).

ب) عدم القراءة لا یدل على عدم الفصاحة

ذهب الکوفیون فی مسألة 33 (ما یجوز من وجوه الإعراب فی الصفة الصالحة للخبریة إذا وُجد معها ظرف مکرر) إلى أنّ «النصب واجب فی الصفة إذا کرر الظرف التام وهو خبر المبتدأ. ثم یستشهدون بالنقل: «وأما الذین سُعِدوا ففی الجنة خالدین فیهاª فقوله «خالدینª منصوب بالحال، ولا یجوز غیره، وقال $: «فکان عاقبتهما أنهما فی النار خالدین فیهاª، ووجه الدلیل من هاتین الآیتین أنّ القراء أجمعوا فیها على النصب ولم یُروَ عن أحدٍ منهم أنه قرأ فی واحدة منها بالرفع» (المصدر نفسه، ج1، ص258).

یرد ابن الأنباری علیهم:

«فلا حجة لهم فی هاتین الآیتین؛ إذ لیس فیهما ما یدلّ على أنّه لا یجوز الرفع وإنّما فیهما دلالة على جواز النصب ونحن نقول به.

وقولهم «إنّه لم یُروَ عن أحدٍ من القرّاء بالرفع فوجب أنّه لا یجوز»، فإنه قد روی عن الأعمش أنّه قرأ «خالدون فیهاª بالرفع على أنّ هذا الاستدلال فاسدٌ. وذلک لأنه لیس من ضرورة أنه لم یقرأ به أحد من القراء أن لا یکون کلاماً جائزاً فصیحاً. ألا ترى أنه لم یأت فی کتاب الله $ ترک عمل «ما» فی المبتدأ والخبر نحو: «ما زیدٌ قائمٌ وما عمرٌ ذاهبٌ» إلّا فیما لیس بمشهورٍ وإن کانت لغة مشهورة صحیحة فصحیحة وهی لغة بنی تمیم. ثمّ لم یدل ذلک على أنها لیست فصیحة مشهورة مستعملة فکذلک هاهنا» (المصدر نفسه، ص259-260).

ج) قد یضعّف قسماً من القراءات المعتمدة المتواترة تبعاً لأقیسة النحاة

نرى أن الکوفیین ذهبوا فی مسألة 37 (حاشى فی الاستثناء فعل أو حرف أو ذات الوجهین) إلى أنه فعل، والدلیل على أنّه فعل أنّه یدخله الحذف، والحذف إنّما یکون فی الفعل، لا الحرف، ألا ترى أنهم قالوا فی حاشى لله: حاش لله، ولهذا قرأ أکثر القراء «حاش للهª بإسقاط الألف. وکذلک هو مکتوب فی المصاحف، فدلّ على أنه فعل» (ینظر: المصدر نفسه، ص280).

یرد علیهم:

«أنّا لا نسلم أنّه قد دخله الحذف، فإن الأصل عند بعضهم فی حاشى لله بغیر ألف وإنما زیدت فیه الألف. وهذا هو الجواب عن احتجاجهم بقراءة من قرأ: «حاش للهª ثم نقول: إن هذه القراءة قد أنکرها أبوعمرو بن العلا سید القراء. وقال: العرب لا تقول «حاش لک» ولا «حاشک»، وإنما تقول «حاشى لک»، و«حاشاک»، وکان یقرؤها «حاشى للهª بالألف فی الوصل، ویقف بغیر ألف فی الوقف متابعة للمصحف؛ لأنّ الکتابة على الوقف لا على الوصل، وکذلک قال عیسى بن عمر الثقفی ـ وکان من الموثوق بعلمهم فی العربیة ـ: العرب کلها تقول «حاشى لله» بالألف، وهذه حجة لأبی عمرو» (المصدر نفسه، ص284-285). لکن بعض الدارسین یردّ على ابن الأنباری: «أن القراءة بحذف الألف معتمدة ومتواترة وهی قراءة الباقین من القراء» (السامرائی، 1975م، ص 226-227).

د) عدم مطابقة القراءة والإجماع یدل على وهی القراءة ووهم القارئ

یستدل الکوفیون فی مسألة 6 (هل یفصل بین المضاف والمضاف إلیه بغیر الظرف والجار والمجرور) بهذه القراءة «وکذلک زیّن لکثیر من المشرکین قتل أولادهم شرکائهمª (الأنعام، 6: 43)، لجواز هذا الفصل ثم یقولون: «إذا جاء هذا فی القرآن ففی الشعر أولى» (ینظر: ابن الأنباری،1961م،ج2، ص431).

یرد ابن الأنباری علیهم: «فلا یسوغ لکم الاحتجاج بها؛ لأنّکم لا تقولون بموجبها، لأنّ الإجماع واقع على امتناع الفصل بین المضاف والمضاف إلیه بالمفعول فی غیر ضرورة الشعر والقرآن لیس فیه ضرورة». ثمّ یردّ علیهم على لسان البصریین: «والبصریون یذهبون إلى وَهْی هذه القراءة ووهم القارئ، إذ لو کانت صحیحة لکان ذلک من أفصح الکلام، وفی وقوع الإجماع على خلافه دلیل على وهی القراءة» (المصدر نفسه، ص435).

