دراسة لانعکاسات الغاية علی ترجمات رباعیات الخیام علی ضوء نظرية سکوبوس ترجمة رامي والصافي أنموذجا

نوع المستند : المقالة البحثیة

المؤلف

أستاذ مساعد بقسم الترجمة في المجمع العالي للغة والآداب والدراسات الثقافية، قم، إيران

المستخلص

لا شك أن مباحث علم اللغة قد تسربت إلی الترجمة في النصف الثاني من القرن العشرين، وتم التركيز بداية علی التكافؤ والتعادل، بوصفه مفهوما رئيساً، كما ركزت المداخل اللغوية المنوطة بالتكافؤ علی النص الأصل، وعلی الخصائص المراد الحفاظ عليها في النص الهدف، عند التحليل اللغوي، إلا أن الترجمة لم ترزح زمنا طويلاً تحت عبء النظريات اللغوية التي كان فيها التكافؤ لنص الأصل هو المعيار الأساسي في تحديد نجاح الترجمة، بل واجهت تحولاً كبيراً، وانعطفت نحو النظريات التي تولي قدراً أكبر من الاهتمام بالوظائف الاجتماعية والثقافية. وأبرز هذه النظريات الوظيفية هي نظرية سكوبوس التي استأثرت باهتمام الباحثين والدارسين. وبظهورها، لم تتحرر دراسات الترجمة من اللسانيات فحسب، بل فتحت الآفاق لظهور رؤی جديدة من الترجمة، الأمر الذي دعا إلی إلقاء نظرة فاحصة علی بعض الخيوط الدقيقة في النسيج الفکري لهذه النظرية، وفي طليعتها نظرية الغاية أو سكوبوس التي تشکل رکناً أساسياً فيها، وقد انعکست علی معظم مفاصل الترجمة. سنقوم في هذا المقال، بإماطة اللثام عن وجه انعکاسات الغاية علی ترجمتي أحمد رامي وأحمد الصافي النجفي، لاسيما علی صعيد تحديد نمط الترجمة، واستراتیجیتها، وتحديد السياق الثقافي، وتحديد الأسلوب، بمنهج وصفي ـ تحليلي.

الكلمات الرئيسية

الموضوعات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

A Study of the Implications of Purpose on the Translations of the Rubaiyat of Khayyam in Light of Skopos Theory (The Translation by Rami and Al-Safi as a Model)

المؤلف [English]

  • Anvar Panam
Assistant Professor in the Department of Translation at Al-Mustafa International University, Qom, Iran
المستخلص [English]

Undoubtedly, discussions in the field of linguistics began to permeate translation in the second half of the twentieth century, initially focusing on equivalence and correspondence as a primary concept. Linguistic approaches related to equivalence concentrated on the source text and the characteristics to be preserved in the target text during linguistic analysis. However, translation did not remain burdened for long under the weight of linguistic theories that regarded the equivalence of the source text as the main criterion for determining the success of translation. Instead, it underwent a significant transformation, shifting towards theories that place greater emphasis on social and cultural functions.
Among these theories is Skopos Theory, which has attracted the attention of researchers and scholars. With its emergence, translation studies not only liberated themselves from linguistics but also opened avenues for new perspectives on translation. This has prompted a closer examination of some subtle threads in the intellectual fabric of this theory, foremost among them the purpose or Skopos, which constitutes a fundamental pillar of it. This has been reflected in most aspects of translation. In this study, we will investigate the implications of purpose on the translations by Ahmed Rami and Ahmed Al-Safi Al-Najafi, particularly in terms of determining the translation style and strategy, defining the cultural context, and identifying the style through a descriptive-analytical approach.
The art of the quatrain is one of the most difficult and complex poetic arts because it is not easy for the poet to organize a great and ingenious meaning into a small form, and the quatrain is an independent piece that has unity in form and content, as it paves the way for the poetic purpose that he aims for in the first three parts, and in the fourth part, the result that was paved is emptied. One of the most brilliant people in this art was Abu al-Fath Omar bin Ibrahim al-Khayyam (440-517 AH). He was born in Nishapur. He is a Persian astronomer, mathematician, and philosopher. He was not known to be a poet until Imad al-Din al-Isbahani came and revealed this truth when mentioning the virtuous people of Khorasan and Herat in his book Kharidah Al-Qasr and Al-Asr Newspaper” in the year 572 AH. Among his most important works are Nawrouznameh, Maqal Al-Jabir wal-Muqabalah, and Risaail Al-Khayyam printed in the book Jami’ Al-Bada’i’.
 
The methodology adopted in this research is descriptive-analytical, and the three research questions are as follows:

As long as the purpose represents the essential structure of Skopos theory, what is its reflection on the translation style of Rami and Al-Safi for the Rubaiyat of Khayyam?
What is the reflection of the purpose of the cultural context of the aforementioned translations?
What is the reflection of purpose on the style of the aforementioned translations?

 
Skopos theory emphasizes that the target text depends on its purpose, as it represents the information of the source text in a new way, making it difficult to easily return to the source text. It also asserts that the function of the target text in its culture does not necessarily correspond to the function of the source text in its culture.
Functional analysis differs from linguistic analysis in that it focuses on the tools used to achieve the purpose of translation based on the background and needs of the recipient, as a preliminary step before translation. In contrast, linguistic analysis compares verbal and grammatical equivalences between the source text and the target text, meaning that translation comes before linguistic analysis, unlike functional analysis.
The priorities of functional analysis include identifying the purpose of the translation, meeting the audience’s needs, and ensuring the appropriateness between the two texts. Any violation of these priorities negatively affects the quality of the translation.
Al-Safi ignored these priorities and compromised them in order to maintain fidelity, while Rami adhered to them and to the Skopos of his translation, resulting in its success.

الكلمات الرئيسية [English]

  • The Translational Act
  • Skopos Theory
  • Purpose
  • the Rubaiyat of Khayyam
. المقدمة
إن فن الرباعية من أصعب الفنون الشعرية وأعقدها؛ لأنه ليس من السهل علی الشاعر أن ينظم معنی عظيماً بارعاً في قالب صغير. والرباعية قطعة مستقلة، فيها وحدة في الشكل والمضمون، حيث يمهد للغرض الشعري الذي يرمي إليه في الشطور الثلاثة الأولی، وفي الشطر الرابع، تفرغ النتيجة التي مهد لها. ومن أبرع من تناول هذا الفن هو أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام (440 ـ 517ه‍)، الذي ولد في نيسابور، وهو عالم فلك ورياضيات وفيلسوف فارسي. ولم يُعرف عنه أنه شاعر، حتی جاء عماد الدين الأصبهاني، وأفصح عن هذه الحقيقة عند ذكر فضلاء أهل خراسان وهراة في كتابه خريدة القصر وجريدة العصر، سنة 572ه‍. من أهم مصنفاته، نوروزنامه، ومقال الجبر والمقابلة، ورسائل الخيام.
رباعيات الخيام مقطوعة شعرية بالفارسية، نُظمت علی وزن البحر السريع، وصُبت في قالب الرباعي الأعرج؛ إذ حافظت علی الروي واحداً في الشطور الأربعة. لكن غيّرت حركة الثالث، ففتحت بذلك باباً جديداً في التنويع الإيقاعي. ويطلق علی الرباعيات في العربية الدوبيت أو المزدوج، وهذا الوزن أكثر شيوعاً في الفارسية منه إلی العربية (هلال، 2008 م، ص 216). و«لعل أظهر ما في الرباعيات، النعي علی قصر الحياة وبطلانها، وهي شکوی الإنسان منذ خُلق، والخيام في نظمها بين متفائل ومتشائم، وقدري ومتصوف، ولکنه أميل ما يکون إلی اليأس إلی حد السخر من الحياة، والسخر من الحياة إلی حد الضحك من کل شيء في الوجود» (رامي، 2000م، ص 22). «ومن الواضح، أن الخيام لم ينظم رباعياته في دور واحد من أدوار حياته، وإنما نظمها في الفينة بعد الفينة، حسب ما أوحی إليه، وأملی عليه وجدانه» (المصدر نفسه، ص 21).
ظلت الرباعيات غائبة في بطن الكتب ضائعة في حنايا المكتبات، حتی بعد وفاة الخيام، بحيث إن أقرب المقربين إليه كان يجهل ذلك، حتى انتشلها إدوارد فيتزجيرالد (1809 ـ 1883م)، من الضياع، حينما ترجمها إلی الإنجليزية، وذهب بعيداً في التصرف بها، حيث كان في الغالب يتحدث بكلماته الخاصة، ويرسم عالمه الخاص. بمعنی آخر، «اتخذ فيتزجيرالد قصيدة الخيام ذريعة للتعبير عن الآمه واكتئابه النفسي والكثير من حياته الغريبة والبائسة في سياق الثقافة الإنجليزية ونظرته للعالم، ولو أنه قدم ترجمة محاولاً فيها مواكبة فكر الخيام وتعبيره، فربما لم يجد الشعبية والشهرة التي اكتسبها بين أبناء جلدته؛ لأنه في هذه الحالة، ربما لا تتوافق ترجمته مع الذوق والمزاج الإنجليزي» (جمشيدي پور، 1342ه‍.ش، ص 14).
هذا إلی جانب أنه کان يمتلك نظرة استعلائية، كان يبرر علی ضوئها هذا الحجم الهائل من التصرف في رباعيات الخيام. فقد صرّح في كتابه عن الشعر الفارسي عام 1851م، قائلاً: «يسرني أن أقول إنني أخذت حريتي، كما أشاء مع هؤلاء الفرس الذين هم باعتقادي ليسوا شعراء أكفاء، ليخيفوا أحداً من عبارات يعوزها الترابط كهذه، والذين يحتاجون حقا للمسة فنية لإعادة صياغة الأشعار» (باسنت، 2012م، ص 27).
وعلی أي حال، فبعد أن أخذ صدی اهتمام الغرب بالخيام ورباعياته يتردد في جنبات الشرق، راح العرب يهتمون بهذه الرباعيات في شغف، لا ينقطع خلال القرن العشرين؛ إذ ترجمت فيما يربو علی خمسين ترجمة. وهذا الإقبال الواسع علی ترجمة الرباعيات يعزی إلی «أن المعاني الشامخة التي تضمنتها الرباعيات، تناغمت مع القلوب، علی اختلاف المشارب ولاءمت الأذواق، وتجلی فيها الذوق الإنساني العام. فكان الخيام كمن ترجم عن أحاسيس الناس، وعبّر عن شعورهم وشكوكهم وتخيلاتهم وآمالهم والآمهم، وباح بمكنوناتهم ودخائلهم، هذا هو السر الذي أورث الميل اليه» (الصرّاف، 1931م، ص 27).
 
