جماليات الهندسة الصوتية والدلالية في أسماء يوم القيامة في القرآن الکریم

نوع المستند : المقالة البحثیة

المؤلفون

1 أستاذة محاضرة في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة كاشان، كاشان، إيران

2 أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة كاشان، كاشان، إيران

المستخلص

لا يختار القرآن الكريم ألفاظه اعتباطياً، بل تبنى كلماته على نظام صوتي ودلالي محكم، يعكس عمق المعنى، ويثير في النفس رهبة ورغبة. والأصوات المستخدمة في القرآن ليست مجرد وسيلة لنقل المعاني، بل هي أداة تعبيرية فاعلة، تسهم في رسم الصورة الذهنية للمشهد القرآني. والتلاحم بين الصوت والدلالة في أسماء يوم القيامة من أبرز مظاهر الإعجاز الفني في التعبير القرآني؛ إذ جاءت هذه الأسماء مشحونة بطاقة صوتية، تعبّر بعمق عن رهبة الموقف وهول المشهد. بناء علی هذا، یحاول الباحثون في هذه الورقة البحثية، باتباع المنهج الوصفي ـ التحلیلی، دراسة جماليات الهندسة الصوتية والدلالية في أسماء يوم القيامة في القرآن الکریم. ینمّ هذا البحث عن أنّ الأصوات الشديدة والمجهورة، کالقاف، والراء، والعين، التي تُحدث إيقاعاً قويا، تعكس طرقا وضربا وصوتا مزلزلا؛ فيحاكي اللفظ ذاته مشهد الاضطراب الكوني في ذلك اليوم. إن اجتماع الأصوات الصلبة والحروف المفخّمة في ألفاظ، کالطامّة، والصاخّة، والواقعة، ترسم صورة صوتية متفجّرة، تعبّر عن شدة الحدث. ومصاحبة هذه الأصوات المفخمة للصوت الممدود، أي الألف، مما يدل على الامتداد الزمني، ويعبر عن المدة الطويلة التي يتردد فيها صراخ ونداء إسرافيل (8) في مشهد القيامة. تشكل الأصوات المجهورة في آیات القیامة 73% من الأصوات، وحضورها الواسع يتناسب مع الصيحات العالية والحزينة للناس في يوم القيامة. وتُظهر الدراسة الإحصائية للمقاطع الصوتية لكلمات القيامة أن المقاطع الصوتية المغلقة لها حضور فعال في هذه الكلمات، وتستحوذ على 70% من المقاطع؛ لأن نطق هذه المقاطع الصوتية يتطلّب وقتا أطول، مما يوحي بعظمة يوم القيامة وطوله، وثقل نطق هذه المقاطع يدلّ على صعوبة وثقل هذا اليوم، وإغلاقها يتناسب مع حال الناس في مشهد القيامة.

الكلمات الرئيسية

الموضوعات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

The Phonetic and Semantic Aesthetics in the Names of the Day of Resurrection in the Holy Quran

المؤلفون [English]

  • Mansoureh Talebian 1
  • Rouhollah Saiiadi Nezhad 2
  • Housain Imanian 2
1 Assistant Professor of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Kashan University, Kashan, Iran
2 Associate Professor of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Kashan University, Kashan, Iran
المستخلص [English]

Phonetic semantics is a branch of linguistics concerned with how the pronunciation, nature, and characteristics of speech sounds contribute to meaning. It examines the role of phonemes—both consonants and vowels—in conveying semantic content, whether through their inherent qualities, their combination within words, or their manner of articulation and phonetic expression.
The use and arrangement of sounds produce intonational patterns that evoke mental imagery, communicate meanings and intentions, and reflect the speaker’s inner state and contextual realities. Thus, human speech is not merely a sequence of sounds but a system of meaningful and expressive phonemes.
When the Quran is examined through the lens of phonetic semantics, its aesthetic, structural, and rhythmic qualities emerge as intimately connected to its meanings. Phonetic, syllabic, and phonological features align with semantic content, so that elements such as vowel pronunciation, pauses, points of articulation, elongation (madd), nasalization (ghunnah), inter-verse spacing, and musicality all adapt to the thematic context, discourse setting, and rhetorical demands. In this sense, the phonetic properties of Quranic words form a coherent and expansive semiotic system underpinned by layers of subtle and profound meaning.
The Quran refers to the Day of Resurrection through numerous names and descriptions, each encapsulating an event or scene from that momentous occasion. These names serve as attributes of the Day, and through their phonetic composition, evoke a sense of dread and upheaval, unsettling the human soul. The consonants, vowels, syllable structure, and stress in these terms are purposefully chosen to reflect their themes.
More than thirty explicit designations for the Resurrection appear in the text. Some function as standalone attributes, while others combine with the word “Yawm” (Day) in possessive or descriptive constructions.
One such term, Al-Wāqiʿah (The Inevitable), derives from the root waqaʿa (“to fall, occur”). Articulatorily, the initial wāw (و) involves lip rounding and a rapid dorsal movement, producing a voiced, abrupt release that visually and auditorily suggests the blast of the Trumpet and the rising of the dead from graves.
Beyond its lexical meaning, the phonemes qāf (ق) and ʿayn (ع) play a decisive role in the word’s imagery. The qāf is a voiceless uvular stop; its articulation involves a complete closure at the back of the oral cavity followed by a sudden, explosive release. This imparts a sense of weight, force, and cataclysmic scale, mirroring the upheaval of the Resurrection.
In Al-Wāqiʿah, phonetic qualities oscillate between sonorancy and explosiveness. The sonorous wāw and voiced alif precede the intense, explosive qāf and the voiced pharyngeal ʿayn, creating an auditory analogue to the terrifying scenes of the Day.
A detailed analysis of phonetic features in Resurrection-related vocabulary reveals a predominance of strong articulatory features (approximately 72%), indicating a systematic harmony between sound and meaning. These phonetic traits help convey the awe and severity of the Resurrection.
Syllabic analysis shows closed syllables (CVC, CVVC) constitute about 70% of the relevant terms. Their articulation requires greater effort and duration, suggesting the gravity, protracted nature, and inescapability of the Day. The relatively rare long closed syllable (CVVC)—phonetically demanding—appears 16 times, reinforcing the intensity of Resurrection events. Meanwhile, the medium closed syllable (CVC), associated with certainty, occurs 72 times, reinforcing the inevitability of the Day.
Notably, in Al-Wāqiʿah, the phoneme qāf occupies the stressed penultimate syllable and carries the semantic core of the word. The transition from a preceding elongated alif to the abruptly released, vowelled qāf (with kasrah) heightens the perceptual impact, intensifying its resonance and expressive force.

الكلمات الرئيسية [English]

  • Quranic Verses
  • Names of the Day of Resurrection
  • Phonetic and Semantic Structure
  • Syllables
  • Characteristics of Letters

. المقدمة

الصوت هو الجوهر الأساسي للغة. و«كل أمة تعبر عن أغراضها ومطالبها به» (ابن جني، د.ت، ج 1، ص 8)؛ لذلك، فإنّ الدراسة الصوتية تسبق الأنظمة اللغوية الأخرى (المعجمية، والصرفية، والنحوية). تعتبر الدلالة الصوتية من أهم جوانب وفروع علم الدلالة، وهي «تنبع من عملية اللفظ وطبيعة وخصائص الأصوات» (حيدر، 2005م، ص 30). فالألفاظ التي يستخدمها الإنسان في كلامه، ليست مجرد أصوات، بل هي أصوات ذات معنى ودلالة، «ولها موسيقى ونغم خاص» (الخولي، 1985م، 267)، وهي أدوات للتعبير عن المفاهيم والأفكار الذهنية. توجد علاقة وثيقة، لا تنفصم بين موسيقى الكلمة ومعناها. هذه العلاقة تصل إلى درجة، يمكن القول إنّ موسيقى وصوت الكلمات يستحضران في الذهن صورة، تتوافق مع ذلك الصوت. وكما يعتقد بعض علماء البلاغة أنّ «رنين الكلمات في الأذن، كالصور في العين» (ابن الأثير، 1979م، ج 1، ص 252(.

ينشأ هذا الفرع من علم الدلالة، من خلال الارتباط بين الأصوات ومتغيراتها مع المدلولات المعنوية، وذلك بهدف إيصال حالات وصفات المتحدث إلى المخاطب، من خلال التصوير الذهني. بعبارة أخرى، فإنّ علم الدلالة الصوتية هو علم اكتشاف العلامات الصوتية، للوصول إلى المدلولات المعنوية، بناءً على القرائن اللغوية والموسيقية.

في الحقيقة، يعتمد هذا العلم، من خلال إعادة قراءة وفكّ رموز الشفرات الصوتية، على مدلول الكلمات. وهذا الفكّ للرموز يمهّد الطريق للوصول إلى المدلول الظاهري ومدلول أبعد من المدلول الظاهري. في تعبير آخر، يوفّر ولادة معنى جديد (فلاح وشفيع‌ پور، 1394ﻫ.ش، ص 51 ـ 52). في الواقع، فإنّ البنية الصوتية للكلمة، بالإضافة إلى دورها المعنوي في إيصال المعنى، تُوحي بالمفهوم الذي يقصده الأديب بطريقة غير مباشرة من خلال مجموعة الأصوات.

تتكوّن الدلالة الصوتية من ثلاثة أقسام: الصوت، والمعنى، والعلاقة بينهما، والتي تُدرس في مجالين رئيسين: أحدهما هو اكتشاف العلامات الصوتية وارتباطها بالمعاني التي تؤدي إلى اكتشاف مدلول جديد؛ والآخر هو الدلالة الصوتية للكلمات والجمل، حيث تكون الأصوات نفسها علامات في اتجاه اكتشاف المعنى (شفيع‌ پور بروجني، 1393ﻫ.ش، ص 12). بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المتغيرات الصوتية، بالإضافة إلى أنها قد يكون لها تأثير وضعي، يمكن أن تصبح رموزا ودلالات للمعاني، وتُستخدم كعلامات اعتبارية لنقل المفاهيم والرموز وحالة المتحدث ووضعه.

يرى بعض اللغويين أنّ المقصود بالدلالة الصوتية هو الدور الذي تؤدّيه الأصوات اللغوية المكوّنة للكلمة في بيان المعنى. وهذا الدور يتجلّى أحيانا في مجموعة أصوات الكلمة، سواء كانت صوامت أم حركات، وأحيانا يتحقق من خلال انسجام الأصوات المكوّنة للكلمة وطريقة الأداء والبيان الصوتي. وهذه الأمور تُعرف بالعناصر الصوتية الثانوية (عكاشة، 2005م، ص 17 ـ 18). بعبارة أخرى، فتتحقق الدلالة الصوتية أحيانا من خلال دلالة الأصوات التركيبية[1] التي تشمل الصوامت والحركات وأنواعها، وأحيانا من خلال دلالة الأصوات غير التركيبية[2]، مثل: النبر، والمقطع الصوتي، والإيقاع.

تجدر الإشارة إلى أنّه في الكلمة الواحدة، قد يتحمّل صوت واحد فقط العبء المعنوي للكلمة، بمعنى آخر، تقع قمة الذروة الصوتية للكلمة في صوت واحد فقط، وأحيانا يقع عبء الارتباط الصوتي المعنوي للكلمة على عاتق صوتين، وفي بعض الأحيان، تتحمّل جميع أصوات الكلمة هذا العبء.

