آلیات الإبداع الاستعاري في القصص المختارة من النظرات للمنفلوطي مقاربة أسلوبیة معرفیة علی ضوء نظرية لايكوف وتورنر

نوع المستند : المقالة البحثیة

المؤلفون

1 أستاذ في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة بوعلي سينا، همدان، إيران

2 دكتوراه في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة بوعلي سينا، همدان، إيران

المستخلص

تعدّ الأسلوبية المعرفية اتجاهاً حديثاً في الدراسات اللسانیة، ويشكّل مفهوم الاستعارة المفهومية أحد أبرز مرتكزاتها، لما يكشفه عن علاقة بين اللغة والذهن والعمليات الإدراكية. ويركّز هذا الاتجاه على كيفية، تمثّل التصورات الاستعارية في اللغة، ولا سيما في تحليل النصوص الأدبية، مع إبراز دور الاستعارات الإبداعية في توسيع المفاهيم الذهنية وتجاوز الاستخدامات الیومیة الوضعیة للغة. في ضوء نظرية لايكوف وتورنر حول الاستعارة المفهومية، وباعتماد المنهج الوصفي ـ التحليلي، مع توظيف المقاربة المعرفية، تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن السمات الأسلوبية للاستعارات المفهومية الإبداعية في القصص المختارة من كتاب النظرات للمنفلوطي. وقد أظهرت النتائج أنّ الاستعارات المفهومية في هذه النصوص تتّسم بجملة من الخصائص الأسلوبية البارزة؛ إذ يعتمد المنفلوطي في بناء المجال المصدر على الظواهر الطبيعية والكونية، بوصفها منطلقا دلاليا، يُسهم في إبراز معاني المجال الهدف وتكثيفها. وتبين أيضا أنّ أسلوب المنفلوطي في توظيف الاستعارات المفهومية الإبداعية يتميز بالاعتماد على مجموعة من التقنيات اللغوية، مثل: النزعة الشعرية، والتوازي في بناء التراكيب، والتكرار، والمقابلة، بما يعزّز فاعلية التصور الاستعاري في تشكيل الدلالة. وكذلك أسفرت الدراسة أنّ الكاتب يُرسّخ تصوّراته الاستعارية عبر توظيف أدوات التوكيد وطرق القصر، وهي سمات أسلوبية، تتكرّر بوضوح في نصوصه، الأمر الذي يكشف عن قدرته على صياغة استعارات مفهومية ذات طابع جمالي مميّز نابع من خصوصية أسلوبه التعبيري. وأظهرت النتائج الكمّية، استنادا إلى نظرية لايكوف وتورنر في الاستعارة المفهومية، أنّ الاستعارات الإبداعية المحضة شكّلت نسبة (32%) من إجمالي العيّنة المدروسة، في مقابل هيمنة الاستعارات الوضعية المعاد توظيفها بنسبة (68%). وقد اعتمد المنفلوطي في إعادة بناء هذه الاستعارات على أربع آليات معرفية رئيسة، تمثّلت في: التوليف (22%)، والتوسيع (19%)، والتدقيق (16%)، والتشكيك (11%). وأسهمت هذه الآليات في إحداث تحوّلات دلالية وتصورية داخل البنى الاستعارية الوضعية، بما أفضى إلى إنتاج صيغ استعارية أكثر كثافة وتعقيدا. ويكشف هذا المعطى عن كفاءة المنفلوطي في تفعيل الآليات المعرفية لتطوير الاستعارات المألوفة، إلى جانب قدرته على توليد استعارات مفهومية إبداعية مستقلّة.

الكلمات الرئيسية

الموضوعات الرئيسية


عنوان المقالة [English]

Mechanisms of Metaphorical Creativity in Selected Stories from Al-Manfaluti's al-Nazarāt: A Cognitive Stylistic Analysis Based on Lakoff and Turner

المؤلفون [English]

  • Morteza Ghaemi 1
  • Parvin Yousefi 2
  • Seyyed Mehdi Masboogh 1
1 Professor of Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Humanities, Bu-Ali Sina University, Hamedan, Iran
2 PhD in Arabic Language and Literature, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Humanities, Bu-Ali Sina University, Hamedan, Iran
المستخلص [English]

Cognitive stylistics is a contemporary linguistic approach that bridges literary studies and cognitive linguistics. It investigates how language reflects mental processes in the production and interpretation of texts, conceiving literature as both a cognitive and aesthetic experience. Central to this framework is Lakoff and Johnson’s Conceptual Metaphor Theory, which positions metaphor as a fundamental mechanism of human thought rather than a mere stylistic ornament. Through these metaphors, abstract concepts are comprehended via concrete experiences. In literary contexts, creative metaphors systematically reshape familiar cognitive patterns, generating new meanings and insights. In his collection al-Nazarāt, Mustafa Lutfi al-Manfaluti effectively transforms conventional metaphors into complex conceptual structures, thereby revealing his distinctive worldview. This study examines his stylistic employment of creative metaphors and explores their cognitive significance, highlighting how his linguistic choices contribute to both meaning-making and the broader understanding of social and cultural realities.
The data collection method in this study was library-based, and the research was conducted in a descriptive–analytical manner within the framework of cognitive stylistics, drawing on the theories of Lakoff and Turner. The collected data were categorized and processed using content analysis. Subsequently, the most prominent stylistic features of al-Manfaluti’s use of creative metaphors were identified, and the frequency and prevalence of each component were presented.
Al-Manfaluti exhibited exceptional linguistic and cognitive creativity, not only inventing new metaphors but also transforming conventional ones through expansion, elaboration, questioning, and synthesis. These processes enhanced the aesthetic and expressive impact of his metaphors, showcasing advanced stylistic awareness. Cognitive stylistic analysis of al-Nazarāt reveals that many of his metaphors follow ontological patterns, including humanizing, objectifying, and perceptual forms. He skillfully reshaped cultural structures, subverted conventional meanings, and created cognitive shifts in readers’ expectations. The resulting metaphors convey his critical view of social and cultural realities—especially women’s roles—reflecting a conscious framework that links language, thought, and social awareness, and embodies a contemporary humanistic vision in modern Arabic literature.
In al-Nazarāt, al-Manfaluti frequently employs natural elements and celestial bodies as source domains for his creative metaphors. He carefully uses concrete and sensory imagery to convey abstract concepts, enhancing both the clarity and impact of his metaphors. His prose is characterized by a poetic tone, rhythmic balance, and stylistic devices such as repetition, contrast, paradox, and rhyme, combined with varied sentence structures, demonstrating his imaginative and stylistically distinctive approach. Quantitative analysis of the metaphors, based on Lakoff and Turner’s framework, indicates that fully creative metaphors are the most frequent (30%), followed by expansion (25%), blending (20%), elaboration (17%), and questioning (7%). These findings highlight al-Manfaluti’s originality in metaphorical construction and underscore his significant contribution to modern Arabic literature. 

الكلمات الرئيسية [English]

  • Cognitive Stylistics
  • Creative Metaphors
  • Lakoff and Turner’s Theory
  • Al-Manfaluti
  • Al-Nazarāt
  1. المقدمة

تُعدّ الأسلوبية المعرفية من الاتجاهات اللسانية الحديثة التي تبلورت في سياق التفاعل بين الدراسات الأدبية واللسانيات المعرفية؛ إذ تُعنى بتحليل النص الأدبي، من خلال الربط بين البنى اللغوية والعمليات الذهنية التي تسهم في إنتاج المعنى وتأويله. وينطلق هذا التوجّه من تصوّرٍ، يرى في الأدب تجربةً معرفية، تتداخل فيها الوظيفة الجمالية مع آليات الإدراك والتصوّر، بحيث لا يُنظر إلى النصّ، بوصفه بنيةً لغويةً شكليةً فحسب، بل باعتباره تمثيلًا لرؤية ذهنية للعالم، تتجلّى من خلال الاختيارات الأسلوبية وطريقة تنظيم الخطاب. ويتقاطع هذا التصوّر مع ما طرحه بعض الباحثين في مجال الأسلوبية المعرفية، حيث أُكِّد على أنّ دراسة النصوص الأدبية من منظورٍ معرفي، تُمكّن من تجاوز التحليل اللغوي الشكلي إلى الكشف عن دينامية المعنى في الوعي الإنساني، وعن العلاقة بين اللغة والإدراك والتأويل (فتوحي، 1391ﻫ.ش، ص 159).

وتُعدّ دراسة النصوص الأدبية من منظورٍ معرفي، وسيلةً لتجاوز حدود التحليل اللغوي الشكلي إلى فضاءٍ أوسع، يتناول الكيفية التي يتكوّن بها المعنى في الوعي الإنساني، وأنه كيف تتحوّل التجربة الذهنية إلى بنى لغوية، تعبّر عن رؤيةٍ للعالم. فالأدب في جوهره ليس نظاما لغويا فحسب، بل ممارسة معرفية، تُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والواقع عبر الخيال والتعبير الجمالي. «وفي هذا الإطار، تُدرس العلاقة بين الاختيارات اللغوية والآثار الأسلوبية وتأويلات القارئ، بوصفها نتاجا لتناظرات مفهومية، تعبّر عن دينامية ذهنية مرتبطة بهياكل الفهم والإدراك» (المصدر نفسه).

ومن ثمّ، فتسعى الأسلوبية المعرفية إلى الكشف عن الأنماط الأسلوبية التي تجسّد البنية الإدراكية للنصوص الأدبية، وتتعامل مع اللغة، لا باعتبارها مجرّد أداة للتعبير، بل بوصفها آليّة لتمثيل العالم وتنظيم التفكير. ومن أهم الإسهامات النظرية المؤثّرة في هذا الحقل هي نظرية الاستعارة المفهومية التي قدّمها جورج لايكوف[1] ومارك جونسون[2] في كتابهما الاستعارات التي نحيا بها[3].

فقد أعاد الباحثان النظر في التصوّر التقليدي للاستعارة، بوصفها ظاهرة شكلية أو تزيينية، مبيّينِ أنّها عملية معرفية جوهرية، تتشكّل في الذهن أوّلًا، ثم تتجلّى في اللغة. وهذا يعني أنّ جانبا كبيرا من مفاهيمنا اليوميّة مؤسَّس على بُنى استعارية عميقة، مما يجعل الاستعارة أداة مركزية في التفكير والتعبير، لا مجرّد زخرفة بلاغية. «يُعدّ التمييز بين الاستعارات الوضعية والاستعارات الإبداعية من المعايير الجوهرية لفهم طبيعة الاستعارة وتصنيفها؛ إذ يُعدّ مدى تداول الاستعارة واستقرارها في الخطاب اليومي مؤشّرا أساسيا لتحديد طبيعتها» (كوفيتش، 1393ﻫ.ش، ص 57).

فالاستعارات الوضعیة قد ترسّخت في البنى الإدراكية واللغوية للمتكلمين، حتى أصبح استخدامها تلقائيا ودون وعي مباشر بوظيفتها المجازية؛ في حين تحتفظ الاستعارات الإبداعية بعنصر المفاجأة والإدهاش، وتظهر غالبا في السياقات الأدبية. في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ الإبداع الأدبي يتحقق، عندما يُعيد الكاتب صياغة البنى الإدراكية المألوفة، ضمن أنساقٍ جديدة، تُحدث انزياحا في الوعي والتعبير معا؛ فالاستعارة الإبداعية ليست فقط خروجا عن المألوف اللغوي، بل عن المألوف الإدراكي الذي يوجّه تفكيرنا بالعالم.

يرى لايكوف وتورنر في كتاب فراسوی عقل سرد: راهنمای تخصصی استعاره[4]، أنّ التفكير الاستعاري، وإن كان يستند إلى الآليات الإدراكية ذاتها التي توجّه التفكير اليومي، إلا أنّه في السياق الإبداعي یتفاعل مع عمليات إعادة تأطيرٍ وتوسيعٍ، تجعل بنيته أكثر تركيبا وتعقيدا. ففي الخطاب الأدبي، تُعاد صياغة البُنى الإدراكية التصورية، ضمن أنساقٍ، تتجاوز الفهم العادي، وتنتج أنماطا إدراكية جديدة (1399ﻫ.ش، ص 117). بعبارةٍ أخرى، يمكن إعادة توظيف الاستعارات المفهومية الوضعية في سياقاتٍ إبداعية، تضفي علیها أبعادا معرفية وتأطيرية جديدة، فتحوّلها من أدواتٍ تعبيرية مألوفة إلى وسائل، تكشف عن رؤى إدراكية عميقة وغير متوقعة، وذلك من خلال توسيع حقولها المفهومية وإعادة تفسير العلاقات بين مجالي المصدر والهدف.

في هذا السياق، يبرز المنفلوطي بوصفه شخصیة أدبية متميّزة، یتّصف برؤية معرفية خلّاقة، مكّنته من تطوير نتاجه الفني والارتقاء به إلى مستوى رفيع من العمق المفهومي والبناء الاستعاري. ولا تقتصر بصمته على ابتكار استعارات جديدة، بل ترقى إلى إعادة تأطير الاستعارات المفهومية الوضعية الراسخة في الخطاب، من خلال توظيف تقنیات إدراكية مركّبة، كالتوسيع، والتدقیق، والتشکیك، والتولیف. وقد أضفى هذا التوظيف بعدا دلاليا متجدّدا على تعابيره التصوریة، ممّا أبرز تفرّده الأسلوبي وقدرته على تحويل التعابیر الاستعاریة الكامنة في اللغة اليومية إلى أنساق استعارية أكثر تركيبا وتعقيدا، ضمن سياقاتٍ إبداعيّة.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، فتعتمد هذه الدراسة المنهج الوصفي ـ التحليلي في إطار المقاربة المعرفية، ساعية إلى استكشاف أبرز الخصائص الأسلوبية والبُنى الاستعارية التي وظّفها المنفلوطي في إنتاج استعاراته الإبداعية، ضمن مجموعة النظرات. وقد انصبّ التحليل على نماذج مختارة من قصص المجموعة، منها: الکأس الأولی، ومناجاة القمر، وأین الفضیلة، ومدینة السعادة، وإلی الدیر، وعبرة الدهر، والحریة، والشعرة البیضاء، وغرفة الأحزان، والبائسات، واللقیطة، والتوبة، والأوصیاء، والشهیدتان، وعلی ­سریر الموت، وغدر المرأة، والبعث؛ وذلك للإجابة عن الإشكاليتين المركزيتين اللتين تسعى الدراسة إلى معالجتهما:

ـ ما السمات الأسلوبية المعرفية التي تحكم توظيف الاستعارات الإبداعية في القصص المختارة من مجموعة النظرات لمصطفى لطفي المنفلوطي؟

ـ ما أنماط الاستعارة الإبداعية المفهومية الأكثر تواترا في البناء التصوّري لمضامين القصص المختارة من مجموعة النظرات؟

1ـ1. منهج البحث

اعتمدت هذه الدراسة في تحديد مادتها البحثية على معيار قصدي دقيق، يستند الى كثافة الاستعارات الابداعية في النصوص، متجاوزة الاختيار التصادفي أو الوصفي العام، حيث ركّزت على استخراج الاستعارات المبتكرة، سواء كانت إبداعية محضة من صيغة المنفلوطي نفسه أم وضعية، أعاد تشكيلها بآليات التوسيع والتوليف والتشكيك والتفصيل، وفق المنظور المعرفي للايكوف وتورنر.