 
فترجمها نظما أحمد رامي (1892 ـ 1981م)، عام 1924م، وهي أول ترجمة منظومة له عن الفارسية في مصر. فيقول عن هذه الترجمة: «تعلمت اللغة الفارسية خصيصاً من أجل أن أترجم رباعيات الخيام، وسافرت إلی البلاد التي عاش فيها الخيام، وفتشت عن الحياة التي كان يحياها. وعندما ترجمت أشعاره، أحسست أن أرضاً جديدة من الشعر قد اكتسبتها» (بكار، 1988م، ص 87)، کما ترجمها نظماً أحمد الصافي النجفي (1897 ـ 1977م)، ونشرها عام 1934م.
فمن أجل تحقيق ما كان يصبو إليه الصافي، شعر بالحاجة إلی تعلم الفارسية وآدابها، إلا أن الظروف لم تکن مؤاتية له، وأخيراً قرر أن يبرح موطنه العراق إثر اجتياح الاضطرابات فيه والاستقرار في طهران. لقد کتب عن تلك الفترة، يقول: «أقمت في طهران ثماني سنين. کان همي الوحيد فيها درس الأدب الفارسي والنفوذ إلی معانيه الدقيقة ومراميه السامية، لأصل منها إلی الينبوع الصافي الذي سالت منه خيالات عمر الخيام الشاعر الذي شغفت به، من دون باقي شعراء الفرس» (1405ه‍، ص 5).
1ـ1. خلفية البحث
وقد اقتدحت فكرة هذا البحث من زند المقالات التالية:
مقال بررسى نظريه اسكوپوس در نهضت بغداد (= دراسة نظرية سكوبوس في نهضة بغداد)، بقلم محمد رضا هاشمي وأمير داود حيدر پور (1392ه‍.ش)، وخلص المقال إلی القول بأن معظم ركائز نظرية اسكوبوس قد تجلت في نهضة بغداد.
ومقال ترجمه ادبيات كودك از منظر پارادايم سكوپوس و تعادل: مطالعه موردى داستان شازده كوچولو (= ترجمة أدب الأطفال من منظار سكوبوس والتعادل: رواية الأمير الصغير أنموذجا)، بقلم سمير حسنوندي وآخرين (1394ه‍.ش). والحصيلة التي انتهی إليها المقال هي أن نموذج سكوبوس سجل حضوراً في ترجمة أدب الأطفال يفوق حضور أي نموذج آخر.
ومقال الگوهاى كنش محور در ترجمه نهج البلاغه بر اساس رويكرد سكوپوس: مطالعه موردى ترجمه بهرامپور (= الأنماط الفعلية في ترجمة نهج البلاغة علی أساس نظرية سكوبوس: ترجمة بهرام پور أنموذجاً)، لعلي صياداني ويزدان حيدر پور (1399ه‍.ش). والمقال بصدد توظيف الأنماط العملية لنظرية سكوبوس في ترجمة بهرام پور لنهج البلاغة. فهو خرج بحصيلة، مفادها أن الترجمة المذكورة، إضافة إلی صراحتها، قد عكست ثقافة لغة الهدف في مفاهيمها وألفاظها.
1ـ2. منهج البحث
إن المنهج المتبع في هذا البحث وصفي ـ تحليلي.
1ـ3. أسئلة البحث
تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن الأسئلة التالية:
ـ مادامت الغاية تمثل البناء الجوهري لنظرية سکوبوس، فما انعکاسها علی نمط ترجمتي رامي والصافي لرباعیات الخیام؟
ـ ما انعکاس الغاية علی السیاق الثقافي للترجمتين المذکورتين؟
ـ ما انعکاس الغاية علی أسلوب الترجمتين المذکورتين؟
  1. الإرهاصات الأولية لنظرية سكوبوس
لم تظهر نظرية سكوبوس العامة في دراسات الترجمة بين عشية وضحاها. فقد استوحی هانس فيرمير[1]، مؤسس هذه النظرية، أفكاره، بل وبناها علی أساس نظرية الفعل الترجمي[2]. وهذا يدفعنا إلی استعراض هذه النظرية بنحو موجز. فطرحت يوستا هولتس مانتاري[3]، وهي مترجمة ألمانية محترفة تعيش في فنلندا، هذه النظرية لأول مرة عام 1981م، وتقدمت بمصطلح جديد هو الفعل الترجمي، وهو «نقل رسال الخبراء عبر الحواجز الثقافية واللغوية من خلال وسائط نقل الرسائل المناسبة». والوسائط التي تحدثت عنها هي تتكون عادة من مادة نصية، تصاحبها وسائل إعلامية أخری، منها علی سبيل المثال الصور و الأصوات وحركات الجسم (نورد، 2015م، ص 37).
وهذا الأمر دفعها إلی تفادي استخدام مصطلح "مترجم" الذي تراه محدوداً للغاية، واستخدمت بدلاً عنه مصطلح "موصل الرسالة"، وهو المصطلح الذي تحس أنه مستوعب لأنواع من أجناس الاتصال ما بين الثقافات؛ إذ تقول مانتاري: «إن الترجمة لا تدور حول ترجمة كلمات أو جمل أو نصوص؛ ولكنها في كل حالة تدور حول توجيه التعاون المنشود عبر حواجز ثقافية ابتغاء التواصل الموجه إلی تحقيق وظائف معينة» (عناني، 2005م، ص 127). وهذا التعاون المنشود یتم عبر سلسلة من الأدوار واللاعبين علی النحو التالي:
ـ صاحب المبادرة (الشركة أو الشخص الذي يحتاج إلی الترجمة).
ـ مصدر التكليف (أي الفرد الذي يتصل بالمترجم لتكليفه بالترجمة).
ـ منتج النص الأصل (أي الفرد الذي يتولی كتابة النص الأصل).
ـ منتج النص الهدف (وهو المترجم).
ـ مستعمل النص الهدف (وهو الشخص الذي يستعمل النص المترجم، باعتباره من المواد التعليمية أو من مطبوعات الدعاية للمبيعات).
ـ مستقبل النص الهدف (وهو المتلقي النهائي للنص المترجم، مثل الطلاب أو الزبائن الذي يقرؤون مطبوعات الترويج للسلعة) (عناني، 2005م، ص 127).
«ويتم النظر للمترجم علی أنه خبير يتعاون مع خبراء آخرين في إنتاج نص هدف، يتماشی مع مواصفات المنتَج التي اتفقت عليها الأطراف المعنية اتفاقاً مسبقاً. ومن هنا، تضع عملية الفعل الترجمي المترجم في قلب سلسلة طويلة من عمليات التواصل، بدءاً من صاحب المبادرة، وانتهاءً بالمتلقي الأخير للرسالة» (شتلويرث وكووي، 2008م، ص 361).
وبناء علی ذلك، فيصبح مفهوم الفعل الترجمي أعم من مفهوم الترجمة. فتكون الترجمة في هذا النموذج جزءاً من الفعل الترجمي، لا مكوناً له؛ ذلك أنه:
أولاً، «الترجمة بمفهومها الضيق، تتضمن دائماً استخدام بعض أنواع النصوص الأصل؛ في حين أن الفعل الترجمي قد يتضمن أشياء أخری، منها الشرح وإعادة التحرير وإبداء النصح، وربما التحذير من التواصل أو المضي قدماً في المسار المتبع وغيرها؛
ثانياً، إن الفعل الترجمي قد يقوم علی تنفيذه المستشار الثقافي، وقد يشتمل علی مهام كاتب فني متعدد الثقافات. فقد يُعرض علی هذا الكاتب الفني ترجمة إرشادات تشغيل ماكينة مكتوبة بانجليزية مملوءة بالأخطاء إلی العربية، وبدلاً من ترجمة النص الأصل الحافل بالأخطاء، قام المترجم باستشارة مهندس حول كيفية تشغيل الماكينة، ثم كتب بعدها هذه الإرشادات بالعربية» (نورد، 2015م، ص 44).
ومما يجدر ذكره، أن من تبعات نظرية الفعل الترجمي هو خلع النص الأصل عن عرشه والإطاحة به. وبذلك، يُنظر إليه علی أنه مجرد أداة، تساعد علی فهم الوظيفة التواصلية، ولا يتمتع بأية قيمة في ذاته، وهكذا يصبح المترجم ملتزما لطرف واحد هو ما يُكلف بنقله لصاحب المبادرة، لا نقل النص بحد ذاته.
لقد تعرضت هذه النظرية لانتقاد العديد من علماء الترجمة، منها «أن هذه النظرية لا تولي الاهتمام الکافي بالطبيعة اللغوية للنص الأصل، وتغفل النظر عن القضايا والاختلافات الثقافية» (عناني، 2005م، ص 138). «زد علی ذلك، أنها لا تصلح إلا للنصوص غير الأدبية الموجهة نحو التجارة والعلاقات العامة؛ في حين أن هذا المجال لا یمثل سوی جانباً ضئیلاً من النشاط الترجمي» (غيدیر، 2012م، ص 136؛ عناني، 2005م، ص 137).
 