فنری أنه جعل رأی البصریین کردّ على الکوفیین فهذا مما یقوی انتمائه إلى البصریین.

هـ) لا یشترط فی القراءات المتعددة أن تکون ذات معنى واحد (السامرائی، 1975م، ص243).

فی مسألة 35 (هل تکون إلا بمعنى الواو؟) یقول فی الرد على الکوفیین فی ذهابهم إلى أن «إلا» تکون بمعنى الواو، وذلک فی قوله $: «لئلا یکون علیکم حجة إلا الذین ظلموا منهمª (العنکبوت، 29: 46)، بدلالة قراءة أخرى هی: «إلى الذین ظلموا منهمª قال: «وأما قراءة من قرأ «إلى الذین ظلموا منهمª بالتخفیف فإن صحّت وسلم لکم ما ادعیتموه على أصلکم من أن «إلىª تکون بمعنى «مع» لیس لکم فیه أیضاً حجة تدلّ على أنّ «إلا» تکون بمعنى الواو؛ لأنه لیس من الشرط أن تکون إحدى القرائتین بمعنى الأخرى و إذا اعتبرتم هذا فی القراءات وجدتم الاختلاف فی معانیها کثیراً وهذا مما لا خلاف فیه» (ابن الأنباری، 1961م، ج1، ص272).

و) القراءات الشاذة

فمن الطبیعی أن یتشدد ابن الأنباری فی قبول القراءات الشاذة. نراه فی مسألة 77 (هل تعمل «أن» المصدریة محذوفة من غیر بدل؟) التی یجوّز الکوفیون على أساس الاستدلال بهذه الآیة «وإذ أخذنا میثاق بنی إسرائیل لا تعبدوا إلا اللهª (البقرة، 2: 83)، على قراءة عبدالله بن مسعود.

 یرد علیهم: «فهی قراءة شاذة ولیس لهم فیه حجة؛ لأن «تعبدواª مجزوم بلا، لأنّ المراد بها النهی» (المصدر نفسه، ج2، ص564-565).

فنرى البصریین حملوا على الکوفیین عندما شاهدوا أنّهم سمعوا الشاذ واللحن والخطأ، وأخذوا عمن فسدت لغته من الأعراب وأهل الحضر، فجعلوا کل شاذ ونادر قاعدة لنفسه مما أحدث اختلاطاً وتشویشاً فی نحوهم، وخصّوا الکسائی بکثیر من هذه الحملات قائلین: «إنه کان یسمع الشاذ الذی لا یجوز من الخطأ واللحن وشعر غیر أهل الفصاحة والضرورات فیجعل ذلک أصلاً ویقیس حتى أفسد النحو» (الحموی، 1988م، ج13، ص183).

 

2.1.7 ابن الأنباری والحدیث النبوی

لم یستشهد النحاة واللغوین بالحدیث کثیراً «لأنّ روایته کانت فی معظمها بالمعنى ولم یکن رواته کلهم فصحاء یستشهد بکلامهم» (الحباس، 2009م، ص273). فتنقسم المذاهب فی الاستشهاد به إلى مذهب المانعین والمجیزین والمتوسطین. (ینظر للتفصیل: صالح، 2006م، ص 243-236).

یعتقد ابن الأنباری بمسألة اللحن فی الحدیث، أو مسألة الحمل بالمعنى. فنراه فی مسألة 77 (هل تعمل أن المصدریة محذوفة من غیر بدل؟) یرد على الکوفیین الذین استدلوا لجواز هذا الأمر ـ کما سبق ـ ببیت من الشعر (ینظر: ابن الأنباری، 1961م، ج2، ص565)، قائلاً: «أما «أن» فی اختیار الکلام فلا یستعمل مع «کاد»، ولذلک لم یأت فی قرآنٍ ولا کلام فصیح». ثم یأتی بعدّة آیات من القرآن قائلاً: «أما الحدیث «کاد الفقر أن یکون کفراً» فإن صحّ، فزیادة «أن» من کلام الراوی لا من کلامه &؛ لأنّه & أفصح من نطق بالضاد» (المصدر نفسه، ص565-567).

فعدد الأحادیث المستشهدة بها فی کتابه قلیل جداً، لکنّه فی بعض الأحیان لا یشک فی روایته بل نراه لا یعترض على استشهادهم.

نرى البصریین فی مسألة 14 (أیّ العاملین فی التنازع أولى بالعمل) یستدلون بما جاء فی الحدیث «ونخلع ونترک من یفجرک» لإعمال الثانی.

أو نرى الکوفیین فی مسألة 72 (فعل الأمر معرب أو مبنی) یعتقدون بأنّ «فعل الأمر للمواجه المعرّى من حرف المضارعة ـ نحو إفعَلْ ـ معرب ومجزوم. فیحتجون: بأن الأصل فی الأمر للمواجه فی نحو: «إفعل» لِتفْعَلْ، کقولهم فی الأمر للغائب لِنفْعَلْ. ثم نراهم یستشهدون بالقراءات المختلفة ثم بالأحادیث کـ: «ولتَزُرَّه ولو بشوکةٍ»، أو «لتأخذوا مصافکم»، أو «لتقوموا إلى مصافکم» (المصدر نفسه، ص524-525).