یظهر البحث لنا أنّ الباحثین المختلفین قد تطرّقوا إلی العلاقات القائمة بین اللفظ والمعنی في القرآن الکریم، وأشاروا إلی التناسق بین اللفظ والمعنی في أسماء یوم القیامة إشارة عابرة بین دفّتی کتبهم وبحوثاتهم، غير أننا لا نجد دراسة شاملة، ووافية، ومستقلة في مجال الدلالة الصوتية في أسماء يوم القيامة في القرآن. فإنّ الباحثين يسعون في هذا البحث إلى إجراء دراساتٍ كيفية، باتباع المنهج الوصفي ـ التحليلي، في ضوء العلاقة بين الصوت والمعنى في آيات أحداث يوم القيامة، مع الأخذ في الاعتبار أسئلة من بينها:

ـ ما العلاقة بين ترتيب حروف الهجاء ورنين الألفاظ ومعاني الكلمات الدالة على يوم القيامة؟

ـ ما دور المقاطع الصوتية وحركات الحروف في معنى الكلمات؟

ـ كيف تكون صفات الحروف ذات أهمية في رسم وتجسيد مشاهد يوم القيامة؟

1ـ1. خلفیة البحث

في السنوات الأخيرة، قد أنجزت أبحاث حول علم الدلالة وعلم الأصوات باللغتين العربية والفارسية، تناولت بشكل أساسي المناقشات النظرية والتحليلية في هذا الشأن، بما في ذلك، ما يلي:

رسالة الماجستير تحت عنوان الدلالة الصوتية لألفاظ وصف القيامة في القرآن الكريم، بقلم وحيدة أندرخور (1395ﻫ.ش)، حيث تدرس الباحثة في هذا البحث الكلمات التي تدلّ على يوم القيامة من منظور الدلالة الصوتية؛ لكنها ضعيفة للغاية في تحليل الأصوات، وتكتفي ببيان معاني حروف الكلمات، بالاستناد إلى كتاب خصائص الحروف، دون أن تربط بين معاني الحروف ومشاهد القيامة، أو تشير إلى صفات الحروف والمقاطع الصوتية ودورها المعنوي في رسم مشاهد القيامة. هذا البحث يشبه هذه المقالة في العنوان فقط؛ لكنهما يختلفان اختلافا كبيرا، من حيث التحليل الصوتي.

أطروحة التحلیل الصوتي للنص: بعض قصار سور القرآن الکریم أنموذجاً، لمهدي عناد أحمد قبها (2011م). یتناول الباحث في هذه الدراسة عوامل قوة الأصوات وضعفها، ویشرح الأثر الکلامي والموسیقي والمعنوي لعذه العوامل في جمال النص. وفي ختام الدراسة، یشرح ویحلّل سور التکاثر، والعصر، والفیل، والقریش، والکوثر، والتوحید، والناس، مستنداً إلی عناصر قوة الأصوات وضعفها.

أطروحة التغیّر الصوتي في الفواصل القرآنیة ودلالاته، لابتسام عبد الحسین سلطان القصیر (2006م). هذه الدراسة مكوّنة من البابين: الباب الأول في بيان الدلالات التي يؤديها الصوت اللغوي في الكلمة والتمثيل لهذه الدلالات. وقد صنّف الکاتب الدلالات العامّة للأصوات اللغوية ثلاثة أصناف، كلّ صنف منها يمثّل فصلاً. فالفصل الأوّل يتناول أهم هذه الدلالات، وهي دلالة الامتداد، والفصل الثاني يتطرق إلى دلالة القوّة والشدة، والفصل الثالث يكون حول دلالتي الضعف واللين؛ وأما الباب الثاني، فهو بحث في أجزاء الفاصلة والتغيّرات التي تحدث فيها. فالفصل الأول يختص بالتغيّرات التي تطرأ على الرويّ وتنوّع الأصوات التي تُختم بها الفاصلة؛ والفصل الثاني يتناول التغيّرات الصوتية في ردف الفاصلة.

 

مقالة دلالت آوایی در آیه‌های وعد و وعید قرآن کریم (= الدلالة الصوتیة لآیات الوعد والوعید في القرآن الکریم)، لمحمد خاقاني ویوسف فضیلت (1393ﻫ.ش). فيوضح الباحثان، من خلال دراسة آيات الوعد والوعيد من منظور الدلالة الصوتية، الوظيفة المهمة للصوت في إيصال معنى الآيات، مع بيان الجماليات الفنية والموسيقية لهذه الآيات،.

وكذلك رسالة الماجستير الحوار في مشاهد القيامة في القرآن الكريم: دراسة دلالية بيانية، لهالا سعيد محمد مقبل (2011م)، حيث تتناول الباحثة أولاً أهمية عنصر الحوار في وصف مشاهد القيامة، ثم تدرس دلالة الألفاظ والحروف وتركيب الجمل في مشاهد القيامة من حيث الإضافة، والتقديم، والتأخير، والحذف، والأساليب البلاغية، مثل: الاستفهام، والأمر، والنهي، والتشبيه، والاستعارة، والمجاز، والكناية، وأخيرا، تستنتج أن عنصر الحوار هو أحد أدوات تبليغ الكلام وإقناع المخاطب، وأن العناصر الموسيقية والبلاغية في حوارات مشاهد القيامة تخدم المعنى بشكل كامل.

ومقالة زیباشناسی ضرب‌آهنگ در سوره‌های نازعات و تکویر (= جمالیة الإیقاع في سورتي النازعات والتکویر)، بقلم عیسی متقي زاده وهادي نظري منظم وسيد رضا موسوي (1396ﻫ.ش)، حيث يهتمّ الكاتبون بمسألة العلاقة بين الإيقاع والمعاني الكامنة في آيات السورتين، وينصبّ اهتمامهم في الغالب على كلمة "فاصلة"، ويقومون بتحليل أنواع الفواصل، بناءً على حرف الروي والوزن والإطلاق والتقييد في قراءة إحصائية. فيركّز الكاتبون على تكرار بعض الأصوات الصامتة، والمجهورة، والانفجارية، والاحتكاكية، وإلخ في سياق الآيات، ويكتفون بذكر مثال واحد من سورتي النازعات والتكوير في كل قسم، دون أن يتجاوزوا المستوى الصوتي الوظیفي[3] والمستوی الفیزیائي للصوت[4]، غير أنهم يعرضون جميع مكونات علم الأصوات بشكل عيني وملموس وتطبيقي أمام القارئ. فمن خلال تطبيق مبادئ ونماذج الدلالة الصوتية على الكلمات الدالّة على يوم القيامة، يقومون بتوضيح دور جميع الأصوات والحركات وصفات الحروف، في تصوير معنى ومفهوم الآيات بقراءة إحصائية، إلا أنّ الآيات التي يعتمد عليها هذا البحث، لم يتم تحليلها ودراستها من زاوية الدلالة الصوتية من قبل.

 

  1. الإطار النظری للبحث

2ـ1. الدلالة الصوتیة

استخدام الأصوات والإیقاع الناتج عن ترکیبها یخلق في ذهن القاریء والمستمع تلك الأغراض أو المفاهیم التي تعکس أحوال المتکلّم الداخلیة وصفاته الذاتیة. بمعنى آخر، فإن المتغيرات الصوتية، بالإضافة إلى أنها قد يكون لها تأثير واقعي، يمكن أن تكون رمزا أو تمثيلا للمعاني، ويمكن استخدامها كعلامات موثوقة لنقل المفاهيم والألغاز والحالة والوضع للمتكلم (شفيع پور، 1394ﻫ.ش، ص 44). ودلالة الصوت هي الدور الذي تلعبه الأصوات المكونة لبنية الكلمة في التعبير عن المعنى. تنبع الدلالات الصوتية من الترابط والتكامل بين الأصوات المكونة للكلمة وطريقة نطقها. بالإضافة إلى ذلك، فإن نوع الحركات في الكلمات، وترتيب الكلمات جنبا إلى جنب، وطول وقصر المقاطع في كل سياق، كلها تستحضر مفاهيم محددة.

2ـ2. صفات الحروف

أحد المفاهیم الأساسیة في مناقشة دلالة الصوت هو موضوع صفات الحروف التي تتناول الحالات العارضة للحرف عند خروجه من مخرجه وتعبّر عن طبیعة صوته وسمته. فبینما یُحدد المخرج هوية الحرف، فإن الصفة تحدّد کیفية نطقه وتمیّزه عن غیره (الإبراهيمي، 1994م، ص 57). وقد قسم الباحثون صفات الحروف إلى قسمين: أحدهما صفات عامة، أي صفات لا تنفصل عن الحروف، وتُذكر في أزواج متضادة، ومن الأمثلة على ذلك: «جهر، همس / شدة، رخاوة / تفخيم، ترقيق / إطباق، انفتاح / استعلاء، استفال / إذلاق، أصمات»؛ والقسم الآخر هو صفات خاصة، ليس لها صفات متضادة، مثل: «صفير، تفشٍّ، انحراف، غنة، تكرار، قلقلة، خفاء» (بحري، 2010م، ص 49).

ومن الجدير بالذكر أنه عندما تكون للصوت إحدى الصفات المتضادة، فلا تتأتی له الصفة المقابلة، أي لا يمكن الجمع بين صفتي الجهر والهمس، والانفجار والاحتکاك فيه. هذه الصفات المختلفة تؤثّر في خلق عدم التوافق بين الأصوات؛ لأن بعض الأصوات تتوافق مع بعضها البعض في جميع الصفات، ما عدا صفة واحدة، وهذا هو ما يسبب الاختلاف في معانيها.

يعتقد اللغويون القدماء وعلماء التجويد أن بعض صفات الأصوات تدل على قوة الصوت، وبعضها تدل على ضعف الصوت. صفات، مثل: الجهر، والشدة، والاستعلاء، والإطباق، والصمات، والصفير، والقلقلة، والانحراف، والتكرار، والتفشي، والغنة، من دلائل قوة الأصوات. وإذا توجد صفتان قویتان أو أكثر في كلمة واحدة، فإن تلك الكلمة تكون في أقصى قوة وشدة؛ وعلى العكس من ذلك، فإن صفات، مثل: الهمس، والرخاوة، والاستفال، والانفتاح، والإذلاق، واللين، والخفاء هي علامات الضعف في الأصوات (أبو زيد، 1992م، ص 92). وكلما زادت صفات الضعف في الصوت، كان الصوت أضعف. إن وجود الأصوات القوية والضعيفة يؤثر في إيصال المعنى والمفاهيم الكلامية.

2ـ3. المقاطع الصوتیة

المقطع[5] هو أقصر سلسلة صوتية متكاملة، تبدأ بصامت، ويتبعه حرف علة، ويستمر حتى نهاية الكلمة التي تنتهي أحيانا بحركة قصيرة، كما في كلمة "خَرَجَ" أو بصامت كما في كلمة "إخراج". جدير بالذكر أنه في نظام المقاطع، يتم ترميز الحروف الساكنة بحرف "ص"، والحروف المتحركة بحرف "ح"، أي الحركة. وقد قسم اللغويون المقاطع الصوتية إلى ستة أقسام:

ـ المقطع القصير المفتوح: وهو المقطع الذي ينتهي بحرف علة قصير، مثل: مقاطع كلمة "خَرَجَ".

ـ المقطع القصير المغلق: وهو المقطع الذي ينتهي بصامت، ويتكون من ثلاثة أصوات: صامت وحركة قصيرة وصامت، مثل: كلمة "لَم".