  1. تعريف نظرية الغاية (سكوبوس)
نظرية سكوبوس[4] كلمة يونانية، تعني الغاية. والغرض والوظيفة تبلورت علی يد هانس فيرمير[5] (1930 ـ 2010م)، وهو باحث ألماني في ميدان اللسانيات والترجمة، تفرغ إلی دراسة اللسانيات العامة خلال السبعينات من القرن الماضي، ومن ثم إلی علم الترجمة الذي جعله ينفصل، ويطوي صفحة اهتمامه بالنظرية اللسانية في الترجمة حوالي سنة 1976م، لكي يبدي توجهه الجديد ومواقفه في كتابه الموسوم بنظرية سكوبوس في الترجمة، الذي أصدره عام 1978م، و كتاب تحت عنوان تأسيس نظرية عامة للفعل الترجمي، بالاشتراك مع كاترينا رايس[6] عام 1984م. كما ألف فيرمير مقالة بالإنجليزية، يوجز فيها الخطوط العامة لنظريته تحت عنوان الغايات والتفويض في فعل الترجمة. وخير مُعين علی فهم هذه النظرية، هو الملخص الذي نشرته كريستيان نورد[7] التي تعتبر من أتباع هذه النظرية في كتابها الموسوم بـ الترجمة بوصفها نشاطاً هادفاً (غينتسلر، 2009م، ص 184).
فوجد فيرمير في الفعل الترجمي ضآلته. ويظهر ذلك من التعريف الذي أبداه للترجمة قائلاً: «الترجمة فعل يؤدي إلی غاية أو إلی موقف جديد أو إلی عنصر جديد أو لربما إلی شيء جديد» (نورد، 2015م، ص 35). والترجمة بناء علی هذا التعريف، ما هي إلا صورة من صور الفعل الترجمي التي تعتمد علی النص الأصل الذي بدوره ربما يتكون من عناصر لفظية أو غير لفظية أو من كليهما، مثل: الرسومات التوضيحية والخطط والجداول وغيرها، بالإضافة إلی أن صور الفعل الترجمي الأخری قد تتضمن أفعالاً تكون علی شاكلة تلك التي يؤدها الاستشاري، حينما يدلي بمعلومات (المصدر نفسه، ص 35).
وبالتالي، نری أن نظرية الفعل أخذت حيزاً كبيراً في تفكيره، و بنی عليها معظم أفكاره النظرية في الترجمة. بعد محاولته بشتی الطرق، سد الفجوة بين الترجمة تنظيراً وتطبيقاً، فأبدی رغبته الجادة في الإبتعاد عن نظرية الترجمة اللغوية والاستقلال عنها. ويفصح فيرمير عن موقفه قائلا: «لن يفي علم اللغة وحده بالغاية المنشودة، أولاً، لأن الترجمة ليست عملية لغوية؛ وثانياً، لأن علم اللغة لم يطرح حتی الآن الحلول الصحيحة لمشكلاتنا، فلنبحث إذن في مكان آخر» (نورد، 2015م، ص 34). وهذا ما يفسر لنا أن هذه النظرية هي أقرب مناهج الترجمة اتصالاً بعمل المترجم الفعلي، كما أنها نظرية عامة وشاملة للترجمة صالحة للترجمة التحريرية والشفوية ولجميع اللغات والثقافات وأنواع النصوص.
وهذه النظرية تدخل في إطار المقاربات الوظيفية، وتتلخص في اعتبار الترجمة فعلاً مثل أي فعل آخر، يمتلك غرضاً. وهذه الغاية هي التي تحدد طرائق وإستراتيجيات الترجمة الكفيلة بإخراج نص، يؤدي الوظيفة المنشودة. وبهذا، لم يعد ينظر إلی الترجمة علی أنها مجرد نقل للرموز. ففعل الترجمة وعملية إنتاجها يحدده سکوبوس النص. وهذا يعني ضرورة «تحديد الغاية قبل البدء بممارسة الترجمة. وهذه النظرية لها موقف استشرافي کسائر النظريات الوظيفية حيال الترجمة بغية ابراز الغاية، عكس الموقف الاسترجاعي السائد علی النظريات اللغوية التي تؤكد علی المبادئ التوجيهية للنص الأصل» (فيرمير، 1390ه‍.ش، ص 53؛ بيكر، 1396ه‍.ش، ص 720).
توضيح ذلك: أن سير عملية الترجمة في النظريات اللغوية، تنطلق من البناء السطحي للنص، وتعتبر أن المقابلات والمعادلات اللفظية والنحوية هي الرکيزة الأساسية في هذه العملية. ويقوم المترجم بنقل النص جملة بجملة أو عبارة بعبارة. وفقا لمقتضيات النص، مما يؤدي إلى إنتاج مسودة ترجمة قد تختلف جودتها بناءً على مهارات المترجم. ومع ذلك، غالبا ما يفتقر المترجمون إلى فهم كيف يؤدي النص ككل وظائفه، ويبلغ هدفه في سياق التواصل، مما قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات غير مبررة.
في المقابل، فإن عملية الترجمة في النظريات الوظيفية، تنطلق بمجرد تحديد الغاية من اللغة الهدف إلی تحديد الوظيفة المتوخاة من الترجمة، وتحديد أسلوب الترجمة، وفقا لثقافة النص الأصل أو ثقافة النص الهدف انتهاءً بسیاق عناصر البناء السطحي التي یجب تکييفها لمتلقي النص الهدف، حيث ترکز الترجمة الوظيفية على فهم غاية النص الهدف قبل ممارسة الترجمة؛ هذا يعني أن المترجم يجب أن يأخذ في اعتباره الآليات الدخيلة في تحقيق غاية المفوض أو الوظيفة، وفقا لخلفية المتلقي وتوقعاته واحتياجاته، كخطوة أولى قبل القيام بالترجمة (نورد، 2015م، ص 107).
يُذكر أن فيرمير قد اختزل الأطراف المشاركة في الفعل الترجمي إلی:
ـ المفوض[8] هو من يحتاج إلی الترجمة، فيقوم باختيار مترجم. ولا بد أن تكون له غاية محددة من طلبه. فيقوم المترجم بخدمة هذه الغاية قدر الإمكان. و«علی المفوض والمترجم أن يتفقا علی الغاية من أجل تصميم الترجمة، حيث إن الغاية من تصميم المترجم لنص الترجمة بالاتفاق مع المفوض، تدعی سكوبوس» (1996م، ص 7).
 ـ المترجم[9] هو خبير في إنتاج نص من أجل غاية محددة موجهة نحو متلقي الثقافة الهدف. فهو منتج النص الهدف، كما أن الغاية التي يعطيها المترجم للنص هي التي تدعی سكوبوس مع أخذ غاية المفوض بعين الإعتبار. وهنا، يلعب المترجم مرة أخرى دوراً رئيساً في عملية التواصل بين الثقافات وإنتاج النص المترجم (غينتسلر، 2009م، ص 186).
ـ المتلقي[10]، وهو القارئ أو المستمع إلی النص. فإذا كان النص مصمماً من أجله، فهو المتلقي المقصود من الترجمة. ولا بد أن يستنتج المتلقي خلال أو بعد قراءته أو سماعه للنص، الغاية التي من أجلها صُمم النص. وهذه الغاية تسمی في هذه الحالة بالوظيفة؛ لأنه كان مجمل ما استنتجه المتلقي. فالغاية إذن هي ما يقصده المترجم (أورتادو ألبير، 2007م، ص 698). أما الوظيفة، فهي ما يستنتجه المتلقي من بعض سمات النص (فيرمير، 1996م، ص 7 ـ 8).
3ـ1. قواعد نظرية سكوبوس
لقد بنی فيرمير نظريته علی ست قواعد، وهي كالتالي:
الأولی، طبيعة النص الهدف تحددها الغاية أو سكوبوس منه. ووفقا لهذه القاعدة، یعتقد فيرمیر أن غاية النص یجب أن تحدد نمط الترجمة وطريقة عملها.
الثانية، النص الهدف هو عرض ثانوي للمعلومات التي يحملها النص الأصل بلغة وثقافة النص الهدف. بعبارة أخری، «تعتبر الترجمة عرضا جديدا للمعلومات في الثقافة واللغة الهدف علی غرار المعلومات المطروحة في الثقافة واللغة الأصل» (نورد، 2015م، ص 54؛ بيكر، 1396ه‍.ش، ص 721؛ پالامبو، 1390ه‍.ش، ص 138).
الثالثة، النص الهدف ليس مجرد عرض للمعلومات، يمکن ربطه بشکل واضح بالنص الأصل. وبتعبير آخر، أن غاية النص الهدف في سياقه الثقافي لا تتطابق بالضرورة مع غاية النص الأصل في ثقافته الخاصة؛ «لأن مخاطبي كل من النص الأصل والنص الهدف ينتميان لثقافات ومجتمعات لغوية مختلفة» (نورد، 2015م، ص66).
وهذا يعني أن دور المترجم في الثقافة الهدف ليس بالضرورة نفس دوره في الثقافة الأصل، وبالتالي قد لا تتفق غاية النص الهدف مع غاية النص الأصل. كذلك، من الممكن أن تكون هناك غايات وأغراض مختلفة داخل نص واحد أو لأجزاء منفردة من النص. و«هذا التعدد للغايات يوسعان من مسؤولية المترجم. فالمترجم ليس ناقلاً ومشفراً للرموز فقط، بل يعتبر مساعدا للمؤلف أيضا» (روث، 2014م، ص 92). وعليه، يصبح من المتعذر اقتصار نص علی ترجمة واحدة، بل «يمكن ترجمة نص واحد بعدة طرق، وفقاً للغاية من الترجمة ووظيفتها، ووفقاً للمهمة التي كُلف بها المترجم» (عناني، 2005م، ص 135).
الرابعة، النص الهدف يجب أن يحافظ علی تماسكه الداخلي. و«تنص قاعدة التماسك على أن النص الهدف ينبغي أن يكون متماسكاً بما يكفي من الداخل، ليفهم المتلقي الغاية بشكل صحيح مع مراعاة معارفه واحتياجاته» (غيدير، 2012م، ص 37).