نرى ابن الأنباری لا یعترض على هذه الأحادیث، ولا یشکّ فی روایتها، ولا یدعی فیها الحمل على المعنى، بل یؤیدها بالاستدلال ویقول: «إن علة وجود الإعراب فی الفعل المضارع وجود حرف المضارعة، فما دام حرف المضارعة ثابتاً کانت العلة ثابتةً، وما دامت العلة ثابتةً سلیمة عن المضارعة کان حکمها ثابتاً فلهذا کان قوله $: «فبذلک فلتفرحواª، معرباً وقوله & «ولتزره»، و«لتأخذوا»، و«لتقوموا»، وما أشبهه معرباً لوجود حرف المضارعة» (المصدر نفسه، ص541).

 

3.1.7 کلام العرب

کلام العرب ینقسم إلى قسمین: النثر والشعر.

کثیراً ما نرى النحاة یستشهدون بالأبیات الشعریة لکی یثبتوا قواعدهم النحویة والصرفیة. فلذلک نرى حجم استشهاد بالنثر أقل بقلیل من الشعر. فأیهما أفضل فی الاستشهاد؟

یجیبنا ابن الأنباری فی مسألة 69 (هل یجوز صرف أفعل التفضیل فی ضرورة الشعر) رداً على الکوفیین الذین یعتقدون بعدم الجواز: «هذا عجیب؛ لأن الشاعر یضطرّ فی الضرورة إلى ما لا یجوز فی اختیار الکلام. ولهذا حکموا: «إن الکلام به یتحصّل القانون دون الشعر»، یعنی أن قوانین العربیة وقواعدها إنما تؤخذ من الکلام، وهو النثر، وذلک بسبب أن الشعر لضیق العبارة فیه بسبب الوزن والروی والقافیة تعرض للشاعر فیه عوارض ترفعه إلى أن یرتکب ما لا یرتکبه لو أنه کان فی فسحه من أن یقول ما شاء» (ابن الأنباری،1961م،ج2، الهامش ص520).

إذ لیس من العجیب أن نرى أن ابن الأنباری یعتبر أکثر الأشعار التی استشهد بها الکوفیون من الضرورات الشعریة والشواذ.

 

1.3.1.7 النثر

إذا أمعنا النظر فی کتاب الإنصاف یمکننا أن نستنبط شروطاً لکی یکون الاستشهاد بالنثر صحیحاً، منها:

ألف) اللغة: لا بد أن تکون غیر ردیئة

فی مسألة 15(أفعل فی التعجب اسم هو فعل؟) ذهب الکوفیون إلى أنّه اسم؛ لأنّ بعضهم یستدلّون أنّه یصغر، والتصغیر من خصائص الأسماء. (ینظر: المصدر نفسه، ج1، ص127).

یردّ ابن الأنباری: «وأما مثال «أفعِلْ به» فإنّما لم یجز تصغیره؛ لأنّه لا نظیر له فی الأسماء إلا إصبِع، وهی لغة ردیئة باعده ذلک من الاسم، فلم یجز فیه التصغیر» (المصدر نفسه، ص143).

فی مسألة 56 (الإعراب الواقع بعد مذ ومنذ) یستدلّون لإثبات أن منذ مرکبة من «مِن»، و«إذ» بأن من العرب من یقول فی منذ بکسر المیم. یقول ابن الأنباری: «هذه لُغیة شاذة نادرة لا یعرج علیها ولیس فیها حجة على أنها مرکبة من «من»، و«إذ» وإنما هی لغیة نادرة بکسرٍ کما جاءت اللغة الفصیحة المشهورة بالضم» (المصدر نفسه، ص392).

ب) الروایة لا بُد أن تکون متواترة أولاً وألا تکون شاذة ثانیاً ولابد ألا یخالف القیاس

اجتمع فی مسألة 92 (السین مقتطعة من سوف أو أصلٌ برأسه) هذه الشروط الثلاثة:

«یعتقد الکوفیون أن أصل «السین»، «سوف» فقالوا: الذی یدل على ذلک أنه قد صح عن العرب «سو أفعل»، فحذفوا الفاء و«سف أفعل» فحذفوا الواو، فجاز أن یجمع بینهما فی الحذف لکثرة الاستعمال. یرد علیهم بثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن هذه روایة تفرد بها بعض الکوفیین فلا یکون فیها حجة.

الوجه الثانی: إن صحت هذه الروایة عن العرب فهو من الشاذ الذی لا یعبأ به لقلته.

الوجه الثالث: أن حذف الفاء والواو على خلاف القیاس فلا ینبغی أن یجمع بینهما فی الحذف؛ لأنّ ذلک یؤدی إلى ما لا نظیر له فی کلامهم، والمصیر إلى ما لا نظیر له فی کلامهم مردود» (ابن الأنباری،1961م،ج2، ص646-647).

ومما یرتبط بالروایة هو مسألة الدقة فی الروایة وثقة الرواة، فالکوفیون هم الذین یُتّهمون بعدم الدقة فی روایاتهم.