ـ المقطع القصير المغلق ذو الصامتين المزيد: وهو المقطع الذي يتكون من صامت وحركة قصيرة وصامتين ساكنين، ولا يظهر هذا المقطع إلا عند الوقف في نهاية الكلمة، مثل: كلمة "بنت" (ص ح ص ص).

ـ المقطع الطويل المفتوح: وهو المقطع الذي ينتهي بحرف علة ممدود (ألف، واو، ياء)، مثل: كلمة "لا".

ـ المقطع الطويل المغلق: وهو المقطع الذي يجمع فيه حرف العلة الممدود والصامت الساكن في نهايته، مثل: كلمة "باب" (ب / ا / ب)، ويتم ترميز هذا المقطع بـ(ص ح ح ص)، وهو «أصعب المقاطع الصوتية نطقا» (قبها، 2011م، ص 85).

ـ المقطع الممدود المغلق ذو الصامتين المتمادي: يشبه النوع السابق إلا أن نهايته تتكون من صامتين ساكنين؛ وهذا لا يحدث إلا عند الوقف، مثل: كلمة "قاصّ" (ص ح ح ص ص).

  1. المعالجة التحلیلية للبحث

3ـ1. الدلالة الصوتیة لأسماء یوم القیامة في القرآن

يعبّر القرآن الكريم عن يوم القيامة بأسماء مختلفة. كل اسم من هذه الأسماء يدل على حادثة وواقعة، تحدث في ذلك اليوم، ويجسد مشهدا من مشاهدها المتنوعة. هذا الأمر يدل على أهمية حادثة القيامة العظيمة. يقول القرطبي في هذا الصدد: «كل أمرٍ عَظُمَ شأنه وكَبُرَ، تكثر صفاته، وتزيد أسماؤه؛ فكذلك عظمة شأن القيامة وكثرة أهوالها؛ فإنّ اللّٰه تبارك وتعالى ذكرها في القرآن بأسماء متعددة، ووصفها بأوصاف كثيرة» (2003م، ص 214). والهدف من ذكرها هو إيقاظ القلوب. بعبارة أخرى، هذه العناوين المتنوعة لها آثار تربوية وأخلاقية واسعة، وهي فعالة للغاية في الإيقاظ، والوعي، وتهذيب النفس، وإصلاح القلب، والدعوة إلى التقوى، والردع عن الأفعال القبيحة؛ لأنها تُطلع الإنسان على صعوبات يوم القيامة، وتصوّر الخوف والرعب الذي يستولي على الناس في هذا اليوم، وتؤثر على روحه ونفسه.

«في كل اسم من أسماء يوم القيامة سرٌّ كامن، وفي كل وصف معنى مهمٌّ مُبين» (الكاشاني، د.ت، ص 331). هذه الأسماء هي في الحقيقة صفات لذلك اليوم العظيم، وكل منها بنغمته الخاصة يرسم صورة للرعب، والخوف، وأحوال القيامة. إنّ ترتيب الأصوات في هذه الكلمات يكون بطريقة، تثير الاضطراب والقلق في وجود الإنسان، وتحرّك الأعماق والداخل. في الواقع، أن الحروف، والحركات، والمقاطع الصوتية، والنبرة لها دور في هذه الكلمات، وتدل على المضمون والمعنى.

تجدر الإشارة إلى أنّ القرآن الكريم یرسم صورة القیامة بأکثر من ثلاثین اسما صریحا. أحيانا تكون الألفاظ، بمفردها وكصفة مفردة، مستحضرة لمشهد القيامة، وأحيانا تُعبّر عن حالات القيامة بشكل تركيبي إضافي ـ وصفي. وهذه الكلمات تُضاف عموما إلى كلمة "يوم".

3ـ1ـ1. القارعة

«الْقارِعَةُ ! مَا الْقارِعَةُ ! وما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُª (القارعة 101: 1 ـ 3).

كلمة "القارعة" مشتقة من الجذر "قَرَعَ"، بمعنى ضرب أو طرق شيء على شيء آخر، بحيث يصدر منه صوت شديد (مصطفى وآخرون، 1429ﻫ، ص 728). هذه الكلمة في عرف القرآن من أسماء يوم القيامة. يعتقد البعض أنّ القيامة سمّيت قارعةً؛ لأنها تطرق القلوب والأسماع بأحداثها المفزعة والمرعبة، وتحطّم أعداء اللّٰه بعذابها (الطباطبائي، 1390ﻫ.ش، ج 20، ص 348). ويرى البعض الآخر أنّ سبب هذه التسمية هو طرق السماوات والأرض (قطب، 1425ﻫ، ج 6، ص 3960). فقد ذكر المفسرون أنّ المقصود بهذه الأحداث الصعبة والطرقات هو صيحة نفخ الصور التي يحطّم صوتها المهيب الأذان، ويخترق أعماق القلب، أو هي النار التي تكون مصحوبة بشدة اللهب والغضب (أبو حيان الأندلسي، 1420ﻫ، ج ‏10، ص 532).

إنّ ترتيب الأصوات، وصفات الحروف ومخارجها، وتكرار الكلمة في هذه الآيات الثلاث، كلها تؤثّر في تصوير صعوبات القيامة وأحداثها المروّعة؛ لأنّه عند تلفظ كلمة "القارعة"، يُحسّ بضغطتين على اللسان في الحنجرة، وأن تكرار هذه الكلمة يزيد من الضغط الصوتي.

إنّ لفظ حرف "القاف" في الحنجرة يضغط على اللسان، ثم ينخفض هذا الضغط بصوت "الراء"، ويعود الضغط مرة أخرى إلى عمق الحنجرة بصوت "العين". هذا يشير إلى انحباس النفس في الصدر بسبب الخوف من يوم القارعة؛ وكأنّ الروح في حالة احتضار، وتصل إلى الحنجرة.

 

تجدر الإشارة إلى أنّ اتساع صفات الجهر في هذه الآيات الثلاث يصوّر يوم القيامة الصعب والمحطّم بشدة وقسوة، وأن الأصوات "القاف"، و"الهاء"، و"الكاف" مهموسة بالطبع، وأن صوتي "القاف" و"الكاف" بصفة الشدة والانفجار يساهمان أيضا في إيصال المعنى المقصود.

صوت "القاف" من الحروف الانفجارية والمجهورة في اللغة العربية، والذي يُحدث عند تلفظه ضغطا وانحباسا شديدا في الحنجرة. هذا الصوت، بصفة الاستعلاء والتفخيم، يعبّر عن «الشدة والعنف والثقل» (عباس، 1998م، ص 142). إنّ وجود هذا الصوت في كلمة "القارعة"، يُظهر شدة الطرق وثقل الأحداث المدمّرة للسماء والأرض، في يوم القيامة، وامتداده مع صوت "الألف" يدل على اتساع الأحداث في يوم القيامة. كما أنّ استخدام الصوت المجهور والمكرَّر "الراء" الذي يصاحبه اهتزاز اللسان وارتعاش الأحبال الصوتية، يدل على اهتزاز واضطراب الإنسان عند القيامة أو اهتزازات وارتجاجات شديدة ومروعة للأرض. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ وجود صامت "العين" الذي هو صوت مجهور، ويُلفظ من وسط الحلق مع ارتعاش الأحبال الصوتية، وحین وصول الموجات الصوتیة إلی وسط الحلق، یؤدّي إلی ضیق مجراه، یصوّر حالة إنسان عاجز عن التنفس؛ لأنّ أحداث القيامة الصعبة والكبيرة جعلته مبهوتا وخائفا، وضاق صدره، ولم يتمكن من التنفس.

يُعدّ لفظ "القارعة" في هذه الآيات الثلاث، كلمة فاصلة مختارة، وهي مؤثرة في إيصال المعنى؛ لأنّه عند الوقف، يتحول حرف "التاء" إلى "الهاء". وعند تلفظ "الهاء"، تنفتح أعضاء النطق تماما، بحيث يخرج هذا الصوت من أعماق الوجود (عباس، 1998م، ص 192)؛ لذلك، فإنّ صوت "الهاء" مناسب للحديث عن القيامة؛ لأنّ القيامة من أمور الغيب والخفاء، وأسرارها مستورة عن الناس، وحضور هذا الصامت يدلّ على هذا الأمر. كما أنّ هذا الصوت، بصفة الهمس والسكت، يوحي بحالة الحيرة والصمت والضياع التي تنتاب الناس على أعتاب القيامة.

بالنظر إلى هذه الآيات الثلاث، يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا تكرّر لفظ "القارعة" في هذه الآيات الثلاث، ولم يتم استخدام ضمير بدلاً من هذه الكلمة؟ من الواضح، أنّ الشدة والرعب الذي يتولّد في القلب من تكرار هذه الكلمة والحروف المستخدمة فيها، والإيقاع السريع والخشن الذي يضفيه هذا التكرار على الآيات، لا يمكن أن يُستشعر أبدا من ضمير، يحلّ محل هذه الكلمة. بعبارة أخرى، فإنّ حضور الضمير بدلاً من الكلمة نفسها، بالإضافة إلى إحداث خلل في إيصال المعنى، يقلّل أيضا من جمال ونظم لحن السورة؛ لذلك، تكرّرت كلمة "القارعة" لإيصال معناها الكامن، ألا وهو شدة أحداث يوم القيامة.

جدير بالذكر، أن دوران وتناوب صفات الجهر والشدة مع الجهر والرخاوة في هذه الكلمة يتمّ بشكل متناسق ومنتظم. وتتأرجح صفات الحروف في هذه الكلمة بين الشدة والجهر والانفتاح والاستفال والإصمات، حيث ترتجف القلوب مع الموسيقى المنبعثة من هذه الأصوات، وتقترن بالخوف والرهبة، وبالتالي، تتشكّل صورة للدار الآخرة في ذهن الإنسان (الصغير، د.ت، ص 173). صفة الجهر القوي، والشدة، والاستعلاء، والإصمات، والقلقلة، والتكرار، والانحراف في هذه الكلمة، كلها تدل على شدة وقعة القيامة وقوتها والفزع الشديد للناس. وتدل صفة الانفتاح على استمرار واتساع المشاهد القوية واستمرارها إلى أجل غير مسمى. وتوحي صفة الإصمات التي تتناوب في حروف الكلمة وتنتهي بها الكلمة، بالصمت والهدوء الذي يسود كل مكان بعد قيام القيامة وحساب الخلائق. الجدول التالي يوضح صفات كلمة "القارعة".

 جدول 1: صفات حروف کلمة "القارعة"

ا

لـــــــــ

قــــــــ

ر

عـــــــــــ

ـــــــــة

   المجهور

   المجهور

    المجهور

    المجهور

   المهموس

   المهموس

   الانفجار

   الاحتكاك

    الانفجار

      الاحتكاك

      الاحتكاك

   الاحتكاك

   الاستفال

   الاستفال

    الاستعلاء

    الاستفال

   الاستفال

   الإصمات

   الانفتاح

   الانفتاح

    الانفتاح

   الانفتاح

   الانفتاح

   الانفتاح

  الإصمات

   الإذلاق

    الإصمات

   الإذلاق

   الإصمات

    ____

    ___

   الانحراف

    القلقلة

   الانحراف

    ____

    ____

    ___

   ____

   ____

   التکرار

    ____

    ____

3ـ1ـ2. الحاقَّة

«الْحَاقَّةُ ! مَا الْحَاقَّةُ ! وما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُª (الحاقة 69: 1 ـ 3).