الخامسة، النص الهدف يجب أن يكون متماسك دلالة مع النص الأصل، وذلك فیما لو اتفقت الغاية بين النصين. «ويسمي فيرمير هذه العلاقة بالأمانة الوظيفية، وقد يعبر عن تلك الأمانة بتعبير التماسك التناصي بين النص الأصل والنص الهدف. أما لو اختلفت الغاية حينئذ، لم يعد التماسك التناصي مع النص الأصل هو المعيار، بل سيكون المعيار هو التلاؤم مع الغاية ومدی استيفائها» (نورد، 2015م، ص 62 ـ 63؛ بيكر، 1396ص 722). وهکذا يحل مبدأ الملاءمة محل مبدأ التعادل.
والملاءمة مع الغاية تعني قيام المترجم بعملية مواءمة بين المعطيات الثقافية لمجتمعه وعناصر النص الذي يتصدی لترجمته. فمن جهة، قد لا يکون ما يتضمنه النص ملائماً لمتلقي النص الهدف. ومن جهة أخری، قد لا يکون الأسلوب الذي لجأ إليه المؤلف ليثير مشاعر معينة لدی قارئه مجدياً لدی المتلقي للنص الهدف. ويدلنا ذلك علی أن المتلقي للنص الهدف يجب أن يکون حاضراً دائماً في ذهن المترجم، حينما يقوم بالترجمة.
ويظهر مما سبق، أن هذه القاعدة لا تعطي الإذن المطلق للمترجم، بل لا بد من وجود اتصال بين النص الأصل والهدف، لئلا تبدو الترجمة حرة للغاية. ويتم تحديد طبيعة هذا الارتباط حسب الغاية أو السكوبوس.
السادسة، القواعد الخمس المذكورة آنفاً مرتبة ترتيباً تنازلياً، أي إن قاعدة الغاية هي السائدة والمهيمنة (رايس و فيرمير، 2014م، ص 107؛ ماندي، 1397ه‍.ش، ص 162).
«ومع ذلك، فإن ترتيب القواعد، وفقاً لأولويات فيرمير، يعني أن الانسجام بين النص الأصل والنص الهدف (القاعدة الخامسة)، يقل في أهميته عن التماسك الداخلي في النص الهدف (القاعدة الرابعة)، وهو بدوره ثانوي بالنسبة للغاية من النص الهدف أو الترجمة (القاعدة الأولی)» (عناني، 2005م، ص 134 ـ 135).
ويری فيرمير أن هذه النظرية من المفترض أن تحل المعضلة الأزلية التي تدور حول الخيار بين الترجمة الحرفية والأمينة، وبين المترجم الذي يطلق العنان لأسلوبه وأدائه. وذلك المترجم الذي تستعبده كلمات النص الأصل. ومع ذلك، قدمت نظرية سكوبوس ـ رغم أنها تغفل النظر في القضايا والاختلافات الثقافية ـ مساهمة كبيرة في عالم تعليم الترجمة. وفي حين يعتمد المنظرون علی اللغويات والمعادلات علی المستوی الجزئي، يكسر فيرمير الهيمنة من خلال تقديم إطار عام للترجمة، يتم فيه التركيز علی الغاية.
وثمة ميزة أخری لهذه النظرية هي أنها لا تحد من قدرة المترجمين علی اختيار طرق الترجمة لتحليل مهمة ترجمة معينة وتطبيقها، ويسمح للطلاب بالإبداع عند تعلم ترجمة.
وعلی أي حال، وبالنظر إلی تأکید فیرمیر علی أن الغاية هي المفهوم الجوهري في نظرية سکوبوس، فهذه الغاية قد تركت انعکاسات کبری علی صعد مختلفة. وإلیك التفصیل:
3ـ1ـ1. انعکاس الغاية علی تحدید الترجمة واستراتیجیتها
ينبغي على المترجم تحديد الغاية من النص الهدف، وفق نظرية سکوبوس قبل کل شيء. وهذا يساعد علی توجيه عملية الترجمة بشكل صائب. وإذا لم يتم تحديد الغاية من الترجمة، فقد لا يلبي النص الهدف احتياجات جمهور الهدف، مما قد يؤدي إلى عدم فاعلية التواصل.
وهذا ما دفع الصافي النجفي إلی الإفصاح عن غايته من وراء ترجمة رباعیات الخیام التي تتلخص في محاولة فك رموز وألغاز آراء الخيام الفلسفیة والصوفیة وتوجیهاته ونصائحه المتعلقة بالحیاة والوجود والقدر التي بثها الخيام في إطار شعري، يتميز بالانسجام والسلاسة، مع استخدام تشبيهات واستعارات لطيفة. وقد کشف الصافي عن هذه الغاية لما قال:
إن بعض الرباعيات المترجمة عن الإنجليزية لم تستطع أن تفك طلاسمه. کل ذلك حرّك رغبتي إلی محاولة فك تلك الطلاسم واکتشاف ما اختبأ في ذلك الکنز. لعليّ أستطيع أن أتحف قُراء العربية لا بتلك الخيالات الشعرية المعروفة التي تدفع إلی التشاؤم، وتدعو إلی اللذات فحسب، بل بتلك اللئالئ المکنونة التي تمثل آراء الخيام الفلسفية ونکاته الأدبية البديعة (1405ه‍، ص 11).
إذن، تتلخص غايته في توثیق تفاصیل النص الأصل، وهذا یحتم علیه اتباع ترجمة وثائقیة[11]، غرضها تقديم «وثيقة توصیل لثقافة الأصل بين المؤلف ومتلقي النص الأصل. ومن هنا، يصير متلقي النص الهدف في هذا النوع من الترجمة مجرد ملاحظ لفعل اتصالي حدث في الماضي، حيث إن النص الأصل أو ربما جوانب معينة فقط من النص الأصل يتم استنساخه، دون أدنی محاولة لإجراء تعديلات لتكييف النص علی الثقافة الهدف» (شتلويرث وكووي، 2008م، ص 100). وهذه الترجمة تحاول، مهما أمکن، الحفاظ علی الطابع المحلي للنص الأصل، نظير تقريب نص قديم إلی ذهن المتلقي المعاصر من خلال إضافة شروح للكلمات الخاصة أو ثقافتها في الهوامش (المصدر نفسه، ص 100؛ عناني، 2003م، ص 290؛ فرح زاد، 1394ه‍.ش، ص 54). ویتیح النص الهدف لمن یقرأه، أن یطلع علی أفکار کاتب النص الأصل، وهو یعي کل الوعي بأن ما يقرأه مترجم.
أما أحمد رامي، فبذل وسعه لإيصال الروح والمشاعر التي تحملها الأشعار ونقل التأثير ذاته الذي كانت الرباعيات قد تركته علی المتلقي الفارسي، إلی المتلقي العربي، وصرح بذلك لما قال:
وانما بدأت ترجمة هذه الرباعيات .... بعد أن وصلني نعي أخي الشقيق الذي مات ودفن في دار غربة، أحسست آلامها، وأنا نازح الدار، فاستمددت من حزني عليه قوة علی تصوير آلام الخيام، وظهر لعيني بطلان الحياة التي نعی عليها في رباعياته، فحسبتني وأنا أترجمها أنظم رباعيات جديدة، أودعها حزني علی أخي الراحل في نضرة الشباب، وأصبر نفسي بقرضها علی فقده» (2000م، ص 30).
وقد امتزجت معاني الرباعيات بوجوده، حيث تدفقت تلك المعاني من أعماق كيانه، مما جعله يقدم ترجمة، وكأنه أعاد إنتاج المعاني بنفسه. فقد أضفى على الرباعيات جواً موسيقياً خاصاً ونغمة فريدة، يصعب العثور على نظير لها لدى سائر المترجمين. وما دامت الغاية من ترجمة أحمد رامي هي نقل التأثير ذاته الذي ألقاه النص الأصل علی متلقیه إلی النص الهدف ومتلقیه، فهذه الغاية تستدعي إجراء إحلال مرجعي وتصرفات علی نطاق واسع. ولا ضير في ذلك، مادام الحفاظ على الغاية يتطلب أحياناً الإخلال بالبناء الجزئي للنص الأصلي. يقول غيدير بهذا الشأن: «إن التركيز علی الغاية يمكن أن يؤدي إلی خيارات غير مناسبة علی مستويات أخری، يمكن أن يخالف المترجم خياراته المفرداتية والتركيبية أو الأسلوبية، بهدف التمسك بالغاية فقط» (2012م، ص 138).
ولا يتيسر ذلك إلا عبر ممارسة ترجمة ذرائعية[12]. ويکمن هدف هذا النوع من الترجمة في نشوء وظيفة جديدة في القيمة التواصلية بين مؤلف النص الأصل ومتلقي النص الهدف، و«الإيفاء بغرض اتصالي جديد في الثقافة الهدف، دون أن يكون المتلقي واعياً بقراءة أو سماع النص الذي تم استخدامه من قبل بشكل مختلف في حدث اتصال مختلف. وبذلك، تكون الترجمة الذرائعية ذريعة اتصالية في حد ذاتها، وليست مجرد سجل توثيقي توصیلي لثقافة الأصل بين مؤلف النص الأصل ومتلقي الثقافة الأصل» (شتلويرث وكووي، 2008م، ص 166). «وتکون المكانة الأدبية للنص المترجم في إطار الثقافة الخاصة باللغة التي نقل إليها النص توازي مكانته الأدبية في لغته الأصلية وثقافته الأصلية» (عناني، 2003م، ص 297). وعلیه، يقرأ متلقي النص المترجم في هذه الترجمة، النص، کأنه نص أصلي، کتب بلغته الأصلیة، ولم یترجم عن نص أجنبي.
وبذلك، تبين أن اختلاف الغاية قد ترك أثره علی اختيار أنماط من الترجمة. وهذا ما نلمسه في النماذج التالية:
النموذج الأول:
آمد سحری ندا ز ميخانه ما