أنظر کیف أخطأ الکوفیون فیما یدّعون أنه من روایة الثقات:

یستدل الکوفیون فی المسألة 23 (العطف على اسم إن بالرفع قبل تمام الخبر) بأنه «قد جاء عن بعض العرب فیما رواه الثقات: «أنک وزیدٌ ذاهبان»، وقد ذکره سیبویه فی کتابه» (المصدر نفسه، ج1، ص186). یذکّرهم ابن الأنباری بخطأهم: «أما ما حکوه عن بعض العرب «أنک وزیدٌ ذاهبان» فقد ذکر سیبویه أنه غلط من بعض العرب[2]».

 

2.3.1.7 الشعر

کما أشرنا فیما سبق أن النحاة قد استشهدوا بالأبیات الشعریة أکثر بکثیر من النثر. مع أن مجال الشعر ضیق وفیه من الضرورات ما لا یخفى ومن الشواذ ما لا ینکر، لکن فی کثیر من الأحیان یورد ابن الأنباری أبیاتاً عدیدة لإثبات ما یدعی، وهذا یدلّ على أنه قد ألمّ إلماماً واسعاً بدیوان العرب. هناک شروط لکی یصح الاستشهاد بالأبیات یمکننا أن نذکرها کما یلی:

ألف) لا بُدّ أن یکون قائل الأشعار معروفاً

 فنرى ابن الأنباری لا یعتبر الاستدلال بالأبیات مجهولة القائل صحیحاً. ففی مسألة 60 (هل یفصل بین المضاف والمضاف إلیه بغیر الظرف والجار والمجرور؟) یعتقد الکوفیون بجواز هذا الأمر فیستشهدون ببعض الأشعار لإثبات ما أدعوه؛ ولکن ابن الأنباری یرد علیهم: «أما ما أنشدوه فهو مع قلته لا یعرف قائله فلا یجوز الاحتجاج به[3]» (المصدر نفسه، ج2، ص435).

وهذا ما نجده فی مسألة 93 (هل یجوز توکید النکرة توکیداً معنویاً؟) (ینظر: المصدر نفسه،ص446)، ومسألة 80 (هل یجوز إظهار أن المصدریة بعد لکی وبعد حتى؟) (ینظر: المصدر نفسه، ص583)، فی کل هذه المسائل یرد ابن الأنباری على الکوفیین الذین لا یتشددون فی نقل الأبیات والاستشهاد بها.

«لکن کم من الشواهد التی یستدل بها هؤلاء وهؤلاء وهی غیر منسوبة ولا لها سوابق أو لواحق وفی کتاب سیبویه وحده خمسون بیتاً لم یعثر لها العلماء بعد الجهد والعناء الشدید على نسبة لقائل معیّن» (ابن الأنباری،1961م،ج2، الهامش ص583).

ب) لابد أن تکون الروایة صحیحة

نرى ابن الأنباری یعترض کثیراً على الکوفیین؛ لأنّه یشکّ فی صحة أکثر روایاتهم، فیلجأ إلى تصحیح ما رووه. فنشاهد «أما الروایة الصحیحة» کردّ على الکوفیین فی مسألة 54 (هل تقع من لابتداء الغایة فی الزمان؟) (المصدر نفسه، ج1، ص375)؛ ومسألة 63 (هل یجوز توکید النکرة توکیداً معنویاً؟) (المصدر نفسه، ج2، ص455)؛ ومسألة 81 (القول فی مجیء  کما بمعنى کیما وینصب بعدها المضارع) (المصدر نفسه، ص590-591).

ثم نراه فی بعض الأحیان فضلاً من الإشارة إلى عدم صحة روایتهم یتماشى مع الرقیب ویحمل الأبیات على وجوه أخرى، إن صحت روایتها.

فی مسألة 15(أفعل التعجب اسم هو أو فعل؟) یتمسک بعض البصریین بأن قال: «... وأفعل، إذا کان اسماً لا ینصب النکرات خاصة على التمییز»، اعترضوا على هذا بأن قالوا:

«وقد وجدنا العرب قد أعملته فی المعرفه. قال الحارث بن ظالم:

فما قومی بثعلبة بن بکر                        ولا بغزارة الشُعرِ الرقابا

فنصب الرِّقاب بالشُعر وهو جمع أشعر.

یرد علیهم: «وما اعترضوا به لیس بصحیح؛ أما بیت الحارث بن ظالم فقد روى «الشُعرى رقاباً» حکى ذلک سیبویه عن أبی الخطاب، عن بعض العرب، أنهم ینشدون البیت کذلک، على أنا وإن لم ننکر صحة ما رویتموه فلا حجة لکم فیه؛ لأنه من باب «الحسن الوجهَ» ... وقد ذهب بعض البصریین إلى زیادة الألف واللام فیه، فلما کان فی تقدیر التنکیر جاز نصبه على التمیز فبان أن ما عارضتم به لیس بشیء» ( المصدر نفسه، ج1، ص132-135).