كلمة "الحاقة" مشتقة من الجذر "حَوَقَ"، بمعنى التحقق والإحاطة والشمول (قرشي بنائي، 1371ﻫ.ش، ج ‏2، ص 208). هذه الكلمة مشتقة من لفظ "الحق"، بمعنى الواجب والثابت، وتدل على معنى الغلبة والتسلط (ابن فارس، 1979م، ج 2، ص 16). لقد سمى اللّٰه سبحانه وتعالى يوم القيامة "الحاقة"؛ ذلك لأن وعود اللّٰه ووعيده تتحقق في هذا اليوم (ابن أبي حاتم، 1419ﻫ، ج ‏8، ص 225)، ويتحقق حساب العباد وجزاء المحسنين وعقاب الظالمين (الزمخشري، 1407ﻫ، ج ‏4، ص 598). كلمة "الحاقة" تعني الحياة الأبدية وساعة حتمية الوقوع في المستقبل، لا إنكار ولا جهل بها؛ ولهذا، جاءت بصيغة اسم الفاعل، للتعبير عن الحدوث والوقوع في المستقبل.

 بداية السورة بكلمة "الحاقة"، دون أي مقدمة أو مؤخرة، تخلق إيقاعا مرعبا في نفس المخاطب. يتواصل التأثير الصوتي لهذه الكلمة مع قوة وانفجار حرف "القاف". في الآية التالية، تتكرر نفس الكلمة للسؤال عن ماهية هذا الأمر الغامض والرهيب، مما يهيّئ أرضية الرعب والدهشة للمخاطب (قطب، 1425ﻫ، ج 6، ص 3677). وفي الآية الثالثة، يقول: "وما أدراك ما الحاقة". في الواقع، أن خاصية انفجار الحروف وتكرار هذه الكلمة في ثلاث آيات، تدل على تعظيم وتكريم أمر القيامة. فلو تم استخدام الضمير بدلاً من تكرار هذه الكلمة، لما تحقق الخوف والرهبة المقصودة في قلب المخاطب، وقَلَّ جمال الإيقاع وموسيقى في الآيات، وما تم إيصال المعاني الكامنة في الآيات.

تبدأ سورة الحاقة بحرف الهمزة. وهذا الصوت من أثقل الحروف في اللغة العربية، حيث تنطبق الأوتار الصوتية تماما على بعضها البعض أثناء النطق، مما يجعل مرور الهواء مستحيلاً، وينقطع النفس. فجأة، تنفصل الأوتار الصوتية، ويتحرر الهواء المحبوس، وينتج صوت الهمزة الانفجاري (حسان، 1979م، ص 97). تتوافق صعوبة وشدة نطق حرف الهمزة مع الأحداث الصعبة والحتمية ليوم القيامة. هذا الصوت له دور مهم في خلق جوّ من الخوف والرهبة، ويجسّد صورة أهل المحشر الذين فوجئوا برؤية الأحداث المرعبة التي وعد بتحقيقها. تنقطع أنفاسهم فجأة، وتثقل صدورهم، ثم تتحرر أنفاسهم بشدة من أعماقهم، وتعرض حسرتهم وندمهم.

صوت "الحاء" صوت حلقي احتكاكي مهموس. وعلى الرغم من رقّته ونعومته، إلا أنه يكتسب صفة الجهر والانفجار، بسبب وقوعه بين الصوتين المجهورتين "اللام" و"الألف". الأعضاء المنتجة لهذا الصامت هي جدران تجويف الحلق، والتي تنقبض عند إنتاجها؛ ونتيجة لذلك، فيضيق تجويف الحلق. وفي هذه الحالة، ينتج مرور هواء الزفير من تجويف الحلق احتكاكا (زندي، 1371ﻫ.ش، ص 77). إن عمق مخرج الحلق لصامت "الحاء" والاحتكاك فيه، مما يدل على ضعف ووهن عميق، يصيب الناس في وقت الحساب. وضيق مخرجه يشير إلى ضيق الحال وعجز الناس في يوم القيامة. فارتباط صفتي الهمس والاحتكاك وعمق مخرجه، مما يوحي بالدقّة في محاسبة الناس في يوم القيامة. يمتدّ صوت "الحاء" مع صوت "الألف"، ليدل على اتساع الاضطراب والعجز لدى الناس في يوم القيامة، وكذلك «تأكيدا على عظمة هذا اليوم ومضاعفة شدته وصعوبته» (الراغب، 2003م، ص 85).

حرف "القاف" هو من أقوى الحروف في اللغة العربية، ويُنطق من أقصى الحلق. حضور هذا الصوت في كلمة "الحاقة"، بصفات التفخيم والجهر، يدلّ على «وضوح الحق وظهوره، وظهور حقيقة الأشياء» (أبو حيان الأندلسي، 1420ﻫ، ج ‏10، ص 254)، في هذا اليوم الذي يخلق نوعا من اليقظة والوعي بنغمته وإيقاعه. بالإضافة إلى ذلك، فإن تشديد هذا الصوت يزيد من شدة انفجاره، ويوحي بمعنى شدة ورعب القيامة. تجدر الإشارة إلى أن التوكيد في الكلمة يقع على هذا الحرف، أي أن هذا الصوت يُنطق بضغط أكبر أثناء القراءة، مما يدلّ على الضغط والصعوبات التي تنزل على الناس في هذا اليوم.

تمّ اختيار كلمة "الحاقة" في هذه الآيات الثلاث ككلمة فاصلة، والتي عند الوقف عليها، تتحول التاء المربوطة إلى "الهاء" عند الوقف. فالهاء صوت حنجري احتكاكي مهموس مرقّق، هي بلفظها وجرسها ومعناها تلقي في الحس معنى الجد والصرامة والحق والاستقرار. ويقاع اللفظ بذاته أشبه شيء برفع الثقل طويلا ثم استقراره استقرارا مكينا. فرفعه في مدّ "الحاء" بـ"الألف" وجدّه في تشديد "القاف" بعدها واستقراره بالانتهاء بالتاء المربوطة التي تنطق "هاء" ساكنة، يلقي معنى الجد والصرامة والحق والاستقرار (قطب، 1425ﻫ، ج 6، ص 3675). وكأن هذه الكلمة ترسم مشهد إلقاء الكافرين في نار جهنم.

جدير بالذكر أنه في هذه الآيات الثلاث، جاء المقطع الصوتي الطويل المغلق (ص ‌ح ‌ح ‌ص)، في سياق كلمة "الحاقة". هذا المقطع الصوتي هو من أصعب وأشقّ المقاطع في النطق، وقد ورد في القرآن 118 مرة فقط (عزة، 2012م، ص 102). حضور الصوت الممدود في هذا المقطع، يشير إلى طول يوم القيامة، كما ورد في القرآن الكريم أن طول يوم القيامة يعادل ألف سنة[6]. وإغلاق هذا المقطع يوحي بحال الناس في مشهد القيامة؛ كأنهم مقيدون بالأصفاد، وهم كالأسارى والسجناء الذين لا يستطيعون الفرار من تلك الحالة والظروف. جدير بالذكر أن «انقطاع النفس عند نطق هذا المقطع يدل على القطعية والوجوب» (عجولي، 2014م، ص 159)، وهذا الأمر يوحي بقطعية وتحقق حادثة يوم القيامة.

3ـ1ـ3. الطامة

«فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرىª (النازعات 79: 34).

كلمة "الطامة" مشتقة من الجذر "طم"، بمعنى الشامل والمغطي والمستوعب (ابن فارس، 1979م، ج 3، ص 406). تُطلق كلمة "الطامة" على الأحداث الصعبة والمصائب الكبيرة التي تتجاوز وتفوق كل مصيبة رهيبة أخرى، والتي يعجز الإنسان عن دفعها. تشير كلمة "الطامة" في هذه الآية إلى القيامة المليئة بالأحداث المرعبة، بحيث لا توجد مصيبة تتجاوزها. وتأكيد وصفها بكلمة "الكبرى" يؤكد على أهمية وعظمة هذا الحدث الفريد (مكارم شيرازي، 1371ﻫ، ج‏ 26، ص 104). يعتقد بعض المفسرين أن المقصود بهذه الكلمة هو الظلام الشديد الذي يجتاح كل شيء بقوة (الطبرسي، 1372ﻫ.ش، ج 10، ص 659)؛ ويعتقد البعض الآخر أنها الوقت الذي يُساق فيه أهل الجنة إلى الجنة، ويُجرّ فيه أهل النار إلى جهنم والنار (الآلوسي، 1415ﻫ، ج ‏15، ص 237).

 ترتيب الحروف في كلمة "الطامة" يصور معنى هذه الكلمة ومشاهد يوم القيامة الصعبة. يعتقد الزمخشري أن المقصود بهذه الكلمة هو النفخة الثانية في الصور، النفخة التي يُبعث بها الناس (1407ﻫ، ج ‏4، ص 697). صوت "الطاء" بصفة الإطباق، يعكس معنى الإحاطة والشمول (عباس، 1998م، ص 121)، مما يدلّ على اتساع أحداث يوم القيامة وحالة الانتظار والخوف من شمول العذاب. صفة القلقلة في هذا الصوت تصور اهتزاز الأرض عند انشقاق القبور وخروج الخلائق منها. خاصية الاستعلاء والتفخيم في هذا الصوت تدل على عظمة مصيبة القيامة وهيمنتها. المد في هذه الكلمة، بسبب وجود الحرف المشدد فيها، مد لازم؛ فيجب نطق هذا الصوت بستّ حركات مع مد صوتي (المرصفي المصري، 2006م، ج 1، ص 339)؛ لأنه بعد حرف العلة الضعيف، جاء حرف مشدد قوي. ولتحقيق التوازن بين الصوتين "الطاء" و"الميم"، يتم مد الألف، مما يدل على طول يوم القيامة وامتداد واتساع الخوف والرعب في يوم القيامة.

وجود "الميم" المشددة بعد حرف المد الساكن، بخاصية الاحتكاك، يوحي باضطراب أهل المحشر وخفقانهم. هذا الصوت يعكس «التعقيد والغموض» (عباس، 1998م، ص 71)، في حدث القيامة؛ لأنه عند نطق هذا الصوت، تلتصق الشفة العليا والسفلى ببعضهما البعض، وتسدّ طريق مرور الهواء عن طريق الفم. انفصال الشفتين عند خروج صوت الميم، يصور فتح القبور وخروج الناس بالنفخ في الصور، وتشتت شملهم في صحراء المحشر. تجدر الإشارة إلى أن التوكيد في الكلمة يقع على هذا الصوت المشدد، مما يؤكد على تعقيد وغموض الأحداث الطبيعية للقيامة. زد على ذلك، أن «الصوت المهموس "الهاء" يوحي بمعنى الضعف والوهن» (المصدر نفسه، ص 58)، ووجود هذا الصوت في نهاية كلمة "الطامة" يعكس ضعف الناس ووهنهم عند الخروج من القبور والانحطاط الروحي والخوف والرعب عند رؤية المشاهد المرعبة.

في كلمة "الطامة"، تساهم جميع الحروف في توجيه المعنى. اتساع "الطاء" وعلوّها، وامتداد "الألف"، وانبساط "الميم"، وهمس "التاء"، كلّها تؤثّر على المعنى. يبدو أن "الطاء" و"الميم" يمسكان بالدور الرئيس للمعنى الصوتي. امتداد "الألف" يضاعف اتساع "الطاء" وعرضها، كما أن فتح الفم في نهاية نطق الكلمة يزيد من هذا الاتّساع والامتداد. بالإضافة إلى ذلك، فإن تشديد حرف "الميم" يضاعف شدّة التشتت. في المجمل، أن معنى موسيقى الحروف وتجميع هذه الموسيقى في الكلمة ككل، يصور حالة التغطية مثل القيامة في ذلك اليوم المحدد، تغطية واسعة يؤثّر عليها الخوف والقلق الموجود في "التاء"، ويعرض خوف ورعب ذلك اليوم.