 
كای رند خراباتی ديوانه ما


برخيز كه پر كنيم پيمانه ز می


 
ز آن پيش كه پر كنند پيمانه ما


(1379ه‍.ش، ص 122).
وقد استخدم الخيام في هذا البيت رموزاً صوفية، تتميز باللطافة والرقة. فقد ذكر في البيت "ميخانه"، الذي يعني الحانة، وهو رمز لمكان تجمع السكارى العارفين الغارقين في المحبة الإلهية، كما ذكر "رند"، الذي يشير إلى العاشق الولهان. أما "خراباتی"، فهو مصطلح صوفي، يعني الخربات، ويرمز إلى مقام هذا العاشق وبلوغه الفناء في مقام الوحدة. ومعنى الرباعية المذكورة وفقا للتصور الصوفي هو:
سُمع من حانتنا نداء في السحر
انهض أيها العاشق الفاني بحبنا
واملأ الکأس بالخمر
قبل أن يمتلئ کأسك
ولقد ارتبطت دلالة الخمر عند الخيام وغيره من شعراء الصوفية، «بالحب الإلهي وبالتجليات النورانية الربانية، حيث خرجت عن معناها الحقيقي المادي إلی معنی عرفاني خالص» (نصر، 1978م، ص 370)، کما قام غيره من شعراء الصوفية باستخدام هذا الرمز للتعبير عن محبتهم للّٰه من خلال الخمر الروحية، واستشعروا بلذتها، وأفقدتهم وعيهم. ولمحمود شبستري خمرية صوفية لا تخرج في مجملها عما قصد الصوفية إلی التعبير عنه من مواجيد وأذواق:
اشرب الخمر فکأسها وجه الحبيب


 
وإبريقها عينه سکری مترعة من الخمر


(المصدر نفسه، ص 379).
نعم، ليس من اليسير ترجمة هذا النوع من الرباعيات ذات المنحی الفلسفي الصوفي العميق. فاذا ما ترجمت، ذهبت بروعتها الكامنة في عباراتها الأصلية، وفقدت قيمتها الفنية وتعبيراتها الفارسية الجميلة ومعانيها السامية التي لا تستقيم في غير الفارسية.
وقد اتجه الصافي اتجاها آخر، لما حمّل تلك الرموز علی معانيها الحقيقية، وألبسها معاني مادية.
جاء من حاننا النداء سُحيرا


 
يا خليعاً قد هام بالحانات


قُم لکي نملأ الکؤوس مداما


 
قبل أن تمتلئ کؤوس الحياة


(1405ه‍، ص 18).
فقد وضع معادلاً لكلمة "رند" بـ"الخليع"، الذي يعني الشخص الميّال إلى الحياة الفاسقة والمقبل على ملذات الجسد، كما فسر "خراباتی" بالحانة، وفسر "ديوانه" بالهيام. ورغم هذا التفسیر الذي قدمه الصافي للمفردات والعناصر اللغوية، إلا أنه لم يخل بالبناء الجزئي للنص الأصل، وحافظ علی توثيق تفاصيل الرباعية من خلال إجراء ترجمة وثائقية. هذا بينما ترجم رامي الرباعية السالفة الذکر بالنحو التالي:
سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحر


 
نادی من الحانِ: غُفاة البشر


هُبوا املأوا كأس الطلا قبل أن


 
تفعم كأس العمر كفُ القدر


(2000م، ص 33).
ورغم أن ترجمته الذرائعية کانت بعيدة كل البعد عن الأصل الفارسي وفكر الخيام، وبعيدة عن اللغة الفارسية وثقافتها التي تعلمها في مدرسة اللغات الشرقية في باريس، ولم يلتزم بتوثيق العناصر اللغوية، ويتضح هذا من خلال اختزاله لمفردات صوفية مثل "رند"، و"خراباتی"، و"ديوانه" في تعبير "غفاة البشر"، إلا أن القوة الشعرية للمترجم لافتة للنظر، حيث تبرز فيها الكلمات وتوافقها وترتيبها بشكل مميز. بالإضافة إلى دقة العبارات المختارة، نالت الترجمة علی إثرها القبول لدى الجمهور العربي. كما أنها تجاوبت مع الغاية المنشودة.
النموذج الثاني:
ای دل چو زمانه می‌کند غمناکت


 
نا گه برود ز تن روان پاکت


بر سبزه نشين و خوش بزی روزی چند


 
ز آن پیش که سبزه بر دمد از خاکت


(1379ه‍.ش، ص 137).
وترجمها الصافي بالنحو التالي:
يا قلب أن يمنحك ذا الدهر الآسي


 
وسيفجعك باغتيال حياتکا


فاغنم بهذا الروض أوقات الهنا


 
قبل امتزاج نباته برفاتکا


(1405ه‍، ص 228).
لقد انطلق الصافي فی ترجمة الرباعية من غايته، وهي حل رموز الرباعية إلی توثيق العناصر اللغوية والانحباس في حرفية الکلمات بإجراء ترجمة توثيقية، تفي بالغاية هذه الترجمة، کما تری لصيقة بالحرفية، مما أتاح فرصة إرجاعها إلی الأصل. کما ترجمها رامي:
یا نفس قد آدك حمل الحزن


 
یا روح مقدور فراق البدن


اقطف أزاهير المنی قبل أن


 
يجف من عيشك غض الفنن


(2000م، ص 33).
فهذه الترجمة منتقاة انتقاء فکريا دقيقا، يدل علی محاولته نقل الأثر التي تحاول تلك الرباعية أن تجلوها، وعلی مدی تردد أصدائها في نفسه، وهو أقوی مکامن تجلي رامي الشاعر وتفوقه في ترجمته.
والترجمة اتصالية فريدة بعیدة عن الأصل، وهي سمة بارزة من سمات الترجمة الذرائعیة التي ولدت سمتین أخریین، هما: الحلة الزاهية التي اکتستها الترجمة، والتي جعلتها ألطف وقعاً وأجمل تعبيراً؛ والثانية سهولة اللغة وبساطتها بعیداً عن التکلف. کل هذا يكشف بوضوح عن «حرص رامي الشدید علی أن تتحرك رباعیته في مدار الشعر العربي بکل أدواته الصیاغیة والتخیلیة والغنائیة، مثلما هي في شعره هو تماماً، علی أن تجيء متناغمة متجاوبة مع الذوق العربي» (بكار، 1988م، ص 92).
النموذج الثالث:
ای همنفسان مرا ز می قوت کنید


 
وین چهره کبریا چو یاقوت کنید


چون در گذرم به می بشویید مرا


 
وز چوب رزم تخته تابوت کنید


(1379ه‍.ش، ص 149).
قد ترجمها الصافي بالنحو التالي:
اجعلوا قوتي الطلا واحیلوا


 
کهرباء الخدود للیاقوت


وإذا مت فاجعلوا الراح غسلي


 
ومن الکرم فاصنعوا تابوتي


(1405ه‍، ص 17).
وقد تمثلها تمثلا دقیقا، لا یصعب معه الاهتداء إلی أصلها، حیث ترجمها بمقابلات لفظية تفي بالقصد.
وترجمها رامي علی هذا النحو:
هات اسقنیها أيهذا الندیم