فی مسألة 120 (القول فی تقدیم التمییز إذا کان العامل فعلاً متصرفاً) «یستدل الکوفیون ببیت:

أتهجر سلمى بالفراق حبیبها                وما کان نفساً بالفراق تطیب؟

لجواز هذا التقدیم» (المصدر نفسه، ص828-829). یرد علیهم: «أما ما استدلوا به من قول الشاعر فإن الروایة الصحیحة: «وما کان نفسی بالفراق تطیب»، فذلک لاحجة فیه، ولئن سلمنا صحة ما رویتموه فنقول: نصب نفساً بفعل مقدّر کأنّه قال: «أعنی نفساً» لا على التمییز ولو قدّرنا ما ذکرتموه، فإنما جاء فی الشعر قلیلاً على طریق الشذوذ فلا یکون فیه حجه» (المصدر نفسه، ص831).

فنرى أنه فی بعض الأحیان یحمل الأبیات على وجه الشذوذ فی صورة صحة روایتها. (ینظر: ابن الأنباری،1961م، ج2، ص456، 593، 666).

انتبه الکوفیون إلى هذه الشروط بعض الأحیان فنجدهم فی مسألة 70 (منع صرف ما ینصرف فی ضرورة الشعر) یستشهدون بثلاثة عشر بیتاً (المصدر نفسه، ص492-512)، وفی خلال بعض الأبیات یوردون الروایات الأخرى ثم یقولون: «بل الروایة الصحیحة المشهورة ما رویناه على أنا لو قدرنا أنه قد رُوی روایة أخرى کما رویتموه فما العذر عند هذه الروایة الصحیحة مع شهرتها؟» (المصدر نفسه، ص500-501).

فنرى ابن الأنباری یستسلم أمام هذا الکم الهائل من الأبیات ویقول: «والذی أذهب إلیه فی هذه المسألة مذهب الکوفیون لکثرة النقل الذی خرج عن حکم الشذوذ لا لکونه فی القیاس» (المصدر نفسه، ص514).

ج) أنه لابد أن یخلو من الشواذ والضرورة الشعریة

أشرنا فی بدایة هذا الفصل إلى مسألة الضرورة الشعریة وعدم الحجة فیها. یعتقد ابن الأنباری أن «ما جاء لضرورة شعر أو إقامة وزن أو قافیة فلا حجة فیه» (المصدر السابق، ص628).

أما بالنسبة إلى الشواذ فلا یعتقد ابن الأنباری بالشواذ ولا یعتبرها حجة. فهاتان المسألتان نجدهما کثیراً فی ردوده على البصریین والکوفیین: (مسألة 15، ص130-131؛ مسألة 16، ص151؛ مسألة 22، ص179؛ مسألة 39، ص297؛ مسألة 40، ص301؛ مسألة 41، ص307؛ مسألة 43، ص316؛ مسألة 51، ص363؛ مسألة 25، ص214؛ مسألة 32، ص252؛ مسألة 36، ص277؛ مسألة 71، ص523؛ مسألة 99، ص704 وهی المسألة الزنبوریة).

ولکن لماذا لا یمکن الاستدلال بالشواذ؟

 یجیبنا ابن الأنباری: «إذ لو طردنا القیاس فی ما جاء شاذاً مخالفاً للأصول والقیاس، وجعلناه أصلاً لکان ذلک یؤدی إلى أن تختلط الأصول بغیرها، وأن یُجعَل ما لیس بأصل أصلاً، وذلک یفسد الصناعة بأسرها وذلک لا یجوز» (ابن الأنباری،1961م،ج2، ص456).

 

2.7 القیاس

لو راجعنا إلى کتاب «لمع الأدلة» نرى أن ابن الأنباری یخص فصلاً خاصاً للقیاس وأنواعه. فهو یعرّف القیاس بأنه «حمل فرع على أصل بعلة، وإجراء حکم الأصل على الفرع» (ابن الأنباری ،1957م، ص93)، «أو حمل المنقول على المنقول إذا کان فی معناه» (المصدر نفسه، ص45).

یحتلّ القیاس مکانة خاصة فی النحو بحیث لا یتحقق إنکار القیاس فی النحو؛ «لأن النحو کله قیاس» (السیوطی،2006م، ص206)، ولهذا قیل فی حده: «إنّه علم بمقاییس مستنبطة من استقراء کلام العرب» (المصدر نفسه، ص204)؛ «فمن أنکر القیاس، فقد أنکر النحو. ولا نعلم أحداً من العلماء أنکره لثبوته بالدلائل القاطعة والبراهین الساطعة» (ابن الأنباری،1957م، ص93).

ولابدّ للقیاس ألا یخالف السماع. فالقیاس یقبل عندما لا یعارض النقل أو السماع.

فی مسألة 19 (القول فی العامل فی الخبر بعد «ما» النافیة النصب) ذهب الکوفیون إلى أن «ما» فی لغة أهل الحجاز، لا تعمل فی الخبر وهو منصوب بحذف حرف الخفض. فیحتجون: «إنّما قلنا إنّها لا تعمل فی الخبر، وذلک لأنّ القیاس فی «ما» ألا تکون عاملة ألبتة؛ لأن الحرف إنما یکون عاملاً إذا کان مختصاً، فما غیر مختص؛ لأنه یدخل على الاسم تارة ویدخل على الفعل تارة» (ابن الأنباری،1961م،ج1، ص165).