 الرابط بین كلمة "الطامة" وصفة "الكبرى" يعكس أهمية وعظمة هذا الحدث الفريد. المبالغة في خلق الخوف لدى المخاطب تتمّ من خلال الصوتين الانفجاري والشديد "الكاف" و"الباء". وحضور صوت "الراء" معهما يكرر شدة المصيبة وصعوبتها. ثم تنتهي هذه الكلمة بالمد، لتنقل حزن الناس وحسرتهم. في هذه الكلمة، يظهر المقطع الممدود المغلق «ص ‌ح ‌ح ‌ص» الذي ينتهي بصامت. في سورة النازعات، لا يظهر هذا المقطع إلا في كلمة "الطامة"، والذي «تصاحبه موسيقى سريعة، ويتطلب نطقها ضغطا صوتيا كبيرا» (الصغير، د.ت، ص 168)، وإيقاعه ورنينه في النطق يستغرقان وقتا. وهذا الامتداد الصوتي يتناسب مع معنى وسياق الكلام؛ لأن المقصود بهذه الكلمة هو يوم القيامة، وشدة صوتها تتناسب مع الأحداث الصعبة لهذا اليوم العظيم.

3ـ1ـ4. الصَّاخة

«فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُª (عبس 80: 33).

كلمة "الصاخة" مشتقة من الجذر "صخ يصخ"، بمعنى الضرب بشيء صلب على شيء صامت ساكن. وتطلق أيضا على الصوت المهيب الصاخب الذي يمزّق طبلة الأذن (ابن فارس، 1979م، ج 3، ص 281). سمّيت القيامة بهذا الاسم؛ لأن «الصيحة التي تبدأ بها القيامة، تصمّ الآذان عن جميع الأصوات، باستثناء الصوت الذي يدعو الإنسان إلى البعث» (ابن منظور، د.ت، ج 3، ص 33). تشير كلمة "الصاخّة" إلى النفخة الثانية في الصور، وهي الصيحة العظيمة التي هي صيحة اليقظة والحياة؛ فيُبعث الجميع مرة واحدة، ويخرجون من مواضعهم، ويُدعون إلى ساحة المحشر (طيب، 1369ه‍.ش، ج ‏13، ص 398). نعم، هذه الصيحة عظيمة ومزلزلة، لدرجة أنها تُذهل الإنسان عن كل شيء، باستثناء نفسه وأعماله ومصيره.

جدير بالذكر أن اللّٰه تعالى يذكر النفخ في الصور بكلمة "الصاخة"، بسبب خصائصه وطبيعته. وبذكر هذه الصفة الخاصة، يقصد موصوفا مميزا. أصوات الحروف المكونة لكلمة "الصاخة" تلعب دورا كبيرا في إيصال المعنى. ثقل تلك الصيحة يظهر باختيار كلمة، نغمها مؤلم وموجع. بعبارة أخرى، فإن اللّٰه تعالى يصوّر بوضوح، في ارتفاع وانخفاض صوت الكلمة، عدم توافق هذا الصوت المهيب مع أدوات السمع لدى الإنسان. في الواقع، أن الخصائص الصوتية قد أعطت هذه الكلمة «نغمة وموسيقى خشنة نافذة، تخترق قناة الأذن، وتشقّ الهواء بطريقة، يصل إلى الأذن صوت هدير وعذاب. هذه النغمة الصاخبة تمهّد الطريق لتصوير المشهد التالي، أي المشهد الذي يفر فيه الإنسان من أقرب المقربين إليه، من أخيه وأمه وأبيه وزوجته وأولاده، أولئك الذين كانت تربطهم علاقات عاطفية، لا تنفصم في الدنيا. وفي هذا اليوم، تنقطع جميع روابطهم العائلية» (قطب، 2002م، ص 73).

 الصوت الاحتكاكي الصفيري "الصاد" يدلّ على الانتشار والتشتّت (القصير، 2006م، ص 152)، ووجوده في هذه الكلمة يستحضر معنيين في الذهن: أحدهما هو رنين النفخ المهيب في الصور في صحراء المحشر، والذي يخدش الآذان ويصمّها؛ والآخر هو تشتّت الخلائق في ساحة المحشر بخروجهم من القبور. من اللافت أن صوت "الصاد" له صفة الإطباق التي يصعب نطقها؛ ذلك لأن «اللسان يأخذ شكلاً ووضعا خاصا، وعلى المتكلم أن يتحمّل صعوبة ومشقة في نطقه، مقارنة بالحروف الأخرى» (أنيس، 1972م، ص 29)؛ لذلك، هذا الصوت يوحي بمعنى العظمة والقوة والاقتدار (القصير، 2006م، ص 131)، ووجوده في كلمة "الصاخة" يظهر عظمة وقدرة اللّٰه التي لا نهاية لها في إحياء الموتى. جدير بالذكر، أن صامت "الصاد" في هذه الآية مشدد بسبب الإدغام، وبالتالي، دلالته الصوتية في إرادة المعنى أوضح وأظهر. ومصاحبة هذا الصوت المشدد للصوت الممدود "الألف" الذي هو مد لازم، يدل على الامتداد الزمني، ويعبّر عن المدة الطويلة التي يتردد فيها صراخ ونداء إسرافيل (8) في مشهد القيامة.

يشكّل شكل أعضاء النطق عند نطق صوت "الخاء"، صورة خروج الناس من الحفرة الضيقة المظلمة للقبر؛ لأن هذا الصوت يُنتج من أقصى الجزء الخلفي من اللسان والجزء الأخير من الحنك الرخو، بحيث يرتفع طرف اللسان، ويقابل الحنك الرخو، ويشكّل ممرّا ضيقا لمرور الهواء. يُرفع الحنك الرخو، ويغلق طريق مرور الهواء من الأنف، ويمر تيار الهواء بضغط من الممرّ الضيق، ويُنتج الصوت. جدير بالذكر أن هذا الصوت «يدل على الانفصال والتشقق والتحطم» (عباس، 1998م، ص 175)، مما يستحضر مشهد تشقق الأرض وانفتاح القبور وانفصال الإنسان عن تراب القبر. هذا الصوت بصفة التفخيم، يصوّر عظمة أحداث هذا اليوم واضطراب الناس وخوفهم. وضع التشديد والتوكيد على هذا الصوت يوحي بشدة الاضطراب والاضطراب النفسي وقلق الإنسان لإنقاذ نفسه.

 تنتهي الكلمة المذكورة بصامت "التاء" الذي يُقرأ عند الوقف عليه بصوت "الهاء". هذا الصوت من الحروف الحلقية التي تُنتج بالحركة والاهتزاز داخل الحلق، وتوحي بالاضطرابات والانفعالات النفسية للناس عند الهروب من الأقرباء لإنقاذ أنفسهم. فـ«هذا الصوت عميق وغائر. عمق الصوت "الهاء" يدل على تعلق الإنسان بذاته ونسيان الآخرين في يوم القيامة» (حاقة، 2009م، ص 89).

 في كلمة "جاءت"، بعد حرف "الجيم" الذي له صفة الانفجار والإصمات، جاء حرف "الألف" الممدودة الذي يصور شدة وقوع حدث مصحوب بالخوف والرعب. حرف "التاء" يفقد صفة الهمس في هذه الكلمة، بسبب الإدغام مع الصامت المشدد "الصاد"، مما يؤثر على قوة وشدة إيقاع الآية.

بالتدقيق في هذه الآية، ندرك أنه لو استخدمت كلمة "الصيحة" بدلاً من كلمة "الصاخة"، لما تم استخلاص المعاني المقصودة؛ وذلك لأن حضور التشديد على الصامتين وصوت "الخاء" الاستعلائية وصوت "الألف" الممدودة مقابل صوتي "الياء" اللينة و"الحاء" المهموسة، يزيد من القوة المعنوية والخشونة الصوتية لكلمة "الصاخّة". بالإضافة إلى ذلك، فإن اختلاف المقاطع الصوتية في هاتين الكلمتين دليل على هذه النقطة. تتكوّن كلمة "الصيحة" من ثلاثة مقاطع صوتية متوسطة مغلقة (ص ‌ح ‌ص)؛ بينما تتكوّن مقاطع كلمة "الصاخة" من (ص‌ ح ‌ص)، (ص‌ ح ‌ح ‌ص)، (ص ‌ح ‌ص). حضور المقطع الطويل المغلق في هذه الكلمة، والذي «يعد من أصعب المقاطع الصوتية في النطق» (قبها، 2011م، ص 85)، يوحي بمعنى الشدة والصعوبة، ويرسم صورة أوضح لشدة ورعب الصيحة السماوية وصيحات الاستغاثة للخلائق.

3ـ1ـ5. الغاشیة

«هَلْ أَتاكَ حَديثُ الْغاشِيَةª (الغاشیة 88: 1).

كلمة "الغاشية" مشتقة من الجذر "غشي"، بمعنى الشامل والمغطي (ابن فارس، 1979م، ج 4، ص 425). هذه الكلمة، في ظل الاستعارة، تُطلق على يوم القيامة؛ ذلك لأن الناس لا مهرب لهم من أحداثه الهائلة، وكأن أحداث ذلك اليوم تغطي عقولهم كغطاء (ابن عاشور، 1420ه‍، ج ‏30، ص 262). يعتقد البعض أن سبب هذه التسمية هو أنه في صحراء المحشر يُجمع الخلائق من الأولين إلى الآخرين من الجن والإنس للحساب، وتحيط بهم الملائكة من كل جانب لسدّ طريق الفرار عليهم (طيب، 1369ه‍.ش، ج‏ 14، ص 93). وقيل أيضا إن المقصود هو النار التي تغطّي وجوه الكافرين والمجرمين (مكارم شيرازي، 1371ه‍.ش، ج ‏26، ص 415).

 ترتيب أصوات كلمة "الغاشية" يدل على هذا المعنى والمفهوم، وأن أوصاف القيامة لا تخص جماعة معينة من الخلق، بل تشمل جميع الخلائق. في الواقع، أن أصوات هذه الكلمة تتوافق مع المعنى الذي تم اختياره لها. فإن أهم صوت في هذه الكلمة هو الصوت قبل وبعد المدّ، أي "الغين" و"الشين". فـ"الغين" صوت احتكاكي مجهور، يُنطق برفع طرف اللسان نحو الحنك الرخو، مما يهزّ الأوتار الصوتية، وبانقباض مخرجه في الحلق، يحدث تشنّج واهتزاز، ثم ينتشر النفس في تجويف الفم (حسان، 1979م، ص 101).

هذا التشتّت وانتشار الهواء في تجويف الفم يشير إلى اتّساع وشمول مصيبة يوم القيامة، حيث تشمل أحداثها الهائلة الكون كلّه، ولا مهرب لأي من الخلائق منها. يعتقد بعض الباحثين أن طبيعة هذا الصوت وجوهره يوحيان بمعنى الظلام والمحو والفناء (الأرسوزي، د.ت، ج 1، ص 87). هذا المعنى في صوت "الغين" يصوّر مشهد فناء السماء والأرض بأحداث هائلة، مثل: انطفاء النجوم، وخمود الشمس، وجفاف البحار، وتفتّت الجبال و.... يصاحب هذا الصوت صوت "الألف" الممدودة، ليدلّ على امتداد واتساع هذه الأحداث.