 
اخضب من الوجه اصفرار الهرم


وإن مت فاجعل غسولي الطلا


 
وقُدّ نعشي من فروع الکروم


(2000م، ص 35).
فقد مارس المزيد من التحرر في الترجمة ومن تهجير الحرفية. ويتضح ذلك عبر تعويض الشطرين الأول والثاني بما لا يعبر عما هدف إليه الشاعر، وبنی عليه فکرة الشطرين، حيث يصبح علی إثرها من الصعب الاهتداء إلی أصلها.
3ـ1ـ2. انعکاس الغاية علی تحدید السیاق الثقافي
لا بد قبل کل شيء من إبداء تعریف للسیاق. فهو «ذلك الإطار العام الذي تنتظم فيه عناصر النص ووحدته اللغوية ومقیاس تتصل بواسطته الجمل فیما بینها وتترابط، بحیث یؤدي مجموع ذلك إلی إیصال معنی معین أو فکرة محددة لقارئ النص» (عبد الراضي، 2011م، ص 197). وقد اقترح کورت إیمر[13] تقسيم السياق إلی «سیاق لغوي، وسیاق عاطفي، وسیاق الموقف، وسیاق ثقافي» (مختار، 1998م، ص 69).
ویقتضي السياق الثقافي «تحديد المناخ الثقافي الذي يمکن أن تستخدم فيه عناصر النص المختلفة، مما تقتضيه ثقافة المؤلف الخاصة. فعلی سبيل المثال، أن عديدا من الکلمات لها ارتباط وثيق بالثقافة؛ إذ تحمل الکلمات وضعيات ثقافية معينة، فتکون علامات علی الانتماء العرقي أو الديني أو السياسي» (قدور، 2008م، ص 359).
لا شك، أن الغاية التي رسمها المترجم، قد تساهم في تحدید السیاق الثقافي. ونلمس ذلك بوضوح في تحديد الغاية التي تبنّاها الصافي النجفي، وهي الحفاظ على جوهر النص الأصلي للسیاق الثقافي، من خلال الإبقاء علی المناخ الثقافي الفارسي، عبر نقل الكلمات ذات الشحنات الثقافية، دون المس بها، مع إضافة هوامش أو شروح توضيحية، تفسر تلك الكلمات، خاصة إذا كانت تحمل دلالات ثقافية عميقة.
في المقابل، قام رامي بتبديل المناخ الثقافي للنص الأصل إلی المناخ الثقافي العربي المناسب للنص الهدف، من خلال وضع معادلات للكلمات الثقافية، بما يتناسب مع الغاية المتوخاة، ومع ثقافة القارئ العربي، دون أن تفوح منها رائحة الترجمة.
وإليك النماذج التالية:
النموذج الأول:
آن قصر که بر چرخ همی زد پهلو


 
بر در که او شهان نهاندی رو


ديديم که بر کنگره‌اش فاخته


 
بنشسته همی گفت که کو کو کو کو


(1379ﻫ.ش، ص 107).
ترجم الصافي الرباعية المذکورة علی النحو التالي:
إنّ ذاك القصر الذي زاحم الـ


 
أفق وخرّت له الملوك سجودا


هتف الورق في ذُراه ينادي


 
أين من صيّروا الملوك عبيدا


(1405ﻫ، ص 37).
قام الصافي بالحفاظ علی المناخ الثقافي للغة الأصل، من خلال ترجمة العناصر الثقافية، آخذاً بنظر الاعتبار المناخ الذي يأويها، تبعا لغایته التوثيقية وجرياً علی عادته.
وقد ترجمها رامي علی النحو التالي:
تلك القصور الشاهقات البناء


 
منازل العزّ ومجلی السناء


قد نعب البوم علی رسمها


 
يصيح أين المجد أين الثراء


(2000م، ص 63).
فقد تصرف المترجم في الرباعية بطريقة، أبعدتها عن مناخها الثقافي، حيث أتى بالقصور بصيغة الجمع، بدلاً من القصر. والمراد به القصر الذي تناوب عليه العديد من الملوك. كما أنه لم يبق على "الفاختة"، ولم يترجمها إلى طائر أو ورقاء، بل وجد أن "البوم" هو الرمز الأسطوري للشؤم والطيرة وسوء الطالع عند العرب. فهو أنسب وأقوى وأوضح.
كذلك، عوض الشطر الثاني "بر در که او شهان نهاندی رو"، ويعني "كان الملوك يضعون الجباه على أعتابه"، بـ"منازل العز ومجلى السناء"، وهي ترجمة، لا تكشف عن المقصود. والنص العربي ينهض بالغاية، وهي نقل التأثير ذاته الذي ألقاه النص الأصل علی متلقيه، إلی النص الهدف ومتلقيه، أي إن ترجمة النص المنشود وضعت نصب عينيها متلقي النص الهدف وثقافته.
النموذج الثاني:
هنگام صبوح اى صنم فرخ پی


 
بر ساز ترانه و به پیش آور می


کافکند به خاک صد هزاران جم و کی


 
این آمدن تیر مه و رفتن دی


(1379ﻫ.ش، ص 133).
وترجمها الصافي علی النحو التالي:
لقد آن الصبوح فقم حبیبي


 
وهات الراح واشرع بالغناء


فکم جمشید أردی أو قباد


 
مجيء الصيف أو مر الشتاء


(1405ﻫ، ص 6).
فقد آثر الإبقاء علی مناخها الثقافي، تبعا لغاية التوثیق التي تبناها، وظلت واقفة علی عتبة ثقافة النص الأصل ولم تغادرها. فالعناصر الثقافیة في هذه الرباعیة، نظير: "جم" و"کی"، وهما من ملوك الفرس، ویقصد بهما "جمشید" و"کیقباد"، و"تیر" و"دی"، وهما من الأشهر الفارسیة.
أما رامي، فترجمها کالتالي:
أین الندیم أین الصبوح


 
فقد أمض الهم قلبي الجريح


ثلاثة هنّ أحب المنی


 
کأس وأنغام ووجه صبیح


(2000م، ص 6).
وقد وجه رامي عنايته بإلغاء العناصر الثقافية لنص الرباعية المذکورة، نظير: "جم" و"کي"، لما تعذر عليه اقتناص معادلات لها، حفاظاً علی الغاية، وهي نقل التأثير. وانطلاقا من ذلك، عوض الشطرين الثالث والرابع بقوله: "ثلاثة هنّ أحب المنی / کأس وأنغام ووجه صبیح". وبهذین الشطرين، نقل المفهوم العام للرباعية.
النموذج الثالث:
چون لاله به نوروز قدح گير بدست


 
با لاله رخی اگر تو را فرصت هست


می نوش به خرمی که اين چرخ کبود


 
ناگاه تو را چو خاک گرداند پست

(1379ﻫ.ش، ص 123).
ترجمها الصافي علی النحو الآتي:
کنّ کالشقائق ممسکا کأسا لدی الـ


 
نيروز مع ورديّة الوجنات


واشرب فإنك سوف تصبح کالثری


 
ضعة بسير الدهر ذي النّکبات

(1405ﻫ، ص 22).
اتبع الصافي الإجراء ذاته، حينما أبقی مفردة "نوروز" ذات المدلول الثقافي، ولم يعزلها عن مناخها. فقد قام بتعريب "النوروز" إلى "نيروز"، ولم يضع بإزائها هامشاً لتعريف القارئ العربي بهذا العيد الذي يحتفل به لدى الفرس، ويعتبر بداية السنة الجديدة في التقويم الفارسي. وبذلك، تماشى مع الغاية التي اختطها لنفسه وعکس الكلمات الثقافية دون المس بها، کما ذهب بعيداً في ترجمة الأمثال الفارسية التي بثت في بعض الرباعيات حرفيا، دون الإدلاء بمعادل لها، نظير الرباعية التالية:
گویند کسان بهشت با حور خوش است


 
من می گويم که آب انگور خوش است


آن نقد بگیر و دست از آن نسيه بردار


 
که آواز دهل شنيدن از دور خوش است

(1379ﻫ.ش، ص 144).
وقال الصافي:
قال قوم ما أطیب الحور في الجنـ


 
ـة قلت المدام عندي أطيب


فاغنم النقد واترك الدّين واعلم


 
إن صوت الطبول في البعد أعذب

(1405ﻫ، ص 11).
وکان من الأجدر ترجمة المثل الفارسي: "آن نقد بگیر و دست از نسيه بردار"، بمثل عربی معادل نظیر: "النقد في الید خیر من النسیئة في القلب"، وکذلك المثل الفارسي: "آواز دهل شنیدن از دور خوش است"، "تسمع بالمعیدي خیر من أن تراه".
وقد وردت مفردة "نوروز" في الرباعية التالية:
بر چهره گل نسیم نوروز خوش است