وقد اختصرت عينة الدراسة إلى 17 قصة من مجموعة النظرات؛ لتمثيلها النموذج الأكثر غنىً بهذه الأنماط الاستعارية المبتكرة، معكسة تنوعاً كافياً؛ لاستخراج بصمة المنفلوطي الأسلوبية المميزة. وبعد تحديد المجموعة النصية، استقرئِت 73 استعارة ابداعية متنوعة بين الإبداع المحض والمعاد صياغته، ثم فصلت وحلّلت حسب طبيعة إبداعها؛ للكشف عن خصائصها الأسلوبية ودورها في توليد المعنى وتشكيل التجربة القرائية. كما أجري عدّ إحصائي دقيق وحساب النسب المئوية لكل فئة؛ لإبراز الوزن الأسلوبي لكل نوع وتحديد مدى إسهامه في بناء البصمة الإبداعية.

تهدف هذه الخطوات المنهجية إلى استخلاص أقصى طاقات الإبداع في نصوص المنفلوطي، وتفسير كيفية تجاوزه للأنماط اللغوية التقليدية؛ لتقديم رؤية معرفية وإبداعية متميزة، مضمونة دقة النتائج في وصف البصمة الأسلوبية التي طبعت إنتاجه الأدبي.

1ـ2. خلفیة البحث

فيما يلي، يُشار إلى أبرز الدراسات التي تناولت موضوع الاستعارة من منظور معرفي أو ركّزت على نتاج مصطفى لطفي المنفلوطي من زوايا نقدية وأدبية مختلفة؛ وذلك بهدف عرض منجزات البحث السابقة وتوضيح موقع الدراسة الراهنة منها:

قد طرح مرتضى قائمي (1397ﻫ.ش)، في كتابه درآمدی بر نظام مفهوم­سازی استعاری در نهج البلاغه (= مدخلٌ إلى نظامِ تشكيل المفاهيم الاستعارية في نهج البلاغة)، الإطار النظري للاستعارة وعلاقتها بالثقافة والفكر العلوي، ثم قام بتقديم وتصنيف أنواع الاستعارة المفهومية، مستعرضا استعارات الدين والإيمان، وأهل البيت (%)، والقرآن، والعبادات، والدنيا، والآخرة، والموت، والفضائل الأخلاقية، والرذائل الأخلاقية، والذنوب، مع ذكر العديد من النماذج في نهج البلاغة. وقد تناول في هذا البحث علاقة الاستعارات من منظور أمير المؤمنين (8).

حاول عمر بن دحمان (2012م)، في أطروحته الاستعارات والخطاب الأدبي: مقاربة معرفیة معاصرة، أن یعرّف ببعض النماذج المعرفیة المعاصرة التي أخذت علی عاتقها إعادة النظر في طبیعة الاستعارة ودورها المعرفي، وبالتالي إعادة دراستها ومقاربتها، في ضوء أفکار الجدیدة التی انبثقت مؤخراً ضمن ما یسمّی بالعلم المعرفي، والدائرة حول القضایا المتصلة بالانشغال العام لهذا العلم.

انتقد محمد باقر حسيني (1390ﻫ.ش)، في مقالته نقدی بر زن از نگاه منفلوطی و آل احمد (= قراءة نقدية لصورة المرأة في منظور المنفلوطي وآل أحمد)، أفكار هذين الناقدين الاجتماعيين، من خلال إجراء المقارنة بين أوضاع النساء في مصر وإيران في تلك الفترة.

تناولت مهين حاجي زاده وعلي خالقي (1393ﻫ.ش)، في مقالتهما بازتاب موضوعی قرآن کریم در آثار مصطفی لطفی منفلوطی (= انعكاس الموضوعات القرآنية في آثار مصطفى لطفي المنفلوطي)، دراسة الانعكاس الموضوعي للقرآن في أعمال المنفلوطي. وتدّل النتائج علی أنّ للقرآن الكريم أثراً كبيراً في تهذيب نفس المنفلوطي، والدفع قدما بأهدافه، ورفع المستوى الأدبي لأعماله.

قارنت معصومة نعمتي قزويني ونرگس أنصاري (1394ﻫ.ش)، في مقالتهما القيمة نقد اجتماعى و فرهنگى ديدگاه‌هاى آل احمد و منفلوطى در ارتباط با مسائل زنان (= النقد الاجتماعي والثقافي لآراء آل أحمد والمنفلوطي فيما يتعلّق بقضايا المرأة)، آثار كلا الروائيين الذين تناولا فيها قضية المرأة في 6 مجالات: التغريب، والحرية، وعدم المساواة الاجتماعية، والحجاب، والزواج والتعليم.

تتجلّى ضرورة هذه الدراسة في الحاجة إلى تجاوز القراءات التقليدية لنتاج المنفلوطي، التي غالبا ما انحصرت في المقاربات الوصفية أو المضمونية والاتجاه نحو مقاربة تحليلية، تستهدف الكشف عن آليات، تشكّل المعنى في النص السردي.

وتتمثّل أصالة هذا البحث وابتكاره في ربطه المنهجي بين البنية الأسلوبية والعمليات الإدراكية، من خلال اعتماد الإبداع الاستعاري مدخلا لتحليل الكيفيات التي يُعاد بها إنتاج اللغة وبناء الدلالة.

وتلتقي هذه الدراسة مع بعض الجهود السابقة في وحدة الموضوع أو في الإطار النظري العام، غير أنّها تتمايز عنها بسعيها إلى سدّ فجوةٍ منهجية، تتمثّل في أجرأة المقاربة المعرفيّة وتطبيقها على النص السردي العربي الحديث؛ إذ لا تكتفي برصد الاستعارات، بوصفها ظواهر بلاغية، بل تعمل على الكشف عن الإستراتيجيات الذهنية والتصورية التي وجّهت الإبداع الاستعاري لدى المنفلوطي، وهو ما يمنح البحث طابعه التجديدي القائم على الجمع بين دقّة التحليل وعمق التأويل.

  1. الأسلوبیة المعرفیة[5]

تُعَدّ الأسلوبية المعرفية واحدة من الاتجاهات الحديثة في الدراسات اللغوية والأدبية، وهي مقاربة، تقوم على الربط المنهجي بين الاختيارات اللغوية من جهة، والبُنى والعمليات الذهنية التي يقوم عليها الإدراك البشري من جهة أخرى. ووفق هذا المنظور، لا يقتصر تحليل النصوص على وصف السمات اللغوية، بل يتجاوز ذلك إلى الكشف عن الآليات المعرفية التي تُوجّه إنتاج المعنى واستقباله، بما يتيح قراءات أكثر منهجية ووضوحاً للعلاقة بين النصوص من جهة، وبين ردود الأفعال والتأويلات القرائية من جهة أخرى (سیمینو وکالببر، 2002م، ص 9).

وتستند الدراسات المعرفية، ولا سيما البوطیقا المعرفية، إلى فرضية أساسية، مفادها أنّ التجربة الإنسانية هي أساس الإدراك. فحياة الإنسان تُفهَم، بوصفها سلسلة من التجارب المتراكمة التي تُنتج في مجموعها المخطّطات المعرفية التي ينظّم بها العقل البشري فهمه للعالم.

ومن هذا المنطلق، يُعدّ الأدب أيضاً شكلاً من أشكال التجربة، بل صورةً من صور المعرفة اليومية التي تتجذّر في قدراتنا الإدراكية العامة على تنظيم العالم وتأویله (غاوینز وأوستین، 2003م، ص 1). البوطیقا المعرفیة تمتلك من الطاقة ما یُمكّنها من تقدیم تفسیر موحَّد لكلٍّ من التأویلات الشخصیة والتأویلات المشتركة بین أفراد جماعة أو ثقافة معينة (ستوکول، 2002م، ص 5).

تحتلّ الاستعارة موقعاً محوريّاً في الأسلوبية المعرفية؛ إذ تُعَدّ من أهم الأدوات التي يستخدمها العقل البشري لفهم الواقع وتفسيره. فالاستعارات لا تساعد فقط على إدراك المفاهيم الجديدة، من خلال ما نعرفه مسبقاً، بل تعمل أيضاً وسائطَ ثقافية، تُنقَل عبرها الأنماط السائدة في المجتمع. كما أنّ كثيراً من الاستعارات التي نعيش في إطارها، تُكتسب بصورة غير واعية، وتُسهم في تشكيل رؤيتنا للعالم وفي إعادة إنتاج القيم الثقافية والاجتماعية (جفریز، مك‌اینتایر وبوسفیلد، 2007م، ص 58)؛ وبذلك، تُقدّم الأسلوبية المعرفية إطاراً نظرياً، يدمج بين اللغة والفكر والتجربة، ويُبرز كيف تُسهم البُنى اللغوية في تشكيل الوعي، وكيف يتفاعل القارئ مع النص عبر منظومة من المخطّطات والاستعارات التي تُنظّم إدراكه للعالم.

2ـ1. الاستعارة المعرفیة[6]

تمثّل الاستعارة المعرفية أبرز موضوعات اللسانيات المعرفية؛ إذ تتولّد أولًا في الذهن والإدراك، ثم تتجلّى في اللغة. فهي ليست مجرد ظاهرة لغوية، بل هي بالأساس فكرية، تعبّر عن طريقة، تصوّر الإنسان للعالم وعلاقته بالآخرين، حيث يقوم إدراك الإنسان وتعاملاته على التصورات الذهنية التي يبنيها ذهنه (بن ­دحمان، 2012م، ص 31). انتقد جورج لايكوف في مقاله النظرية المعاصرة للاستعارة[7]، التصور الكلاسيكي الذي يرى أنّ اللغة اليومية حرفية، وأن المفاهيم النحوية والدلالية حقيقية وغير استعارية (2005م، ص 196 ـ 200). ويرى لايكوف وجونسون أن التصورات الذهنية التي تحكم تفكيرنا وسلوكنا اليومي، ذات طبيعة استعارية، فهي تحدّد طريقة إدراكنا للعالم وتفاعلنا معه، مما يجعل الاستعارة أساسا للفكر والسلوك الإنساني (1383ﻫ.ش، ص 21).

تتكوّن الاستعارة المعرفية من مجالين مفهوميين: المجال المصدر[8]، الذي تُستمدّ منه التعابير، والمجال الهدف[9]، الذي يُفهم من خلاله (كوفيتش، 1394ﻫ.ش، ص 45). وتقوم العلاقة بينهما على مجموعة من المطابقات المنظمة، والمعروفة بالتماثلات، والتي توضّح كيفية توافق عناصر المجالين. وتعتمد هذه التماثلات على استخدام بعض جوانب المجال المصدر لفهم المجال الهدف، مستندةً إلى التشابهات الحسية والمجردة، والعلاقات التجريبية، بالإضافة إلى الأسس البيولوجية والثقافية التي تشكّل بنيتها (كوفيتش، 1393ﻫ.ش، ص 122).

2ـ1ـ1. أنواع الاستعارات المعرفية

تنقسم الاستعارات المعرفية إلى ثلاثة أنواع رئيسة: البنيوية[10]، والأنطولوجية[11]، والاتجاهية[12]. في الاستعارات البنيوية، يُفهم المجال الهدف من خلال بنية المجال المصدر؛ إذ تُنقل الهياكل المفهومية من مجال إلى آخر عبر التطابقات، مثل: الحياة سفر، الحب نار، النظريات مبانٍ. وغالبا ما، تُستخدم مفاهيم مادية لتوضيح مفاهيم مجردة (كوفيتش، 1395ﻫ.ش، ص 215)؛ أما الاستعارات الأنطولوجية، فتنشأ من تجربة الإنسان مع الأشياء الفيزيائية التي تمنحه أساسا لتصوّر الأحداث والأنشطة والأفكار، بوصفها كيانات ومواد، يمكن تحديدها وإدراكها (لايكوف وجونسون، 2009م، ص 45). وتندرج تحتها استعارات الكيان والمادة، حيث تُجسَّد المفاهيم المجردة في صورة الكيانات المحسوسة، والاستعارات التشخیصیة التي تُمنح فيها الأشياء غير البشرية صفات إنسانية، نحو: الدهر عدو، واستعارات الوعاء التي تُفهم فيها الظواهر كأوعية ذات داخل وخارج، مثل: السباق الذي يُتصور كوعاء يحتوي أحداثه ومتسابقِيه (بن دحمان، 2012م، ص 112؛ لايكوف وجونسون، 2009م، ص 49)؛ أما الاستعارات الاتجاهية، فترتبط بالاتجاهات المكانية المألوفة، كأعلى / أسفل، أمام / خلف، داخل / خارج، حيث تُضفي بعدا مكانيا على المفاهيم الذهنية، كما في قولنا: السعادة فوق أو أشعر أنني في القمة اليوم (لايكوف وجونسون، 2009م، ص32).

ينقسم تصنيف الاستعارات الإدراكية، من حيث كونها وضعية أو لاوضعية، إلى قسمين: الاستعارات الوضعية[13]، وهي الاستعارات المتداولة في اللغة اليومية دون قصد فني؛ إذ تُستخدم تلقائيا داخل النسق التصوري الإنساني، بوصفها أوصافا مباشرة للظواهر الذهنية، ولا يدركها المتكلم على أنها استعارات (كرتوس، 2011م، ص 42)؛ أما الاستعارات اللاوضعية[14]، فهي التي تتجاوز النسق التقليدي؛ إذ تُنشئ علاقات جديدة بين أنساق تصورية مختلفة، وتجمع بين الوظائف الجمالية والإدراكية، معتمدة على لغة الخيال والتأثير الوجداني في ابتكار مفاهيم جديدة، تعيد تشكيل الواقع برؤية تصويرية مغايرة. وتقوم هذه الاستعارات أساسا على الاستعارات الوضعية؛ لكنها تتطلب من المتلقي جهدا تأويليا لفهم دلالاتها (عبد العزيز، 2020م، ص 10).

  1. الأسلوبية المعرفية للاستعارات الإبداعية في النظرات

وفقا لنظرية لايكوف وتورنر، يُبدع الأدباء مفاهيم جديدة، انطلاقا من الاستعارات الوضعية عبر آليات التوسيع، والتدقیق، والتشکيك، والتولیف.