في نطق الصوت "الشين"، «ينتشر الهواء عند مروره من مخرجه على سطح اللسان، ويحدث نوعا من النفخ في جزيئات الهواء، وهو ما يسمّى اصطلاحا بالتفشي» (ستوده نيا، 1378ه‍.ش، ص 119). انتشار النفس عند نطق هذا الصوت يستحضر اتساع الخوف والرعب والقلق من أحداث القيامة الشاملة والمفاجئة.

مع وضع لفظ "الغاشية" ككلمة فاصلة في هذه الآية، يتحوّل صوت "التاء" المدورة إلى "الهاء" الساكنة. هذا الصوت «يدل على الاضطرابات والانفعالات النفسية بالاهتزازات العميقة التي تحدث داخل الحلق» (عباس، 1998م، ص 192)، ويستخدم عند الانكسار الروحي والضعف والشكوى؛ لذلك، فإن استخدام صوت "الهاء" في هذه الكلمة يتناسب مع حالات من مرّ بتجربة حدث القيامة المريرة والهائلة، ويعبّر عن الآه والحسرة والشعور باليأس والاضطرابات الروحية للناس في يوم القيامة. من اللافت أن خاصية الإصمات في هذا الصوت توحي بانتهاء الحساب وسيطرة الصمت والهدوء على صحراء المحشر.

3ـ1ـ6. الواقعة

«إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةª (الواقعة 56: 1).

كلمة "الواقعة" مشتقة من الجذر "وقع" الذي يدلّ على مفهوم السقوط والثبوت (ابن فارس، 1979م، ج 6، ص 134)، وهي في اللغة بمعنى «المصيبة والحدث المؤلم» (ابن منظور، د.ت، ج 8، ص 403). تستخدم هذه الكلمة غالبا في السياق الكلامي، حيث «لا تقال إلّا في الشدّة والمکروه. وأکثر ما جاء في القرآن من لفظ "وَقَعَ" جاء في العذاب والشدائد» (الراغب الأصفهاني، 1412ه‍، ص 88). سُمي يوم القيامة بـ"الواقعة"؛ ذلك لأنه في هذا اليوم، تحدث مصائب ومشقّات صعبة، وتطال جميع الخلائق (الطبرسي، 1372ه‍.ش، ج‏ 9، ص 324). يرى البعض أن سبب هذه التسمية يكمن في ثبوت وحتمية القيامة (قرشي بنائي، 1371ه‍.ش، ج‏ 7، ص 235). يعتقد المفسرون أن المقصود بكلمة "الواقعة" هو النفخة الثانية في الصور، وهي صيحة الحياة والوعي (البغوي، 1420ه‍، ج ‏5، ص 5).

 عند نطق صوت "الواو"، تتكوّر الشفتان؛ وفي الوقت نفسه، تقترب مؤخرة اللسان من الحنك الرخو، وتنزلق إلى الأسفل بسرعة، بحيث تهتزّ الأوتار الصوتية، وتنفصل الشفتان، ويخرج النفس فجأة من الفم (زندي، 1371ه‍.ش، ص 82). شكل أعضاء النطق وفتح الفم عند نطق هذا الصوت يصوّران مشهد النفخة الثانية في الصور، ويستحضران في الذهن بعث الموتى وخروجهم من الحفرة المظلمة للقبر.

 بالإضافة إلى الظلال المعنوية لهذه الكلمة في العرف اللغوي، يلعب الصوتان "القاف" و"العين" دورا مهما في إبراز عمق التصوير في هذه الكلمة. عند نطق "القاف"، يمرّ الهواء الخارج من الرئتين عبر الحنجرة؛ ولكنه لا يهزّ الأوتار الصوتية. يمر الهواء عبر الحلق، ليصل إلى أقرب جزء من الحلق إلى الفم. هناك، نتيجة اتصال نهاية اللسان بأدنى نقطة في الحلق، يُحبس الهواء. بعد ذلك، ينفصل العضوان فجأة عن بعضهما البعض. وبإخراج الهواء إلى الخارج، يُصدر صوت انفجاري وشديد (عمر، 1997م، ص341). هذا الصوت الانفجاري يجعل نطق الكلمة ثقيلا، ويظهر ثقل وانفجار الحدث القادم، ويصوّر انفجارا وحدثا كبيرا في ذلك اليوم.

جدير بالذكر، أن صوت "القاف" وحده يرسم معنى هذه الكلمة؛ ذلك لأنه هو المقطع قبل الأخير (ال/ وا/ ق/ عة)، والتوكيد في الكلمة يقع عليه. في الواقع، أن الانتقال إلى هذا الصوت الانفجاري المكسور يتم بواسطة "الألف" الممدودة، أي الصعود، ثم الهبوط المفاجئ بعلامة الكسرة؛ لذلك، يكون التوكيد أشد، ويكون صداه أطول. من هذا التوكيد السريع والشديد، ينتقل الصدى الصوتي مباشرة إلى الصوت "العين" المفتوحة، في بداية المقطع الأخير. هذا الانتقال يتم من أقصى الحنك إلى أقرب جزء من الحلق. كما يوجد في هذا المقطع انتقال من الكسرة إلى الفتحة؛ لذلك، يتطلب الانتقال من مخرج "القاف" إلى مخرج "العين" ضغطا كبيرا على جهاز النطق لنطق الكلمة (النجار، 2023م، ص 492).

تجدر الإشارة إلى أن صوت "العين" يتناسب مع صعوبة وشدة حدث القيامة الرهيب؛ وذلك لأن طبيعة نطق هذا الصوت تضفي لونا من الخشونة على الكلام؛ ومرجع ذلك أنه «عند نطق هذا الصوت، يتحرّر الهواء عند مروره من الحنجرة، ويحرّك الأوتار الصوتية، حتى يصل إلى منتصف الحلق، ويضيق ممرّ الهواء» (أنيس، د.ت، ص 75). اهتزاز الأوتار الصوتية في نطق هذا الصوت، يجسّد في الذهن صورة زلزال يوم القيامة الذي يحطّم ويدمّر كل شيء بهزاته. من الواضح أن صفات الحروف في كلمة "الواقعة" تتأرجح بين الجهر والانفجار. فـ"الواو" بخاصیتيها الجهر والانفجار، إلی جانب الألف المجهورة وصوت القاف الشدید الانفجاري وصوت العین المجهور، تصوّر مشهد یوم القیامة بشکل مهیب.

يعتقد المفسّرون أن كلمة "الواقعة" تشير إلى النفخة الأولى في الصور، أي الصيحة التي يغرق بها جميع الخلائق في الموت (مقاتل بن سليمان، 1423ه‍، ج ‏4، ص 215). فصورة ترتيب الحروف في هذه الكلمة وتجاورها مع صوت المدّ ثم السكون كلّها تعرض صورة الناس الأحياء أمام الأنظار، وهم واقفون بثبات، ويواصلون حياتهم (صوت الواو). فجأة، يتردّد صدى صيحة الموت (صوت القاف)، ويسقطون على الأرض، ويسود الصمت الكون كلّه (صوت الهاء). كما أن هذه الكلمة، «بما فيها من صعود وهبوط صوتي، تصوّر جسدا، يرتفع، ثم يسقط على الأرض، بعد أن يبلغ ذروته. وامتداد "الواو" الطویلة التي تلیها "القاف" المکسورة التي تکون من الحروف الانفجاریة، یعبّر عن صورة السقوط إلی الأسفل» (ياسوف، 1388ه‍.ش، ص 382). يبدو أن هذه الكلمة ترسم مشهد إلقاء الكفار في نار جهنم، حيث يشير وجود صوت الكسرة في صوت "القاف" إلى سقوطهم في قعر جهنّم، وحركة الفتحة على صوت "العين" تجسّد ألسنة اللهب التي تعلو رؤوس أهل جهنم، وتحيط بهم.

لقد أضفت المقاطع الصوتية القصيرة في كلمة "وَقَعَ"، حالةً من السرعة والقوة على إيقاع الآية وتدفّقها، وجعلت نطق هذه الكلمة ثقيلا. إن تتابع هذه المقاطع في هذه الكلمة يصوّر بوضوح عظمةَ يوم الواقعة وجلاله وصعوبته وشدته.

3ـ1ـ7. یوم التَّناد

«وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِª (غافر 40: 32).

كلمة "التناد" مشتقة من الجذر "ندى"، بمعنى النداء بصوت عالٍ (ابن منظور، د.ت، ج 15، ص 315). أصل هذه الكلمة هو "التنادي"؛ فحُذفت الياء من آخرها. ووجود الكسرة دليل على هذا الحذف (الفخر الرازي، 1420ه‍، ج‏ 27، ص 512). سُمي يوم القيامة "يوم التناد"؛ لأنه في ذلك اليوم، تعلو الآهات والصيحات، وينادي المؤمن من شدة الشوق: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْª (الحاقة 69: 19)، وينادي الكافر معبرا عن حسرته بعبارات "يا ليتني" و"يا ويلتي"، وينادي أهل الجنة أهل النار: «ما سَلَكَكُمْ في‏ سَقَرَª (المدثر 74: 42)، ويستغيث أهل النار بأهل الجنة أن يفيضوا عليهم مما رزقهم اللّٰه (قرائتي، 1388ه‍.ش، ج ‏8، ص 249). تُقرأ كلمة "التناد" بتشديد صوت "الدال". وفي هذه الحالة، تكون مشتقة من الجذر "ند، يند" بمعنى الفرار والهرب (ابن قتيبة، 1411ه‍، ص 334). يعتقد المفسرون أنه «في يوم القيامة، عندما يُؤتى بجهنم، ويرى الناس هالتها، يفرّون من شدة الرعب والخوف كالإبل في صحراء المحشر»[7] (الآلوسي، 1415ه‍، ج ‏7، ص 130). تشكل الأصوات المجهورة في هذه الآية 73% من الأصوات، وحضورها الواسع يتناسب مع الصيحات العالية والحزينة للناس في يوم القيامة الشديد. ترتيب هذه الأصوات في سياق الآية يساعد كلمة "التناد" في تصوير هذا المشهد من القيامة.

تصوّر الأصوات المكوّنة لهذه الكلمة صرخات الخلائق العالية في يوم القيامة. عند نطق صوت "التاء"، يتوقف الهواء تماما، ويلتصق طرف اللسان بخلف الأسنان العليا، وتتصل جوانب اللسان بجانبي الحنك على الأسنان الجانبية، وتسد طريق مرور الهواء من الفم، ثم ينفصل اللسان فجأة عن نقطة الاتصال، ويُنطق هذا الصوت الانفجاري دون اهتزاز الأوتار الصوتية (السعران، د.ت، ص 129). ووضع الفتحة عليه يزيد من اتساع وشدة انفجاره (ياسوف، 1388ه‍.ش، ص 390). حضور هذا الصوت المفتوح في كلمة "التناد" يتناسب مع معناها، ويوحي بالصرخات العالية والآهات الحسرة لأولئك الذين يستلمون صحائف أعمالهم بأيديهم اليسرى، وهم في طريقهم إلى جهنم، صرخات تخرج من أعماقهم لطلب النجدة والعون. وضع التشديد على هذا الصوت يظهر صرخاتهم وآهاتهم الحسِرة بشكل أكثر حدة؛ لأن التشديد يطيل التصاق طرف اللسان بجذور الأسنان العليا، ويُسمع الانفجار الصوتي بشكل أكثر حدة.