 
در صحن چمن روی دلفروز خوش است


از دی که گذشت هر چه گویی خوش نیست


 
خوش باش وز دی مگو که امروز خوش است

(1379ﻫ.ش، ص 126).
وقد ترجمها رامي علی النحو التالي:
یحلو ارتشاف الخمر عند الربیع


 
ونشر أزهار الروابي یضوع


وتعذب الشکوی إلی فاتن


 
علی شفا الوادي الخصیب الینیع

(2000م، ص 41).
فقد ترجم "نوروز" بمعادل لها، وهو الربيع.
يُذکر أنه عوض الشطر الثالث بـ"ونشر أزهار الروابي يضوع"، والشطر الرابع بـ"علی شفا الوادي الخصيب الينيع"، وهي ترجمة لا تفي بالمقصود.
3ـ1ـ3. انعکاس الغاية علی تحدید الأسلوب
إن مفهوم الأسلوب مفهوم معقد. وهناك وجهات نظر عدیدة مختلفة عن طبیعته. والتعریف الأبسط له هو «الطریقة التي تم التعبیر بها عن المعنی» (الشايب، 1995م، ص 44)، کما ذکرت تعاريف أخری، نذکر منها علی سبيل المثال، ما کتبه الأستاذ أحمد الشايب الذي يعد أحد رواد هذا المجال في کتابه الأسلوب بأنه: «اختيار الأديب للمعاني وترتیبها وتفسيرها» (المصدر نفسه، ص 49). ویتلخص دور الأسلوب في الترجمة حول أسلوبي نصین، یجب أخذهما في نظر الاعتبار، أسلوب النص الأصل، وأسلوب النص الهدف. وفي کل حالة، یمکن النظر إلی أسلوب النص، وفقا لعلاقته بالکاتب، بوصفه تعبیراً عن خیار. وتتم مناقشة الأسلوب في الترجمة علی ما يلي:
أ. أسلوب النص الأصل، بوصفه تعبیراً عن اختیارات مؤلفه؛
ب. أسلوب النص الأصل في تأثیراته علی القارئ، وهو المترجم؛
ج. أسلوب النص الهدف، بوصفه تعبیراً عن خیارات، قام بها المترجم؛
د. أسلوب النص الهدف في تأثیراته علی القارئ.
من المهم ألّا ترکز دراسات الترجمة بمجملها علی أسلوب النص الهدف، لدرجة إقصاء أسلوب النص الأصل أو العکس. وسیکون ترکيز النقاش في هذا المقال علی أسلوب النص الأصل، بوصفه تعبیراً عن اختیارات المؤلف وأسلوب النص الهدف، بوصفه تعبیراً عن خیارات، قام بها المترجم.
لقد حاول الصافي الالتزام بأسلوب النص الأصل، انطلاقاً من غايته التوثیقية التي تبناها في الترجمة، الأمر الذي دفعه إلی التمادي في مراعاة الأمانة في ترجمته، حيثما كان ذلك ممكنا، وحيثما سمح الوزن بذلك، من خلال الالتزام بالتقيد الحرفي بكل ما جاء في الرباعيات، على قدر استطاعته، لكي تأتي الترجمة متناسقة مع الأصل. فقد کتب يقول: «کان همي الوحيد أثناء التعريب متجها لأمرين: الأول الأمانة في النقل والاحتفاظ بالمعنی الأصلي، حتی ظهر أکثر الرباعيات، کأنه قد ترجم کلمة بکلمة؛ الثاني تقريب التعريب بقدر الطاقة من الذوق العربي» (1405ﻫ، ص 6 ـ 7).
وقد تماشی رامي بشكل وثيق مع نظرية سكوبوس، خدمة للغاية التي تبناها في الترجمة. و«كان جلّ همه منصبّا علی إعادة عجن الرباعية وإخراجها بقالب عربي، وقد نجاه هذا، وخلص ترجمته من الصنعة والتكلف، كثيراً كما في الرباعية» (بكار، 1988م، ص97)، مما أتاح له التصدي لتغييرات في الأسلوب، بهدف تعزيز تأثير الترجمة وجعل أفكار الخيام متاحة وذات صلة بجمهور جديد.
وإلیك النماذج التالية:
النموذج الأول:
چون آب به جويبار و چون باد به دشت


 
اين يک دو سه روزه نوبت عمر بگذشت


تا من باشم غم دو روزه نخورم


 
روزی که نيامده است و روزی که گذشت

(1379ﻫ.ش، ص 131).
وقد ترجمها الصافي:
کالماء في النهر أو کالريح وسط فلا


 
الأمس من عمرنا ولّی ولم يعد


يومان ما عشت لا أعني بأمرهما


 
يوم تولی ويوم بعد لم يرد

(1405ﻫ، ص 37).
واقتفی خيارات الشاعر وترتیبه، عبر اتباع الخطوات التالية:
 ـ صیاغة جملة فعلية طويلة في الشطرين الأول والثاني؛
ـ صیاغة ثلاث جمل فعلية قصار للشطرين الثالث والرابع؛
ـ الالتزام بتسلسل الشطور؛
ـ عدم ممارسة الحذف.
وهذا ما يفسر لنا أن هذه الترجمة تبنت نقل المعاني والأفكار الأصلية للشاعر بشكل دقيق وأمين، مع الحفاظ على روح النص وأسلوبه، وعکست الغرض الاتصالي للنص الأصل بکل تفاصیله وجزئیاته إلی المتلقي.
وترجم رامي الرباعية الآنفة الذکر:
تروح أيامي ولا تغتدي


 
كما تهب الريح في الفدفد


وما طويت النفس همّا علی


 
يومين أمس المنقضي والغد

(2000م، ص 34).
وقد انتهج رامي أسلوباً آخر في تلك الترجمة، يتناسب مع الغاية التي تبناها في الترجمة، ولم يقم باقتفاء خيارات الشاعر؛ فبذلك، عکس غرضاً اتصالیاً جديداً في النص الهدف، متبعا الخيارات التالية:
ـ صیاغة ثلاث جمل فعلية قصار في الشطرين الأول والثاني، بدل جملة طويلة؛
ـ صیاغة جملة فعلية طويلة في الشطرين الثالث والرابع، بدل ثلاث جمل فعلیة قصار؛
ـ إلغاء ترجمة "چون آب به جويبار"، والتي تعني "کالماء في الجدول".
ـ عدم الالتزام بتسلسل الشطور.
النموذج الثاني:
این قافله عمر عجب می‌گذرد


 
دریاب دمی که با طرب می‌گذرد


ساقی غم فردای حریفان چه خوری


 
پیش آر پیاله را که شب می‌گذرد

(1379ﻫ.ش، ص 132).
وترجمها الصافي:
ما أسرع ما یسیر رکب العمر


 
قم فاغنم لحظة الهنا والبشر


دع هم غد لمن یهمون به


 
واللیل سینقضي فجئ بالخمر

(1405ﻫ، ص 59).
فوجوه الشبه بین أسلوب الصافي وأسلوب الشاعر کثیرة، منها:
ـ صیاغة أربع جمل قصیرة في کل شطر، تبعا للرباعية؛
ـ قام برعایة تسلسل الشطور؛
ـ لم یمارس الحذف.
وقد ترجم رامي الرباعية المذکورة علی النحو التالي:
وإنما بالموت کل رهین


 
فاطرب فما أنت من الخالدین


واشرب ولا تحمل أسی فادحا


 
وخلّ حمل الهم للآحقین

(2000م، ص 11).
ولم يتبع رامي أسلوب الشاعر، بل افتتح الرباعية بجملة اسمية، ولم يراع تسلسل الشطور، بل عوض الشطرین الأول والثاني بمقابلات باهتة، لا تعبر عن غاية الشاعر، وبنی علیه فکرة الشطرین الأخیرین.
النموذج الثالث:
ياران به موافقت چو ديدار کنيد


 
باید که ز دوست یاد کنید


چون باده خوشگوار نوشید بهم


 
نوبت چو به ما رسد نگونسار کنید

(1379ﻫ.ش، ص 135).
ترجم الصافي الرباعية المذکورة:
إن تلاقيتم أخلاي يوماً


 
فأطيلوا ذکراي عند اللقاء


وإذا ما أتی لدی الشرب دوري


 
فأريقوا کأسي علی الغبراء

(2005م، ص 8).
کان الصافي النجفي يحاول أحیانا الاقتراب من أسلوب الشاعر، عندما یواجه الموانع والعوائق، وکان یکشف عن ذلك، بقوله: و«ما کنت أحيد عن هذه الغاية، وآتي بشيء من التصرف إلا عندما أعجز عن کل الوسائل للاحتفاظ بالمعنی الأصلي» (1405ﻫ، ص 6 ـ 7). وهذا ما يتضح في الإجراءات التالية:
ـ صياغة ثلاث جمل فعلية قصار في الأشطار الأولى والثانية والثالثة تبعاً للأصل؛
ـ الالتزام بتسلسل الشطور؛
ـ صیاغة جملة فعلية قصيرة، بدل جملتين فعلیتین قصیرتین في الشطر الرابع؛
ـ عوض ترجمة الشطر الثالث: "چون باده خوشگوار نوشيد بهم"، وتعني "عندما تشربوا معا المدام العذب"، بـ"وإذا ما أتی لدی الشرب دوري".
ومهما یکن من أمر، فقد ظل أسلوبه أقرب إلی أسلوب الخیام؛ بينما ابتعد رامي عن هذا الأسلوب، لما ترجمها هكذا:
إذا سقاني الموت کأس الحمام