وقد استخدم مصطفى المنفلوطي هذه الآليات الأربع في ابتكار استعارات إبداعية وإعادة إنتاج الوضعية منها بأسلوب خلّاق. وسيجري تحليل خصائصه الأسلوبية في هذا المجال، وذلك من خلال نماذج مختارة من النظرات؛ لتبيّن وتيرة كل آلية، وتميّز أسلوبه الفني:

3ـ1. الاستعارات الإبداعية المحضة

في هذا القسم، يتم تحليل الخصائص الأسلوبية للمنفلوطي في ابتكار استعارات، تجمع بين الابتكار الفني والمعرفي، ويُستعرض أسلوبه في تجسيد المفاهيم المجردة بصورة محسوسة:

3ـ1ـ1. عملية ابیضاض الشعر بمثابة دخول وسيطرة المستعمر على السكان الأصليين (الشعر الأسود)

في هذا المقطع من قصة الشعرة البيضاء، يقدّم المنفلوطي استعارة تصويرية إبداعية ومتعددة الأبعاد، تعبّر عن تحوّل الشعر إلى الأبيض كأحد مظاهر الشيخوخة الطبيعية وغير المقبولة اجتماعيا. يصوّر الكاتب الشعر الأبيض بمثابة "سائح أبيض"، يدخل أرض "أمة الزنج" الرمزية لأصحاب الشعر الأسود. فتبدأ الرحلة مستكشفة هادئة للتغيير التدريجي، ثم تتحوّل مع الوقت إلى مستعمر، يهيمن على الأرض بالكامل: «أیّتها الشعرة البیضاء! شأنك شأن ذلك السائح الأبيض الذي ينزل بأمَّة الزنج مُستكشفا؛ فيصبح مستعمرا، ويدخل أرضها سَلْماً، ويفارقها حرباً» (2014م، ص 114).

تتّسم هذه الاستعارة بقوة التصوير البصري ووضوح الرموز، حيث يُجسَّد الشعر الأبيض عبر مفاهيم، مثل: السائح، المستكشف، والمستعمر؛ بينما يُرمز للشعر الأسود بمفهوم "أمة الزنج" و"المستعمر". وتبرز ديناميكية الاستعارة بتحوّل دور الشعر الأبيض من مستكشف إلى مستعمر وتأثُّر الشعر الأسود تدريجيا، مستغلّة التباينات الرمزية بين العرق والثقافة، لتصوير العلاقة بين الأبيض والأسود. يرتقي هذا التصوير بالشيخوخة من مجرد تغير بيولوجي إلى تجربة استعمارية معقّدة، تعكس صراع السيطرة والمقاومة، وتنقل الاضطراب النفسي للشخصية، مما يمنح الاستعارة بعدا إنسانيا وجماليا مميّزاز

3ـ1ـ2. زوال العقل بمثابة تمزيق جسم مادي بالمقص

في النموذج التالي، يقدّم المنفلوطي استعارة إبداعیة أنطولوجیة، حيث يصوّر مفهوم زوال العقل في المجال الهدف بمثابة جسم فيزيائي، يُجزأ بالمقصّ في المجال المصدر. ومن خلال أداة مألوفة وبسيطة، كالمقصّ، يُحوّل المنفلوطي مفهوم العقل، بوصفه كيانا مجرّدا، إلى وجود محسوس قابل للتمزيق والتآكل، بما يكشف عن هشاشته وفقدانه التدريجي لوظيفته الإدراكية: «فكأنّما وَكَّلَ بعقله مقراضاً، يقرض له كل يومٍ منه قطعةً حتى كاد يأتي عليه» (المصدر نفسه، ص 301).

ويرتكز البناء التصوري للاستعارة على التكرار الزمني في عبارة "كلّ يومٍ منه قطعةً"، بما يدلّ على مسارٍ تراكمي لانهيار العقل من الثبات إلى التغيّر والفناء، في تمثيلٍ معرفي، يستند إلى الخبرة الحسيّة؛ لتجسيد حالةٍ نفسية معقّدة. أمّا البعد الفلسفي، فيتجلّى في النظر إلى العقل من منظورٍ أنطولوجي، بوصفه جوهرا غير ثابت قابلا للانقسام والزوال، لا كقيمة مطلقة أو ملكة دائمة. كما تكشف الاستعارة عن تصوّر فلسفي مأساوي للوجود الإنساني، حيث يغدو العقل رمز النور والحكمة مهدّداً بقوى التمزّق والفناء، وهو ما يعمّق البعد المعرفي والفلسفي للاستعارة، ويكثّف أثرها الدلالي.

3ـ1ـ3. كسب الرزق في ظل الضيق والشدة بمثابة استحصال من خلال ثقب الإبرة

في أسلوب المنفلوطي التعبيري، يتحوّل كسب الرزق وسط ظروف الحياة القاسية من مفهوم ذهني مجرد إلى صورة حسية ملموسة عبر استعارة أنطولوجیة مبتكرة: «فلبثت بضع سنين ساهرةً الليل قائمةً النهار، أستقطر الرزق من سم الخياط» (المصدر نفسه، ص 370).

يُصوَّر کسب الرزق بمثابة استخراج من ثقب الإبرة، ما يعكس قسوة المصاعب والقيود الخفية التي تواجه الفقراء والمهمشين. ومن أبرز الخصائص الأسلوبية لهذه الاستعارة توظيف صورة حسّية نادرة، أي ثقب الإبرة؛ لتجسيد أقصى درجات الضيق والحرمان. كما تتجلّى دقّة الاختيار المعجمي في انسجام الألفاظ مع حقل الكفاح الإنساني. أمّا التوازن الأسلوبي، فيتحقّق من خلال التوازي التركيبي والتقابل الزمني في عبارتي "ساهرة الليل" و"قائمة النهار"، حيث يقيم النص تناظرا إيقاعيا ودلاليا بين طرفي الزمن، بما يعكس استمرارية السعي وشمول الجهد الإنساني رغم محدوديّة الموارد. ويسهم هذا التوازن التركيبي ـ التصوري في تعميق الأثر الدلالي للاستعارة؛ إذ يقابل ضيق وسيلة الكسب باتّساع زمن المعاناة والعمل في بناء معرفي، يُبرز شدّة المشقّة وقسوة الواقع.

3ـ1ـ4. السطحية والظاهرية بمثابة موتى متعفنين مغطّين بالديباج

في النسق الفلسفي والاجتماعي للوجود الإنساني، يعالج المنفلوطي الثنائية بين السعادة الجسدية والسعادة الروحية، من خلال استعارة أنطولوجية عميقة، تصوِّر الإنسان الذي يسعى وراء اللذات المادية بمثابة كيان ميت متفسخ مغطّى بالمظاهر الزائفة: «أنَّ الناس جميعا يطلبون سعادة الأجسام لا سعادة الأرواح؛ فمثلهم كمثل الدفين المكفن بالحرير والديباج، وباطنه مسرح الدود، ومرتع الهوام والحشرات» (المصدر نفسه، ص 382).

يتفوّق المنفلوطي في استخدام الاستعارة بأسلوب مبتكر ودقيق، مستفيدا من تقابلات رمزية، مثل: الحرير والديباج، للجمال الظاهري، والدود والحشرات للفساد والعدم؛ لتجسيد التوتر بين الجسد كمظهر خارجي والروح كجوهر داخلي. تتجاوز الاستعارة النقد الاجتماعي الوضعي؛ لتصبح معالجة فلسفية وجودية متوافقة مع مفاهيم، مثل: الهيمنة الرمزية والتمثيل الزائف، وتعكس اغتراب الذات وانقسامها، مع طرح تساؤلات حول معنى السعادة الحقيقية وطرق بلوغها.

3ـ1ـ5. امتداد الليل الذي يحول دون توغّل الصباح فيه، بمثابة إنسان يضمّ رداءه اتّقاءً لخطى العابرين

يمثّل هذا التصوّر الاستعاري البديع الذي ابتكره المنفلوطي، رؤية فريدة لليل؛ إذ لا يظهر بوصفه مجرّد امتدادٍ زمني مظلم، بل يتجلّى ككائنٍ حيّ ذي وعيٍ وإرادةٍ يفرض حضوره على الكون. ويقوم الكاتب بتجسيده في هيئة إنسان متأمّلٍ ومقاوم، يضمُّ أطراف ردائه حول جسده في فعلٍ وقائيّ مقصود، خشيةَ أن يباغته فجرُه أو يكشف عن ضعفه: «وأن يتلفع الليل بردائه؛ فلا يعثر به فجره» (المصدر نفسه، ص 384).

وظّف المنفلوطي في هذا المقطع استعارة أنطولوجية تشخيصية، يصوّر فيها الليل، بوصفه كيانا ذا إرادة ووعي، يلتفّ بردائه؛ ليتصدّى للفجر ويؤخّر طلوعه، فيحوّله من مجرّد زمنٍ ساكن إلى طرف فاعل في صراع تخييلي مع الصباح. وبهذا الانتقال من الصورة السكونية للعتمة إلى صورة ديناميكية حركية، يمنح الكاتب الليل دور الخصم المثابر، فينشئ مشهدا دراميا، يُجسّد التوتر بين قوتين متقابلتين في الطبيعة.

ولا يقف هذا التخييل عند حدود الزخرف البلاغي، بل يتحوّل إلى بنية تصورية حسّية، تُمكّن المتلقي من معايشة امتداد الظلمة وتأخّر الصبح، بوصفهما تجربة ملموسة. وتُعدّ صورة الليل، وهو يتلفّع بردائه، استعارة مبتكرة، تبرز إيقاع الترقّب والسكون، وتجعل الزمن القصصي محسوسا قابلاً للتجربة. ومن خلال هذا التشخيص، يبني المنفلوطي جسراً بين المحسوس والمجرّد، فيحوّل الزمن إلى كيان حيّ، يشارك في الصراع السردي بين الضوء والظلمة؛ لتصبح الاستعارة أداة دلالية، تكشف عن العمق الرمزي للنص، وتفتح أفقا واسعا للتأويل.

3ـ1ـ6. عظام الإنسان الهزيل بمثابة القفص الذي يمرّ الهواء من خلاله

في مجتمع المنفلوطي، كان الفقر والفجوة الاجتماعي عميقين إلى حدٍّ، يتجلّى في تصوير الشخصيات ككائنات هزيلة ومريضة وضعيفة. ولم تكن أجسادهم تمثّل مجرد ضعفٍ عضوي، بل كانت انعكاسا ملموسا للإنهاك الاجتماعي والتفكك البنيوي للمجتمع: «فدنوت منه حتى صرت بجانبه. فإذا قفص مِن العظم، يتردد فيه النفَس تردد الهواء في البرج الخشبيِّ» (المصدر نفسه، ص 384).

في هذا النموذج، يُبدع المنفلوطي استعارةً مفهومية تصويريية، يُعيد من خلالها تشكيل الحالة الجسدية لشخصٍ ناحلٍ مريضٍ مُشرفٍ على الموت ضمن حقل الهدف، عبر إسقاط صورة "قفصٍ من العظم" من حقل المصدر. هذه الاستعارة تُعيد تأطير الجسد، بوصفه بنيةً مغلقةً وهشّةً، تُعيق حركة النفس، وتُقيّدها، حتى ليبدو أن الروح قد أُودِعت في إطارٍ متآكلٍ، يُحاصرها بالوهن والضعف.

لا تقتصر هذه الصورة المعرفیة على توصيف البُعد الفيزيولوجي للمرض، بل تُحيل إلى حالةٍ وجوديةٍ من الأسر، تُجسّد معاناة الكيان الإنساني في ظلّ الفقر، والمرض، والهشاشة الاجتماعية. ومن الخصائص الأسلوبية اللافتة في هذا التشكيل المفهومي، توظيف المنفلوطي لمفردة "التردّد" في توصيف حركة النفس، بما يُضفي على الصورة طابعا دائريا من الانكسار والجمود، ويُكرّس دلالة العجز البنيوي في الجسد. وهكذا تتحوّل الاستعارة إلى آليّةٍ مزدوجة الوظيفة. فهي من جهةٍ تقدّم توصيفا فنّيا للحالة المرضية، ومن جهةٍ أخرى تُمارس نقدا اجتماعيا ضمنيا للبُنى التي تُنتج المعاناة وتُكرّسها، وتُبقي الإنسان في دائرةٍ مغلقةٍ من الألم المستمر، بلا أفقٍ أو مخرج.

يرتكز هذا التشكيل المفهومي على التشابه البنيوي بين صورة القفص وصورة العظام، مما يتيح إمكانيّة تحقيق الملاءمة بين حقل المصدر والحقل الهدف، وتفعيل آليّة الإسقاط المفهومي بينهما.

3ـ1ـ7. الليل بمثابة إنسانٍ هاربٍ في مواجهة وجه الصباح

في هذا النموذج، يوظّف المنفلوطي استعارةً أنطولوجية مبتكرة لإعادة تصور الزمن، من خلال تشخيص الليل والنهار وإضفاء الصفات الإنسانية عليهما. يتحول الليل، من كونه مجرد امتداد زمني مظلم وساكن، إلى كيان حيّ مضطرب، يتهرّب من مواجهة الصباح؛ في حين يصبح النهار قوة متفاعلة معه. هذه الاستعارة تنقل الحقل الهدف (الزمن) من دلالته التقليدية إلى صورة شعورية ووجودية متحركة، وتفعّل آلية الإسقاط من الحقل المصدر المتمثّل بالمجال الإنساني، فتُعيد تشكيل الإدراك الزمني من منظور شعوري وسردي: «والليل يشمّر أذياله للفرار من وجه النهار، ثم افترقنا على ميعاد، وذهب كلٌّ منَّا لسبيله» (المصدر نفسه، ص 385).

تتميّز الاستعارة بقدرتها على دمج البُعد الفني مع البُعد المفهومي. فهي تقدّم تصويرا بصريا وحيويا للزمن، وتُعيد بناء العلاقة بين المفاهيم المجردة والواقع الحي، وتضفي على السرد بعدا إدراكيا عميقا، يتجاوز الوصف الموضوعي. كما يوظّف المنفلوطي أدوات البلاغة والتشخيص؛ لتوليد دلالات معرفية جديدة، تجعل الليل والنهار طرفين متفاعلين في صراع رمزي، ويحوّل الزمن إلى كيان شعوري محسوس قادر على نقل القارئ من مجرد الإدراك الموضوعي إلى تجربة إدراكية ووجدانية غنية.