صوت "التاء" بخاصية الهمس، يوحي بالضعف والعجز والانحطاط الروحي واليأس لأهل النار. يعتقد الباحثون أن هذا الصوت يدل على القلق (العلایلي، د.ت، ص 210). وحضوره في هذه الكلمة، وترافقه مع صوت "نون" الذي هو صوت انفعالي مضطرب ينبع من داخل الإنسان، يستحضر القلق والاضطراب والحزن والألم العميق الذي يسيطر على أهل المحشر.

يتناسب صوت "الألف" الممدودة مع معنى هذه الكلمة ويتوافق معه؛ لأنه «يستخدم للتعبير عن الأصوات العالية والضجيج والهمهمة، مثل: صوت تكسر وتحطم الأشياء، والصوت العالي للموسيقى، وصيحات الجمهور، وصوت الرعد الصاخب» (قويمي، 1383ه‍.ش، ص 31).

في الحقيقة، أن شعور أهل المحشر بالغضب والحزن هو الذي أدّى إلى ارتفاع أصواتهم. وحضور الصوت المجهور والانسدادي "الدال" يظهر انفعالات حادةّ ومزلزلة، تنبع من غضبهم الشديد، وتجعلهم يلهثون. عند نطق هذا الصوت، ينطبق الجزء الأكبر من سطح اللسان على سطح الحنك الصلب للفم، ويُحبس الهواء، ثم ينفصل العضوان فجأة، ثم يُنتج هذا الصوت الانفجاري بسبب تقييد الأوتار الصوتية،. صورة النطق وحضور صفة القلقلة في الصوت "الدال" تصوّر قلقهم واضطرابهم وصيحاتهم المرتجفة التي تحبس أصواتهم في صدورهم أحيانا، ثم تخرج صرخة مؤلمة من أعماقهم فجأة.

3ـ1ـ8. يوم الحسرة

«وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وهُمْ في‏ غَفْلَةٍ وهُمْ لا يُؤْمِنُونَª (مریم 19: 39).

كلمة "الحسرة" مشتقة من الجذر "حسر" الذي يدلّ على مفهوم الكشف والوجدان (ابن فارس، 1979م، ج 2، ص 61)، وفقدان الشيء (الفراهيدي، 2003م، ج 1، ص 316). هذه الكلمة في اللغة تعني الندم الذي يؤدي إلى الأسف والتأسف؛ ذلك لأن حزن الإنسان على الشيء المفقود وجهله وحماقته التي دفعته إلى ارتكاب سلوك غير لائق، تزيله عنه أو تزيل قوته من شدة الحزن (الراغب الأصفهاني، 1412ه‍، ص 235). سُمي يوم القيامة في القرآن بيوم الحسرة، الحسرة على الفرص الضائعة ورأس المال الضائع. يعتقد المفسرون أن كلمة "اليوم" أضيفت إلى كلمة "الحسرة"، لتأكيد وتكثيف المعنى؛ ومرجع ذلك أن حسرة وأسف الظالمين في هذا اليوم على فقدان طريق النجاة والخلاص كبير جدا (ابن عاشور، 1420ه‍، ج ‏16، ص 41). جدير بالذكر أن هذه الحسرة ليست فقط للآثمين بسبب سوء أعمالهم، بل يتحسر المحسنون أيضا على قلة إحسانهم (البيضاوي، 1418ه‍، ج ‏4، ص 11).

تعكس الأصوات المستخدمة في كلمة "الحسرة"، المعنى من خلال صدى صوتها. صوت "الحاء" صوت حلقي احتكاكي مهموس، وعلى الرغم من رقّته ونعومته، إلا أنه يحمل صفة البحّة، أي الخشونة وبحّة الصوت؛ إذ يؤدّي نطق هذا الصوت إلى ضيق وضغط في الحلق. الأعضاء المنتجة لهذا الصامت هي جدران تجويف الحلق، والتي تنقبض عند إنتاجها؛ ونتيجة لذلك، يضيق تجويف الحلق، ويُنتج الصوت الناتج ببحة (بيگلري، 1366ه‍.ش، ص 174). عمق مخرج الصامت الحلقي "الحاء" يدلّ على حالات نفسية عميقة، ويوحي بالأنين والآهات والحسرات التي تخرج من أعماق قلوب الآثمين والمحسنين، وتضغط على حناجرهم. ضيق مخرج هذا الصوت يشير إلى ضيق الحال وعجز الآثمين الذين أضاعوا فرصهم الطيبة، وبالتالي، ظهرت حقائق أعمالهم للجميع، بعد انكشاف الستائر، وهم الآن في طريقهم إلى جهنم.

"السين" «صوت مهموس لثوي احتكاكي. إذا كان الفم مفتوحا بشكل كبير عند نطق هذا الصوت، فلن يكون نطق هذا الصوت ممكنا، بل يجب تقريب الأسنان العليا والسفلى من بعضهما البعض» (السعران، د.ت، ص 145 ـ 146). صورة نطق هذا الصوت تلعب دورا فعّالا في التعبير عن حالة الآثمين؛ ذلك لأن تلامس الأسنان العليا والسفلى يظهر حالة غضبهم، وهم يجزون على أسنانهم، ولا يستطيعون الاحتجاج من شدة الغضب والحسرة. وصفة الهمس في هذا الحرف وعلامة السكون عليه تدل على صمتهم وعدم احتجاجهم. «صوت السين يدلّ على الاتساع والامتداد» (زارع، بیات وديانت، 1391ه‍.ش، ص 85). وحضوره في هذه الكلمة يشير إلى الحسرة الواسعة والخالدة للآثمين في هذا اليوم؛ إذ لا يوجد موت بعد الآن، وسوف يقضون إلى الأبد في العذاب.

بما أن حرف "الراء" يُنتج من تتابع ضربات سريعة لطرف اللسان على اللثة (السعران، د.ت، ص 142)، فإنه يصوّر حالة الاضطراب الروحي والنفسي والانفعالات النفسية للأشخاص المتحسّرين. كما أن صوت "الهاء" يكون من الحروف الحلقية التي لا يتطلّب نطقها جهدا عضليا. والاهتزازات والارتعاشات التي تحدث داخل الحلق، توحي بآهات وحسرات متتالية وحزن الناس ويأسهم في يوم القيامة.

 

الخاتمة

بعد الدراسة والبحث في الموضوع، توصلنا إلى النتائج التالیة:

يتّسم بنيان اللغة القرآنية بقدرته على إيصال المفاهيم والمعاني العميقة بكلمات قليلة. والحقيقة، أن الموسيقى والأصوات المرتبطة بمعاني الآيات تلعب دورا فعالا في إحياء وتنشيط صور مشاهد القيامة. وهذه الموسيقى عندما تنبع من أعماق الحركات والحروف والأصوات المستخدمة، فإنها بالإضافة إلى جمالها، تجعل النص حيّاً ونابضاً بالحياة.

العلاقة بین ترتیب حروف الهجاء ورنین الألفاظ والمعاني الدالّة علی یوم القیامة هي علاقة عضوية وثیقة، یقوم فیها الصوت بدور المرآة الصوتية للمعنی، کما أن الرنین القاسي والمکرر في "الصاخة"، و"الطامة"، و"الحاقة"، یجسّد صوت النفخة التي تُصمُّ الآذان وتُصعق الأحیاء. والامتداد الصوتي في "القیامة"، و"الواقعة"، و"الغاشیة"، یجسّد مشهد القیامة الطویل ووقوف الخلائق في ساحة العرض وسعة الأهوال.

يتم عرض صفات الحروف ومقاطع أصوات كلمات القيامة، من خلال تحليل إحصائي في شكل جدول وبيان بياني أدناه. من المهم الإشارة إلى أنه في دراسة المقاطع الصوتية في الأسماء المركبة (النعتية والإضافية)، ليوم القيامة، تم أيضاً حساب كلمة "يوم" في هذا الإطار، كما روعيت حركات الإعراب في نهاية الكلمات، وفقاً لموقعها في الآيات. فالكلمات التي وردت في نهاية الآية، دُرست مقاطعها الصوتية على أساس الوقف؛ أما الكلمات التي وردت في وسط الآية، فقد دُرست مقاطعها الصوتية مع مراعاة علامات الإعراب.

جدول 2: صفات حروف كلمات القيامة

الرتبة

صفات الحروف

العدد

النسبة المئوية

الرتبة

صفات الحروف

العدد

النسبة المئویة

1

المجهور

103

16%

8

الإذلاق

52

8%

2

المهموس

50

61/6%

9

الإطباق

5

1%

3

الانفجار

49

45/7%

10

الانحراف

34

17/5%

4

الاحتکاك

96

61/14%

11

القلقلة

20

04/3%

5

الاستفال

103

16%

12

الغنة

12

82/1%

6

الاستعلاء

18

3%

13

الصفیر

14

13/2%

7

الإصمات

101

37/15%

 

 

 

 

الرسم البياني1: صفات كلمات القيامة

بالتدقيق في الرسم البياني لصفات أصوات كلمات القيامة، ندرك أن الصفات القوية في هذه الألفاظ تتواجد بشكل واسع، مقارنة بالصفات الضعيفة، وتستحوذ على ما يقارب 72%، مما يدل على انسجام النسيج الصوتي والمعنوي للكلمات. في تعبير آخر، قد ساعدت صفات الحروف الكلمات في تصوير المشاهد المهيبة والمخيفة ليوم القيامة.

جدول 3: المقاطع الصوتية لكلمات القيامة

الرتبة

  المقاطع الصوتية

    العدد

النسبة المئوية

  1

  قصیرة مفتوحة (ص ‌ح)

     138

     43%

  2

  متوسطة مفتوحة (ص ‌ح ‌ح)

     66

     21%

  3

 متوسطة مغلقة (ص ح‌ ص)

     73

    35%

  4

 طویلة مغلقة (ص‌ ح‌ ح ‌ص)

     2

    1%

الرسم البياني (2) للمقاطع الصوتية لكلمات القيامة

تُظهر الدراسة الإحصائية للمقاطع الصوتية لكلمات القيامة أن المقاطع الصوتية المغلقة لها حضور فعّال في هذه الكلمات، وتستحوذ على 70% من المقاطع، مما يصوّر مشهدا من مشاهد يوم القيامة؛ لأن نطق هذه المقاطع الصوتية يتطلّب وقتا أطول، مما يوحي بعظمة يوم القيامة وطوله، وثقل نطق هذه المقاطع يدل على صعوبة هذا اليوم، وإغلاقها يتناسب مع حال الناس في مشهد القيامة؛ لأنهم لا يستطيعون الهروب من تلك الحالة والظروف. كما أن المقطع الطويل المغلق (ص‌ ح ‌ح ‌ص)، وهو من المقاطع النادرة في القرآن ونطقه مصحوب بالمشقة، تكرّر 16 مرة في هذه الكلمات لتصوير قوة وشدة الأحداث المهيبة ليوم القيامة. وبما أن المقطع المتوسط المغلق يدلّ على القطعية وتكرّر 72 مرة في هذه الكلمات، فإنه يرسّخ في الذهن قطعية وقوع يوم القيامة.

 

[1]. المقصود بالأصوات التركيبية هي الوحدة الصوتية الصغيرة التي لها معنى خارج السياق وسياق الكلام، وتشكّل الجزء الرئيس من الكلمة (النوري، 1996م، ص 129).