 
وضمکم بعدي مجال المدام


فأفردوا لي موضعي واشربوا


 
في ذکر من أضحی رهين الرجام

(2000م، ص 15).
وجوه الاختلاف بین أسلوب المترجم وأسلوب الشاعر:
ـ صیاغة جملتین فعلیتین قصیرتین في الشطر الثالث، بدل جملة فعلیة واحدة في الأصل؛
ـ صیاغة جملة فعلية واحدة، بدل جملتین فعلیتین قصیرتین في الأصل؛
ـ عدم الالتزام بتسلسل الشطور.
ـ عوض الشطر الرابع: "نوبت چو به ما رسد نگونسار کنید"، وتعني "ولما یحن دوري فأریقوا کأسي"، بمقابلات، لا تؤدي غرض الشاعر: "في ذکر من أضحی رهين الرجام".
وإلیك خلاصة البحث في الجدول التالي:
الغاية
نمط الترجمة
السیاق الثقافي
الأسلوب
غایة الصافي النجفي هي نقل رموز النص الأصل
وثائقیة
نقل المناخ الثقافي للنص الأصل إلی الهدف
اقتفاء أسلوب النص الأصل
غایة رامي هي نقل المشاعر والأحاسیس
ذرائعیة
تبدیل المناخ الثقافي للنص الاصل بما یتناسب مع النص الهدف
عدم التبعیة لأسلوب النص الأصل
  
 
 
 
 
 
الخاتمة
إن الغایة في نظریة سکوبوس تلعب دوراً محوریاً في تحدید نمط الترجمة. فإذا کانت الغایة من الترجمة هو توضیح وفك رموز النص الأصل، فهذا یتطلب استخدام الترجمة التوثیقیة، وهي نوع من الترجمة، یرکز علی الدقة والوضوح في نقل المعلومات. وإذا کانت الغایة إیصال المشاعر أو التأثیرات التي یحملها النص الأصل، فستکون الترجمة الذرائعیة هي الأنسب، حیث ترکز علی تحقیق الأثر المطلوب في الجمهور، بدلاً من الالتزام الصارم.
إن الغایة في الترجمة تؤثر علی کیفیة تحدید السیاق الثقافي. فإذا کان الغایة هي توضیح معاني النص الأصل وفك رموزه، فهذا یتطلب الحفاظ علی المناخ الثقافي للنص الأصل، مما یعني ضرورة نقل النص، کما هو دون أدنی تصرف. وهذا یتطلب الحفاظ علی الکلمات التي تحمل معاني ثقافیة وعدم تغیرها، بل نقلها کما هي. وإذا کانت الغاية إیصال المشاعر والأحاسیس إلی النص الهدف، فهذا یلزم تعدیل السیاق الثقافي للنص الأصل، لیکون متناسباً مع المناخ الثقافي للنص الهدف. ولا يتحقق ذلك إلا بتبدیل الکلمات الثقافیة في النص الأصل بکلمات ثقافیة، تتناسب مع ثقافة الجمهور الهدف.
دون شك أن الغایة من الترجمة تؤثر بشکل کبیر علی الأسلوب الذي یتبعه المترجم في عمله. فإذا کانت الغایة هي فك الرموز، فإن المترجم یجب أن یتبع أسلوب النص الأصل، ویقترب من خیاراته اللغویة. أما إذا کانت الغایة هي نقل المشاعر والأحاسیس، فإن خیارات المترجم ستختلف عن تلك الموجودة في النص الأصل، مما یعني أن الأسلوب قد یتغیر لتناسب هذه الغایة الجدیدة.
 
[1] .Hans Vermeer
[2]. Theory of Translational Action
[3]. Juasta Holz Manttari
[4]. Skopos Theorie
[5]. Hans Vermeer
[6]. Katharina Reiss
[7]. Christiane Nord
[8]. Commissioner
[9]. Translator
[10]. Reciepient
[11]. Documentary Translation
[12]. Instrumental Translation
[13] .Kurt Ammer
أ ـ العربية
الأصبهاني، أبو عبد اللّٰه عماد الدين محمد بن صفي الدين. (1378ﻫ.ش). خريدة القصر وجريدة العصر. تحقيق عدنان محمد الطعمة. طهران: ميراث مكتوب.
أورتادو ألبير، أمبارو. (2007م). الترجمة ونظرياتها. ترجمة علي إبراهيم المنوفي. القاهرة: المركز القومي للترجمة.
باسنت، سوزان. (2012م). دراسات الترجمة. ترجمة فؤاد عبد المطلب. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب.
بكار، يوسف حسين. (1988م). الترجمات العربية لرباعيات الخيام. الدوحة: مركز الوثائق والدراسات الإنسانية.
رامي، أحمد. (2000م). رباعيات الخيام. القاهرة: دار الشروق.
روث، ليزا. (2014م). «نظرية الغاية لهانس فيرمير». ترجمة مؤنس مفتاح. مجلة تبيين للدراسات الفكرية والثقافية. ع 7. ج 2. ص 83 ـ 96.
الشايب، أحمد. (1995م). الأسلوب.ط 9. القاهرة:مکتبة النهضة المصرية.
شتلويرث، مارك؛ ومويرا كووي. (2008م). معجم دراسات الترجمة. ترجمة جمال الجزيري. القاهرة: المركز القومي للترجمة.
عبد الراضي، أحمد محمد. (2011م). المعايير النصية في القرآن الکريم. القاهرة: مکتبة الثقافة الدينية.
عناني، محمد. (2003م). مرشد المترجم. ط 2. القاهرة: الشركة المصرية العالمية للنشر.
ـــــــــــــــ . (2005م). نظرية الترجمة الحديثة. ط 2. القاهرة: الشركة المصرية العالمية للنشر.
غيدير، ماتيو. (2012م). مدخل إلی علم الترجمة. ترجمة محمد أحمد طجو. الرياض: النشر العلمي والمطابع.
غينتسلر، إدوين. (2009م). في نظرية الترجمة: اتجاهات معاصرة. ترجمة سعد عبد العزيز مصلوح. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
قدور، أحمد محمد. (2008م). مبادئ اللسانيات. ط 3. دمشق: دار الفکر.
مختار، أحمد. (1998م). علم الدلالة. ط 5. القاهرة: عالم الکتب.
نصر، عاطف جودة. (1978م). الرمز الشعري عند الصوفية. بيروت: دار الکندي.
نورد، كريستيان. (2015م). الترجمة بوصفها نشاطا هادفا. ترجمة أحمد علي. القاهرة: المركز القومي للترجمة.
هلال، محمد غنيمي. (2008م). الأدب المقارن. ط 9. القاهرة: شركة نهضة مصر.
 
ب. الفارسية
بيكر، مونا. (1396ﻫ.ش). دايرة المعارف مطالعات ترجمه. ترجمه حميد كاشانيان. تهران: نو.
پالامبو، گیزپه. (1390ﻫ.ش). اصطلاحات کلیدی در مطالعات ترجمه. ترجمه فرزانه فرح‌زاد و عبد‌‌اللّٰه کریم‌زاده. تهران: قطره.
جمشيدی‌پور، يوسف. (1342ﻫ.ش). رباعيات حكيم عمر خيام. تهران: فروغی.
حسنوندی، سمير؛ و ديگران. (1394ﻫ.ش). ترجمه ادبيات کودک از منظر پاراديم اسکوپوس و تعادل: مطالعه موردی زبان و ترجمه. فصلنامه مطالعات زبان و ترجمه. ش 3. س 48. ص 117 ـ 136.
صفا، ذبيح‌‌اللّٰه. (1388ﻫ.ش). تاريخ ادبيات در ايران. چاپ 17. تهران: فردوس.
صيادانی، علی؛ و يزدان حيدرپور. (1399ﻫ.ش). «الگوهای کنش محور در ترجمه نهج البلاغه بر اساس رويکرد اسکوپوس: مطالعه موردی ترجمه بهرام‌پور». فصلنامه پژوهش مطالعات ترجمه قرآن و حديث. ش 13. د 7. ص 163 ـ 206.
عمر خیام نیشابوری. (1379ﻫ.ش). رباعيات عمر خيام. تحقيق حسين دانش و توفيق سبحانی. تهران: انجمن آثار ومفاخر فرهنگی.
فرح‌زاد، فرزانه. (1394ﻫ.ش). فرهنگ جامع مطالعات ترجمه. تهران: علمی.
فيرمير، هانس. (1390ﻫ.ش). اسكوبوس و سفارش در عمل ترجمه‌ای. ترجمه مزدك بلوری و كاوه بلوری. تهران: قطره.
ماندی، جرمی. (1397ﻫ.ش). معرفی مطالعات ترجمه. ترجمه علی بهرامی و زينب تاجيك. تهران: راهنما.
هاشمی، محمدرضا؛ و اميرداود حيدرپور. (1392ﻫ.ش). «بررسی نظريه اسکوپوس در نهضت بغداد». فصلنامه مطالعات زبان و ترجمه. ش 4. س 46. ص 51 ـ 75.
هدايت، صادق. (1342ﻫ.ش). ترانه‌های خيام. تهران: امير كبير.
 
ج. الإنجليزية
روث وفيرميير
Reiss, Katharina; & Hans Vermeer. (2014). towards a general Theory of Translational Action. London: Routledge.
فيرميير
Vermeer, Hans J. (1996). »A Skopos Theory of Translation: Some arguments for  and against«, Text context. p 29 - 47.