البحث يعرض نماذج من الاستعارات المفهومية الإبداعية التي لم يتم تحليلها تفصيلا، بل تم إدراجها في جدول مستقل. هذه الاستعارات تتّسم بطابع أنطولوجي واضح، حيث تتنوّع بين تشخيص الكيانات وتجسيد المفاهيم، مما يعكس حضور الاستعارة الوجودية في بعدها الإدراكي. تُعاد صياغة العلاقة بين المجال المصدر والمجال الهدف غالبا، من خلال عناصر طبيعية مستوحاة من البيئة الحسية وسلوك الإنسان. وتتميّز هذه الاستعارات بجماليتها البصرية وتوظيفها الفني الذي يثير الخيال؛ لكنها لا تقتصر على الزينة البلاغية، بل تحمل رسائل معرفية وفلسفية عميقة ذات دلالات وجودية وإنسانية. ومن بين الأبعاد الفلسفية لهذه الاستعارات، يمكن الإشارة إلى البعد الأنطولوجي الذي يتناول طبيعة الوجود وعلاقة الإنسان بالكون، والبعد المعرفي الذي يبرز كيفية إدراك الإنسان للمفاهيم المجردة وتحويلها إلى صور محسوسة، والبعد الزمني الذي يعكس التغير والتحول المستمر في الحياة والتجربة الإنسانية، بالإضافة إلى البعد الإنساني ـ الوجودي الذي يوضّح هشاشة الإنسان، وصراعه، وتجربته الداخلية، ضمن سياق وجوده في العالم. هذه الخصائص تتكامل؛ لتشكّل أسلوب المنفلوطي المتفرّد، حيث تتداخل الجمالية والمعرفة في تصويره العميق للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، والزمن والوجود، ضمن تعبير أدبي، يجمع بين الإبداع والعمق المفهومي.

الجدول ١: نماذج الاستعارات الإبداعية المحضة في القصص المختارة من النظرات

النماذج

نوع الاستعارة

المجال الهدف

المجال المصدر

الصفحة

1ـ إنّي لأرى الرياض الغناء تهفو أشجارها، وترنُّ أطيارها، وأرى جداول الماء تنساب بين أنوارها وأزهارها انسياب الأفاعي الرقطاء في الرمال البيضاء.

2ـ وأرى أنامل النسائم تعبث بمنثورات الأوراق عبث الهوى بألباب العشاق

الأنطولوجیة

التشخیص

1ـ الجداول المائية

2ـ أصابع النسيم وهي تلعب بالأوراق المتناثرة

1ـ الأفاعي المرقطة تزحف بين الرمال البيضاء

2ـ الحب وهو يلعب بقلوب العشاق

51

1ـ فإذا أنا بين يدي جبلٍ عالٍ كأنّما هو جدارٌ قائم يُمسك السماء أن تقع على الأرض.

2ـ ملِكٌ جبارٌ قد لبس من قرص الشمس التاج الأحمر، ومن شعاعها الرداء الأصفر.

الأنطولوجیة

المادیة

التشخیص

جبل عالٍ

1ـ جدار ضخم يمنع السماء من السقوط على الأرض

2ـ ملك جبار وقد وضع تاجه الأحمر من قرص الشمس، ولبس رداءه الأصفر من أشعتها

55

[الشعرة البيضاء] خيطٌ من خيوط الكفن الذي تَنسجه يد الدهر، وتُعدُّه لباسًا لجثتي عندما تجردها من لباسها يد الغاسل.

الأنطولوجیة

المادیة

الشعرة البیضاء

خيط من خيوط الكفن التي ينسجها يد الزمن لتعده للجسد، حين تخلع يد الغسال ثيابه عن جسده

113

وتدير في الحاضرين عيونًا حائرةً مضطربة، كأنما ركبت على زئبقٍ رجراج

الأنطولوجیة

المادیة

عیون متحیرة ومضطربة تدیر في الحاضرین

راکب علی زئبق رجراج

193

تنتظر من فم زوجها في كل ساعة كلمة الطلاق، كما ينتظر القاتل من فم قاضيه كلمة الإعدام

الأنطولوجیة

المادیة

امرأة تنتظر كل ساعة سماع كلمة الطلاق من زوجها

قاتل ينتظر سماع كلمة الإعدام من القاضي

194

إذا طار غراب الليل عن مَجْثَمِهِ، أسدلت برقعها على وجهها، وائتزرت بمئزرها

الأنطولوجیة

التشخیص

سير الزمن وتغير الليل إلى النهار

غراب يطير من عشه ويضع قناعًا على وجهه ويغطي نفسه بذيله

275

ورأت بعينها ذلك الماء من الحسن الذي يجول في أديم وجهها جولان الراح في زجاجتها

الأنطولوجیة

المادیة

العرض والشرف

الراح یجول في کأسه

275

1ـ فاستقبلني بأحسن ما يستقبل به الزوج الكريم أحظى نسائه عنده وأكرمهن عليه، فكان يريبني من ذلك ما يريب الفريسة من ابتسامة الأسد.

2ـ وكنت أنتظر يوم الفراق كما ينتظر القاتل يوم القصاص.

الأنطولوجیة

التشخیص

1ـ إحسان الزوج واستقباله الذی تثير الشك في زوجته

2ـ انتظار المرأة سماع كلمة الطلاق من زوجها

1ـ ارتياب الفریسة من ابتسامة الأسد

2ـ انتظار القاتل سماع كلمة القصاص من القاضي

369

ولبثت أترقب رجع الكتاب ،كما يترقب الغريق سواد السفينة

الأنطولوجیة

التشخیص

مَن يترقّبُ جوابَ رسالتهِ

غريق في لجّة البحر يحدّق في الأفق مترقّبًا أن تلوح له علامةُ سفينةٍ من بعيد

370

ورأيت الفتاة كأنها خرقةٌ باليةٌ ملقاةٌ لا يتحرك لها عضو، ولا ينبض منها عرقٌ

الأنطولوجیة

المادیة

فَتاةٌ لا يتحرّكُ فيها عُضوٌ، ولا ينبِضُ فيها عِرقٌ

ثوبٌ بالٍ مُلقى على الأرض

371

ملفٍّ صغير قد اصفرّ لونه لتقادم العهد عليه، كما يصفرّ الكفن حول الجثة البالية

الأنطولوجیة

المادیة

مِلَفٌّ صَغيرٌ اصفرَّ لونُهُ مع مرورِ الزمان

كَفَنٌ مُصفرٌ حولَ الجثة البالیة ببطءِ الفناء

382

أشعر كأنّ نفسي المرآة التي يغشاها الصدأ، وكأن الحب صيقل يصقلها، فيجلو صفحتها شيئًا فشيئًا.

الأنطولوجیة

المادیة

نفس الإنسان تداویه المحبة

المرآة التي يغشاها الصدأ، ويصقلها الصنفرة، فيجلو صفحتها شيئا فشيئا

384

وكأنّما اتخذت من صفائح قبره مرآة، تصقل أمامها جبينها، وتصفف طرتها، وتلبس حليتها بين سمعه وبصره للزفاف إلى غيره!

الأنطولوجیة

المادیة

صفائح قبر الزَّوجِ

مرآة تصقل الزوجة أمامها جبينها، وتصفف طرّتها، وتلبس حليتها بين سمعه وبصره للزفاف إلى غيره

388

3ـ2. التوسيع[15]

يعدّ لايكوف وتورنر التوسيع آلية تحويلية، يستخدمها الأدباء لإغناء التعبير الأدبي وتجاوز القوالب اللغوية التقليدية، من خلال إضافة عناصر تصورية جديدة إلى المجال المصدري، باستخدام أدوات لغوية وأساليب بيانية مبتكرة (1399ﻫ.ش، ص 117).

انطلاقا من هذا المفهوم، فيتناول هذا المقطع تحليل أبرز الخصائص الأسلوبية لدى المنفلوطي في توسيع المجال المصدري، عبر توظيف المفاهيم الإدراكية والتراكيب اللغوية المستحدثة، مما يمكّنه من تحويل الاستعارات الوضعية إلى استعارات إبداعية، تحمل طابعا جماليا ومعرفيا متميّزا.

3ـ2ـ1. فتاة جميلة في ثيابها الممزقة بمثابة القمر خلف الغيوم المتفرقة

يصوّر المنفلوطي، باستخدام لغة مبتكرة واستعارات حية، صورة لفتاة، تتلألأ جمالها وسط تعقيدات الفقر ومصاعب الحياة، مثل: القمر خلف الغيوم المتفرقة. فيما يلي، نستعرض الخصائص الأسلوبية لهذا الاستعارة المبدعة والجوانب الفنية والاجتماعية لهذا التصوير: «ففتحت لي فتاةٌ صغيرةٌ، فتأملتها على ضوء المصباح الضئيل الذي كان في يدها. فإذا هي في ثيابها الممزّقة، كالبدر وراء الغيوم المتقطعة» (2014م، ص 128).

في هذا النموذج، قام المنفلوطي بتوسيع الاستعارة المفهومية الوضعية "الفتاة بمثابة القمر" توسعة إبداعية، حيث أضاف إلى المجال المصدر "القمر" عناصر وصفية دقيقة، مثل: "وراء الغيوم المتقطّعة"، مما أعاد تشكيل صورة الجمال الأنثوي ضمن خلفية من المعاناة والفقر. هذا التقييد المكاني للقمر خلف السحب المتناثرة يُبرز جمال الفتاة رغم ثيابها البالية، ويمنح الصورة طابعا رمزيا متعدد الطبقات بعيدا عن النمط الوضعي للاستعارة. ولا يقتصر هذا التوسيع على خلق صورة حسية وعاطفية مستوحاة من الطبيعة، بل يتضمّن أيضا إحالة ضمنية إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية التي تمرّ بها الشخصية، مما يكشف عن براعة المنفلوطي في توظيف اللغة لابتكار صور فنّية غنية بالدلالات. ومن أبرز تقنياته الأسلوبية هو الدمج بين القبح والجمال في كيان واحد، ما يُضفي على النص عمقا دلاليا، ويعزّز أثره الجمالي والمعنوي، ضمن رؤية أدبية متفرّدة، تجمع بين الحس الفني والوعي الاجتماعي.

3ـ2ـ2. الزوج كوحشٍ مفترسٍ يلتهم لحم ضحيته، يمتص دمها، ويلقي بعظامها

يقدّم المنفلوطي بنظرة نقدية النظام الأبوي الذي حرَم النساء من مكانتهن الإنسانية السامية، وحوّلهن إلى أدواتٍ لتنفيذ نزوات الذكور، متحدّيا هذا النظام عبر استخدامه للغة أدبية تصويرية، تعبّر بشكل ملموس ومؤثّر عن أوجه الظلم الاجتماعي. ومن خلال توظيفه للاستعارات المفهومية الحيوانية، يجعل المنفلوطي هذا التصوّر أكثر وضوحا وتأثيرا على المتلقّي: «وإن كنت أبا، فهذه فلذة كبدك، فلا تَضِقْ بها ذرعًا، ولا تُلْقِ بها في حِجْرِ وحشٍ ضَارٍ، يأكل لحمها، ويمتصُّ دمها، ثم يلقي إليك بعظامها» (المصدر نفسه، ص 195).

في هذا النموذج، يُسقِط المنفلوطي صورة الزوج على الحيوان المفترس؛ ليكشف عن آليات القهر والاستغلال في النظام الأبوي. ورغم وضعیة هذه الاستعارة، فإنه يوسّعها إبداعيا، بإضافة تفاصيل تصويرية، مثل: الوحش الذي يلتهم لحم ضحيته و...، مما يمنحها عمقا دلاليا متعدد الطبقات، ويحوّلها إلى أداة غنیة فعّالة.

هذا التوصيف الحيّ لا يكتفي بالتصوير، بل يثير انفعال القارئ، ويُبرز التناقض بين العلاقة الزوجية المفترضة والسلوك الوحشي، مما يُفرغ العلاقة من بعدها الإنساني. عبر هذا الإسقاط الإدراكي، يقدّم المنفلوطي نقدا ضمنيا لهيمنة الفكر الذكوري، مؤكّدا قدرة الاستعارة الأدبية على نقل أثر اجتماعي ومعرفي، يتجاوز الزخرفة البلاغية. كما تتجلّى في أعماله نماذج متعددة من آلية التوسيع المفهومي، حيث يُبرز مفاهيم المجال الهدف من خلال عناصر الطبيعة في المجال المصدر، معتمدا على التفاصيل التصويرية الدقيقة لتعزيز الخيال والتجسيد، مما يقوّي البنية الدلالية، ويزيد وضوح الإدراك الحسي للمفهوم.

في الجدول التالي، تتجلّى نماذج متعددة من آلية التوسيع المفهومي في أسلوب المنفلوطي، حيث يُبرز مفاهيم المجال الهدف عبر توظيف عناصر الطبيعة الحيّة والساكنة في المجال المصدر، وفقا لنظرية الاستعارة المفهومية. وتُسهم التفاصيل التصويرية الدقيقة في تعزيز الخيال والتجسيد، مما يقوّي البنية الدلالية ويزيد وضوح الإدراك الحسي. إضافة إلى ذلك، لا يقتصر المنفلوطي على البُعد الجمالي، بل يستخدم الاستعارة لنقل رؤيته الفكرية والعالمية، مع توظيف السجع والإيقاع الشعري لإضفاء نغمة موسيقية، تعمّق الأثر الجمالي والتأويلي للنص.

الجدول ٢: نماذج الاستعارات الموسعة في القصص المختارة من النظرات

النماذج

نوع الاستعارة

المجال الهدف

المجال المقصد

الصفحة

وطار طائر الليل من مكمنه، وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق.

الأنطولوجیة

التشخیص

ظلام اللیل

طائر يخرج من مخبأه، وينشر جناحيه الأسودين في الأفق

55

وجدتني أحْيرَ من دمعة وجدٍ في مقلة عاشقٍ، يدفعها الحب ويمنعها الحياء.

الأنطولوجیة

المادیة

إنسان متردد وغیرحاسم

دمعة شوق في عين عاشق، یدفعها الحبّ إلى الانهمار، ويمنعها الحیاء من الانحدار

55

كأنما شعر بأن قلبه يتمشَّى في صدره، وأنه يحاول الفرار منه.

الأنطولوجیة

التشخیص

القلب

إنسان مخیف يسير، والشخصية منه هاربة نافرة

63

الحرية شمسٌ يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محرومًا منها، عاش في ظُلْمَةٍ حالكة، يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظُلْمَةِ القبر.

الأنطولوجیة

المادیة

حرمان الحریة

ظلامٌ بدايته مرتبطة بظلمة الرحم ونهايته بظلمة القبر

96

أيتها الشعرة البيضاء! ليت شِعري من أيِّ نافذةٍ خَلَصتِ إلى رأسي؟ وفي أي مسلكٍ من مسالك الدهر مشيت إلى فَوْدَيَّ؟

الأنطولوجیة

التشخیص

الشعرة البیضاء

إنسان يجتاز الطرق والشقوق بشكل خفي ومفاجئ، ويثبت وجوده على رأس الشخصية

113

أيتها الشعرة البيضاء  لقد عييتُ بأمرك، وبَعلْتُ بحملك، وأصبحت لا أعرف وجه الحيلة في البعد عنك، والفرار من وجهك.