[2]. المقصود بالأصوات غير التركيبية هي الظاهرة ذات الصفة الصوتية التي لها معنى ومفهوم في الكلام، وهي ليست جزءا من تركيب الكلمة، ولا تظهر إلا عند استخدام الكلمة بشكل خاص، أي في جملة أو مصاحبة كلمات (المصدر نفسه).

[3]. Phenology

[4]. Phonetics

[5]. Syllable

[6]. «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ في‏ يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَª (السجدة 32: 5).

« .[7]يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخيهِª (عبس 80: 34).

* القرآن الكريم.
أ. العربية
الآلوسي، شهاب الدين محمود بن عبد اللّٰه. (1415ﻫ). روح المعاني في تفسیر القرآن العظیم. تحقيق علي عبد الباري عطیة. بيروت: دار الکتب العلمیة.
الإبراهیمی، خولة طالب. (1994م). مبادئ في اللسانیات. الجزيرة: دار القصبة للنشر.
ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد. (1419ﻫ). تفسیر القرآن العظیم. تحقيق أسعد محمد طیب. مكة المكرمة: مکتبة نزار مصطفی الباز.
ابن ‌الأثیر، أبو الفتح ضیاء الدین نصر اللّٰه بن محمد. (1979م). المثل السائر في أدب الکاتب والشاعر. القاهرة: مطبعة نهضة مصر.
ابن جني، أبو الفتح عثمان. (د.ت). الخصائص. تحقیق محمد علي النجار. بيروت: دار الکتاب العربي.
ابن عاشور، محمد طاهر. (1420ﻫ). تفسیر التحریر والتنویر. بيروت: مؤسسة التاریخ العربي.
ابن فارس، أبو الحسین أحمد. (1979م). معجم مقاییس اللغة. تحقیق عبد السلام محمد هارون. بیروت: دار الفکر.
ابن قتیبه، أبو جعفر عبد اللّٰه بن مسلم. (1411). تفسیر غریب القرآن. شرح إبراهیم محمد رمضان. بيروت: دار ومکتبة الهلال.
ابن منظور، أبو ‌الفضل جمال الدین محمد بن مكرم. (د.ت). لسان العرب. بیروت: دار صادر.
أبو زید، أحمد. (1992م). التناسب البیاني في القرآن. الرباط: جماعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
الأرسوزي، زكي. (د.ت). المؤلفات الکاملة. الکویت: کلیة التجارة.
الأندلسي، أبو حيان محمد بن یوسف. (1420ﻫ). البحر المحیط في التفسیر. تحقيق جمیل صدقي محمد. بيروت: دار الفکر.
أنیس، إبراهیم. (د.ت). الأصوات اللغویة. القاهرة: مکتبة نهضة مصر.
ــــــــــــــ. (1972م). موسیقی الشعر. القاهرة: مکتبة الأنجلو المصریة.
بحري، نوارة. (2010م). نظریة الانسجام الصوتي وأثرها في بناء الشعر. أطروحة الدکتوراه. جامعة الحاج لخضر باتنه.
البغوي، أبو محمد الحسین بن مسعود. (1420ﻫ). معالم التنزیل. تحقيق مهدي عبد الرزاق. بيروت: دار إحیاء التراث العربي.
البیضاوي، أبو سعيد ناصر الدين عبد اللّٰه بن عمر. (1418ﻫ). أنوار التنزیل وأسرار التأویل. تحقیق: محمد عبد الرحمن المرعشلي. بيروت: دار إحیاء التراث العربي.
حاقة، عبد الکریم. (2009م). الفاصلة في الجزء الأخیر من القرآن الکریم: دراسة صوتیة ـ دلالية. رسالة الماجستیر. كلية الآداب. جامعة محمد خیضر ـ بسكرة.
حسان، تمام. (1979م). مناهج البحث في اللغة. الدار البيضاء: دار الثقافة للنشر والتوزيع.
حیدر، فرید عوض. (2005م). علم الدلالة: دراسة نظریة وتطبیقیة. القاهرة: مکتبة الآداب للنشر والتوزيع.
الخولي، محمد بن علي. (1985م). معجم علم اللغة النظریة. بیروت: مکتبة لبنان.
الراغب، عبد السلام أحمد. (2003م). وظیفة الصورة الفنیة في القرآن الکریم. حلب: فصلت للدراسات والترجمة والنشر.
الراغب الأصفهاني، الحسین بن محمد. (1412ﻫ). مفردات ألفاظ القرآن. تحقيق صفوان عدنان داوودي. بيروت: دار الشامیة.
الزمخشري، أبو القاسم جار اللّٰه محمود بن عمر. (1407ﻫ). الکشاف عن حقائق التنزیل وعیون الأقاویل في وجوه التأویل. بيروت: دار الکتاب العربي.
السعران، محمود. (د.ت). علم اللغة: مقدمة للقارئ العربي. بیروت: دار النهضة العربیة.
الصغیر، محمد الحسین علي. (د.ت). الصوت اللغوي في القرآن. بيروت: دار المؤرّخ العربي.
الطباطبائي، محمد حسین. (1390ﻫ). المیزان في تفسیر القرآن. بيروت: مؤسسة العلمي للمطبوعات.
الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن. (1372ﻫ.ش). مجمع البیان في تفسیر القرآن. تحقيق فضل‌ اللّٰه یزدي. طهران: ناصر خسرو.
طیب، عبد الحسین. (1369ﻫ.ش). أطیب البیان في تفسیر القرآن. طهران: إسلام.
عباس، حسن. (1998م). خصائص الحروف العربیة ومعانیها. دمشق: اتحاد الکتاب العرب.
عجولي، أروی خالد مصطفی. (2014م). النظام الصوتي ودلالته في سیفیات المتنبي وکافوریاته. رسالة الماجستیر. كلية الدراسات العليا. جامعة النجاح الوطنیة. نابلس.
عزّة، عزّت. (2012م). «المقطع الصوتي المدید المقفل بصامت». مجلة آداب الفراهیدي. ع 10. ص 83 ـ 109.
عکاشة، محمود. (2005م). التحلیل اللغوي في ضوء علم الدلالة. القاهرة: دار النشر للجامعات.
العلایلي، عبد اللّٰه. (دت). مقدمة لدرس لغة العرب وکیف نضع المعجم الجدید. القاهرة: المطبعة العصریة.
عمر، أحمد مختار. (1997م). دراسة الصوت اللغوي. القاهرة: عالم الکتب.
الفخر الرازي، أبو عبد اللّٰه فخر الدين محمد بن عمر. (1420ﻫ). التفسیر الکبیر: مفاتیح الغیب. بيروت: دار إحیاء التراث العربي.
الفراهیدي، الخلیل بن أحمد. (2003م). العین. تحقیق عبد الحمید هنداوي. بيروت: دار الکتب العلمیة.
قبها، مهدي عناد أحمد. (2011م). التحلیل الصوتي للنص: بعض قصار سور القرآن الکریم أنموذجا. رسالة الماجستیر. جامعة النجاح الوطني. فلسطين.
القرطبي، أبو عبد اللّٰه محمد بن أحمد. (2003م). التذکرة بأحوال الموتی وأمور الآخرة. الریاض: نشر دار المنهاج.
القصیر، ابتسام عبد الحسین سلطان. (2006م). التغیر الصوتي في الفواصل القرآنیة ودلالاته. أطروحة الدکتوراه. كلية الآداب. جامعة بغداد.
قطب، سید. (1425ﻫ). في ظلال القرآن. بيروت: دار الشروق.
ــــــــــــ. (2002م). مشاهد القیامة في القرآن. القاهرة: دار الشروق.
الكاشاني، محسن. (د.ت). محجة البیضاء في تهذیب الأحیاء. تعليق علي أکبر غفاري. قم: جامعة مدرسین.
المرصفي المصري، عبد الفتاح. (2006م). هدایة القارئ إلی تجوید کلام البارئ. المدینة المنورة: مکتبة طیبة.
مصطفى، إبراهيم؛ وآخرون. (1429ﻫ). المعجم الوسیط. طهران: مؤسسة الصادق.
مقاتل بن سلیمان، أبو الحسن. (1423ﻫ). تفسیر مقاتل بن سلیمان. تحقيق عبد اللّٰه محمود شحاتة. بيروت: دار إحیاء التراث العربي.
مقبل، هالا سعید محمد. (2011م). الحوار في مشاهد القیامة في القرآن الکریم: دراسة دلالية بیانية. رسالة الماجستیر. جامعة الشرق الأوسط.
النجار، ماجد. (2023م). الدلالة الصوتیة في القرآن الکریم. الكوت: مرکز البحوث والدراسات والنشر جامعة الکوت.
النوري، محمد جواد. (1996م). علم الأصوات العربیة. عمان: جامعة القدس المفتوحة.
 
ب. الفارسية
اندرخور، وحیده. (1395ﻫ.ش). معناشناسی آوایی الفاظ توصیفی قیامت در قرآن کریم. پایان‌نامه کارشناسی ارشد. دانشگاه یاسوج.
بیگلری، حسن. (1366ﻫ.ش). سرّ البیان في علوم القرآن. تهران: سنائی.
خاقانی، محمد؛ و یوسف فضیلت. (1393ﻫ.ش). «دلالت آوایی در آیه‌های وعد و وعید قرآن کریم». قرآن در آینه پژوهش. س 1. ش 1. ص 79 ـ 101.
زارع، آفرین؛ موسی بیات، و لیلا دیانت. (1391ﻫ.ش). «تحلیل آوایی در صحیفه سجادیه: با تأکید بر دعای استعاذه». پژوهش‌های قرآن و حدیث. س 45. ش 1. ص 71 ـ 91.
زندی، بهمن. (1389ﻫ.ش). درآمدی بر آواشناسی زبان عربی و تجوید قرآن. مشهد: بنیاد پژوهش‌های اسلامی آستان قدس رضوی.
ستوده‌نیا، محمدرضا. (1378ﻫ.ش). بررسی تطبیقی میان تجوید و آواشناسی. تهران: رایزن.
شفیع‌پور بروجنی، سجاد. (1393ﻫ.ش). ارتباط آوایی ـ محتوایی فنوسمانتیك در قرآن. پایان‌نامه کارشناسی ارشد. دانشگاه آمل.
فلاح، ابراهیم؛ و سجاد شفیع‌پور. (1394ﻫ.ش). «کاربردشناسی نشانه‌های آوایی در نظام معنایی قرآن: تحلیل موردی سوره مرسلات». ش 1. س 2. ص 41 ـ 63.
قرائتی، محسن. (1388ﻫ.ش). تفسیر نور. تهران: مرکز فرهنگی درس‌هایی از قرآن.
قرشی بنایی، علی‌اکبر. (1371ﻫ.ش). قاموس قرآن. تهران: دار الکتب الاسلامیه.
­­قویمی، مهوش. (1383ﻫ.ش). آوا و القا. تهران: هرمس.
متقی‌زاده، عیسی؛ و هادی نظری منظم، سیدرضا موسوی. (1396ﻫ.ش). «زیباشناسی ضرب‌آهنگ در سوره‌های نازعات و تکویر». پژوهش‌های ادبی ـ قرآنی. س 5. ش 1. ص 101 ـ 127.
مکارم شیرازی، ناصر. (1371ﻫ.ش). تفسیر نمونه. تهران: دار الکتب الإسلامیة.
یاسوف، احمد. (1388ﻫ.ش). زیباشناسی واژگان قرآن. تهران: سخن.