ابن الأنباری یقول: «کان هذا هو القیاس، إلا أنه وُجِد بینها وبین لیس، مشابهة اقتضت أن تعمل عملها، وهی لغة القرآن. قال الله #: «ما هذا إلا بشراًª وقال #: «ما هُنّ أمّهاتِهمª» (المصدر نفسه).

هو فی هذه المسألة یقبل قیاس الکوفیین ولکنّه یرجح المنقول على غیر المنقول. هذا وهو لا یقبل بعض الأقیسة أحیاناً، منها:

 

1.2.7 لا یمکن القیاس على الشواذ

فی مسألة 85 (عامل الرفع فی الاسم المرفوع بعده إن الشرطیة) لا یقبل القیاس علیها قائلاً: «لأنه لیس کل ما حکى عنهم یقاس علیه، ألا ترى أن اللحیانی حکى أن من العرب من یجزم بلن، وینصب بلم، إلى غیر ذلک من الشواذ التی لا یلتفت إلیها ولا یقاس علیها» (المصدر نفسه،ج2، ص615).

 

2.2.7 إذا کانت کلمة قلیلة فی الاستعمال بعیدة عن القیاس فوجب أن لا یقاس علیها

 هذا ما نشاهده فی مسألة 49 (هل یجوز ترخیم الاسم الثلاثی؟) یدعی الکوفیون أنه یجوز ترخیم الاسم الثلاثی إذا کان أوسطه متحرکاً ویستدلون بکلمة دم وید (ینظر: المصدر نفسه،ج1، ص357)، یردّ علیهم: «أن هذه الأسماء قلیلة فی الاستعمال وبعیدة عن القیاس، فأمّا قلّتها فی الاستعمال فظاهر؛ لأنّها کلمات یسیرة معدودة، وأمّا بعدها عن القیاس فظاهر أیضاً وذلک لأنّ القیاس یقتضی أن لا یحذف حرف العلة فیها» (المصدر نفسه، ص359).

 

3.2.7 القیاس على فاسدٍ فاسد

البصریون فی مسألة 26 (اللام الأولى فی لعل زائدة أو أصلیة) یستدلّون لإثبات زیادتها بقول الکوفیون: «إذا جاز لکم أن تحکموا بزیادة لا والکاف فی لکنّ وهما حرفان، فکأن یجوز أن یحکم بزیادة اللام، وهی حرف واحد کان ذلک من طریق الأولى.

یرد علیهم: هذا فاسد؛ لأنکم لا تقولون بصحة مذهبهم فکیف یجوز لکم أن تقیسوا علیه؟ فإن القیاس على الفاسد فاسد» (ابن الأنباری،1961م، ج1، ص117).

یستدلّ بعض الدارسین أنّ:

«هذا لیس قیاساً فاسداً  کما ادعى ابن الأنباری، وإنما هو احتجاج ملزم للکوفین الذین ینکرون مبدأ الزیادة فی الحروف، ومع ذلک قالوا بزیادة حرفین فی «لکن» مما ناقض أصل مبدئهم. فإن البصریین یقولون بزیادة اللام الأولى فی «لعل» ویقول الکوفیون: نحن لا نقرّ مبدأ الزیادة فی الحروف، فیقول لهم البصریون: وکیف إذاً حکمتم بالزیادة فی «لکن»؟!

فهذا إلزام للکوفیین بقبول مبدأ الزیادة الذی أنکروه ومع ذلک قالوا به فی «لکن»» (السامرائی، 1975م، ص92-93).

ثم نرى ابن الأنباری یحتج مثل هذا الاحتجاج الذی عابه وأبطله فی المسألة 78 (هل یجوز أن تکون «کی» حرف جر؟)

«فقد ذهب الکوفیون إلى أن «کی» لا تکون إلا حرف نصب، ولا یجوز أن تکون حرف خفض وذهب البصریون إلى جواز ذلک.

احتج الکوفیون أن «کی» من عوامل الأفعال، ولا یجوز أن یکون حرف خفض؛ لأنّه من عوامل الأسماء، وعوامل الأفعال لا یجوز أن تکون من عوامل الأسماء» (ابن الأنباری،1961م، ج2، ص570).

لکن ابن الأنباری یردّ علیهم بما اعتبره قیاساً فاسداً وهو یقول: «وصار هذا کما قلتم فی «حتى» فإنها تنصب الفعل فی حال من غیر تقدیر ناصب وتخفض الاسم من حال من غیر تقدیر خافض على الصحیح المشهور من مذهبکم ولم یمنع کونها ناصبة للفعل أن تکون خافضة للاسم. وکذلک قلتم أن «إلا» تکون ناصبة وتکون عاطفة» (المصدر نفسه، ص573-574).

فنرى أن أبا البرکات احتج عین الاحتجاج الذی رفضه ونسی ما کان قاله للبصرین فی مسألة «لعل».