الأنطولوجیة

التشخیص

الشعرة البیضاء

إنسانٌ ضاقت به الأنفاسُ من ثقلِ وجوده، ولا مفرَّ منه

113

وقفت بين اليأس والرجاء برهةً من الزمان، ثم شعرت كأن أولهما يغالب ثانيهما حتى غلبه.

الأنطولوجیة

التشخیص

إنسان متردّد وغیرحاسم

الواقف بين اليأس والأمل بحيث يغلب اليأس على الأمل

127

وكان قصره يضم بين جناحيه فتاةً ما ضمت القصور أجنحتها على مثلها حسنا وبهاءً.

الأنطولوجیة

التشخیص

القصر

طائر یفتح جناحیه ویضم فتاة حسناء في حضنه

128

لمس قلبه بيمينه ليعلم أطار أم لا يزال في مكانه.

الأنطولوجیة

التشخیص

قلب مضطرب

طائر لا يُعلم إن كان قد طار أم بقي في مكانه

257

وعفته وزهادته إلّا حِبالةً نصبها لِيَعْلَقَ بها عقل الشيخ وقد علق.

الأنطولوجیة

المادیة

العفة والزهد

حبل عُلّق على عقل الشيخ

300

حتى عَلِقَ برأسه الشراب علوق السلاسل بالصدور.

الأنطولوجیة

المادیة

إدمان شرب الخمر

قيود وسلاسل تُعلق على الصدر

300

نبأ بي مضجعي ليلةً لهمٍّ نزل بي، والهم رسولٌ من رسل الشر ينزل بأهداب العيون، فلا يزال يسعى حتى يوقظ الفتنة بين أشياعها.

الأنطولوجیة

التشخیص

الحزن والهمّ

رسل من رسل الشرّ ينزلون على أهداب العين، ويحاولون دائمًا إثارة الفتنة بين أتباعهم

425

 

3ـ3. التدقیق[16]

في إطار التدقیق، وعلى خلاف التوسيع، لا يُضاف عنصر جديد إلى المجال المصدر، بل يُعاد توظيف عنصر قائم فيه بطريقة مبتكرة وغير معتادة، بحيث يُسلّط الضوء عليه من منظور استعاري جديد، يخرق النمط الوضعي للفهم (لايكوف وتورنر، 1399ﻫ.ش، ص 119؛ بن دحمان، 2012م، ص 257).

3ـ3ـ1. مُقابَلة الخيانة بالخيانة بمثابة الشيك المكتوب، يُدفَع على دفعات/ أقساط

من النماذج البارزة للاستعارة الإبداعية في النظرات، تصور مفهوم الخيانة، بوصفها معاملة مالية، تُسدَّد على أقساط، حيث يُعاد تأطير هذا المفهوم الأخلاقي المجرّد ضمن بنية محسوسة مستمدّة من المجال الاقتصادي. ففي هذا التصوّر، لا تقدَّم الخيانة كفعلٍ لحظي أو سلوكٍ عابر، بل كعملية زمنية متدرّجة، تُدار على هيئة دفعات متتابعة: «إنَّ بينها وبين غريمها صكّاً مكتوبا أن يؤدي ما عليه من الدين أقساطا، في كل ليلة قسط، على أن تتناوله بيدها وأن تكون مواعيد الوفاء أخريات الليالي» (2014م، ص 80 ـ 81).

المنفلوطي يُسقِط مفهوم الخيانة على المعاملة المالية، ضمن استعارة وضعية؛ لكنه يُبدع في تدقیقها بإدخال عناصر، مثل: الصك المكتوب والأقساط الليلية في الحقل المصدر، مما يمنحها طابعا إدراكيا معقّدا وقابلا للقياس. هذا النموذج يجسّد آلية التدقيق الاستعاري، حيث يُعاد تشكيل عنصر قائم في المجال المصدر بطريقة غير مألوفة دون إضافة خارجية. ومن أبرز السمات الأسلوبية: توظيف الزمن الطبيعي "الليل"، للدلالة على الاستمرارية، والتكرار في "في كلّ ليلة قسط" للإيحاء بالتراكم واللانهاية، واستخدام أداة التوكيد "إنّ"، وأسلوب القصر الذي يُبرز الحتمية، ويُعزّز قوة الدلالة. بهذه الطريقة، يُعيد المنفلوطي بناء المفاهيم الأخلاقية المجردة ضمن صور إدراكية محسوسة، ترسّخ المعنى في ذهن المتلقّي عبر استعارة إبداعية متعددة الأبعاد.

3ـ3ـ2. حياة المدمنين بمثابة حلقة مفرغة وحجر الرحى

من أبرز المجالات المصدرية التي يوظّفها المنفلوطي في بناء استعاراته المفهومية لتصور حياة المدمنين على الشراب، هو مجال الحلقة المفرغة وحجر الرحى، لما تمتاز به هذه المفاهيم من وضوحٍ وحسية، تمكّن من تقديم إسقاطات مفهومية دقيقة على المجال الهدف، أي حياة المدمنين.

في هذا السياق، یتبنّی المنفلوطي استعارة أنطولوجیة مادية؛ لتجسيد نمط حياة، یفتقر إلى النظام والغائية والتنوع التجريبي، حيث يعيش المدمنون في دوّامة متكرّرة رتيبة، بلا أي انتقال نوعي أو تغير جوهري في مسارهم الحياتي، بل يعودون باستمرار إلى نقطة البداية، في دورة عبثية لا نهاية لها. کما یقول في نصه: «أنّ حياة المدمنين حياةٌ متشابهةٌ متماثلة، لا فرق بين صبحها ومسائها، وأمسها وغدها، ذَهابٌ إلى الحانات، فشرابٌ فخُمارٌ، فنوم، فذهاب … كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، والمنظر المتكرر لا يلفت النظر ولا يشغل الذهن، حتى إنَّ بعض من ينام على دورة الرحى يستيقظ عند سكونها، وكان أَحْرَى أنْ يوقظه دورانها» (المصدر نفسه، ص 39).

في هذا النموذج، يطوّر المنفلوطي التصوير الدائري الوضعي إلى استعارة إبداعية مدققة، عبر استبدال الدائرة بالحلقة المفرغة التي تعبّر عن دوران عبثي بلا غاية، ثم يُعمّقها بصورة حجر الرحى التي تُجسّد الإرهاق والتآكل الحسي. هذا الدمج يُنتج استعارة متعددة الطبقات، تُجسّد عبثية الوجود بصورة تحذيرية. أسلوبيا، يبرز استخدام أداة التوكيد "أنّ"؛ لتعزيز البُعد الحجاجي، مما يضفي على النص طابعا نقديا، يتجاوز الوصف إلى التنبيه الاجتماعي العميق.

3ـ3ـ3. عجوزٌ محدودبٌ يتّكئ على عصا، بمثابة وترٌ مشدودٌ إلى قوسٍ مَرهُوف

في النموذج التالي، أبدع المنفلوطي استعارة تصويرية مفهومية إبداعیة، تجمع بين الأبعاد البصرية والدلالات المعرفية، حيث لا يكتفي بوصف هيئة الشيخ المنحني جسديا، بل يعيد صياغة الاستعارة التقليدية لانحناء الظهر، والتي تُعدّ استعارة مفهومية وضعیة، عبر إدخال عنصر غير متوقّع، ألا وهو العصا التي تُشبَّه بوترٍ مشدود على قوس، مما يمنح الصورة بعدا جديدا من التعقيد الدلالي والتأثير العاطفي: «شيخٌ كُنْتيٌّ من حملة أعباء الدهر، قصير القامة، ناحل الجسم، زري الهيئة، قد نيَّف على الثمانين من عمره، فخيل إليَّ أنّ ظهره المحدودب قوسٌ، وأنَّ عصاه التي يعتمد عليها وترٌ قد شد إلى تلك القوس» (المصدر نفسه، ص 425).

هذا البناء لا يُعدّ مجرد توسعة للصورة النمطية، بل يشكّل تدقيقا، يُعيد بناء الاستعارة ضمن بنية تصويرية مركبة، حيث يجمع بين عنصرين متباينين: القوس / الظهر، والوتر / العصا؛ ليُنتج صورة حسّية ملموسة، تجسّد حالة الشيخ الجسدية، وتُعبّر عن هشاشته وتآكله تحت وطأة الزمن. ويبدو الجسد المنحني كقوسٍ مشدود عليه وتر، ينتظر انطلاق سهمٍ مجهول، في إشارة رمزية إلى اقتراب النهاية أو تحوّل وجودي محتوم. وتُنتج هذه الصورة بنية دلالية ضمنية متعددة الطبقات، تتناول ثقل الحياة، وهشاشة الكينونة، وحتمية الفناء، بما ينسجم مع المفاهيم الأنطولوجية والإنسانية المرتبطة بالشيخوخة والعبء الوجودي. المنفلوطي لا يكتفي بإيصال الجمالية الرمزية، بل يوظّف الاستعارة، بوصفها أداة معرفية، تُسهم في بناء تصوّر فلسفي وإنساني للزمن والوجود؛ فتتحوّل من مجرد وصف بلاغي إلى تأمل سردي متجذّر.

ومن السمات الأسلوبية التي تعزّز هذا البناء المفهومي هو الاستخدام المدروس لأداة التوكيد "أنّ" في مطلع الجملة.

يتضمّن الجدول أدناه نماذج متعدّدة من هذا التقنیة الإبداعية الذي اعتمده المنفلوطي، حيث قام بإعادة بنیة الاستعارات الوضعیة من خلال تعدیل المجال المصدر وتوظيف تقنية التدقیق. ومن أبرز السمات الأسلوبية لهذا النماذج المدققة هو المزج بين المفاهيم الطبيعية والإنسانية والحيوانية، بما تحمله من دلالات عاطفية ورمزية مميزة، الأمر الذي يُسهم في إبراز الأبعاد المتعددة للمفهوم المجرد، ويضفي علیه قدرة تصويرية وتأويلية فائقة:

الجدول 3: نماذج الاستعارات التدقیقیة في القصص المختارة من النظرات

النماذج

نوع الاستعارة

المجال الهدف

المجال المصدر

الصفحة

لم تكن شهوة الشراب مركبةً في الإنسان كبقية الشهوات، فيعذر في الانقياد إليها، كما يعذر في الانقياد إلى غيرها من الشهوات الغريزية، فلا سلطان لها عليه إلا بعد أن يتناول الكأس الأولى.

الأنطولوجیة

المادیة

غریزة شرب

الخمر

مرکب یعذر الإنسان عن انقیادها

الاستعارة الوضعیة: الإنسان سیارة

40

لا أعلم هل أنا حوتٌ مضطربٌ في أعماق الماء؟

الأنطولوجیة

التشخیص

الإنسان

حوتٌ مضطربٌ في أعماق الماء استعارۀ الاستعارة الوضعیة: الإنسان حیوانٌ

55

شابَ غُراب الليل، وطار نسر الصباح؟

الأنطولوجیة

التشخیص

شروق الصباح

شابَ غُراب الليل

الاستعارة الوضعیة: الزمن حیوان

81

أيتها الشعرة البيضاء، هل لك أن تتجاوزي عمَّا أسأت به إليك في إطالة عتبك، واستثقال ظِلِّكِ؟

الأنطولوجیة

التشخیص

الشعرة البیضاء

کائن ثقیل الظل

الاستعارة الوضعیة: الظل ماهیة ذت حجم

114

وعشيرٍ يحدد أنيابه ليمضغ عَشِيرَهُ.

الأنطولوجیة

التشخیص

العشيرة

مفترس يمزّق مَن هو من جنسه

الاستعارة الوضعیة: العداوة أكل بعضهم بعضا

115

وبالجملة كنت وحشا ضاريا أعيا العالمين رياضته، فصرت بين يدي الحب الشريف إنسانا شريفا.

الأنطولوجیة

المادیة

الإنسان بلاحبّ

وحشٌ ضارٍ أعیت الدنيا من تربيته

الاستعارة الوضعیة: الإنسان حیوان

384

لو شئت أن أطير عن وجه الأرض لطرت بغير جناحٍ.

الأنطولوجیة

التشخیص

الإنسان العاشق

طائر يطير بلا جناحين

الاستعارة الوضعیة: الإنسان حیوان

384

فما غربت شمس ذلك اليوم حتى غربت شمسه.

الأنطولوجیة

المادیة

الإنسان

شمس تغرب مع غروب الشمس الحقيقي

الاستعارة الوضعیة: الإنسان نور

384

3ـ4. التشکیك[17]

لا يكتفي الأدباء بتوسيع الاستعارات المألوفة، بل يعيدون النظر في بنيتها الإدراكية؛ لاستكشاف حدود الفهم الاستعاري وفتح المجال للإبداع (لايكوف وتورنر، 1399ﻫ.ش، ص 119).

وفي هذا الإطار، يمارس المنفلوطي ما يسمّى بالتشكيك الاستعاري؛ إذ لا يتعامل مع المجال المصدر كإطار ثابت، بل يشكّك فيه، ويعيد تشكيله؛ ليبتكر استعارات، تتجاوز الوضعية التقليدية.

يعدّ المثال الآتي نموذجا لاستعارة بنیویة إبداعية، يجسّد فيها المنفلوطي مفهوما سياسيا مجرّدا كالاستبداد ضمن المجال الهدف، من خلال مقولة حسّية ملموسة كالسجن في المجال المصدر. في هذا التصور، لا يقتصر إعادة بناء الاستبداد استعاريا على النقل الوضعي فحسب، بل يتعدّاه عبر تشكيك عميق في البنية الاستعارية الوضعیة، مما يحوّلها إلى استعارة إبداعية، تعبّر عن تعقيدات نفسية وفلسفية، بوصفه سجنا لذيذا ومُختارا ذاتيا، حيث يقول: «إنَّ كثيرا من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به الهرة المحبوسة في الغرفة والوحش المعتقل في القفص والطير المقصَّص الجناح من ألم الأسر وشقائه. بل ربما كان بينهم من لا يفكر في وجه الخلاص أو يلتمس السبيل إلى النجاة ممَّا هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنَّى البقاء في هذا السجن ويأنس به ويتلذذ بآلامه وأسقامه» (2014م، ص 95).

المنفلوطي يوظّف استعارة بنيوية وضعية، يجسِّد فيها الاستبداد بمثابة السجن، حيث تتناظر عناصر السجن والسجّان والأسير وأدوات القمع مع المستبدّ والمستبَدّ به وآليات السيطرة؛ لكنه لا يكتفي بهذه البنية الوضعية، بل يمارس التشكيك الاستعاري بإعادة مساءلة الإطار الإدراكي للاستعارة؛ فيُدخل عناصر غير متوقعة، مثل: الرغبة في البقاء في السجن، والأُنس به، والتلذّذ بآلامه. هذه الإضافات تخلق مفارقة إدراكية، تحوّل الأسر من قسر خارجي إلى تجربة نفسية مقبولة، بل محبوبة؛ فتُزعزع الاستعارة التقليدية، وتُعيد تشكيل العلاقة بين المستبدّ والمستبَدّ به. وهكذا، يتمّ الكشف عن البُعد النفسي الداخلي، حيث تظهر التبعية اللاواعية للفرد وتماهيه مع سجنه؛ ليُعاد بناء الاستبداد، لا كقهر خارجي فقط، بل كخيار داخلي. وبذلك، ترتقي الاستعارة من مجرد وصف سياسي إلى أداة تأويلية مشكِّكة، تنتج طبقات دلالية عميقة، وتُثير تساؤلات فلسفية وأنثروبولوجية حول السلطة والانقياد.

3ـ4ـ1. الشَّعر الأبيض بمثابة نور مظلم

في النصّ الآتي، يقدّم المنفلوطي رؤيةً جديدةً ومغايرةً لمفهوم الشيخوخة؛ إذ يعمد إلى قلب التداعيات الاستعارية المألوفة بين مفهومي النور وبیاض الشعر؛ ليُنتج صورةً مفارقيةً متعدّدة الطبقات، يُصبح فيها النور ميّالا إلى الظلمة، والبياض متوشّحا بسوادٍ خفي. إنّ هذا اللعب الفني بالمعاني لا يكتفي بتفكيك القوالب اللغوية السائدة، بل يستفزّ المتلقّي للتأمّل العميق في دلالات الزمان والفناء والتلاشي. فالصورة هنا تمثّل استعارةً عن نورٍ بلا إشراق، ومعرفةٍ مقرونةٍ بالألم، وشيخوخةٍ مقرونة بالحزن، بل بالحزن والوحدة: «أيّتها الشعرة البيضاء! ما رأيت بياضا أشبه بالسواد من بياضك، ولا نورا أقرب إلى الظلمة من نورك» (المصدر نفسه، ص 113).

في هذا التعبیر، يوظّف المنفلوطي استعارةً أنطولوجیة مادية، لتجسید مفهوم إبداعي متعدّد الأبعاد للشيخوخة. ففي المستوى الأوّل، يعتمد الكاتب بنية استعارية وضعیة، تجعل الشَّعر الأبيض في المجال الهدف معادلا للنور في المجال المصدر؛ في حين يرتبط الشَّعر الأسود بالظّلمة، غير أنّه، في حركةٍ خلاقةٍ تتجاوز المألوف الإدراكي، يعكس هذا التلازم الاستعاري، ويضعه موضع تساؤلٍ وتشكيك. ففي هذا التحوّل الدلالي، يغدو البياض شبيها بالسواد، ويصبح النور المنبعث منه مظلما، لا يحمل إشراقا، بل خفوتا وذبولا. وعبر هذا التشكيل الجدید للمفهوم، يزعزع الكاتبُ التصوّرات الثقافية واللغوية المستقرّة؛ ليقدّم قراءةً جديدةً لمسار الشيخوخة، قراءةً لا ترى فيها ضياءَ الحكمة، بل ظلَّ الألم والعزلة والانطفاء. من خلال هذا التوتّر بين النور والظلمة، يُجري المنفلوطي عملية تشكيكٍ في منطق المشابهة ذاته. وهكذا، تتحوّل الاستعارة من بنيةٍ وضعيٍّ مألوفةٍ إلى استعارةٍ إبداعيةٍ تشكيكية، تُعيد تشكيل المجال الدلالي ذاته؛ لتغدو وسيلةً لتفكيك الإدراك الثقافي للشيخوخة وإعادة بنائه.

ومن الناحية الأسلوبية، يُظهر المنفلوطي براعة لغوية من خلال لغة شعرية وصور حسّية مكثّفة وإيقاع عاطفي هادئ ينقل الأحاسيس ببلاغة وإيحاء. فاستعارته لا تكتفي بإثراء معنى الشيخوخة، بل تكشف بعمق عن تجربة الإنسان المعاصر في مواجهة الفناء والانطفاء.

3ـ4ـ2. الشَّعرُ الأبیض بمثابة أكرم المخلوقات، ورسول الموت، ووحي الأمل

في هذا النموذج، يقلّب المنفلوطي التصوّر الوضعي للشَّيب. فبدل اعتباره رمزا للضعف وانطفاء الجمال واقتراب النهاية، يُعيد بناء دلالته فنّيا بصورة معكوسة؛ فيجعله أكرم المخلوقات، ورسول الموت، ووحي الأمل. وبهذه الثلاثية، ينقل المعنى من الخوف والفناء إلى الرجاء والتحرّر والانعتاق، مقدِّما رؤية إبداعية جديدة للشيب: «فعلمتُ أنّك أكرم الخلائق عندي، وأعظمها في عيني. هنيئا لك رأسي مصيفا ومرتبعا. فأنتِ رسولُ الموت الذي مازلت أطلبه ... ما الذي يَنْقِمُهُ منك من الشئون رجلاً، يعلم أنّك وحي الأمل الذي يبشره بقرب النجاة من حياةٍ، ليس فيها من السعادة والهناء إلا لحظاتٌ قليلة، يكدّرها ما يحيط بها من الهموم والأحزان. أيتها الشعرة البيضاء! مرحبا بك اليوم ومرحبا بأخواتك غدا، ومرحبا بهذا القضاء الواقف وراءك أو الكامن في أطوائك» (المصدر نفسه، ص 114 ـ 115).

في هذا النص، يحوّل المنفلوطي الاستعارة التقليدية للشَّيب من استعارة وضعية مرتبطة بالضعف والفناء إلى استعارة إبداعية تأويلية، تقوم على التشكيك في المألوف. فالشعر الأبيض يتحوّل من نذير الموت إلى مبشّر بالحياة الأبدية ورسول الأمل والخلاص. هذا التحوّل لا يُبطل العلاقة بين البياض والزوال، بل يعيد تأويلها عبر منطقٍ مغايرٍ. وبهذا المسار التشكيكي، تتحوّل الاستعارة من حالة وضعية مألوفة إلى حالة إبداعية تأويلية، تعيد النظر في طبيعة العلاقة بين الموت والحياة، وبين الفناء والنجاة، وبين الألم والأمل.

أسلوبيا، يمنح المنفلوطي الشعر الأبيض وعيا وصوتا ككائن حيّ، ويضفي على النص إيقاعا وجدانيا من خلال التكرار والأسئلة البلاغية الإنكارية؛ ليحوّل الخطاب من الوصف إلى تأمّل وجودي. تُعيد الاستعارة تأويل الموت والخبرة الإنسانية؛ فتحوّل الشيخوخة من رمز للفناء إلى رمز للوعي والنضج والاقتراب من المطلق، مُظهرة براعة المنفلوطي في الجمع بين البنية الدلالية المعكوسة والعمق الفلسفي.

3ـ4ـ3. الموت بمثابة إنسان عاجز عن محو الجمال

يقدّم المنفلوطي استعارة تشكيكيّة للموت، تعيد بناء العلاقة الوضعیة بين الموت والفناء؛ إذ يعكس التصور السائد للموت، بوصفه قوة تدميرية مطلقة، ويصوّره كائنا ذا يد عاجزة أمام الجمال؛ فلا يستطيع محو آثاره أو القضاء عليها؛ فتظل حيّة في الوجدان، كما تبقى الرائحة العطرة عالقة بالزهرة بعد ذبولها (المصدر نفسه، ص 381).

في هذا القول، يعيد الكاتب تشكيل البنية الاستعارية من خلال تشكيكٍ دلالي، يقوّض العلاقة التقليدية بين الموت والزوال. فـ"يد الموت" التي طالما ارتبطت بالفساد والعدم، تُوضع في مواجهة آثار الجمال والرائحة الطيّبة، وهما عنصران، يُستحضران في الذهن، بوصفهما دالّين على الحياة والديمومة والرقّة. وبهذا، يُعيد المنفلوطي بناء العلاقة بين المفاهيم؛ ليقدّم رؤيةً بديلةً ترى في الجمال أثرا خالدا لا يُمحى، حتى في قلب الفناء. هذا التحوّل الدلالي يجسّد ما يُعرف في الأسلوبية المعرفية بالاستعارة التشكيكية الإبداعية، حيث تُعاد مساءلة البنية التصورية الراسخة، ويُعاد تأطير المعنى من خلال تمثيل مفهومي بديل، يُناقض التوقّعات الثقافية السائدة.

يتميّز هذا التصوّر المفهومي بأسلوبية تجمع بين: التشخيص (الموت يُمنح صورة إنسانية ذات يد عاجزة)، والتصوير الحسي (الزهرة والرائحة)، والتقابل البلاغي بين الجمال والفناء لإبراز التوتّر المفهومي، إضافةً إلى الإيقاع التأمّلي الذي يحوّل النص من وصف إلى خطاب فلسفي وإنساني.

3ـ4ـ4. الحب بمثابة شمس بلا حرارة

يقدّم المنفلوطي استعارة تشكيكية للعشق، تُعيد بناء التصوّر الوضعي القائل بالعشق نارٌ محرقة. فهو يقوّض الصورة المألوفة للعشق كحرارة وشغف واحتراق وجداني، ويعيد تأويل العلاقة بين العشق والحرارة بصياغة إبداعیة، تثير الارتياب والتأمل: «كان قلبي في ظلامٍ حالك لا يرى حتى نفسه، فلما أشرق فيه الحب أشرقت فيه شمسٌ ساطعةٌ منيرة، لها من الشمس نورها وجمالها، وليس لها منها حرارتها ولذعاتها ...» (المصدر نفسه، ص 382).

يقدِّم الكاتب في هذا السياق صورةً ميتافيزيقيةً متفرّدةً للعشق، بوصفه شمسا مشرقةً من دون حرارة، حيث تُستبدل العلاقة المفهومية بين الحبّ والنار بعلاقةٍ جديدةٍ بين الحبّ والنور؛ ليُحافظ الضوء على خاصيته التنويرية والجمالية، ويُجَرَّدَ في الوقت نفسه من طاقته الحارقة. وبهذا التحوّل، تثار مساءلةٌ دلالية، تقوّض البنية الاستعارية الراسخة التي تربط العشق بالاحتراق؛ فيتحوّل المعنى من تجربةٍ وجدانيةٍ متّقدة إلى تجربةٍ مضيئةٍ هادئةٍ، تخلو من اللذع والحرقة. هذه الازدواجية بين النار والبرودة تُحدث توتّرا دلاليا، يعبّر عن مفارقة شعورية في التجربة العاطفية: حضور بلا انفعال، وإشراق بلا حرارة.

يمتاز هذا النموذج بقدرة المنفلوطي على استخدام عناصر الطبيعة، مثل: النور، والشمس، والحرارة، كأدوات مفهومية لإعادة بناء معنى العشق؛ فتتحوّل الاستعارة من وصف زخرفي إلى وسيلة تأمّلية، تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ومشاعره، وتفتح أفقا فلسفيا، للتشکيك في طبيعة الحب بين النور والاحتراق، والوجود والانطفاء.

3ـ4ـ5. الأمل بمثابة يأسٍ قاتلٍ

يقدّم المنفلوطي استعارة وجودية تشكيكية، تعيد بناء التصور الوضعي للأمل. فبدل أن يكون قوةً، تنعش الروح، وتوجّه نحو المستقبل، يُصوّره كقوة مميتة، تؤدّي إلى اليأس والفناء النفسي؛ فيتحوّل المعنى الراسخ إلى معنى مضادّ، يثير الارتیاب والدهشة: «إنَّ الأمل حياة الإنسان، وما يقتل الإنسان إلّا الأمل ... أنّ اليأس القاتل ما جاء إلّا من طريق الأمل الباطل» (المصدر نفسه، ص 385).

في هذا القول، يعتمد الكاتب على استعارةٍ وجوديّةٍ ذات طابعٍ تشخيصي، يجعل من الأمل كائنا حيّا، يحمل في ذاته بذور موته. يبدأ المنفلوطي بتصوّر وضعي مألوف، يجسّد الأمل فيه مصدرا للحياة والدافع الإنساني نحو الفعل والاستمرار؛ لكنّه سرعان ما يُخضع هذا التصوّر لعملية تشكيكٍ معرفي، فيربط الأملَ باليأس القاتل؛ ليقلب العلاقة الإدراكية بين الحياة والفناء رأسا على عقب. بهذا التحوّل، تتحوّل الاستعارة من بنيةٍ وضعيةٍ، تقرّر المعنى إلى بنيةٍ إبداعيةٍ، تزعزع استقراره، وتثير التساؤل حول طبيعته.

يُبرز المنفلوطي، من خلال هذا التشكيك المفهومي، الوجهَ الآخر للأمل، باعتباره قوّةً مزدوجةً: تُنعش وتُهلك، وتُضيء وتُطفئ، وتُحيي وتقتل. فالأمل إذا انفصل عن الواقع، يتحوّل إلى وَهْمٍ سامٍّ، وإلى طاقةٍ معكوسةٍ، تقود إلى اليأس. هذه المفارقة البلاغية بين الأمل واليأس تُعبّر عن وعيٍ فلسفي بالتجربة الإنسانية المتناقضة، وتُعيد تعريف العلاقة بين العاطفة والعقل في ضوء منطقٍ وجداني، يوازن بين الرجاء والخيبة.

يتميّز هذا النموذج بأسلوبية قائمة على المفارقة لإنتاج معنى من توتّر الأضداد، وأسلوب القصر والتوكيد، مثل: "إنّ، وما … إلّا"، لمنح العبارة قوة إيقاعية ودلالية، إضافة إلى التكرار الموسيقي والتوازن الجُملي، لإضفاء نغمة وجدانية وشاعرية. وبهذه الطريقة، تتحوّل استعارة الأمل من صورة لغوية إلى رؤية فلسفية تشكيكية، تُعيد مساءلة القيم الإنسانية، موضّحة أنّ الأمل إذا فقد صدقه الوجودي، قد يصبح طريقا إلى اليأس والموت المعنوي.

3ـ4ـ6. مرور الزمن بمثابة الحركة في المكان

في هذا النموذج، يحوّل المنفلوطي الزمن من مسار خطّي مألوف إلى تجربة مضطربة ومعكوسة، حيث تتوقّف الذات عن الانسجام مع تدفّق الأحداث، فتغوص في لحظة ساكنة من الفراغ والعزلة، مُظهرة شعورا بالاغتراب والانفصال عن العالم: «وأرى الدنيا كأنّها عادت إلى عصرها الأول، لا يسكنها إنسان، ولا يخطر بها حيوان، وكأنّني فيها آدمها يندب جنته، ويشكو وحدته» (المصدر نفسه، ص 386).