 

3.7 استصحاب الحال

عرّف ابن الأنباری استصحاب الحال بأنه «إبقاء حال اللفظ على ما یستحقه فی الأصل عند عدم دلیل النقل عن الأصل، کقولک فی فعل الأمر. إنما کان مبنیاً؛ لأنّ الأصل فی الأفعال البناء، وأن ما یعرب منها لشبه الاسم، ولا دلیل یدل على وجود الشبه فکان باقیاً على الأصل فی البناء» (ابن الأنباری، 1957م، ص46). وهو أصل من أصول النحو المختلف فی الأخذ به. «هو زاد استصحاب الحال ولم یذکر الإجماع، فکأنه لم یر الاحتجاج به فی العربیة کما هو رأی قوم» (شعبان، 2006م، ص 285).

استصحاب الحال إن کان من الأدّلة المعتبرة (ینظر: ابن الأنباری، 1957م، ص141)، إلا أنه «من أضعف الأدلة، وهذا لا یجوز التمسک به ما وجد هناک دلیل. ألا ترى أنه لا یجوز التمسک به فی إعراب الاسم مع وجود دلیل البناء من شبه الحرف أو تضمن معناه، وکذلک لا یجوز التمسک فی بناء الفعل مع وجود دلیل الإعراب من مضارعته الاسم. وعلى هذا قیاس ما جاء من هذا النحو» (المصدر نفسه، ص142).

والبصریون هم الذین اعتمدوا على هذا الدلیل؛ أما الکوفیون فلم یرد عنهم الاستدلال به. یعتقد البصریون أن «من تمسک بالأصل، خرج عن عهدة المطالبة بالدلیل، ومن عدل عن الأصل، افتقر إلى إقامة الدلیل لعدوله عن الأصل، واستصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة» (ابن الأنباری، 1961م، ص300، 392، 634، 719).

على سبیل المثال، فی مسألة 88 (القول فی «إن» المکسورة هل تقع بمعنى إذ؟) ذهب الکوفیون إلى أن «إن» الشرطیة تقع بمعنى إذ، ویستدلون بالنقل ثم یقولون: «الشواهد على هذا النحو أکثر من أن تحصى» (المصدر نفسه،ج2، ص623).

لکن البصریین یعتقدون خلاف ذلک قائلین: «أجمعنا على أن الأصل فی «إن» أن تکون شرطاً والأصل فی «إذ» أن تکون ظرفاً والأصل فی کل حرف أن یکون دالاً على ما وضع له فی الأصل، فمن تمسک بالأصل فقد تمسک باستصحاب الحال ومن عدل عن الأصل بقی مرتهناً بإقامة الدلیل ولا دلیل لهم یدل على ما ذهبوا إلیه» (المصدر نفسه، ص634).

ولکن العجیب أن ابن الأنباری یرد على الکوفیین فی هذه المسائل، ولا یعترض على البصریین أی اعتراض مع أنه قد صرّح بأنّه من أضعف الأدلة، وهذا التصریح ما نجده فی الإنصاف مرة أخرى فی مسألة 14 (نعم وبئس أفعلان أم اسمان) عندما یتعرض لاحتجاجات البصریین: «ومنهم من تمسک بأن قال: الدلیل على أنهما فعلان ماضیان، أنهما مبنیان على الفتح ولو کانا اسمین لما کان لبنائهما وجه، إذ لا علة هاهنا توجب بناءهما، وهذا تمسک باستصحاب الحال وهو من أضعف الأدلة» (المصدر نفسه، ج1، ص111-112).

 

4.7 الإجماع

کما أشرنا فیما سبق أن ابن الأنباری لا یذکر الإجماع کأصل من أصول النحو فی کتابه «لمع الأدلة فی أصول النحو» خلافاً لابن الجنی. والحق أن الأسلوب الذی یسلکه ابن الأنباری فی کتابه «الإنصاف» یدلّنا على أنه یعتقد بالإجماع ویصرح به ضمنیاً کأصل من أصول النحو.

أما الإجماع عند علماء العربیة، «فالمراد به إجماع نحاة البلدین: البصرة والکوفة» (السیوطی، 2006م، ص187). وقد بیّن ابن جنی مدى حجیة هذا الأصل قائلا: «إعلم أن إجماع أهل البلدین إنما یکون حجة إذا أعطاک خصمک یده ألا یخالف المنصوص والمقیس على المنصوص. فأما إذا لم یعط یده بذلک فلا یکون إجماعهم حجة» (ابن جنی، د.ت، ج1، ص189).

یکفینا فی أهمیة الإجماع عند ابن الأنباری أن نتذکر ما قیل فی فصل السماع حیث عدم مطابقة القراءة والإجماع یدل على وهی القراءة ووهم القارئ کما سبق.

 وفی مسألة 13 (نعم و بئس، أفعلان هما أم اسمان؟) «یستدل بعض الکوفیین بما أنه یدخل حرف النداء علیها فهما اسمان؛ لأن النداء من خصائص الأسماء» (ابن الأنباری،1961م،ج1، ص66). یردّ علیهم ابن الأنباری: «والذی یدل على فساد ما ذهبوا إلیه أنا أجمعنا على أن الجمل لا تنادى، وأجمعنا على أن «نعم الرجل» جملة، وإن وقع الخلاف فی «نعم» هل هی اسم أو فعل؟ وإذا امتنع الإجماع قولنا «یا زید منطلق» فکذلک یجب أن یمتنع «یا نعم الرجل» إلا على تقدیر حذف المنادى» (المصدر نفسه، ص120). فیتضح مما ذکرنا أن ابن الأنباری لم یهمل  الإجماع  تماماً بل یستعمله دلیلاً حاسماً لفساد بعض ما استدل به الخصم إن لم یعدها من أصول النحو.