في هذا القول، يحوّل المنفلوطي الاستعارة الوضعية للزمن بمثابة خط متّصل، يسير إلى الأمام، إلى تجربة متمردة، حيث يعود الراوي إلى فجر التاريخ كآدم الأوّل في عالم مهجور، مجسّدا العزلة والفراغ الوجودي. تتحوّل الاستعارة هنا من بنية وضعية، تقرّر المعنى إلى بنية إبداعية، تثير التأمل الفلسفي في طبيعة الزمن ومكان الإنسان فيه. أسلوبياً، يبرز استخدام أدوات التأكيد "كأنّ"، والجمل القصيرة والمتراصّة، والتكرار المدروس، واللحن الشعري، ما يمنح النص هوية أدبية فريدة.

4ـ4. التوليف[18]

وفقا لنظرية الاستعارة المفهومية للايكوف وتورنر، يُقصد بالتوليف الاستعاري ربط المجال الهدف بأكثر من المجال المصدر في آنٍ واحد، بحيث تتداخل المجالات المختلفة لتشكيل بنية استعارية مركبة، تنتج دلالات جديدة، وتتيح رؤية إبداعية متعددة الأبعاد (1399ﻫ.ش، ص 12).

وفي هذا الأسلوب، يوظّف المنفلوطي هذا النوع من التوليف لتقديم خطاب أدبي غني بالمعاني وتأملي متعدد الطبقات.

4ـ4ـ1. القصر بمثابة نجم متلألئ، وعقاب محلّق، وقُرط في أذن الجوزاء، وأذن مصغية لأسرار النجوم، وأبراج تستقبل الشمس والقمر

تتجلّى في هذا المقطع من النظرات براعةٌ أسلوبية لدى المنفلوطي في بناء استعارة مفهومية مبتكرة، حيث يمزج بين الصور الكونية والطبيعية والإنسانية في المجال المصدر؛ ليخلق تصويرا حسّيا وبصريا متلألئا لقصر شامخ في قلب روضة غنّاء في المجال الهدف: «قصرا فخما، يتلألأ في تلك البقعة الخضراء تلألؤ الكوكب المنير في البقعة الزرقاء، ويطاول بشرفاته الشمَّاء أفلاك السماء، كأنّه نسرٌ محلِّقٌ في الفضاء، أو قُرطٌ مُعَلَّق في أذن الجوزاء، وكأنّ شرفاته آذانٌ تُفضِي إليها النجوم بالأسرار، وطاقاتِه أبراجٌ تنتقل فيها الشموس والأقمار» (المصدر نفسه، ص 79).

يعيد المنفلوطي تشكيل البنية المعمارية للقصر بصريا وسمعيا في هيئةٍ لا تُنسى، ككوكبٍ متألّقٍ في سماءٍ زرقاء. تتجلّى شرفاته بمثابة نسرٍ محلّقٍ في الفضاء، وبمثابة قرطٍ معلّقٍ في أذن الجوزاء، وبمثابة آذانٍ تفضي إليها النجوم بأسرارها؛ أمّا طاقاته، فتبدو بمثابة أبراجٍ، تتحرّك فيها الشمس والقمر. يبتكر بذلك استعاراتٍ مفهوميّةً جديدةً، تنتمي إلى نوعي التجسيم والتشخيص، حيث تُمنح الأشياء غير الحيّة صفاتٍ حسّيةً أو حيّة. يعتمد المنفلوطي على عناصر كونية وطبيعية؛ ليُضفي على القصر إحساسا بالعلو والغموض والعظمة، ويمتزج في أسلوبه البصر بالسمع وسائر الحواسّ. فالصورة لا تُرى فحسب، بل تُدرَك وتُسمَع أيضا. ومن خلال الجمع بين العناصر الساكنة كالبستان والعناصر الديناميكية كالتحليق وحركة الأفلاك، يخلق توليفةً، تجمع بين السكون والحياة، وتمكّن المتلقّي من اختبار عالمٍ مفعمٍ بالرقة والخيال، على المستويين العقلي والوجداني معا. وهكذا، يتجاوز التصوير الاستعاري مجرّد نقل المعنى؛ ليُنتج لذّةً أدبيّة، ويُبدع فضاءً جماليا متعدّد الأبعاد، تتداخل فيه الحواسّ والصور والمشاعر في إطارٍ أسلوبي غني بالابتكار والتخييل.

4ـ4ـ2. النجمة بمثابة عروسٍ تُشرِف من نافذةٍ أو ملكٍ جالسٍ على عرشه، والنجومُ بمثابة قلائدَ من جُمانٍ، والنيراتُ بمثابة حورٍ أو فصٍّ من ألماسٍ، والأفقُ بمثابة حلقةِ نورٍ أو مرآةٍ صافيةٍ، والهالةُ بمثابة إطارٍ أو عينٍ ثرّةٍ، والأشعةُ بمثابة أنهارٍ جاريةٍ أو تنّورٍ مسجورٍ، والكواكبُ بمثابة شررٍ متألّقٍ ...

يتجلّى في هذا المقطع من النظرات، توظيفٌ بديع لاستعاراتٍ مفهوميةٍ مبتكرة، تجمع بين الاستعارة الوجودية من نمطي التجسید والتشخيص، والاستعارات التصويرية التي تتكامل فيما بينها؛ لتشكّل نسقا تخييليا متماسكا لتصوير النجم والعناصر المحيطة به: «أيها الكوكب المطل من علياء سمائه، أأنت عروسٌ حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمانٍ، أم ملك عظيم جالس فوق عرشه؟ وهذه النيرات حورٌ وولدان أم فصٌّ من ماسٍ يتلألأ، وهذا الأفق المحيط بك خاتمٌ من الأنوار أم مرآة صافية؟ وهذه الهالة الدائرة بك إطارٌ أم عينٌ ثرَّةٌ ثجَّاجةٌ وهذه الأشعة جداول تتدفق أم تنُّور مسجورٌ؟ وهذه الكواكب أشررٌ يتألق؟» (المصدر نفسه، ص 47).

يعيد المنفلوطي بناء مفهوم النجم، عبر شبكةٍ من الاستعارات المتعدّدة الحقول؛ فيجعله كائنا حيّا نابضا بالحياة. يُجسّده بمثابة "عروسٍ حسناء تُطلّ من نافذة قصرها" أو بمثابة "ملكٍ مهيبٍ يجلس على عرشه"، مستندا إلى مجالاتٍ إنسانية، تعبّر عن الجلال والسموّ. كما يُفعّل مجال الزينة والمجوهرات، حين يعيد تشكيل النجوم المبعثرة بمثابة "قلائد من جُمان"، ومجال الكائنات السماوية، حين يجسّد النيرات بمثابة "حورٍ وولدان" أو "فصٍّ من ماسٍ يتلألأ"، ومجال الأدوات المادّية، حين يُصوّر الأفق بمثابة "خاتمٍ من الأنوار" أو "مرآةٍ شفّافة". وتظهر الهالة في سياقٍ، يجمع بين المادية والحيويّة؛ إذ تُصوَّر بمثابة "إطارٍ" أو "عينٍ ثرّةٍ ثجّاجة"، فيما تُقدَّم الأشعة بمثابة "جداول تتدفّق" أو "تنّورٍ مسجورٍ"، والكواكب بمثابة "أشررٍ يتألق" في ليلٍ كوني ساكن.

يُبرز هذا البناء الاستعاري براعة المنفلوطي في توظيف مجالات المصدر الحية والحركية، لتوصيف ظواهر طبيعية ساكنة، محوِّلًا السماء إلى فضاءٍ نابضٍ بالحركة والحياة. فاختياره لمجالاتٍ إنسانيةٍ كالعروس والملك، وسماويّة كالحور والولدان، وماديّةٍ كالفصّ والمرآة، يُنتج شبكةً دلالية غنيّة، تعيد إلى العناصر الطبيعية معناها الإنساني والحسي في آنٍ واحد. ويجسّد هذا التوليف الاستعاري ظاهرة التوليف الحسيّ، حيث تتفاعل الحواسّ بصريا وسمعيا ووجدانيا، فتُبصر الصورة وتُسمع وتُحَسّ معا، فينشأ فضاءٌ تخييلي، يعبّر عن الجمال والسموّ والسكينة.

ومن الناحية الأسلوبية، يوظّف المنفلوطي أسلوب الاستفهام المتكرر المقرون بتجاهل العارف، لإقامة تواصلٍ تفاعلي بين النصّ والمتلقي. فهذه الأسئلة لا تطلب إجابةً، بل تستدعي مشاركةً وجدانية وتأمليّة، وتفتح أفقا من الاحتمالات التخييلية. وهكذا، يضفي للاستفهام التخييلي بعدا من الغموض والانفتاح، ويعمّق الإحساس بالزمن الكوني والسكينة الممتدّة في ليل السماء؛ لتتضافر البنية التصويرية والبنية الأسلوبية في إنتاج جمالياتٍ استعاريةٍ، تُجسّد عظمة الكون، وتحوّل التأمل فيه إلى تجربة إدراكية ووجدانية متكاملة.

4ـ4ـ3. الشَّعر الأبيض بمثابة سيف مسلول من غمد القدر، وعلمٌ ينبئ بالموت، وجمرةٌ متقدة في محرقة الحياة

يتمثّل في هذا النموذج توليفٌ متعدّد الحقول للاستعارة المفهومية الإبداعية؛ إذ يعيد المنفلوطي بناء تصوّر الشعرة البيضاء، لا بوصفها مجرّد علامةٍ على الشيخوخة، بل بمثابة رمزٍ وجودي عميق، يجسّد مواجهة الإنسان لحقيقة الفناء والزوال. يربط الكاتب مجال الهدف الشعرة البيضاء بثلاثة مجالات مصدر رمزية متراكبة، تنتمي إلى الاستعارة الوجودية بنوعيها المادي والتشخيصي، إضافةً إلى استعاراتٍ تصويرية حسّية متداخلة: بمثابة سيفٍ مسلولٍ من غمد القضاء يُجسّد حتميّة القدر وسلطته القاطعة، وبمثابة علمٍ أبيضَ في يدِ رسولٍ غيبي، يُنذر باقتراب الأجل، ويُضفي طابعا نذيريا، وبمثابة جذوةِ نارٍ مشتعلةٍ في أطراف الحياة، تعبّر عمّا تبقّى من شرارة الوجود وسط الاحتراق التدريجي: «رأيت الشعرة البيضاء في فَوْدَيَّ، كأنما خُيِّلَ إليَّ أنّها سيفٌ جرَّده القضاء على رأسي، أو عَلمٌ أبيض يحمله رسولٌ جاء من عالم الغيب ينذرني باقتراب الأجل، أو جذوة نار علقت بأهداب حياتي عُلوقَها بالحطب الجَزْل» (المصدر نفسه، ص 113).

تُنتج هذه البنية الاستعارية نسقاً شعوريا نابضا بالتوتّر والخوف والرهبة، يجسّد تجربةً إنسانية شاملة في مواجهة مرور الزمن وحتميّة الموت. فالصورة بمثابة مرآةٍ داخلية، تعكس إحساسا عميقا بالقلق والتسليم، وتُبرز خلفها مخاوف الانهيار والقبول الحتمي للنهاية، مع بقاء جذوةٍ حيّةٍ، تتوهّج في زوايا الحياة.

ويمتاز النص ببنية أسلوبية موسيقية دقيقة، تُوظَّف فيها الإيقاعات الداخلية والتناسق اللفظي والدقّة النحوية، لخلق انسجامٍ بين المعنى والصورة وتعزيز الأثر العاطفي في المتلقّي. كما يبرز توظيف أدوات التأكيد، مثل: "كأنّما" والتكرار، في ربط مجالات الهدف بالمجالات المصدر، مما يعمّق واقعيّة الصورة، ويثبّت حضورها الذهني في وعي القارئ؛ فتغدو صورُ الشعرة البيضاء حيّةً وراسخةً لا تُنسى. وبهذا، يقدّم المنفلوطي رؤيةً فلسفيةً وشاعريةً عن الحياة والموت، مستعيناً بالاستعارة المؤلَّفة المتعدّدة الأبعاد لإضفاء عمقٍ وجداني ومعرفي على تجربة الزمن والوجود الإنساني، ضمن إطارٍ بلاغي غني بالرمزية والتأمّل.

4ـ4ـ4. الشعر الأبيض بمثابة القوة المهاجمة في ساحة معركة رأس الشباب

يبرز في النموذج الآتي توظيفٌ إبداعي لاستعارات مفهومية بنيوية ووجودية من نوعي التشخيص (الأنسنة) والتشييء (المادّية)، حيث يعيد المنفلوطي تشكيل تجربة الشيخوخة، لا بوصفها مجرّد تحوّل بيولوجي، بل بمثابة مأساة نفسية وصراعٍ داخلي، يتّخذ هيئة معركةٍ رمزية: «أيتها الشعرة البيضاء! قد أشعلت في هذه البيئة الهادئة المطمئنة حربا شعواء، وفتنة عمياء، يختلط فيها الرامح بالنابل والدارع بالحاسر، ويَهلِكُ فيها القاعد والقائم، والمظلوم والظالم» (المصدر نفسه، ص 114).

يُبرز هذا البناء الاستعاري براعةَ المنفلوطي في توظيف مجالات المصدر الحية والحركية؛ فيُقدَّم رأس الإنسان في شبابه بمثابة بيئةٍ آمنةٍ ومطمئنّةٍ؛ لكن مع ظهور الشعرة البيضاء، يبدأ السكون بالانهيار، ويُستبدل السلام الداخلي بصراعٍ محتدم. ويُفعّل المنفلوطي شبكةً دلاليةً من التناظرات المفهومية، تربط بين مجال الهدف (الشيخوخة) ومجال المصدر (الحرب): فالشيخوخة بمثابة حربٍ، ورأس الإنسان في شبابه بمثابة ساحةِ المعركة، وبدايةُ الشيب بمثابة اشتعالِ الحرب، والهدوءُ قبل الشيب بمثابة سلامِ ما قبل المعركة، واضطرابُ التوازن بين الشعرين بمثابة نزاعٍ أعمى ومعركةٍ مشتّتة.

ويُجسَّد الشعرُ الأبيض بمثابة القوّات المُعتدية المهاجمة، والظالمِ الغالب المنتصر، وبمثابة الرامحِ والدارع (المتسلّح)، فيما يُصوَّر الشعرُ الأسود بمثابة القوّةِ المدافعة، والضعيفةِ المظلومةِ المغلوبة، وبمثابة النابلِ والحاسر (دون درعٍ أو حماية). وتُفعّل هذه الشبكة الاستعارية بنيةً تصويريةً ديناميكيةً، تجسّد التوتّر النفسي، وتمتاز بجمالية لغوية رفيعة، تتجلّى في التوازي اللفظي والموسيقى الداخلية، مما يعزّز التأثير العاطفي، ويحوّل التجربة الفردية إلى سردٍ استعاري عميقٍ، يُعبّر عن التوتر الوجودي في إطارٍ بلاغي غني بالرمزية والتخييل.

يعرض الجدول نماذج الاستعارات المفهومية الإبداعية في النظرات التي استخدم فيها المنفلوطي التوليف الاستعاري لربط مجال الهدف بمجالات مصدر غير مألوفة؛ فتتجاوز الأنماط الوضعية، وتعيد تشكيل الإدراك المفهومي. تتميّز هذه الاستعارات بتوظيف الطبيعة الساكنة والديناميكية، وأنسنة غير العاقل أو تحويل المجرّد إلى كيان محسوس، بهدف تجسيد المفاهيم الذهنية المعقدة وجعلها قابلة للإدراك الحسي والتصور العقلي، مما يعمّق البنية الإدراكية للنص، ويزيد فاعليته التواصلية والمعرفية.

الجدول ٤: نماذج من الاستعارات التوليفية في القصص المختارة من النظرات

النماذج

نوع الاستعارة

المجال الهدف

المجال المصدر

الصفحة

وتمثّلت لي جرائمي في غَشيتي، كأنمّا هي وحوشٌ ضارية، وأَساود ملتفَّةٌ، هذا ينشب أظافره وذاك يحدد أنيابه.

الأنطولوجية

التشخیص

الجرائم

الضواري المفترسة التي فتحت مخالبها، وأساود الملتوية التي تسنّ أنيابها

130

وأنشأ في كبرى ساحاته وأوسع باحاته صِهريجا من المرمر مستديرا، يضم بين حاشيتيه فوَّارة، ينفر منها الماء صُعُدا، كأنه سيف مجرّد، أو سهمٌ مسدّد، فَيُخَيَّلُ إلى الرائي أنَّ الأرض تثأر لنفسها من السماء، وتتقاضاها ما أراقت منها من الدماء، تلك تقاتلها بالرجوم والشهب، وهذه تحاربها بالسهام والقُضُب. وغرس حول دائرة الصهريج دوائر من شجراتٍ مؤتلفاتٍ ومختلفات، وأغصانٍ صنوانٍ وغير صنوان، إذا رنَّحتْها نسائمُ الأسحار رقصت فوق بساط الأزهار وتحت ظلال الأثمار، فغنّت على رقصها الأطيار غناء الأغاريد لا غناء الأوتار، وصحافٍ من ذهبٍ كاللهب، وأكواب من بلورٍ كالنور.

الأنطولوجية

المادیة

التشخیص

1ـ النافورة

2ـ الأرض

 3ـ السماء

4ـ الأشجار الدائرية

5ـ نسیم الفجر

6ـ زقزقة العصافير

7ـ الصحون الذهبية

8ـ الكؤوس البلورية

 

1ـ سيف مجرد وسهمٌ مسدد

2ـ إنسان تثأر لنفسها من السماء، وتتقاضاها ما أراقت منها من الدماء

3ـ إنسان یقاتل الأرض بالرجوم والشهب

4ـ بشر یرقصون

5ـ إنسان يُرقص الأشجار

6ـ نغمة موسيقية (غناء الأوتار)

7ـ لهب نار

8ـ نور

 

79

أيتها الشعرة البيضاء! أنك من ذوات الحيلة والدهاء والكيد والخبث، وأنك تهمسين في آذان أخواتك السُّودِ اللواتي بجانبك، تحاولين إغراءهن بالتشبه بك والتردِّي بردائك.

الأنطولوجية

التشخیص

1ـ الشعرة البیضاء

2ـ الشعرة السوداء

3ـ ابيضاض الشعر الأسود

 

1ـ الإنسان الماكر والمخادع والداهي والخبیث والموسوس

2ـ أخوات الشعر الأبيض اللاتي وقعن تحت تأثير وساوس الشعر الأبیض

3ـ ارتداء عباءة الشعر البيضاء

114

يُظهر المخطط التالي مدى استخدام المنفلوطي لكلّ آلية من آليات نظرية لايكوف وتورنر في إعادة بناء استعارات مجموعة النظرات، مع توضيح نسبة مساهمة كل آلية من إجمالي 73 استعارة.

المخطط ١: تواتر الاستعارات الإبداعية في القصص المختارة من النظرات

الخاتمة

أظهرت الدراسة الأسلوبية المعرفية للاستعارات المفهومية الإبداعية في القصص المختارة من النظرات، أنّ المنفلوطي تميّز بقدرةٍ لافتة على الإبداع اللغوي والمعرفي؛ إذ لم يقتصر على ابتكار استعاراتٍ جديدة، بل اعتمد على توظيف آليّات التوسيع، والتدقيق، والتشكيك، والتوليف، لإعادة بناء الاستعارات الوضعية وتطويرها من بنيتها التقليدية إلى بنيةٍ مفهوميةٍ إبداعية أكثر فاعلية في بناء المعنى وتوسيع الحقول الإدراكية.

وقد أسهمت هذه العمليات الأسلوبية–المعرفية في تعزيز القيمة الجمالية والتعبيرية للاستعارات؛ ليقدّم المنفلوطي نموذجا سرديا، يعكس وعيا أسلوبيا متقدّما وقدرةً خلّاقة على إعادة إنتاج المعنى داخل سياقاتٍ أدبية حديثة. كما تُبرز هذه النتيجة أنّ الاستعارة لدى المنفلوطي لا تُمارَس، بوصفها أداةً جمالية فحسب، بل بوصفها آليةً معرفيةً منظِّمةً للتجربة الإنسانية، تسهم في توجيه الفهم وإعادة تشكيل الرؤية الفكرية للقارئ.

وكشفت الدراسة أنّ نسبةً كبيرةً من استعارات المنفلوطي تندرج ضمن النمط الأنطولوجي، بما يشمل الاستعارات التجسيدية والتشييئية، إلى جانب استعاراتٍ تصويريةٍ حسية ذات طابعٍ إدراكي واضح. وقد برزت قدرة المنفلوطي على إعادة صياغة البُنى الثقافية السائدة، من خلال قلب الدلالات الرمزية المألوفة، وتفكيك الصيغ اللغوية النمطية، وإحداث انزياحٍ إدراكي في التوقّعات الاستعارية، مما أفضى إلى خلق صورٍ جديدة، تعبّر عن رؤيته النقدية للواقع الاجتماعي والثقافي، ولا سيّما ما يتّصل بمكانة المرأة في المجتمع العربي. وتكشف هذه الاستعارات عن بنيةٍ معرفيةٍ واعية، تعيد بناء العلاقة بين اللغة والوعي والفكر والواقع، في إطار رؤيةٍ إصلاحية إنسانية، تسعى إلى تجديد الوعي الثقافي في سياقات الأدب العربي الحديث. وتدلّ هذه النتائج على أنّ الاستعارة الأنطولوجية تؤدّي وظيفة خطابية إصلاحية؛ إذ تُسهم في مساءلة التصوّرات الثقافية الراسخة والتأثير في الوعي الجمعي، لا سيّما في القضايا الاجتماعية الحسّاسة.

كما بيّنت النتائج أنّ من أبرز الخصائص الأسلوبية للاستعارات الإبداعية في النظرات هو توظيف العناصر الطبيعية الساكنة والمتحرّكة، إلى جانب الأجرام الكونية، في المجال المصدر بتواترٍ عالٍ. ويتعمّد المنفلوطي، بدقّةٍ في التفاصيل، توظيف الصور الملموسة والمحسوسة، لتجسيد المفاهيم المجرّدة، مع حضورٍ واضحٍ للنزعة الشعرية، والتوازن الإيقاعي بين المفردات، والاختيار الدقيق للألفاظ ذات التناسق الدلالي، فضلا عن التكرار، والتضادّ، والمفارقة، والسجع، بوصفه آليةً إيقاعيةً تعبيرية، إضافةً إلى التنويع التركيبي بين الجمل القصيرة المكثّفة والجمل الطويلة الوصفية. وتُبرز هذه العناصر الخيال الإبداعي الغني لدى المنفلوطي، وتسهم في تشكيل نصّ تخييلي مؤثّر، يحمل دلالاتٍ فلسفية واجتماعية، ممّا يجعل أسلوبه فريدا ومتميّزا. كما تشير هذه السمات إلى اختلاف وظيفة الاستعارة باختلاف البنية النصية؛ إذ تميل في المقاطع السردية إلى تعميق الأثر الوجداني؛ بينما تؤدّي في المقاطع الفكرية وظيفةً تفسيريةً وحجاجية، تعزّز البعد الإقناعي للنصّ.

وأظهر التحليل الكمّي للاستعارات الإبداعية، أنّ الاستعارات الإبداعية المحضة تتصدّر من حيث التواتر بنسبة 32٪ (23 استعارة من مجموع 73 استعارة). في المقابل، كانت 50 استعارة أخرى أشكالا من الاستعارات المُعاد إنتاجها من الاستعارات الوضعية باستخدام الآليّات المختلفة: التوليف 22٪ (16 استعارة)، والتوسيع 19٪ (14 استعارة)، والتدقيق 16٪ (12 استعارة)، والتشكيك 11٪ (8 استعارات). وتشير هذه الأسبقية الواضحة للاستعارات الإبداعية المحضة إلى قدرة المنفلوطي العالية على الابتكار اللغوي والمعرفي وإبداع صور ومفاهيم جديدة، تعكس وعيه الأسلوبي والفني، وتمنحه حريّة أكبر في بناء المعنى وإيصال رؤيته النقدية والاجتماعية بفعالية، مع تعزيز حضوره المتميّز في تطوّر الأدب العربي الحديث.

 

[1]. George Lakoff

[2]. Mark Johnson

[3]. Metaphors We Live By

[4]. Beyond Cool Reason: A Field Guide to Metaphor

[5]. Cognitive Stylistics

[6]. Cognitive Metaphor

[7]. The contemporary theory of metaphor

[8]. Source Domain

[9]. Target Domain

[10]. Structural Metaphor

[11]. Ontological Metaphor

[12]. Orientational Metaphor

[13]. Conventional Metaphors

[14]. Unconventional Metaphors

[15]. Expansion

[16]. Elaboration

[17]. Questioning

[18]. Blending

  • أ. العربیة

    بن ­دحمان، عمر. (2012م). الاستعارات والخطاب الأدبي: مقاربة معرفیة معاصرة. أطروحة الدکتوراه. جامعة مولود ـ الجزائر.

    عبد العزیز، عبد العزيز صابر. (2020م). «الاستعارات الإدراکیة ودورها في الخطاب السیاسي: خطاب شيخ الأزهر في مؤتمر الأزهر العالمي للسلام نموذجا». مجلة الدراسات العربیة. ع 45. ص 1 ـ 27.

    كرتوس، جميلة. (2011م). الاستعارة في ظل النظرية التفاعلية: لماذا ترکت الحصان وحيدا لمحمود درويش أنموذجا. رسالة الماجستير. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة مولود معمري تيزوزو ـ الجزائر.

    لايكوف، جورج. (2005م). حرب الخليج أو الاستعارات التي تقتل. ترجمة عبد المجيد جحفة وعبد الإله سليم. الدار البيضاء: دار توبقال.

    ــــــــــــــــ؛ ومارك جونسون. (2009م). الاستعارات التي نحیا بها. ترجمة عبد المجید جحفة. ط 3. الدار البیضاء: دار توبقال.

    المنفلوطی، مصطفی لطفی. (2014م). النظرات. بيروت: دار الكتب العلمية.

     

    • الفارسیة

    حاجى‌زاده، مهين؛ و على خالقى. (1393ﻫ.ش). «بازتاب موضوعی قرآن کریم در آثار مصطفی لطفی منفلوطی». مجله علوم قرآن و حدیث. د 46. ش 1. ص 41 ـ 63.

    حسينی، محمدباقر. (1390ﻫ.ش). «نقدی بر زن از نگاه منفلوطی و آل احمد». ادب عربی. د 3. ش 3. ص 281 ـ 306.

    فتوحی، محمود. (1391ﻫ.ش). سبك‌شناسی: نظریه‌ها، رویکردها و روش‌ها. تهران: سخن.

    قائمی، مرتضی. (1397ﻫ.ش). درآمدی بر نظام مفهوم­سازی استعاری در نهج البلاغه. همدان: دانشگاه بوعلی سینا.

    كوفيتش، زولتان. (1393ﻫ.ش). مقدمه­ای کاربردی بر استعاره. ترجمه شيرين پورابراهيم. تهران: سمت.

    ــــــــــــــــ. (1394ﻫ.ش). استعاره در فرهنگ جهانی­ها و تنوع. ترجمه نيكتا انتظام. تهران: سياهرود.

    ــــــــــــــــ. (1395ﻫ.ش). استعاره­ها از کجا می­آیند، شناخت بافت در استعاره. ترجمه جهانشاه ميرزا​بيگی. تهران: آگاه.

    لايكوف، جورج؛ و مارك تورنر. (1399ﻫ.ش). فراسوی عقل سرد: راهنمای تخصصی استعاره. ترجمه مونا بابایی. تهران: نويسه پارسی.

    ــــــــــــــــ؛ و مارك جانسون. (1383ﻫ.ش). استعاره­هایی که با آن زندگی می­کنیم. ترجمه هاجرآقاابراهيمی. طهران: آگاه.

    نعمتى قزوينى، معصومه؛ و نرگس انصارى. (1394ﻫ.ش). «نقد اجتماعى و فرهنگى ديدگاه­هاى آل احمد و منفلوطى در ارتباط با مسائل زنان». مجله زن در فرهنگ و هنر. د 7. ش 2. ص 269 ـ 293.

     

    ج. اللاتينية

    غاوینز وأوستین

    Gavins, Joanna; & Gerard Steen. (2003). Cognitive poetics in practice. London: Psychology Press.

    جفریز ومك‌اینتایر و بوسفیلد

    Jeffries, Lesley; Dan McIntyre, & Derek Bousfield. (2007). Stylistics and social cognition. Amserdam: Rodopi.

    كرتوس

    Kurtos, Jamila. (2011). Metaphor in the Light of Interactive Theory, Why Did You Leave the Horse Alone by Mahmoud Darwish as a Model. Master’s Thesis. Faculty of Arts and Humanities. Mouloud Mammeri Tizouzou University. Algeria.

    سیمینو وکالببر

    Semino, Elena; & Jonathan Culpeper. (2002). Cognitive stylistics: Language and cognition in text analysis. Amsterdam: John Benjamins Publishing.

    ستوکول

    Stockwell, Peter. (2002). Cognitive stylistics. London: The Routledge handbook of language and creativity.