 

8. نتائج البحث

-قد تأثر ابن الأنباری بالأسلوب الفقهی ومسائله فی کتابه خاصة عندما أضاف استصحاب الحال إلى أصول النحو.

-إنه أخرج أسلوب التآلیف النحویة من الجفاف والیبس إلى المآئیة والتندیة، خاصة باستخدام بعض الأمثلة لإقناع المخاطب وإنه سلک أسلوباً خاصاً فی کتابه یشبه أسلوب المحکمة.

-إنه یتمسک بأصول النحو الأربعة فی الردّ على الرقیب رغم أنّه لم یذکر الإجماع کأصل من الأصول فی کتابه «لمع الادلة»، ثم نراه یضع لکل  أصل من هذه الأصول فروعاً خاصة ویبین بعض الأحیان فلسفة هذه الأصول والفروع.

-یحاول کثیراً  ألا یخرج من دائرة العدل والإنصاف، لکن لا یستطیع أن یخفی میله إلى البصریین إذ نراه یشکّ فی صحة روایات الکوفیین ویحملها على الشواذ دون البصریین.

-وأخیراً هذا کتاب لا یستطیع المجددون فی النحو أن یغضوا النظر عما جاء فیه حول قبول بعض القواعد أو رفضها فی تآلیفهم النحویة.

 

õõõ

 



 

 

المصادر والمراجع

1.  ابن عماد، عبد الحی.) د.ت(.  شذرات الذهب فی اخبار من ذهب. بیروت: دار الکتب العلمیة.

2. ابن الأنباری، أبو البرکات. (1957). الإغراب فی جدل الإعراب ولمع الادلة فی أصول النحو. تحقیق: سعید الأفغانی. مطبعة الجامعة السوریة.

3. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1961م). الإنصاف فی مسائل الخلاف بین النحویین البصریین والکوفیین. تحقیق: محمد محیی الدین عبد الحمید. (ج1و2). (ط1). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.

4. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1969م). البیان فی غریب إعراب القران. تحقیق: طه عبدالحمید طه. القاهرة: دار الکاتب العربی.

5. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (د.ت). نزهة الألباء فی طبقات الأدباء. تحقیق: محمد أبو الفضل إبراهیم. القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر.

6. ابن جنی، أبو الفتح عثمان. (د.ت). الخصائص. تحقیق: محمد علی النجار. (ج1). القاهرة: دار الکتب المصریة.

7. الأفغانی، سعید. (د.ت). من تاریخ النحو. بیروت: دار الفکر .

8. أحمد، امین. (د.ت). ضحی الإسلام. بیروت: دار الکتاب العربی.

9. پاشا زانوس، أحمد، وطیبة سرفرازی. (دی ماه1389). «نقد و بررسی دو کتاب البیان ابن الأنباری و املاء العکبری». مجلة لسان مبین. سال دوم. شماره یک. ص53-70.

10. الحموی، یاقوت. (1988م). معجم الادباء. (ج13). (ط1). بیروت: دار إحیاء التراث العربی.

11.الحباس، محمد.(2009م). النحو العربی دراسة فی المنهج. (ط1). عمان: علم الکتاب الحدیث.

12. السیوطی، عبدالرحمن ‌بن أبی‌بکر. (1326هـ.ق). بغیة الوعاة فی طبقات اللغویین والنحاة. تصحیح: محمد أمین. (ط1). مصر: الخانجی مطبعة السعادة. 

13. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (2006م). الاقتراح فی علم أصول النحو. تحقیق: محمود سلیمان یاقوت. طنطا: دار المعرفیة الجامعیة.

14. السامرائی، فاضل صالح. (1969م).  ابن جنی النحوی. بغداد: دار النذیر.

15. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (نیسان1970م(. «الإنصاف فی مسائل الخلاف بین البصریین والکوفیین لابن الأنباری». مجلة کلیة الآداب بجامعة بغداد. العدد13. ص415-423.

16. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. (1975م).  أبو البرکات ابن الأنباری ودراساته النحویة. (ط1). بغداد: دار الرسالة للطباعة.

17. صالح، محمد سالم. (2006م). أصول النحو: دراسة فی فکر الأنباری. (ط1). مصر: دار السلام.

18. شعبان، خالد. (2006م). أصول النحو عند ابن مالک. (ط1). القاهرة: مکتبة الآداب.

19. ضیف، شوقی. (1992م). المدارس النحویة. (ط7). القاهرة:دار المعارف.

20. الطنطاویی، محمد. (1973م). نشاة النحو وتاریخ أشهرالنحاة. (ط5). مصر: دارالمعارف.

21. علوش، جمیل إبراهیم. (1977م). ابن الأنباری وجهوده فی النحو. بیروت: جامعة القدیس یوسف.

22. القطفی، جمال الدین.(2004م). إنباء الرواة على أنباء النحاة. تحقیق: محمد أبوالفضل إبراهیم. (ج2). بیروت: المکتبة العصریة.